×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دعوة الهدى إلى الورع في الأفعال والفتوى / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٤ فارغة
كتاب دعـوة الهـدى للشيخ محمّـد جواد البلاغي (ص ١ - ص ٢٣)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

الإهــداء..


      إلى كلّ من يبحث عن الحقيـقـة..

٥

مقدمة التحقيق

بسـم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيّنا محمّـد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

قد يَعجب القارئ من إعادة طبع هذا الكتاب، ولكن لو عرف السبب بطل العجب كما قيل، ولو لم أعثر على هذا الكتاب القيّم ـ وربّ صدفة خير من ميعاد ـ لتطوّعت لإملاء وطبع كتاب بهذا المحتوى، ولهذا الغرض.

أقـول: من نِعم الله علَيَّ أن وُفّقت للحجّ أكثر من عشرين مرّة، ولكن يا لهول ما رأيت! ويا لفظاعة ما سمعت! فقد كنّا نخضع في المطارات السعودية ـ في جدّة، أو في المدينة المنوّرة ـ لتفتيش دقيق، وقد يعتذرون عن ذلك بأنّه حفاظاً على جموع الحجيج الوافدة من شرّ أُولئك الّذين يريدون الوقيعة بضيوف الرحمن!

٦
ولكنّ الأدهى والأنكى والأمرّ إذا عثر الرقيب " المفتّش " على كتاب في مناسك الحجّ، أو كتاب دعاء، بل وحتّى لو كان مصحفاً شريفاً، فالويل لهذا الذي وُجد في رَحلِه! حتّى إنّ هذا المفتّش كان يقول: " مصاحفكم محرّفة "!

فشعار المطار مصادرة أيّ مطبوع، بل مخطوط، بحجّة أنّ ذلك حفاظ على فكر المواطن من الإضلال.

قلتُ لأحدهم: في مكتباتكم كتب لشيوعيّين معروفين! وفي جامعاتكم دكاترة شيوعيّون! فماذا يجدي منع كتاب؟!

علّموهم الرأي والرأي الآخر، درّسوهم علم الكلام، لقّنوهم الحجّة والبرهان، وبذلك يكونون قد اكتسبوا مناعة ضدّ الأهواء الضالّة المضلّة.

أمّا مصادرة النتاج الفكري، ومصادرة الحرّيات بما يتنافى مع القيم الإنسانية، التي هي إحدى بنود حقوق الإنسان، والتي من جملتها: " تحريم استعمال القوّة، وتحريم العدوان، وحلّ المشاكل بالمفاوضة، أو بالجدال بالتي هي أحسن... واحترام الرأي والرأي الآخر، وحرّية النشر للكتاب والصحافة، وعدم متابعة المخالف في الرأي، والكفّ عن إزعاجه بأيّ وسيلة "(١).

١- صحيفة الشرق الأوسط، العدد ٧٢٠٩، الصادر في ٢ / ٩ / ١٩٩٨، عبد الهادي أبو طالب.

٧
وهذه قيم إنسانية بدون أيّ شكّ، لكن هي في ذات الوقت قيم إسلامية.

قال الأُستاذ عبد الهادي أبو طالب: " أرجوكم أن تحترموا الرأي الآخر، لا تغتالوه ولا تصادروه، إنّكم بذلك تمجّدون قيم الإسلام الخالدة، وترفعون عن أُمّة الإسلام وصمة العار، عار التعصّب والتطرّف والعنف والإكراه في الدين "(١).

فلو رأيتم كيف يستقبل أفواجَ الحجيج على مداخل المملكة العربية السعودية، خطباءُ الجمعة والجماعة وقد أعدّوا لموسـم الحجّ العدّة؟! عـدّة لا للدعوة إلى الوحدة الإسلامية، ولا للدعوة إلى رأب الصدع، ورتق الفتق، ولمّ الشمل..

بل يستقبلون ضيوف الرحمن بدل الترحيب والتكريم بالتكفير تارةً! ورميهم بالشرك أُخرى! وليس هذا في مداخل القطر فقط، بل أخذوا على أنفسهم ـ وكأنّما يوحي بعضهم إلى بعض ـ أن يكون ذلك في كلّ المساجد، فإن لم يكن في كلّها ففي جلّها، بل وفي كبراها! في حين أنّ من أهمّ منافع الحجّ هو الدعوة للوحدة الإسلامية.

ولكن ـ ويا للأسف! ـ فإنّ هؤلاء الخطباء ينظرون إلى

١- صحيفة الشرق الأوسط، العدد ٧٢٠٩، الصادر في ٢ / ٩ / ١٩٩٨، عبد الهادي أبو طالب.

٨
الحجيج الّذين قد يزيد عددهم على مليونين ونصف مليون مسلم ـ والّذين هم خلاصة مليار مسـلم ـ، يعتقد هؤلاء الخطباء ـ في الأراضي المقدّسة ـ أنّهم يخرجون من دين الله أفواجاً ; وذلك عندما يقصدون المراقد المقدّسة في الحجون، أو بقيع الغرقد، بل وحتّى مرقد الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومراقد أُولئك العظام الّذين حملوا الإسلام العظيم إلى الدنيا، وجاهدوا في سبيل الله حقّ جهاده، بأموالهم وأنفسهم، لإعلاء كلمة الحقّ، ودحض كلمة الباطل، وتظلّ الملاحقة والرمي بالكفر والشرك في أكثر المواقع الشريفة، وهم يتلون في العشـيّ والإبكار: ( فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحـجّ )(١).

إنّ أُولئك الخطباء وأئمّة المساجد في الحرمين الشريفين يعتمدون في هذا الفكر، والذي يريدون قدر جهدهم أن يقسـروا عليه العالم الإسلامي لو تمكّنوا ; يستندون في ذلك إلى أحاديث مهلهلة تتساقط أمام علمَي الدراية والرجال لضعف السند، ناهيك عن الدلالة، والتي لا دلالة فيها على المطلوب.

ويرون أنّ الأكثر شركاً هو تقبيل المراقد، بل والقصد إلى زيارتها، كما تقدّم، بل وحتّى القصد إلى زيارة مرقد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لحديث: " لا تُشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد:

١- سورة البقرة ٢: ١٩٧.

٩
المسـجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسـجد الأقصى "(١)، بناءً على تفسيرهم من أنّه لا يجوز أن تشدّ الرحال إلاّ إلى هذه المساجد الثلاثة.

وبناءً على هذا، فإن كان الحاجّ جائياً عن طريق المدينة المنوّرة، فلا يجوز له أن يكون قاصداً زيارة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) !

وعلى تقدير صحّة ورود هذا الحديث، فلا يستفاد منه ذلك، بل المعنى: لا تشـدّ الرحال إلى مسـجد من المسـاجد طلباً للثواب إلاّ إلى هذه المساجد الثلاثة، لِما لها من عظيم الفضل، وللصلاة فيها من كبير الأجر.

أمّا إذا التزمنا بتفسيرهم لحرم السفر برّاً وبحراً وجـوّاً، إذ لا بُـدّ من القصد في الجميع(٢).

قال الشيخ محيي الدين النووي: " إذا انصرف الحجّاج والمعتمرون فليتوجّهوا إلى مدينة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لزيارته،

١- صحيح البخاري ٢ / ١٣٦ ح ٢١٢، صحيح مسلم ٤ / ١٢٦، سنن أبي داود ٢ / ٢٢٢ ح ٢٠٣٣، سنن الترمذي ٢ / ١٤٨ ح ٣٢٦، سنن النسائي ٢ / ٣٧، مسـند أحمـد ٢ / ٢٣٤ و ج ٣ / ٧ و ٣٤ و ٤٥ و ٥١ و ٥٣ و ٧١ و ٧٧ و ٧٨ و ج ٦ / ٧ و ٣٩٧ ـ ٣٩٨، السنن الكبرى ٥ / ٢٤٤ ; وتشـبّث به ابن تيميّة لإثبات معتقده في منهاج السُـنّة ٢ / ٤٤٠.

٢- أفردنا كتاباً في دراسة وتحليل حديث شدّ الرحال.

١٠
فإنّها من أهمّ القربات وأنجح المساعي، وقد روى البزّار والدارقطني بإسنادهما عن ابن عمر، قال: قال رسول الله: من زار قبري وجبت له شفاعتي "(١).

وقال أيضاً: " واعلم أنّ زيارة قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أهمّ القربات وأنجح المساعي، فإذا انصرف الحجّاج والمعتمرون من مكّة استحبّ لهم استحباباً متأكّداً أن يتوجّهوا إلى المدينة لزيارته (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وينوي الزائر مع الزيارة التقرّب وشدّ الرحل إليه والصلاة فيه "(٢).

على أنّ حديث " لا تشدّ الرحال " وضعته السياسة الأُموية على لسان رجلها الأوّل الزهري(٣) لمحاولة يائسة بائسة، وهي تحويل الحجيج إلى بيت المقدس لمّا كانت مكّة والمدينة تحت ظلال عبـد الله بن الزبير.

وكيف تمنح حكومة المملكة العربية السعودية سمة الدخول " الفيزا " لهؤلاء، والمشركون نجس؟! في حين أنّ الصحاح ناطقة بأنّ من قال: " لا إله إلاّ الله، محمّـد رسول الله " كان محرّم المال والعرض والدم!!

بل إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لامَ أُسامةَ بن زيد ورجلا آخر

١- الإيضاح في المناسك:

٢- المجموع ـ شرح المهذّب ٨ / ٢٧٢.

٣- أفردنا كتاباً في دراسة شخصية الزهري.

١١
لقتلهما رجلا قال: " لا إله إلاّ الله " فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لأُسامة: " هلاّ شققت عن قلبه؟! "(١).

ويكفينا ما في صحيح البخاري عن ابن عبّـاس، أنّ رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: " إنّك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعُهم إلى أن يشهدوا أنْ لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّـداً رسول الله، فإنْ هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم وليلة.

فإنْ هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فتُردُّ على فقرائهم.

فإنْ هم أطاعوا لك بذلك، فإيّاك وكرائم أموالهم... "(٢).

وأخرج البخاري في صحيحه في مواضع عدّة، بالإسناد إلى ابن عبّـاس، أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لوفد عبـد قيس لمّا أمرهم بالإيمان بالله: " أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.

١- انظر: دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ ٤ / ٣٠٩ ـ ٣١٠، البداية والنهاية ٥ / ١٦٦.

٢- صحيح البخاري ٢ / ٢٥٦ ح ٩٦ كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء وتردّ في الفقراء حيث كانوا.

١٢
قال: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّـداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس "(١).

وقال الغزّالي: وأُصول الإيمان ثلاثة: الإيمان بالله، وبرسوله، وباليوم الآخر، وما عداه فروع، واعلم أنّه لا تكفير في الفروع أصلا إلاّ في مسألة واحدة، وهي أن ينكر أصلا دينياً عُلم من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتواتر "(٢).

وسئل عليّ (رضي الله عنه)، عن المخالفين له من الفرق: أكفّارٌ هم؟

قال: لا، إنّهم من الكفر فرّوا.

فقيل: أمنافقون هم؟

فقال: لا، إنّ المنافقين لا يذكرون الله إلاّ قليلا، وهؤلاء يذكرون الله كثيراً.

فقيل: أيّ شي هم؟

قال: قوم أصابتهم الفتنة، فعموا فيها وصمّوا(٣).

١- صحيح البخاري ١ / ٣٦ ـ ٣٧ ح ٥٢ كتاب الإيمان / باب أداء الخمس من الإيمان، وانظر: المجالس السنيّة شرح الأربعين النووية: ٩٦ المجلس الثامن ح ٨.

٢- فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة: ٨٦، وانظر: الغلوّ والفرق الغالية في الحضارة الإسلامية: ٧٧.

٣- مصنّف عبـد الرزّاق ١٠ / ١٥٠ ح ١٨٦٥٦، مصنّف ابن أبي شيبة ٨ / ٧٠٧ ح ٧، السنن الكبرى ٨ / ١٧٣، كنز العمّال ١١ / ٢٩٩ ح ٣١٥٦٨، وانظر: مفاهيم يجب أن تصحّح: ٢٠.

١٣
ويؤكّد الشيخ محمّـد حسين آل كاشف الغطاء نفس المقاييس تقريباً فيقول:

" الإسلام والإيمان مترادفان، ويطلقان على معنىً أعمّ يعتمد على ثلاثة أركان: التوحيد، والنبوّة، والمعاد.

فلو أنكر الرجل واحداً منها فليس بمسلم، ولا مؤمن، وإذا دان بتوحيد الله، ونبوّة سيّد الأنبياء محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، واعتقد بيوم الجزاء ـ من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر ـ فهو مسلم حقّاً...

وركن رابـع: وهو العمل بالدعـائم التي بُني عليها الإسـلام، وهي خمس: الصلاة، والصوم، والزكاة، والحجّ، والجهـاد "(١).

ومن هذا نعلم أنّ من شهد الشهادتين، واتّخذ الإسلام ديناً له، فقد حرم دمه وعرضه وماله ; والمسلم أخو المسلم، وقد جعل اللهُ سبحانه وتعالى المسلمينَ في صريح كتابه الكريم إخوة، قال تعالى: ( إنّما المؤمنون إخوة )(٢).

وقال عزّ من قائل: ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا

١- أصل الشيعة وأُصولها: ٢١٠ ـ ٢١١.

٢- سورة الحجرات ٤٩: ١٠.

١٤
تفرّقوا )(١).

وقال سبحانه: ( إنّ الّذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء )(٢).

.. إلى كثير من الآي الكريم في الأُخوّة والأُلفة والاتّحاد، فالمسلمون كالجسد الواحد، يتألّم كلّه بتألّم بعضه، وما أكثر الأحاديث الشريفة، الصحيحة والمستفيضة، التي يندّد فيها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بأُولئك الّذين يرمون أهل كلمة " لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّـداً رسول الله " بالكفر.

ومن ذلك حديث ابن عمر، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: " أيّما امرئ قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال، وإلاّ رجعت عليه "(٣).

وحديث أبي ذرّ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: " من دعا رجلا بالكفر، أو قال: عدوَّ الله، وليس كذلك، إلاّ حار

١- سورة آل عمران ٣: ١٠٣.

٢- سورة الأنعام ٦: ١٥٩.

٣- صحيح البخاري ٨ / ٤٨ ح ١٢٨، صحيح مسلم ١ / ٥٦ و ٥٧ واللفظ له، سنن أبي داود ٤ / ٢٢٠ ح ٤٦٨٧، سنن الترمذي ٥ / ٢٣ ح ٢٦٣٧، مسند أحمد ٢ / ٤٧ و ١١٣، وانظر: مصابيح السُنّة ٣ / ٣١٨ ـ ٣١٩ ح ٣٧٤٤ و ٣٧٤٥.

١٥
عليه "(١).

وحديث أبي قلابة، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: " من رمى مؤمناً بكفر، فهو كقَتْلِه "(٢).

فيجب أن يشيع بينهم التوادّ، والتراحم، والتعاطف وإن اختلفت هويّاتهم وألوانهم ولغتهم.

وقد قيّض الله رجلَ فكر وعلم وعقيدة، وعَلماً من أعلام الأُمّة الإسلامية، إنّه الشيخ محمّـد جواد البلاغي، فقد فنّد فتاوى علماء المدينة بمحاضرة ألقاها على تلامذته في مدينة النجف الأشرف، وقد تطوّع أحد تلامذته مشكوراً ومأجوراً، هو الشيخ محمّـد علي الأُوردبادي، بكتابة هذه المحاضرة والتقديم لها وطبعها بعد ذاك.

وقد كانت هذه الفتاوى كارثة في العالم الإسلامي، وكان ذلك في سنة ١٣٤٤ هـ، الموافق لسنة ١٩٢٥ م، حين استفتى الشيخ عبـد الله بن بليهد، قاضي القضاة في الحجاز، علماءَ

١- صحيح مسلم ١ / ٥٧، مسند أحمد ٥ / ١٦٦، وانظر: مصابيح السُـنّة ٣ / ٣١٩ ح ٣٧٤٦.

وحارَ عليه: أي رجع عليه ; انظر: لسان العرب ٣ / ٣٨٣ مادّة " حور ".

٢- صحيح البخاري ٨ / ٤٩ ح ١٣٠ و ص ٢٣٩ ح ٣٠، وانظر: صحيح مسلم ١ / ٧٣، مسند أحمد ٤ / ٣٤، السنن الكبرى ٨ / ٢٣.

١٦
المدينة، فأجابوا بما ستقرأه، والذي نشرته أكثر الصحف الصادرة آنذاك، ومنها جريدة " أُمّ القرى " في مكّة المكرّمة، وجريدة " العراق " في العـراق..

كان يستفتيهم في جواز البناء على القبور، وتقبيل الأضرحة، والذبح عند المقامات، حيث يتناول الزائرون لها تلك اللحوم.. إلى آخر ما هنالك من الاستفتاءات التي سوف نأتي على ذِكرها.

وما كان يقصد بذلك إلاّ تهيئة الرأي العامّ لِما أرادوا أن يقدموا عليه من هدم المراقد في الحرمين الشريفين ـ بل في كلّ البقاع الإسلامية فيما إذا تمكّنوا منها ـ والمواقع التي احتضنت الإسلام في أيّامه الأُولى، والمعالم التاريخية التي كان يجب أن يحتفظ بها العالم الإسلامي!

فكانت هذه الفتاوى معاول هدم طالت مراقد الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام) في بقيع الغرقد في المدينة المنوّرة، وفي مقبرة المعلّى في الحجون في مكّة المكرّمة، والمراقد الموجودة في الطائف(١).

وقد ضمّ بقيع الغرقد في المدينة المنوّرة عشرة آلاف مرقد

١- الشيعة في المملكة العربية السعودية.

١٧
من مراقد الصحابة، والشهداء، والأئمّـة من أهل البيت (عليهم السلام)، منها: مرقد الإمام الحسـن المجتبى (عليه السلام) سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومرقد الإمام السجّاد زين العابدين عليّ بن الحسين (عليه السلام) ، وابنه الإمام محمّـد الباقر (عليه السلام) ، ثمّ ابنه الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) ، وهم عند عمّهم العبّـاس بن عبـد المطّلب تحت قبّته التي كانت مشادة، وعلى رواية: أنّ هناك مرقد الصدّيقة الزهراء (عليها السلام)، وكذلك مراقد عمّات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وزوجات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عدا السيّدة خديجة الكبرى والسيّدة ميمونة بنت حارثة، وعقيل ابن أبي طالب، وإبراهيم بن رسول الله، والإمام مالك بن أنس، ونافع شيخ القرّاء، وحليمة السعدية مرضعة الرسول.

ودُفن خارج البقيع عثمان بن عفّان، وأبو سعيد الخدري(١).

كما طال الهدم مرقد عمّ الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) حمـزة بن عبـد المطّلب، وغيره من شهداء أُحد، مثل مصعب بن عمير، وجعفر بن شماس، وعبـد الله بن جحش.

وقد امتدّ التدمير إلى مرقد حبر الأُمّة عبـد الله بن عبّـاس في الطائف، وقد كانت عليه قبّة مشادة لا تزال صورتها موجودة على صفحات التاريخ.

١- تيسير الحجّ: ١٦٠، فصول من تاريخ المدينة.

١٨
وعندما امتدّ الزحف العسكري إلى مكّة المشرّفة عمدوا إلى آثارها فدمّروها، وهدموا المراقد الشريفة في مقبرة المعلى في الحجون، فهدموا قبّة عبـد المطّلب جدّ النبيّ الرسول العظيم، ومرقد عمّه أبي طالب.

كما ودخلوا جَدّة فهدموا قبّة حوّاء أُمّ البشرية الأُولى وخرّبوا قبرها(١).

كما وطال الهدم الآثار التي يقتضينا أن نكتحل بترابها كبيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومنزل فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ومنزل حمزة بن عبـد المطلب، ودار الأرقم بن أبي الأرقم، ومكان العريش التاريخي، الذي أشرف منه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على معركة أُحد..

في الوقـت نفسـه نـرى المملكـة العـربية السعودية اليـوم ـ ١٤١٩ هـ / ١٩٩٩ م ـ بدأت تحتفل بذكرى مرور مئة عام على تأسيسها، وراحت تجوس خلال الديار، وتمجّد الآثار، نثراً وشعراً، تشيد الدارس، وتدرس المشيد، بكلّ تكريم وتمجيد، ولا زالت وسائل الإعلام المختلفة تكرّس كلّ جهدها في ذلك، بما لم يحظ به مرقد، ولا إمام أمجد..

وها بين يدَيّ عدد من مجلّة " الفيصل "(٢) نرى فيها

١- قبور أئمّة البقيع قبل تهديمها.

٢- مجلّة ثقافية شهرية تصدر في الرياض، العدد ١٦٩، ذي القعدة ١٤١٩ ـ ١٩٩٩.

١٩
العجب العجاب، فقد نقلت أنّ المملكة قد أنفقت على ما كانت بالأمس تَعدّه وثناً يُعبد من دون الله ملايين الدولارات، وقد شدّوا الرحال إلى الدرعية، العاصمة الدينية الأُولى للمملكة، يتلمّسون بها بصمات صاحب الجلالة الملك عبـد العزيز، والشيخ محمّـد بن عبـد الوهّاب، يعتقدون بذلك شرف الدنيا والآخرة!!

مفاهيم كانوا بالأمس يقاتلون من أجل هدمها، وأنّها شرك بالله العظيم، راحوا اليوم يشمّون ثراها، ويتمسّـكون بعُراها، ويتمسّحون بأعتابها، ويتنسّمون هواءها..

أنا لا أقول: إنّ في ذلك بأساً.. قال الشاعر:


عظيمُ الناس من يبكي العظاماويندبُها ولو كانت عظاما

فالعظيم عِبرة نستلهم من ذِكراه خطّة عمل وبرنامج حياة.

ويقول أنيس منصور: " ذهبت لزيارة غار حراء، وتصوّرت أنّي سأجده مفتوحاً، لكنّي فوجئت به مسدوداً! لأنّ المذهب الوهّابي لا يعترف بقدسية المكان، وإنّما القدسية لله، وربّما البيت الذي وُلد فيه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مكانه الآن ترزي(١) أو مكتبة، لأنّ الوهّابيّين لا يقدّسون الأمكنة، ولذا لا يقولون:

١- أي: خيّـاط.

٢٠