×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

رؤية اللّه في ضوء الكتاب والسنّة والعقل / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٣ فارغة
رؤيـــة اللّـــه في ضوء الكتاب والسنّة والعقل للعلامة الشيخ جعفر السبحاني ص ١ ـ ص ٣٦
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

٤
قال الله تعالى:

(لاَ تُدْرِكُهُ الاَْبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَْبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) .الانعام/١٠٣

وقال تعالى وتقدّس:

(وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلكِنْ أُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) . الاعراف/١٤٣

٥
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه وحده نستعين وعليه وحده نتوكل

والحمد لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسلام على سيد رُسُله، وخاتم أنبيائه وآله ومن سار على خطاهم وتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

يهتم المسلمون اهتماماً كبيراً بالعقيدة الصحيحة لانّها تشكّل حجر الزاوية في سلوكهم ومناراً يضيءُ دروبهم وزاداً لمعادهم.

ولهذا كرّسَ رسُولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الفترة المكيّة من حياته الرسالية نفسه لارساء أُسس التوحيد الخالص، ومكافحة الشرك والوثنية، ثم بنى عليها في الفترة المدنية صَرحَ النظامِ الاخلاقي والاجتماعي والاقتصادي والسياسيّ.

ولهذا ـ ونظراً للحاجةِ المتزايدة ـ رأينا أن نقدّم للاُمةِ الاسلاميّة الكريمة دراسات عقائدية عابرة مستمدَّة من كتاب اللهِ العزيز، والسُنّةِ الشريفة الصحيحة، والعقل السليم، وما اتَّفق عليه علماءُ الاُمةِ الكرام، والله الموفِّق.

معاونيّة التعليم والبحوث الاسلاميّة

٦
٧

تمهيد

سمات العقيدة الاسلاميّة

إنّ للعقيدة الاسلاميّة سمات نذكر منها ما يلي:

١ ـ سهولة العقيدة

للعقيدة الاسلامية صفات متعدّدة، منها: سهولة فهمِها وتعلّمها; لانّها عقيدة شاملة لا تختص بالفلاسفة والمتكلّمين والمفكِّرين، إلاّ أنّ ذلك لا يعني سذاجتها وابتذالها وعدم خضوعها للبراهين العقلية، بل يعني أنها في متانتها ورصانتها وخضوعها للبراهين والادلة، بعيدة عن الالغاز والابهامات، فلو فُسّرت وبُيّنت لفهمها عامة الناس حسب مستوياتهم، فهي بهذه الصفة تخالف ما تتبنّاه نصرانية اليوم والامس، التي أحاطت بها ابهامات في العقيدة وألغاز في الدين، بحيث لم يتيسّر لاحد لحدّ الان حلُ مشاكلها وألغازها، فالمسلم مثلاً إذا سئل عن عقيدته في التوحيد، وعن صفات الله تعالى يقول: (هُوَ اللهُ أَحَد، اللهُ الصَمَد، لَمْ

٨
يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد) .

وقد جاء في الاثر أنّ جماعة من أهل الكتاب سألوا النبي (صلى الله عليه وآله)وقالوا: إنسب لنا ربّك، فنزلت سورة التوحيد(١) .

فالعقيدة الاسلامية في هذا المجال واضحة المفاهيم، جليّة المعالم، لا يكسوها إبهام ولا يسترها لغز، فيخرج المسلم في مقام الوصف وتبيين العقيدة مرفوع الرأس، فللعقيدة براهينها الواضحة، التي يمكن أن يقف عليها كل من درسها.

وأمّا لو سُئل النصراني عن ذلك، فإنه يتلعثم في بيان عقيدته، فتارةً يقول: إنّه واحد وفي الوقت نفسه ثلاثة، ثمّ يضيف أنه لا منافاة بين كون الشيء واحداً وكثيراً.

ومن المعلوم أنّ هذه العقيدة بهذا الابهام والاجمال لا تقبلها الطباع السليمة; إذ كيف تُذْعِن بأنه سبحانه واحد لا نظير له ولا مثيل ولا ندّ، ولكنه مع ذلك له أنداد ثلاثة وأمثال متعدّدة، فهذه العقيدة تناقض أولها آخرَها ويردّ آخرُها أوّلها، فهو سبحانه إمّا واحد لا نظير له وإمّا كثير له أمثال.

وقِسْ على ذلك سائر المواضيع في العقيدة الاسلامية وقابِلْها مع ما تقول سائر الشرائع فيها، ترى تلك الصفة بنفسها في العقيدة الاسلامية ونقيضها في غيرها.

إنّ من العوامل التي ساعدت على سرعة انتشارالاسلام في مختلف الحضاراتوتغلغلهابين الاوساط،اتصافهابسهولة العقيدةويُسرالتكليف.

(١) الطبرسي، مجمع البيان ٥: ٥٦٤.

٩
يقول الاُستاذ الشيخ محمّد محمّد المدني:

يقول الله عزّ وجلّ في حثّ العباد على التفكّر في خلقه وآثاره وما له من تصريف وتدبير: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّموَاتِ وَالاَْرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لاَيَات لاُِولِي الاَْلْبَابِ) ، (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّموَاتِ وَالاَْرْضِ) ، (فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقِ) ، (أُنْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنَعِهِ) ، (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الاَْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) ، (قُلْ سِيرُوا فِي الاَْرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا) ، (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ) .

ويقول الله عزّ وجلّ في وصف نفسه واعلام المخلوقين بأنه فوق ما يعقلون أو يدركون: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) ، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفْواً أَحْد) ، (وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ الْجِنِّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَات بِغَيْرِ عِلْم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّموَاتِ وَالاَْرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء وَهُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم * ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْء فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء وَكِيل * لاَ تُدْرِكُهُ الاَْبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَْبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) .

فالقرآن الكريم لم يأت لنا أبداً بشيء يُفصِحُ عن ذات الله تعالى من حيث الحقيقة والكُنْه، وإنّما هو يُلفِتُ دائماً إلى آثار الله في الخلق والتصريف(١) .

(١) القاهرة، دار التقريب بين المذاهب الاسلامية، مجلة رسالة الاسلام، العدد ٤٩: ٥٠-٥١.

١٠

٢ ـ الاذعان في العقيدة والتعبّد في الاحكام

وهناك أمرٌ ثان نلفت إليه نظر القارئ، وهو الفرق الواضح بين العقيدة والاحكام الشرعية العملية، فإنّ المطلوب في الاُولى هو الاعتقاد الجازم، ومن المعلوم أنّ الاذعان بشيء متوقّف على ثبوت مقدّمات بديهية أو نظرية منتهية إليها حتى يستتبعها اليقين والاذعان، وهذا بخلاف الاحكام الشرعية، فإنّ المطلوب فيها هو العمل وتطبيقها في مجالات الحياة، ولا تتوقّف على القطع بصدورها عن الشارع، وهذا الفرق بين العقائد والاحكام يجرّنا إلى التأكّد من صحة الدليل وإتقانه أو ضعفه وبطلانه في مجال العقائد أكثر من الاحكام، ولذلك نرى أئمة الفقه يعملون بأخبار الاحاد في مجال الاحكام والفروع العملية ولا يشترطون إفادتها القطعَ أو اليقينَ، وهذا بخلاف العقائد التي يُفترض فيها اطمئنان القلب ورسوخ الفكرة في القلب والنفس، فيرفضون خبر الاحاد في ذلك المجال ويشترطون تواتر النص أو استفاضته إلى حدٍّ يورث العلم.

٣ ـ خضوعها للبرهان العقلي

وهناك أمر ثالث وراء هذين الامرين، وهو أنه لا يمكن لايّ باحث إسلامي أن يرفض العقل ويكتفي بالنص إذا أراد أن يعتمد الاُسلوب العلمي في مجال العقيدة; لانّ الاخذ بالنص متوقف على ثبوت أُصول موضوعية مسبقة تتبنّى نبوّة الرسول الاكرم وحجيّة قوله، فما لم يثبت للعالم صانع حكيم، قد بعث الانبياء والرسل بالمعجزات

١١
والبيّنات لهداية الناس، لا تثبت نبوّة الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) وحجيّة كلامه في مجال العقيدة، ولا يمكن أن نعتمد على النصوص وسنّة الرسول في إثبات الصانع ونبوّة رسوله.

وهذا هو الذي يفرض علينا أن نستجيب للعقل، باعتباره العمود الفقري للعقائد التي يبنى عليها صَرح النبوّة المحمديّة (صلى الله عليه وآله)، ولذلك نرى أنّ الكتاب العزيز يثبت هذا الاصل من الاُصول بدلالة العقل وإرشاده، فيستدلّ على أُصول التوحيد بمنطق العقل، ويتكلّم باسم العقل ويقول: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) (الانبياء/٢٢)، فيستدل على توحيده ونفي الالهة المتعدّدة بقضية شرطية، وهي ترتب الفساد في حالة تعدد الالهة.

ويقول سبحانه: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَد وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِله إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ) (المؤمنون/٩١).

ويقول سبحانه: (قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَبْتَغُوا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً) (الاسراء/٤٢).

فالايات الثلاث على اختلافها في الاجمال والتفصيل تستبطن برهاناً مشرقاً خالداً على جبين الدهر.

ويقول سبحانه: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (الطور/٣٥) فيعتمد على الفطرة في إبطال وجود الممكن وتحققه بلا علّة وصانع.

كما نرى أتقن البراهين وأوضحها في إبطال ربوبيّة الاجرام

١٢
السماوية من خلال محاجة ابراهيم الخليل (عليه السلام) مع عبدتها، فيستدل بالاُفول على بطلان ربوبيتها ضمن آيات، قال سبحانه: (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّموَاتِ وَالاَْرْضِ وَلْيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الاْفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لاََكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّموَاتِ وَالاَْرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الانعام/٧٥-٧٩).

فقد بلغ الخليل النهاية في مجال المعرفة على وجه رأى ملكوت السماوات والارض، فأراه سبحانه ملكوتهما، أي كونهما قائمين بالله سبحانه، وما ذلك إلاّ ليكون موقناً ومذعناً لاُصول التوحيد، وما أراه ملكوت السماوات والارض إلاّ بإلهامه البرهانَ الدامغ الذي أثبت به بطلان ربوبيّة الكوكب والقمر والشمس، وانتهى في آخره إلى أنّه لا إله إلاّ هو، وقال بعد ذكر البراهين (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّموَاتِ وَالاَْرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الانعام/٧٩).

فهذه الايات ونظائرها تكشف عن أصل موضوعي في الشريعة الاسلامية وهو أنّ الغاية من طرح الاُصول العقائدية للاذعان بها والوصول إلى اليقين، لا التعبّد بها دون يقين، وهذا يفرض علينا أن نفتح مسامعنا لنداء العقل ودعوته، خصوصاً في الاُصول الاولية التي تُبنى عليها نبوّة النبي الاكرم. فمن حاول تعطيل العقل وأبعده عن ساحة البحث واكتفى بالنص، فقد لعب بورق خاسر، إذ أنّ بديهة العقل تحكم

١٣
أنّ الاكتفاء بالسمع في عامة الاُصول مستلزم للدور، وتوقّف صحة الدليل على ثبوت المدعى وبالعكس.

إنّ رفض العقل في مجال البرهنة على العقيدة ـ من قبل بعض الفرق ـ صار سبباً لتغلغل العقائد الخرافية بين كثير من الطوائف الاسلامية، وفي ظلّ هذا الاصل، أي إبعاد العقل، دخلت أخبار التجسيم والتشبيه في الصحاح والمسانيد عن طريق الاحبار والرهبان الذين تظاهروا بالاسلام وأبطنوا اليهودية والنصرانية وخدعوا عقول المسلمين فحشروا عقائدهم الخرافية بين المحدّثين والسُذَّج من الناس اغتراراً باسلامهم وصدق لهجتهم.

إنّ من مواهبه سبحانه أنه أنار مصباح العقل في كلّ قرن وزمان ليكون حصناً أمام نفوذ الخرافات والاوهام، وليميّز به الانسان الحقَ عن الباطل فيما له فيه حق القضاء، إلاّ أنّ هذا لا يعني أنّ المرجع الوحيد في العقيدة هو العقل دون الشرع، وإنّما يهدف إلى أنّ اللبنات الاولية لصرح العقيدة الاسلامية تجب أن تكون خاضعة للبرهان، ولا تناقض حكم العقل.

وعندما تثبت الاُصول الموضوعية في مجال العقيدة وتثبت في ظلها نبوّة النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله)، يكون كل ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) حجة في العقائد والاحكام، لكن بشرط الاطمئنان بصدورها عن النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله).

وقد خرجنا في هذه المقدّمة الموجزة بثلاث نتائج:

الاُولى: أنّ العقيدة الاسلامية عقيدة سهلة يمكن اعتناقها بيُسر دون تكلّف.

١٤
الثانية: أنّ المطلوب في العقائد هو الاذعان وعقد القلب، وهذا لا يحصل إلاّ بعد ثبوت المقدّمات المنتهية إليه، وليس من شأن أخبار الاحاد خلق اليقين والاذعان ما لم يثبت صدورها عن مصدر الوحي على وجه القطع واليقين، بخلاف الاحكام، فإنّ المطلوب فيها هو العمل تعبّداً.

الثالثة: أنّ الاُصول التي تبنى عليها ثبوت النبوّة لا تثبت إلاّ بالعقل دون الشرع.

ففي ضوء هذه النتائج الثلاث ندرس فكرة رؤية الله تعالى يوم القيامة التي أحدثت ضجة في الاونة الاخيرة، لكن ستقف على حقيقة الامر بإذنه سبحانه.

١٥

١
حقيقة التجسيم والتشبيه والجهة والرؤية

لمّا انتشر الاسلام في الجزيرة العربية، ودخل الناس في الاسلام زرافات ووحدانا، لم يجد اليهود والنصارى المتواجدون فيها محيصاً إلاّ الاستسلام، فدخلوا فيه متظاهرين به، غير معتقدين غالباً إلاّ من شملتهم العناية الالهية منهم وكانوا قليلين، ولكن الاغلبية الساحقة منهم خصوصاً الاحبار والرهبان بقوا على ما كانوا عليه من العقائد السابقة.

وبما أنهم كانوا من أهل الكتاب عارفين بما في العهدين من القصص والحكايات والاُصول والعقائد، عمِدوا إلى نشرها بين المسلمين بخداع خاصّ، وبطريقة تعليميّة، ولما كانت السذاجة تغلب على عامة المسلمين لذا تلقوهم كعلماء ربانيين، يحملون العلم، فأخذوا ما يلقونه إليهم بقلب واع ونيّة صادقة، وبالتالي نشر هؤلاء في هذا الجوّ المساعد كلّ ما عندهم من القصص الانحرافية والعقائد

١٦
الباطلة، خصوصاً فيما يرجع إلى التجسيم والتشبيه وتصغير شأن الانبياء في أنظار المسلمين، بإسناد المعاصي الموبقة إليهم، والتركيز على القدر وسيادته في الكون على كلّ شيء، حتى على إرادة الله سبحانه ومشيئته.

ولم تكن رؤية الله بأقلّ مما سبق في تركيزهم عليها.

فما ترى في كتب الحديث قديماً وحديثاً من الاخبار الكثيرة حول التجسيم، والتشبيه، والقدر السالب للاختيار والرؤية ونسبة المعاصي إلى الانبياء، فكلّ ذلك من آفات المستسلمة من اليهود والنصارى. فقد حسبها المسلمون حقائق راهنة وقصِصاً صادقة فتلقّوها بقبول حسن نشرها السلف بين الخلف، ودام الامر على ذلك.

ومن العوامل التي فسحت المجال للاحبار والرهبان لنشر ما في العهدين بين المسلمين، النهي عن تدوين حديث الرسول (صلى الله عليه وآله) ونشره ونقله والتحدّث به أكثر من مائة سنة، فأوجد الفراغ الذي خلفه هذا العمل أرضية مناسبة لظهور بدع يهودية ونصرانية وسخافات مسيحية وأساطير يهودية، خصوصاً من قبل الكهنة والرهبان.

فقد كان التحدّث بحديث الرسول (صلى الله عليه وآله) أمراً مكروهاً، بل محظوراً من قبل الخلفاء إلى عصر عمر بن عبد العزيز (١٩-١٠١هـ)، بل إلى عصر المنصور العباسي (٣٤١هـ)، ولكن كان المجال للتحدّث بالاساطير من قبل هؤلاء أمراً مسموحاً به، فهذا هو تميم بن أوس الداري من رواة الاساطير، وقد أسلم سنة تسع للهجرة، وهو أول من قصّ بين المسلمين واستأذن عمر أن يقصّ على الناس قائماً، فأذن له،

١٧
وكان يسكن المدينة ثمّ انتقل إلى الشام بعد قتل عثمان(١) .

ولمّا سَمِحت الظروف لمثل هذا الكتابي أن يتحدّث بما تعلّم في حياته السابقة ومنع من أراد التحدّث بحديث الرسول، لذا كان المجال خصباً لنشر الاساطير والعقائد الخرافية.

يقول الشهرستاني: وضع كثير من اليهود الذين اعتنقوا الاسلام أحاديثَ متعددة في مسائل التجسيم والتشبيه وكلها مستمدّة من التوراة(٢) .

وهذا هو المقدسي يتكلم عن وجود هذه العقائد بين عرب الجاهلية، يقول: وكان فيهم من كلّ ملة ودين، وكانت الزندقة والتعطيل في قريش، والمزدكية والمجوسية في تميم، واليهودية والنصرانية في غسان، وعبادة الاوثان في سائرهم(٣) .

قال ابن خلدون: انّ العرب لم يكونوا أهلَ كتاب ولا علم وإنّما غلبت عليهم البداوة والاُميّة، وإذا تشوّقوا إلى معرفة شيء ممّا تتوقّ إليه النفوس البشرية في أسباب المكوَّنات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنّما يسألون عنه أهلَ الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى، مثل كعب الاحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وأمثالهم، فامتلات التفاسير من

(١) ابن عبد البر، الاستيعاب، في هامش الاصابة; وابن حجر، الاصابة ١: ١٨٩; والجزري، أُسد الغابة ١: ٢١٥; والمتقي الهندي، كنز العمال ١: ٢٨١ برقم ٢٩٤٤٨.

(٢) الشهرستاني، الملل والنحل ١: ١١٧.

(٣) المقدسي، البدء والتاريخ ٤: ٣١.

١٨
المنقولات عندهم وتساهلَ المفسّرون في مثل ذلك وملاوا كتب التفسير بهذه المنقولات، وأصلها كلّها كما قلنا من التوراة أو ممّا كانوا يفترون(١) .

ولو أردنا أن ننقل كلمات المحققين حول الخسارة التي أحدثها اليهود والنصارى لطال بنا الكلام وطال مقالنا مع القرّاء.

ومن أكابر أحبار اليهود الذين تظاهروا بالاسلام هو كعب الاحبار، حيث خدع عقولَ المسلمين وحتى الخلفاء والمترجمين عنه من علماء الرجال، وقد أسلم في زمن أبي بكر وقدِمَ من اليمن في خلافة عمر، فانخدع به الصحابة وغيرهم.

قال الذهبي: العلامة الحبر الذي كان يهودياً فأسلم بعد وفاة النبي، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر (رض)، وجالس أصحاب محمّد، فكان يحدّثهم عن الكتب الاسرائيلية ويحفظ عجائب، ـ إلى أن قال: ـ حدّث عنه أبو هريرة ومعاوية وابن عباس، وذلك من قبيل رواية الصحابي عن تابعي، وهو نادر عزيز، وحدّث عنه أيضاً أسلم مولى عمر وتبيع الحميري ابن امرأة كعب، وروى عنه عدّة من التابعين كعطاء بن يسار وغيره مرسلاً، وقع له رواية في سنن أبي داود والترمذي والنسائي(٢) .

وعرفه الذهبي أيضاً في بعض كتبه بأنه من أوعية العلم(٣) .

(١) ابن خلدون، المقدمة: ٤٣٩.

(٢) الذهبي، سير أعلام النبلاء ٣: ٤٨٩.

(٣) الذهبي، تذكرة الحفاظ ١: ٥٢.

١٩
فقد وجد الحبر الماكر جوّاً ملائماً لنشر الاساطير والقصص الوهمية، وبذلك بثّ سمومه القاتلة بين الصحابة والتابعين، وقد تبعوه وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

وقد تنبه إلى جسامة الخسارة التي أحدثها ذلك الحبر لفيف من القدماء، منهم ابن كثير في تفسيره، حيث أنه بعدما أورد طائفة من الاخبار في قصة ملكة سبأ مع سليمان، قال: والاقرب في مثل هذه السياقات انها متلقاة عن أهل الكتاب ممّا وجد في صحفهم، كروايات كعب ووهب ـ سامحهما الله تعالى ـ في ما نقلاه إلى هذه الاُمة من أخبار بني اسرائيل من الاوابد والغرائب والعجائب ممّا كان وما لم يكن، وممّا حُرِّف وبُدِّل وفُسِخَ، وقد أغنانا الله سبحانه عن ذلك بما هو أصحّ منه وأنفع وأوضح وأبلغ(١) .

والذي يدلّ على عمق مكره وخداعه لعقول المسلمين أنه ربّما ينقل شيئاً من العهدين، وفي الوقت ذاته نرى أنّ بعض الصحابة الذين تتلمذوا على يديه وأخذوا منه ينسب نفس ما نقله إلى الرسول! والذي يبرّر ذلك العمل حسن ظنّهم وثقتهم به، فحسبوا المنقول أمراً واقعياً، فنسبوه إلى النبي زاعمين أنه إذا كان كعب الاحبار عالماً به فالنبي أولى بالعلم منه.

فإن كنت في شكٍّ من ذلك فاقرأ نصّين في موضوع واحد أحدهما للامام الطبري في تاريخه ينقله عن كعب الاحبار في حشر

(١) ابن كثير، التفسير، قسم سورة النمل ٣: ٣٣٩.

٢٠