×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الزيارة في الكتاب والسنّة / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٣ فارغة
الزيـــارة في الكتاب والسنّة للعلامة الشيخ جعفر السبحاني ص ١ ـ ص ٢٩
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

٤
قال الله تبارك وتعالى:

(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولَ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً) .        النساء/٦٤

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

«زوروا القبور فإنّها تُذكِّر الاخرةَ».        ابن ماجة، السنن، ح١٥٦٩

وقال النبيّ الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم):

«مَن زارَ قبري وجبتْ له شفاعتي».        الدارقطني ٢ : ٢٧٨

٥
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه وحده نستعين وعليه وحده نتوكل

والحمد لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسلام على سيد رُسُله، وخاتم أنبيائه وآله ومن سار على خطاهم وتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

يهتم المسلمون اهتماماً كبيراً بالعقيدة الصحيحة لانّها تشكّل حجر الزاوية في سلوكهم ومناراً يضيءُ دروبهم وزاداً لمعادهم.

ولهذا كرّسَ رسُولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الفترة المكيّة من حياته الرسالية نفسه لارساء أُسس التوحيد الخالص، ومكافحة الشرك والوثنية، ثم بنى عليها في الفترة المدنية صَرحَ النظامِ الاخلاقي والاجتماعي والاقتصادي والسياسيّ.

ولهذا ـ ونظراً للحاجةِ المتزايدة ـ رأينا أن نقدّم للاُمةِ الاسلاميّة الكريمة دراسات عقائدية عابرة مستمدَّة من كتاب اللهِ العزيز، والسُنّةِ الشريفة الصحيحة، والعقل السليم، وما اتَّفق عليه علماءُ الاُمةِ الكرام، والله الموفِّق.

معاونيّة التعليم والبحوث الاسلاميّة

٦

تمهيد

الاسلام دين الفطرة

عندما نقول إنّ الاسلام دين الفطرة فهذا لا يعني أنّ كل حكم جزئيّ منه يوافقها، بل يعني أنّ الاُصول الكلّية في مجالي العقائد والشريعة، تنسجم مع الفطرة وتوحي إليها بشكل واضح، ولذلك كانت تعاليم الانبياء، وفي مقدَّمتهم الشريعة الاسلامية، تثير مكنون الفطرة، لذا فهم قبل أن يكونوا معلِّمين كانوا مذكِّرين بما أودع الله سبحانه في فطرة الانسان من ميولات نحوَ العبودية لله سبحانه، والانشداد إلى ما وراء الطبيعة، والجنوح إلى العدل ومكارم الاخلاق، والنفور عن الظلم ومساوئ العادات. فكأنَّ الفطرة أوّلُ مدرسة يتعلّم فيها الانسان أصولَ المعارف ومكارمَ الاخلاق وآدابها، من دون معلِّم، وهذا لطف وامتنان منه سبحانه لعباده ويعدّ الحجرَ الاساس لسائر الهدايات الالهية الواصلة إليهم عن طريق أنبيائه ورسله.

وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (وَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ

٧
يَعْلَمُونَ) (الروم/٣٠) فإنّ المراد من الدين في الاية مجموع العقيدة والشريعة، كما فسّره به مشاهير المفسّرين، وكلمة (فِطْرَتَ اللهِ) التي نصبت على الاختصاص تفسير للدين، فالدين ـ بتمام معنى الكلمة ـ يوافق فطرة الانسان، بالمعنى الذي عرفت، أي أنّ أصوله وكلّياته تنسجم مع الفطرة وليست الاية وحيدة في بابها بل لها نظائر في الذكر الحكيم تؤكّد مضمونها، وتثبت بوضوح كون معرفة المحاسن والمساوئ والفجور والتقوى والميل إلى الفضائل، والانزجار عن الرذائل أمراً فطرياً إلى حدّ يقول سبحانه: (وَنَفْس وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) (الشمس/٨) وفي آية أُخرى: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ l وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ l وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) (البلد/٨ ـ ١٠).

فالانسان الطبيعي الذي لم يتأثّر بالمناهج البشرية، يدرك المحاسن والمساوئ، والفجور والتقوى والخير والشر، كرامة من الله سبحانه إليه.

ومن روائع الكلم ما روي عن الامام عليّ (عليه السلام) حول تحديد دعوة الانبياء وأنّ دورهم في مجال التربية تذكيرهم بمقتضيات الفطرة. يقول(عليه السلام):

«فبعثَ الله فيهم رُسُلَه، وواتر إليهم أنبياءه، لِيستَأدوهم ميثاقَ فطرته ويُذكِّروهم منسيَّ نعمتِه، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ، ويُثيروا لهم دفائنَ العقول»(١) .

(١) نهج البلاغة، الخطبة الاولى.

٨
فالشرائع السماوية كأنّها تستنطِق الفطرة وتُذكِّر بالنعمة المنسية بفعل الاهواء والدعايات الباطلة، وقد أُمر حملتها بإثارة ما دفن في فطرة الانسان من جواهر المعقولات في مجالي العقيدة والشريعة.

وعلى ذلك فالشريعة ـ وفقَ الفطرة ـ مصباح ينير الدرب لكلّ ساع في طلب الحقّ. وكلّ فكرة أو ميل، توحي إليهما الفطرة فهو آية كونه حقّاً، وكلّ فكرة أو جنوح، يناقض الفطرة وترفضهما فهو آية كونه باطلاً. ولاجل ذلك تخلينا عن الرهبانية والتعزّب ووأْد البنين والبنات لانها تخالف مقتضى الفطرة.

إنّ البحث في كون الشريعة الالهية شريعة فطرية، يتطلّب مجالاً واسعاً لما يترتّب على البحث من نتائج مشرقة تعين على حل مشاكل أثارها خصوم الاسلام في مجال خاتمية الشريعة الاسلامية، حيث إنّهم يرفضون كون الدين ديناً خاتماً، بزعمهم أنّ الحياة الانسانية حياة متغيّرة ومتحوّلة فكيف يمكن تدبير المجتمع المتغيّر، بقوانين ثابتة جامدة؟

ولكنّهم لعدم معرفتهم بحقيقة الشريعة الاسلامية، غفلوا عن أمر هام، وهو أنّ المتغيّر في الحياة الانسانية هو القشر، لا اللبّ، وإلاّ فالانسان بما له من غرائز وميول علوية وسفلية لم يتغيّر ولن يتغيّر، وبهذه الميزة والخصوصية هو محكوم بالقوانين الثابتة.

فالانسان القديم كان يُحبُّ العدلَ وينفر من الظلم ويميل إلى الزواج والحياة الاجتماعية وهكذا الانسان في العصر الحاضر، إذن فالقانون في حقهما سواء وإن تغيّرت أجواء الحياة وقشورها ولباسها وظواهرها.

٩

الصلة بين الاحياء والاموات

إنّ زيارة الانسان لقبر حبيبه ومن كانت له به صلة روحية أو مادّية، هي ممّا تشتاق إليه النفوس السليمة، فكلّ من يعيش تحت السماء باسم الانسان السويّ اذا فارقَ أحبّته وأقرباءه، لا يقطع علاقته بمن شغف قلبه حبّاً، بل هو على حبّه باق، ويريد أن يُجسِّد محبَّته وشوقه بصور مختلفة، فهو تارةً يأوي إلى آثار حبيبه ورسوم داره وأطلاله فيحتفظ بألبسته وأثاثه وقلمه وخطوطه، ولا يكتفي بذلك بل يحاول أن يزور قبره وتربته حيناً بعد حين. كلّ ذلك بباعث ذاتي من صميم خلقته، فلا يصحّ لدين أُسُّه الفطرة أن يخالفه أو يمنعه من وصل أحبّائه وتعاهدهم.

لكن للاسلام أن يحدّدها ويذكر آدابها ويمنع عن بعض الامور غير الدخيلة في صميمها، لكن ليس في وسعه بما أنّه مناد لدين الفطرة أن يقوم بقطع العلائق مع الاحبّة بتاتاً.

وعلى ضوء ذلك ترى أنّ السنّة حثّت على زيارة القبور وذكرت آثارها البنّاءة، ولو منعت في فترة خاصّة ـ لو صحّ المنع ـ فإنّما هو لمانع عن تطبيق الحكم وتنفيذه كما سيظهر لك.

هذا هو أصل الزيارة، وقضاء الفطرة على وفقه.

مضافاً إلى ذلك فلها آثار تربويّة وهي ما يلي:

١٠

الاثار التربوية لزيارة القبور

إنّ زيارة القبور تنطوي على آثار تربوية، وأخلاقية وذلك لانّ مشاهدة المقابر التي تضمُّ في طياتها مجموعة كبيرة من الذين عاشوا في

هذه الحياة الدنيا، وكانوا بمكان عال من القدرة والسلطة، ثمّ انتقلوا إلى الاخرة، تؤدّي إلى الحدّ من روحِ الطمع، والحرص على الدنيا، وربّما تُغيّر سلوك الانسان لما يرى أنّ المنزل الاخير لحياته إنّما هو بيت ضيّق ومظلم باق فيه إلى ما شاء الله، فعند ذلك ربما يترك المظالم والمنكرات ويتوجّه إلى القيم والاخلاق.

وإلى هذا الجانب من الاثر التربوي يشير النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله)ويقول:

«كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنّها ترقُّ القلوب، وتدمعُ العين وتذكِّر الاخرة، ولا تقولوا هجراً»(١) .

وفي لفظ آخر: «كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروا القبور فإنّها تزهّد في الدنيا»(٢) . وفي لفظ ثالث: «وتُذكّر الاخرة»(٣) .

وعن أبي هريرة أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) زار قبر أُمّه ولم يستغفر لها. قال: «أُمرتُ بالزيارة ونُهيت عن الاستغفار فزوروا القبور، فإنّها تذكّر الموت»(٤) .

وعنه (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «زوروا القبور فإنّها تذكّركم الاخرة»(٥) .

(١) المتقي الهندي، كنز العمال : ج١٥، الحديث ٤٢٥٥٥ و ٤٢٩٩٨.

(٢) كنز العمال ١٥ : الحديث ٤٢٥٥٢.

(٣) ابن ماجة، السنن ١ : ٥٠١ ح١٥٧١.

(٤) مسلم، الصحيح ٢ : ٦٧١ ح١٠٨ ـ أحمد بن حنبل، المسند ١ : ٤٤٤ ـ ابن ماجة، السنن ١ : ٦٧٦ ـ أبو داود، السنن ٢ : ٧٢ ـ البيهقي، السنن ٤ : ٧٦ ـ النسائي، السنن ٤ : ٩٠ ـ الحاكم، المستدرك ١ : ٣٧٦.

(٥) ابن ماجة، السنن ١ : ٥٠٠ ح١٥٦٩.

١١
ويظهر من بعض الروايات أنّ النبيّ الاكرم (صلى الله عليه وآله) نهى يوماً عن زيارة القبور ثمّ رخّصها وكان النهي والترخيص من الله سبحانه.

ولعلّ النهي كان بملاك أنّ أكثر الاموات يومذاك كانوا من المشركين، فنهى النبيّ (صلى الله عليه وآله) عن زيارتهم ولمّا كثر المؤمنون بينهم رخّص بإذن الله.

ولعلّ النهي كان بملاك آخر وهو أنّ زيارة القبور تُذكّر الموتى والقتلى وتورث الجبن عن الجهاد، وإذ قوي الاسلام رخّص الزيارة(١) .

وعن أمّ سلمة عنه (صلى الله عليه وآله): «نَهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنّ لكم فيها عِبرة»(٢) .

الاثار الاجتماعية لزيارة أكابر الدين

قد تعرّفت على الاثار التربوية لزيارة قبور المسلمين، وهنا آثار تختصّ بزيارة أكابر المسلمين ورؤسائهم، وفي طليعتهم زيارة النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) وهي: أنّ في زيارتهم نوعاً من الشكر والتقدير على تضحياتهم، وإعلاماً للجيل الحاضر بأنّ هذا هو جزاء الَّذين يسلكون طريقَ الحقّ والهدى والدفاع عن المبدأ والعقيدة.

ولاجل هذا الاثر الممتاز لزيارة صُلحاء الاُمة، نجد أنّ الاُمم الحيّة تتسابق على زيارة مدفن رؤسائهم وشخصيّاتهم، الّذين ضحّوا بأنفسهم

(١) الجناحي النجفي : منهج الرشاد : ١٤٤.

(٢) المتقي الهندي، كنز العمال ١٥ : ٦٤٧ ح٤٢٥٥٨.

١٢
وأموالهم في سبيل إحياء الشعب واستقلاله من أيدي المستعمرين والظالمين، ويقيمون الذكريات المئوية لاحياء معالمهم، ويعدّونه تعظيماً وتكريماً لاهدافهم.

وهذا هو العالم بغربه وشرقه، فيه قبور وأضرحة لشخصيّاته وعظمائه وصلحائه من غير فرق بين ديني ودنيوي، لانّ الانسان يرى زيارتهم تكريماً لهم وتأدية لحقوقهم ووفاءً لعهدهم، فكلّ ما يقوم به فهو بوحي الفطرة ودعوتها إلى ذلك.

إنّ القبور التي تحظى باهتمام واحترام المؤمنين بالله في العالم ـ وخاصة المسلمين ـ هي في الغالب قبور حملة الرسالات الاصلاحيّين الذين أدّوا مهمّتهم على الوجه المطلوب.

وهؤلاء ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

١ ـ الانبياء والقادة الدينيّون الذين حملوا على عاتقهم رسالة السماء وضحّوا ـ من أجلها ـ بالنفس والمال والاحباب، وتحمّلوا أنواع المتاعب والمصاعب من أجل هداية الناس.

٢ ـ العلماء والمفكّرون الذين كانوا كالشّمعة تُحرقُ نفسها لتضيء للاخرين، وقد عاش هؤلاء حياة الزهد والحرمان، وقدّموا للعالم، البحوثَ القيّمة والتحقيقات الرائعة في مجالات العلم والفكر والطبيعة ومفاهيم السماء وعلوم الكون والمخلوقات وغير ذلك.

٣ ـ المجاهدون الثائرون الذين ضاقوا ذرعاً بما يعيشه المجتمع من الظلم وسحق الحقوق والتمييز العنصري أو القومي، فثاروا ضدّ الظلم والطغيان وطالبوا بحفظ كرامة الانسان وأداء حقوقه، وأقاموا

١٣
صرح العدالة بدمائهم الغالية.

إنّ أيّة ثورة أو تغيير اجتماعي لا يُقدَّر له النجاحُ إلاّ بدفع الثمن، وإنّ ثمن الثورة التي تستهدف تدمير قصور الظالمين، وخنق أنفاسهم هو الدماء الزكية التي يُضحّي بها المقاتلون الابطال لاعادة الحقّ والحرّية إلى الوطن الاسلامي.

إنّ الناس يزورون قبور هؤلاء ويذرفون عندها الدموع، ويتذكّرون بطولاتهم وتضحياتهم، ويُسعدون أرواحهم بتلاوة آيات من القرآن الحكيم هديّة إليهم، وينشدون قصائد في مدحهم وثنائهم وتقدير مواقفهم المشرقة.

إنّ زيارة مراقد هذه الشخصيات هي نوع من الشكر والتقدير على تضحياتهم، وإعلام للجيل الحاضر بأنّ هذا هو جزاء الذين يسلكون طريقَ الحقّ والهدى والفضيلة والدفاع عن المبدأ والعقيدة.

إنّ جزاءهم هو خلود الذكر الحسن والثناء الجميل، بالرغم من مرور الزمان على وفاتهم، وتعريفُ الناس بتلك الشخصيات الراقية وبمعتقداتهم التي ضحّوا من أجلها، واحترام مراقدهم وتجنّب كلّ ما يمسّ بكرامتها، لانّ احترام قبورهم احترام لرسالاتهم وعقائدهم، كما أنّ أيّ نوع من الاهانة والتحقير تجاه مراقدهم هو في الحقيقة إهانة لرسالاتهم وتحقير لشخصيّتهم.

ثمّ إنّ لبعض أهل المعرفة تحليلاً علمياً رائعاً في زيارة النبي الاكرم نذكره بنصّه قال:

إعلم أنّ النفوس القوية القدسية، لا سيّما نفوس الانبياء

١٤
والائمة(عليهم السلام)، اذا نفضوا أبدانهم الشريفة وتجرّدوا عنها، وصعدوا إلى عالم التجرّد، وكانوا في غاية الاحاطة والاستيلاء على هذا العالم يكون العالم عندهم ظاهراً منكشفاً، فكلّ من يحضر مقابرهم لزيارتهم يطّلعون عليه، لا سيّما ومقابرهم مشاهدُ أرواحهم المقدّسة العلية، ومحالّ حضور أشباحهم البرزخيّة النورية، فإنّهم هناك يشهدون (بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران/١٦٩)، وبما آتاهم الله من فضله فرحون، فلهم تمامُ العلم والاطّلاع بزائري قبورهم، وحاضري مراقدهم وما يصدر عنهم من السؤال والتوسّل والاستشفاع والتضرّع، فتهبّ عليهم نسماتُ ألطافهم، وتفيض عليهم من رشحات أنوارهم، ويشفعون إلى الله في قضاء حوائجهم، وإنجاح مقاصدهم، وغفران ذنوبهم وكشف كروبهم.

فهذا هو السرفي تأكّد استحباب زيارة النبيّ والائمة (عليهم السلام) مع ما فيه من صلة لهم. وبرّهم وإجابتهم، وإدخال السرور عليهم، وتجدّد عهد ولايتهم، وإحياء أمرهم، وإعلاء كلمتهم، وتنكيت أعدائهم. وكلّ واحد من هذه الاُمور ممّا لا يخفى عظيم أجرُهُ وجزيل ثوابه.

وكيف لا تكون زيارتُهم أقربَ القربات، وأشرفَ الطاعات، ومع أنّ في زيارة المؤمن ـ من جهة كونه مؤمناً فحسب ـ عظيم الاجر وجزيل الثواب، وقد ورد به الحثّ والتوكيد والترغيب الشديد من الشريعة الطاهرة، ولذلك كثر تردّد الاحياء إلى قبور أمواتهم للزيارة، وتعارف ذلك بينهم، حتى صارت لهم سنّة طبيعية.

وأيضاً قد ثبت وتقرّر جلالة قدر المؤمن عند الله، وثوابُ صلته

١٥
وبرّه وإدخال السرور عليه. وإذا كان الحال في المؤمن من حيث إنّه مؤمن، فما ظنّك بمن عصمه الله من الخطأ، وطهّره من الرجس، وبعثه الله إلى الخلائق أجمعين، وجعله حجّة على العالمين، وارتضاه إماماً للمؤمنين، وقدوة للمسلمين ولاجله خلق السماوات والارضين، وجعله صراطه وسبيلَه، وعينه ودليله، وبابه الذي يُؤتى منه، ونورَه الذي يستضاء به، وأمينَه على بلاده، وحبله المتّصل بينه وبين عباده، من رسل وأنبياء وأئمة وأولياء(١) .

وفي الختام نقول: ليس الهدف من هذا التقديم تصويبَ بعض ما يقع عند الزيارة من محرّمات الافعال فإنّها أُمور جانبيّة لاتمتّ لاصل الزيارة بصلة، والذي ندّعيه وعليه يشهد عمل العقلاء في العالم دينهم وغيره، أنّ للانسان علاقة بمن كان يعشقه ويحبّه فلا يقطع علاقته به بموته بل يحتفظ بها بشكل خاص بعد الفراق أيضاً، وهذا شيء يلمسه الانسان من صميم ذاته وليس لشريعة سماوية بما أنّها تجاوب الفطرة تمنعه من ذلك، بل لها أن تعدله وتحدّده وتعزل ما ليس منه عنه.

وها نحن نعالج الموضوع بالبحث في الاُمور التالية:

١ ـ زيارة القبور في الكتاب والسنّة النبوية.

٢ ـ أعلام الاُمة وزيارة النبي الاكرم.

٣ ـ زيارة النبيّ (صلى الله عليه وآله) في الكتاب.

٤ ـ زيارة النبي (صلى الله عليه وآله) في السنّة.

٥ ـ شدّ الرحال إلى زيارة قبر النبيّ الاعظم.

٦ ـ شبهات وتشكيكات حول زيارة النبيّ الاكرم.

٧ ـ خاتمة: تذكرة وإنذار.

(١) محمد مهدي النراقي، جامع السعادات ٣ : ٣٩٨ و ٣٩٩.

١٦

(١)
زيارة القبور في الكتاب والسنّة

قد عرفت أنّ زيارة الانسان لمن له به صلة روحية أو مادية، ممّا تشتاق إليه النفوس السليمة، بل هي من وحي الفطرة، ولاجل ذلك نرى أنّ الكتابَ والسنّة يدعمان أصلَ الزيارة بوجه خاص.

أمّا الكتاب فقوله سبحانه: (ولا تُصَلِّ عَلى أحَد مِنْهُمْ ماتَ أبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ ورَسُولهِ وماتُوا وهَم فاسِقُونَ) (التوبة/٨٤).

إنّ الاية تسعى لهدم شخصية المنافق، وهزّ العصا في وجوه حزبه ونظرائه. والنهي عن هذين الامرين بالنسبة إلى المنافق، معناه ومفهومه مطلوبية هذين الامرين (الصلاة والقيام على القبر) بالنسبة لغيره أي للمؤمن.

والان يجب أن ننظر في قوله تعالى: (ولا تَقُم عَلى قَبره) ما

١٧
معناه؟

هل المعنى هو القيام وقت الدفن فقط، حيث لا يجوز ذلك للمنافق ويستحب للمؤمن، أو المعنى أعم من وقت الدفن وغيره؟

إنّ بعض المفسّرين وإن خصّوا القيامَ نفياً وإثباتاً بوقت الدفن لكن البعض الاخر فسروه في كلا المجالين بالاعم من وقت الدفن وغيره.

قال السيوطي في تفسيره: ولا تَقم على قبره لدفن أو زيارة(١) .

وقال الالوسي البغدادي: ويفهم من كلام بعضهم أنّ «على» بمعنى «عند» والمراد: لاتقف عند قبره للدفن أو للزيارة(٢) .

وقال الشيخ إسماعيل حقّي البروسي: (ولاتَقُم على قبره) أي ولا تقف عند قبره للدفن أو للزيارة والدعاء(٣) .

إلى غير ذلك من المفسرين، وقد سبقهم البيضاوي في تفسيره(٤) .

والحقّ مع من أخذ بإطلاق الاية وإليك توضيحه:

إنّ الاية; تتشكل من جملتين:

الاُولى:

قوله تعالى: (ولا تصلّ على أحد منهم ماتَ أبداً) .

إنّ لفظة «أحد» بحكم ورودها في سياق النفي تفيد العموم

(١) السيوطي، تفسير الجلالين: سورة التوبة في تفسيره الاية.

(٢) الالوسي البغدادي، روح المعاني ١٠ : ١٥٥.

(٣) البروسي، روح البيان ٣ : ٣٧٨.

(٤) البيضاوي، أنوار التنزيل ١ : ٤١٦، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت.

١٨
والاستغراق لجميع الافراد، ولفظة «أبداً» تفيد الاستغراق الزمني، فيكون معناها: لا تصل على أحد من المنافقين في أيّ وقت كان.

فمع الانتباه إلى هذين اللَّفظين نعرف ـ بوضوح ـ أنّ المراد من النهي عن الصلاة على الميّت المنافق ليس خصوص الصلاة على الميت عند الدفن فقط، لانّها ليست قابلة للتكرار في أزمنة متعدّدة، ولو أُريد ذلك لم تكن هناك حاجة إلى لفظة «أبداً»، بل المراد من الصلاة في الاية مطلق الدعاء والترحّم سواء أكان عند الدفن أم غيره.

فإن قال قائل: إنّ لفظة «أبداً» تأكيد للاستغراق الافرادي لا الزماني.

فالجواب بوجهين:

١ ـ انّ لفظة «أحد» أفادت الاستغراق والشمول لجميع المنافقين بوضوح فلا حاجة للتأكيد.

٢ ـ انّ لفظة «أبداً» تستعمل في اللّغة العربية للاستغراق الزماني، كما في قوله تعالى: (وَلا أنْ تَنكِحُوا أزواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أبَداً) (الاحزاب/٥٣).

فالنتيجة أنّ المقصود هو النهي عن الترحّم على المنافق وعن الاستغفار له، سواء أكان بالصلاة عليه عند الدفن أم بغيرها.

الثانية:

(ولاَ تقُمْ عَلى قَبْرِهِ) إنّ مفهوم هذه الجملة ـ مع الانتباه إلى أنّها معطوفة على الجملة السابقة ـ هو: «لا تَقُم على قبر أحد منهم مات أبداً» لانّ كل ما ثبت للمعطوف عليه من القيد ـ أعني «أبداً» ـ يثبت للمعطوف أيضاً، ففي هذه الحالة لا يمكن القول بأنّ المقصود من

١٩
القيام على القبر هو وقت الدفن فقط، لانّ المفروض عدم إمكان تكرار القيام على القبر وقت الدفن، كما كان بالنسبة للصلاة، ولفظة «أبداً» المقدّرة في هذه الجملة الثانية تفيد إمكانية تكرار هذا العمل، فهذا يدل على أنّ القيام على القبر لايختصّ بوقت الدفن.

وإن قال قائل: إنّ لفظة «أبداً» المقدّرة في الجملة الثانية معناها الاستغراق الافرادي.

قلنا: قد سبق الجواب عليه، وأنّ لفظة «أحد» للاستغراق الافرادي، لا لفظة «أبداً» فهي للاستغراق الزماني.

فيكون معنى الاية الكريمة: أنّ الله تعالى ينهى نبيه (صلى الله عليه وآله) عن مطلق الاستغفار والترحّم على المنافق، سواء كان بالصلاة أو مطلق الدعاء، وينهى عن مطلق القيام على القبر، سواء كان عند الدفن أو بعده.

ومفهوم ذلك هو أنّ هذين الامرين يجوزان للمؤمن.

وبهذا يثبت جواز زيارة قبر المؤمن وجواز قراءة القرآن على روحه، حتى بعد مئات السنين.

هذا بالنسبة إلى المرحلة الاُولى وهي أصل الزيارة من وجهة نظر القرآن، وأمّا بالنسبة إليها من ناحية الاحاديث فإليك بيانها:

زيارة القبور في السنّة النبوية

إنّ النبيّ الاكرم (صلى الله عليه وآله) جسّد بعمله مشروعية زيارة القبور ـ مضافاً إلى أنّه أمر بها كما مرّ ـ وعلّم كيفيتها وكيف يتكلّم الانسان مع الموتى، فقد ورد في غير واحد من المصادر، أنّه (صلى الله عليه وآله) زار البقيع، وإليك

٢٠