×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الشافي في الإمامة (ج 2) / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
كتاب الشافي في الإمامة (ج٢) للشريف المرتضى (ص ١ - ص ٢٢)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

فصل
في الكلام على ما اعتمده من دفع وجوب النص من جهة العقل


الواجب أن نقدم قبل حكاية كلامه، ومناقضة الدلالة على وجوب النص، ثم نعترض جملة ما أورده في هذا الفصل.

فمما يدل من طريق العقول على وجوب النص، أن الإمام إذا وجبت عصمته بما قدمناه من الأدلة، وكانت العصمة غير مدركة فتستفاد من جهة الحواس، ولم يكن أيضا عليها دليل يوصل إلى العلم بحال من اختص بها فيتوصل إليها بالنظر في الأدلة، فلا بد مع صحة هذه الجملة من وجوب النص على الإمام بعينه، أو إظهار المعجز القائم مقام النص عليه، وأي الأمرين صح بطل الاختيار. الذي هو مذهب المخالف، ومن أجله تكلفنا الدلالة على وجوب النص وإنما بطل (١) من حيث كان في تكليفه مع ثبوت عصمة الإمام تكليف لإصابة ما لا دليل عليه، وذلك في القبح يجري مجرى تكليف ما لا يطاق (٢).

فإن قيل: ولم لا جاز مع ثبوت العصمة التي ادعيتموها تكليف الاختيار؟ بأن يعلم الله تعالى أن المختارين للإمام لا يختارون إلا

(١) أي الاختيار.

(٢) لأن تكليف ما لا يطاق ممنوع شرعا (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وقبيح عقلا.

٦
معصوما، ولا يتفق لهم إلا اختيار المعصوم، فيحسن تكليفهم الاختيار مع العلم بما ذكرناه من حالهم.

قلنا: ليس ما ذكرتموه بمخرج هذا التكليف من اللحوق بتكليف ما لا يطاق، ولا دليل عليه ولا معتبر بالعلم في هذا الباب، لأن علم الله تعالى من حال المكلف أنه يتفق له اختيار المعصوم ليس بدلالة على عين الإمام المعصوم، فقد آل الأمر إلى أنه تكليف لما لا دليل عليه، وقبح ذلك ظاهر.

وقد عورض من أجاز ما تضمنه هذا السؤال، وألزم إجازة تكليف اختيار الشرائع والأنبياء، والأخبار عما كان ويكون من الغائبات إذا علم أن من كلف ذلك يتفق له في الشرائع ما فيه المصلحة، وفي الأنبياء من يجب بعثه، وفي الأخبار الصدق منها دون الكذب، ولا فرق بين من أجاز اختيار المعصوم وبين من أجاز كل ما ذكرناه.

وفي الناس من ارتكب جواز اختيار الشرائع والأنبياء، وقد حكي ذلك عن مؤنس بن عمران (١).

فأما الأخبار عما لا يتعلق بالأحكام من الأمور الكائنات فإنه لم يتركب حسن تكليفها ولا فرق بين ما ارتكبه مما حكيناه وبين ما لم يرتكبه،

(١) في " الشافي " المخطوط " مؤيس بن عمران " وفي المطبوع " يونس " تصحيف، وهو كما في طبقات المعتزلة ص ٧٠ مؤيس بن عمران الفقيه قال: وكان يقول بالارجاء " ونقل القاضي في المغني ١٢ / ٢٣٨ " إن الله تعالى يجوز أن يكلف العبد باختياره إذا علم أنه لا يختار إلا الصلاح " قال " وأنكر ذلك المعتزلة " وفي " تلخيص الشافي " ج ١ / ٢٧٧ " موسى بن عمران " وعلق السيد بحر العلوم دامت إفاداته على ذلك بقوله: " في نفس الشافي: يونس بن عمران - من علماء الكلام - ولعله الأصح ". ولكن الصحيح في اسمه ما تقدم.
٧
لأن الجميع يرجع إلى أصل واحد، وهو أنه تكليف لما لا دليل عليه ولا سبيل إليه، وذلك يجري مجرى تكليف ما لا يطاق.

ويبين ما ذكرناه أنا نعلم وكل عاقل قبح تكليف أحدنا غيره الإخبار عما يفعله المكلف مستسرا به (١) وعن مبلغ أمواله التي لا طريق لمن كلفه الإخبار عنها إلى العلم بمبلغها، وليس يخرج هذا التكليف من القبح غلبة ظن المكلف بأن المكلف يصيب اتفاقا أو علمه بذلك فقد يجوز أن يعلمه من جهة نبي صادق وإذا قبح هذا التكليف وظهر سفه مكلفه لكل عاقل، ولم يكن العلة في قبحه إلا فقد الدليل وجب قبح كل نظير له من التكاليف، وهذا الدليل آكد ما اعتمد عليه في وجوب النص من طريق العقل، بل هو الذي يجب أن يكون التعويل عليه، ويتلوه في القوة ما استدل به كثير من أصحابنا أيضا على وجوب النص فقالوا: قد ثبت أن الإمام لا بد أن يكون أفضل الخلق عند الله تعالى وأعلاهم منزلة في الثواب في زمانه وعند ثبوت إمامته، لأنه إذا كان إماما للكل فلا بد أن يكون أفضل من الكل، وستأتي الدلالة على هذا الموضع فيما يأتي من الكتاب، وإذا ثبت كونه أفضل ولم يمكن التوصل إليه بالأدلة ولا بالمشاهدة وجب النص أو المعجز على الحد الذي رتبناه عند التعلق بالعصمة، وإذا سئل على هذا الدليل عما ذكرناه في دليل العصمة فالجواب عنه ما ذكرناه هناك لأن مرجع الطريقين إلى أصل واحد.

وقد استدل على وجوب النص على الإمام بكونه عالما بجميع الأحكام حتى لا يفوته شئ منها، وأن كونه عالما بها لا يمكن الوصول إليه إلا بالنص، ولو أمكن الوصول إليه بالامتحان لم يجز أن يكون الممتحن له

(١) مستسرا به: مستخفيا.
٨
إلا من هو عالم بجميع الأحكام. وقد علمنا أن من يمكنه اختيار الإمام وامتحانه من جماعات الأمة لا يعلم بذلك، ولا يحيط به، ورتب الكلام في هذه الطريقة ترتيبه في الطريقين المتقدمين.

وهذا الدليل ليس يرجع فيه إلى مجرد العقل بل لا بد فيه من ثبوت أمر لا يثبت إلا بالسمع، لأن التعبد بالأحكام الشرعية في الأصل كان يجوز في العقل سقوطه وارتفاعه عن المكلفين، ولا شئ من هذه الأحكام إلا والعقل يجوز أن لا يرد التعبد به بأن لا يكون فيه مصلحة وإذا كان العقل غير موجب لثبوت هذه الأحكام في حال فكيف يجب فيه كون الإمام عالما بها في كل حال ويجعل علمه بذلك من شروط إمامته؟ والذي يقتضيه مجرد العقل أن الإمام لا بد أن يكون مضطلعا (١) بما أسند إليه، عالما بما عول فيه عليه في التدبير (٢).

فأما العلم بالأحكام الشرعية الواردة من طريق السمع فليس في العقل إلا أن السمع إذا ورد بها علمنا بالقياس العقلي أن الإمام لا بد أن يكون عالما بجميعها على ما سنذكره.

فأما قوله في هذا الفصل: " إنه غير ممتنع أن يعلم تعالى أن الصلاح أن لا يقام الإمام أصلا فكما يكوز ذلك فجاز أن يكون الصلاح إقامته بطريقة الاجتهاد إذا ثبت وبين موضعه، بأن يدل تعالى على الصفة التي إذا كان عليها من يقيمه كان صلاحا " فمما قد تقدم فساده بما دللنا به على وجوب الإمامة، وعلى أن الصفة التي لا بد من كون الإمام عليها لا يمكن أن يستفاد من جهة الاجتهاد، وأنها مما لا يقوم على مثله دلالة فيعلم من

(١) اضطلع بالأمر: قام به مع ثقله وفي المخطوطة " مطلعا ".

(٢) على تدبيره، خ ل.

٩
طريق النظر في الأدلة، ولو لم يثبت من ذلك إلا كونه معصوما لكفى في وجوب النص عليه وفساد اختياره،.

فأما معارضته لنا بالأمراء والعمال والحكام، ثم بالشهود والأوصياء، والزامه التسوية بينهم وبين الأئمة في وجوب النص فغير لازمة، لأن جميع من ذكر من هؤلاء ليس يجب اختصاصه بصفة لا سبيل إلى الوصول إليها بالامتحان على حد ما قلناه في الإمام وقد فرقنا بين الإمام وأمرائه وسائر المتولين من قبله في العصمة بما يقتضي الفرق بينهم وبينه في وجوب النص أيضا، لأنه إذا كان ما أوجب النص عليه من الاختصاص بالعصمة غير موجود فيهم لم يجب مساواتهم له في وجوب النص عليهم، وجاز أن يرجع في ولايتهم إلى الاختيار والقول في الشهود والأوصياء كالقول في الأمراء والحكام في أنه لا صفة لهم يستحيل أن تعلم بالامتحان بالذي يعتبر فيهم من حسن الظاهر، والعدالة المظنونة دون المعلومة يمكن الوصول إليه ولا يجري مجرى العصمة التي لا سبيل إلى العلم بها بالامتحان والاختبار.

فأما إلزامه نفسه إقامة الأنبياء بالاجتهاد والاختبار قياسا على الأئمة. وقوله في الجواب: (إن الذي له يجب في الرسول أن يكون معينا هو كونه حجة فيما حمل من الرسالة فلا بد من أن يكون تعالى قد حمله من الرسالة بعينه، ثم لا بد من أن يدعي ويصدقه الله تعالى بدلالة الإعجاز لتحصيل البغية، وذلك لا يأتي في الإمام لأنه ليس بحجة في شئ يتحمله، وإنما يقوم بالأمور التي ذكرناها مما قد وجبت بالشرع.

فلنا إن نقول له: إذا أوجبت الدلالة على عين الرسول صلى الله عليه وآله وأبطلت

١٠
اختياره لأجل كونه حجة وصادقا فيما ادعاه لأن ذلك مما لا يعلم بطريقة الاختيار فأوجب أيضا في الإمام مثله.

لأنا قد دللنا على وجوب عصمته، والعصمة مما لا يمكن أن تعلم بالاختيار فكان تحصيل السؤال الذي ذكرت وسألت نفسك عنه أن يقال:

لو جاز ثبوت الإمام مع وجوب عصمته بغير نص لم يمتنع مثله في النبي صلى الله عليه وآله وإنما عدلنا عن معارضته بكون الإمام حجة كما أن النبي حجة وإن كانت الدلالة قد سوت بينهما في معنى الحجة عندنا.

وقد تقدم ذكرها فيما مضى من الكتاب حيث دللنا على أن الإمام حافظ للشرع ومؤد له إلينا لأن دلالة كون الإمام حجة على هذا الوجه ترجع إلى أمر متعلق بالسمع، وكلامنا في هذا الفصل على ما يقتضيه مجرد العقول، فلا بد من العدول عما لا يعلم ثبوته إلا بالسمع.

فأما قوله في آخر الفصل: " على أن السمع قد ورد في باب الإمامة بما ذكرناه على ما سنبينه من بعد وثبوت السمع على هذا الوجه يدل على أن العقل لا يمنع من ثبوت ذلك بغير النص " فدعوى منه على السمع غير صحيحة، وليس يمكن أن يدعى سمع تقوم بمثله الحجة في باب الاختيار، وأكثر ما يمكن ادعاؤه (١) في السمع وروده بأن اختيارا وقع لبعض من ادعيت إمامته، ولم يثبت أن المختارين كان لهم فعل ما فعلوه، ولا أن الذي عقدوا له الإمامة تثبت له إمامة على الحقيقة، ونحن لم نمنع من اختيار من تدعى له الإمامة وليس بإمام على الحقيقة. وإنما منعنا من اختيار الإمام الذي تثبت إمامته وتصح، وسنتكلم على ما وعدنا بإيراده من السمع عند البلوغ إليه بعون الله تعالى.

(١) خ " أن يدعى ".
١١
فأما قوله: " وثبت أيضا إن أحدا من السلف لم يذكر في الإمامة أنها لا تكون إلا بالنص، وقد جرت فيها الخطوب (١) وأن العقل يقتضي ذلك فيها، لتصرف بذلك عما كانوا عليه على اختلاف أحوالهم " فباطل، لأنه لا شبهة في أن جماعة من جملة (٢) السلف خالفت في أصل الاختيار، على ما سنذكره من بعد عند الكلام في إمامة أبي بكر بمشيئة الله تعالى.

وقد دل الدليل على أن إنكار هؤلاء كان لأصل الاختيار وإن لم يصرحوا به، واكتفوا بالنكير على الجملة، ولو لم يدل الدليل على ذلك لكان إنكارهم محتملا للأمرين، يعني إنكار أصل الاختيار جملة، وإنكار أمامة المختار في تلك (٣) الحال، وإذا كان محتملا بطل ادعاؤه الإطباق، وأن أحدا من السلف لم يقل في الإمامة أنها لا تكون إلا بالنص، وصار محتاجا إلى أن يدل على أن الإنكار الواقع الذي بينا أنه محتمل للأمرين لم يكن إلا لأحدهما دون الآخر وأنى له بذلك؟ فإن عول صاحب الكتاب على ما لا يزال أصحابه يعتمدونه من رجوع من ذكرنا من المخالفين ووقوع الرضا منهم فسنبين بطلان هذا فيما بعد، وندل على أن الرضا لم يعلم وأكثر ما علم الكف عن النكير المخصوص، وذلك لا يدل على الرضا في مثل تلك الحال، على أن أحدا من المنكرين لإمامة أبي بكر ممن ذكرناه لم يقل أيضا أنه جائز عندي من طريق العقل الاختيار وإنما خلافي هذا في

(١) الخطوب جمع خطب وهو الأمر العظيم.

(٢) خ " جلة " ويقصد بهم عليا عليه السلام والمنحازين إليه يوم السقيفة كالزبير وسلمان والمقداد وأبي ذر وعمار، وخالد وأبان ابني سعيد بن العاص، وأبي الهيثم بن التيهان، وسهل وعثمان ابني حنيف، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين وأبي أيوب الأنصاري وأبي بن كعب وبريدة الأسلمي والعباس وأولاده بل بني هاشم كافة وغيرهم.

(٣) خ " ذلك ".

١٢
عين المختار لا في أصل الاختيار، وكما لم يقل عند إظهار الخلاف أنني مخالف في أصل الاختيار، ومبطل لجميعه، وليس خلافي خلاف من ينكر اختيارا ويصحح آخر فإن جاز عند خصومنا أن يكون ما ذكرناه أولا مستقرا في نفوس القوم المخالفين في إمامة الرجل الذي ذكرناه وإن لم يصرحوا به، وعولوا على ما يرجع إلى الدليل فيه من أحوالهم، جاز أيضا أن يكون ما ذكرناه أخيرا كان في نفوسهم ولم يظهروه للعلة التي ذكرت أو لغيرها، وما يدعى في الأنصار من أن ظاهر خلافهم كان في عين المختار لا في أصل الاختيار لا يمكن أن يدعى في غيرهم ممن ذكر خلافه في تلك الحال.

وأما الشورى وما يدعونه من أن دخول الجماعة فيها كان على سبيل الرضا بالاختيار فسنبين أيضا أنه ليس كل الداخلين فيها كان راضيا بالاختيار إذا انتهينا إلى الكلام فيما يتعلق بالشورى، على أن الخطوب لم تجر في أن العقل يدل على فساد الاختيار أم على صحته وإنما جرت في أعيان المختارين وقد خولف في ذلك بما أقل أحواله أن يكون محتملا بإنكار أصل الاختيار كاحتماله لغيره وليس يجب على المنكر في كل حال أن يبني وجه إنكاره على سبيل التفصيل وجهته، فإذا لم يجب ذلك لم يكن ترك القوم للتصريح بأن إنكارهم إنما كان لأصل الاختيار دون فرعه إلا على أنهم لم يكونوا منكرين لأصله، لأن النكير على سبيل الجملة يكفي في مثل تلك الحال

١٣

فصل
في أبطال ما طعن به على ما حكاه من طرقنا في وجوب النص


قال صاحب الكتاب: " أحد ما يعتمدون عليه ما تقدم القول فيه من أن الإمام لا بد أن يكون حجة، ومستودعا للشريعة يحفظها ويقوم (١) [ بأدائها، فلا بد من أن يكون معينا يتميز من غيره ] (٢) وذلك لا يكون إلا بنص أو معجز، وربما قالوا: إذا كان يقوم بمصالح الدين التي لا بد منها من إقامة الحدود وما أشبهها (٣) فلا بد من عصمته، ولا يكون كذلك إلا بالتعيين ".

قال: " وكل ذلك * مما تقدم الكلام عليه * (٤) والجواب عنه لأنهم إذا بنوا النص عليه وقد بينا فساد التعلق به فيجب أن لا يصح إثبات النص من جهة العقل... " (٥).

(١) " يقوم " ساقطة من المغني والشافي وقد اقتضاها السياق.

(٢) ما بين المعقوفين ساقط من الشافي وأعدناه من المغني.

(٣) عند المقابلة بين ما في المغني والمنقول عنه هنا يظهر أن كلمة " وما أشبهها " إجمال من المرتضى للمذكور هناك لأن الذي في " المغني " هكذا: (يقوم بمصالح الدين التي لا بد منها من إقامة الحدود، وتنفيذ الأحكام، وقسمة الفئ والغنيمة، وجباية الخراج، إلى غير ذلك، فلا بد أن يكون معصوما لا يزل ولا يضل، ولا يكون ذلك إلا بالتعيين الذي لا يكون إلا بنص أو معجز إلى سائر ما يشاكل ذلك مما قدمناه وكل ذلك) الخ.

(٤) ما بين النجمتين ساقط من المغني.

(٥) المغني ٢٠ ق ١ / ١٠٣.

١٤
يقال له: قد تقدم كلامنا على ما ظننت أنه مفسد لما حكيته عنا، وكشفنا من بطلانه بما لا يدخل على منصف شبهة، فإذا كنت متعمدا في دفع استدلالنا بما حكيته على ما قدمته وقد بينا فساده بما تقدم فقد سلم ما تطرقنا به إلى وجوب النص وخلص من كل شبهة.

قال صاحب الكتاب: " شبهة أخرى لهم وربما قالوا: لا بد لمن يكون إماما أن يكون على حال وصفة لا طريق للاجتهاد فيها، فلا بد من أن يكون بنص، وربما ذكروا في هذه الصفة كونه معصوما إلى سائر ما تقدم، والجواب عنه قد سلف ".

قال " وربما ذكروا غيره، بأن يقولوا: لا بد من أن يكون عالما بجميع الأحكام حتى لا يشذ عليه (١) شئ منها وإلا لزم ذلك أن يكون قد كلف القيام بما لا سبيل له إليه (٢) ويحل ذلك محل تكليف ما لا يطاق فلا بد من نص عليه، لأنه لا طريق للمجتهدين إلى معرفة ذلك من حاله، لأنه إنما يعلم ذلك من حاله في استغراق المعلوم (٣) من يعرف هذه العلوم أجمع لم تصح لهم معرفته، ولأن معرفة ذلك لا تصح إلا بامتداد الأوقات، وبالتجربة والامتحان، فإذا لم يكن وقوف أحد من الأمة عليه لم يجز أن يكلف الاجتهاد في ذلك فلا بد من النص " (٤).

قال: " ثم يقال لهم: أمن جهة العقل تعلمون إن كونه عالما بجميع هذه الأحكام من شرط كونه إماما، أو بالسمع؟ فإن قالوا:

(١) غ " لا يشذ منه ".

(٢) الضمير في " له " للإمام، وفي " إليه " لما يكلف القيام به.

(٣) غ: " هذه العلوم ".

(٤) المغني ٢٠ ق ١ / ١٠٤.

١٥
بالسمع قيل لهم: إنما نكلمكم في طريقة العقل * فكيف يصح أن تلجأوا إلى السمع الذي يجري مجرى الفرع للعقل * (١)، والذي إذا ثبت لم يدل على أن قضية العقل تقتضيه [ لأنه قد ثبت بالسمع ما كان يجوز في خلافه ] (٢) فلا بد من أن يقولوا: إنا علمنا ذلك بالعقل، فيقال لهم:

وأي دليل في العقل يقتضي ما ذكرتموه مع علمنا بأنه قد يجوز أن يقوم بكل ما فوض إليه على حقه وإن لم يكن عالما بجميع الأحكام " (٣).

يقال له: أما الذي يدل على وجوب كون الإمام عالما بجميع الأحكام فهو أنه قد يثبت أن الإمام إمام في سائر الدين، ومتول للحكم في جميعه، جليله ودقيقه، ظاهره وغامضه وليس يجوز أن لا يكون عالما بجميع الدين والأحكام، وهذه صفته لأن من المتقرر عند العقلاء قبح استكفاء الأمر وتوليته من لا يعلمه، وإن كان لمن ولوه واستكفوه سبيل إلى علمه، لأن المعتبر عندهم كون المولى عالما بما ولي ومضطلعا به ولا معتبر بإمكان تعلمه وكونه مخلى بينه وبين طريق العلم لأن ذلك وإن كان حاصلا فلا تخرج ولايته من أن تكون قبيحة إذا كان فاقدا للعلم بما فوض إليه.

يبين ما ذكرناه أن الملك إذا أراد أن يستوزر بعض أصحابه ويستكفيه تدبير جيوشه ومملكته فلا بد أن يختار لذلك من يثق منه بالمعرفة والاضطلاع حتى أنه ربما جربه في بعض ما يشك فيه من حاله، وفيما لا يكون واثقا بمعرفته به واضطلاعه عليه، وليس يجوز أن يفوض أمر وزارته، وتدبير أموره وسياسة جنده إلى من لا علم له بشئ من ذلك، لكنه ممن يتمكن من التعلم والتعرف ولا حائل بينه وبين البحث والمسألة

(١) ما بين النجمتين ساقط من المغني.

(٢) ما بين المعقوفين معاد من المغني.

(٣) المغني ٢٠ ق ١ / ١٠٤.

١٦
ومتى استكفى الملك من هذه حاله، يعني فقد العلم والاضطلاع كان مقبحا مهملا لأمر وزارته واضعا لها في غير موضعها، واستحق من جميع العقلاء نهاية اللوم والإزراء عليه، وهذا حكم كل واحد منا مع من يستكفيه مهما من أموره فإنه لا يجوز أن يفوض أحدنا ما يريد أن يصنعه إلى من لا معرفة له بتلك الصناعة، لكنه يتمكن من تعرفها وتعلمها وكل من رأيناه فاعلا لذلك عددناه في جملة السفهاء، ولا فرق فيما اعتبرناه بين فقد المستكفي للعلم بجميع ما أسند إليه وبين فقده للعلم ببعضه، لأن العلة التي لها قبح العلماء (١) ولاية الشئ من لا يعلم جميعه هي فقده للعلم بما تولاه، وهذه العلة قائمة في البعض لأنه إذا كان حكم البعض حكم الكل في الولاية والاستكفاء ففقد المولى للعلم بالبعض كفقده للعلم بالكل، وليس يشك العقلاء في أن بعض الملوك لو ولى وزارته أو كتابته من لا يعلم أكثر أحكام الكتابة والوزارة أو شطرها (٢) لكان حكمه في فعل القبيح حكم من ولى وزارته من لا يعلم شيئا منها، وكذلك القول في الكتابة، وليس تجري الولاية والاستكفاء مجرى التكليف، فإن تكليف الشئ من لا يعلم إذا كان له سبيل إلى علمه حسن وولايته واستكفاء أمره من لا يعلمه قبيح وإن كان المولى متمكنا من أن يعلم، وللفرق أيضا بين الأمرين مثال في الشاهد لأن أحدنا يحسن منه أن يكلف بعض غلمانه (٣) أو أحد أولاده علم بعض الصناعات إذا كان متمكنا من الوصول إلى العلم بها، ولا يحسن منه أن يوليه صناعة ويجعله رئيسا فيها وقدوة وهو لا يحسنها، أو لا يحسن أكثرها.

(١) خ " العلماء والحكماء ".

(٢) شطر الشئ نصفه، والمراد هنا القيام ببعضها.

(٣) خ " غلمانه وخدامه ".

١٧
ومما يوضح ما ذكرناه أن اعتذار من عدل عن ولاية غيره أمرا من الأمور بأنه لا يعلمه ولا يحسنه واضح، واقع موقعه عند العقلاء، كما أن اعتذاره في العدول عنه بأنه لا يقدر على ما عدل فيه عنه أيضا صحيح واضح، فلولا أن ولاية الشئ من لا يعلمه قبيحة غير جائزة لم يحسن الاعتذار بأنه لا يحسن ولا يعلم كما لا يحسن الاعتذار بغير ذلك مما لا تأثير له في قبح الولاية كالهيئة والخلقة، وليس لأحد أن يقول إن الإمام إمام فيما علمه من الأحكام دون ما لم يعلمه، ويطعن بذلك فيما اعتمدناه لأن الإجماع يمنع من ذلك ولا خلاف في أن الإمام إمام في سائر الدين وإن اختلف في تأويل معنى الإمامة.

وإنما بنينا الكلام في الدلالة على وجوب كونه عالما بجميع الأحكام على كونه إماما في سائر الدين، ولو جاز أن يكون إماما في بعض من الدين دون بعض لم يجب عندنا أن يكون عالما بالبعض الذي ليس هو إماما فيه، ومما يدل أيضا على ذلك أن الإمام قد ثبت كونه حجة في الدين، وحافظا للشرع بما تقدم من الأدلة، فلو جوزنا ذهاب بعض الأحكام عنه لقدح ذلك في كونه حجة من وجهين.

أحدهما: إنا لا نأمن أن يكون ما ذهب عنه من أمر الدين ولم يكن عالما به مما اتفق للأمة كتمانه، والإعراض عن نقله وأدائه، لأنا قد دللنا فيما مضى من الكتاب على جواز ذلك عليها، وإذا كنا إنما نفزع فيما يجوز عليها من الكتمان إلى بيان الإمام واستدراكه عليها فمتى جوزنا على الإمام أن يذهب عنه بعض الأحكام ارتفعت ثقتنا بوصول جميع الشرع إلينا، وهذا قادح في كون الإمام حجة بلا شك.

والوجه الآخر: أن تجويز ذهاب بعض الدين عنه، وإشكال بعض

١٨
الأحكام عليه منفر عن قبول قوله والانقياد له، وما ينفر عن قبول قوله قادح في كونه حجة، وليس لأحد أن يقول: إن تجويز ما ذكرتموه غير منفر فيجب أن تدلوا على كونه منفرا وما تنكرون على من قال لكم: إن الذي ذكرتموه لو كان منفرا لوجب أن لا يصح ممن جوزه على الإمام قبول قوله والانقياد له، وفي العلم بأن من جوز ما ذكرتموه يصح أن ينقاد له ويمتثل أمره دلالة على بطلان ما اعتبرتموه، لأنا لم نعن بالتنفير ما يمنع من قبول القول، ويرفع صحة الانقياد، وليس هذا مراد أحد من المحصلين (١) بذكر التنفير في المواضع التي يذكر فيها، والذي أردناه أن رعية الإمام لا يكونون عند تجويزهم عليه الجهل ببعض الدين وشطره في السكون إلى قوله والانقياد له، والانتهاء إلى أوامره. إذا لم يجوزوا ذلك عليه، واعتقدوا أنه عالم بجميع ما هو إمام فيه، فمن ادعى أنه لا فرق بين الحالين فيما يقتضي السكون والقرب من القبول كان مكابرا لعقله ومن ادعى أنهم في الحالين معا يصح منهم القبول والانقياد ولا ينكر وقوعهما من جهتهم كان محقا لأنه غير طاعن على كلامنا لأنا لم نرد بالتنفير دفع الإمكان والصحة، وإنما أردنا ما ذكرناه على أنه لو أخرج ما ذكرناه من أن يكون منفرا وقوع القبول ممن جوزه لأخرج تجويز الكبائر على الأنبياء قبل حال النبوة وفي حالها من أن يكون منفرا وقوع تصديقهم والعمل بشرائعهم ممن جوزها فإذا كان ذلك غير مخرج لتجويز الكبائر من حكم التنفير الذي هو أن المكلفين لا يكونون عنده من السكون إلى قول النبي على الحد الذي يكونون عليه إذا أمنوها ووثقوا ببرائته منها فكذلك القول فيما حكمنا به من حصول التنفير عمن جوز عليه الجهل بأكثر الدين لأنا لم نعن به إلا ما عناه من جعل تجويز الكبائر منفرا عن الأنبياء عليهم السلام، ويدل أيضا على

(١) المراد بالمحصلين طلاب العلوم وهو مصطلح حادث.
١٩
كون الإمام عالما بجميع الأحكام ما ثبت من وجوب الاقتداء به في جميع الدين، وليس يصح الاقتداء في الشئ بمن لا يعلمه، وليس للمخالف أن يقول: إنا نقتدي به فيما يعلمه دون ما لا يعلمه لأنا قد بينا من قبل أنه إمام في جميع الدين وأن ثبوت كونه إماما في جميعه يقتضي كونه مقتدى به في الكل، وإذا ثبت بما ذكرناه وجوب كونه عالما بكل الأحكام استحال اختياره، ووجب النص عليه، لأن من يقوم باختياره من الأمة لا يعلم جميع الأحكام، فكيف يصح أن يختار من هذه صفته؟

فأما حوالة صاحب الكتاب في أول ما حكيناه من كلامه في هذا الفصل على ما سلف له في إبطال كون الإمام معصوما، فما أحالنا عليه قد بينا بطلانه، واستقصينا الكلام عليه عند نصرتنا الأدلة في وجوب عصمة الإمام.

فأما قوله فيما حكاه عنا من الاستدلال: " وإلا أدى ذلك إلى أن يكون قد كلف القيام بما لا سبيل له إليه، ويحل محل تكليف ما لا يطاق " فإنا لا نعتمد على ما ظنه ولا نلزمه إياه أيضا بل الذي يؤدي إلى ذلك إليه من الفساد وفعل القبيح هو ما ذكرناه في صدر كلامنا هذا وأشبعناه.

وقد بينا أن العقلاء يستقبحون استكفاء الأمر من لا يعلمه وإن كان له إلى علمه سبيل، وليس إذا لم يقبح هذا الفعل من حيث كان تكليفا لما لا يطاق لا يجب قبحه، لأن جهات القبح كثيرة من جملتها تكليف ما لا يطاق، وقد يجوز أن يكون ما لم يقبح لهذا الوجه يقبح لغيره.

فأما قوله " أمن جهة العقل علمتم أن كونه عالما بجميع الأحكام من شرط كونه إماما أو بالسمع؟ ".

فقد بينا في الفصل المتقدم أن كون الإمام عالما بجميع الأحكام ليس

٢٠