×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الشافي في الإمامة (ج 3) / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
كتاب الشافي في الإمامة (ج٣) للشريف المرتضى (ص ١ - ص ٢٠)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

الإستدلال بحديث المنزلة:

قال صاحب الكتاب: " دليل لهم آخر، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وآله: " أنت مني بمنزلة هارون بن موسى إلا أنه لا نبي بعدي " (١) فاقتضى هذا الظاهر أن له كل منازل هارون من موسى، لأنه أطلق ولم يخص إلا ما دل عليه العقل، والاستثناء المذكور (٢) ولولا أن الكلام يقتضي الشمول

(١) حديث المنزلة أخرجه جماعة من الحفاظ وأرباب المسانيد كالبخاري في صحيحه ٤ / ٢٠٨، كتاب بدء الخلق باب مناقب علي بن أبي طالب و ج ٥ / ١٢٩، كتاب المغازي، باب غزوة تبوك، ومسلم في صحيحه ٢ / ٣٦٠، كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عبد البر بترجمة علي عليه السلام من الاستيعاب ٣ / ٤٥ وعقب عليه بقوله: " وهو من أثبت الآثار وأصحها رواه عن النبي سعد بن أبي وقاص " قال: " وطرق سعد فيه كثيرة ذكرها ابن أبي خيثمة وغيره " قال: " ورواه ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأم سلمة، وأسماء بنت عميس، وجابر بن عبد الله وجماعة يطول ذكرهم " ورواه أحمد في المسند بطرق عديدة عن جماعة من الصحابة (انظر الجزء الأول ص ١٧٣ و ١٧٥ و ١٧٧ و ١٧٩ و ١٨٢ و ١٨٥ و ٣٣١، والجزء السادس ٣٦٩ و ٤٣٨، وفي صواعق ابن حجر ص ١٧٩ قال أخرج أحمد " إن رجلا سأل معاوية عن مسألة، فقال: سل عنها عليا فهو أعلم، قال: جوابك فيها أحب إلي من جواب علي، قال بئس ما قلت لقد كرهت رجلا كان رسول الله يغره بالعلم غرا، ولقد قال له: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " وكان عمر إذا أشكل عليه شئ أخذ منه قال: " وأخرجه آخرون ولكن زاد بعضهم: قم عني لا أقام الله رجليك، ومحا اسمه من الديوان " ونقله كل علماء السيرة عند تعرضهم لغزوة تبوك، والكلام في ذكر كل ما هنالك يطول.

(٢) غ " والاستدلال " وهو خطأ ".

٦
لما كان للاستثناء معنى وإنما نبه عليه السلام باستثناء النبوة على أن ما عداه قد دخل تحته إلا ما علم بالعقل أنه لا يدخل فيه نحو الأخوة في النسب أو الفضل الذي يقتضيه شركة النبوة إلى ما شاكله، وقد ثبت أن أحد منازله من موسى عليه السلام أن يكون خليفته (١) من بعده وفي حال غيبته، وفي حال موته، فيجب أن يكون هذه حال أمير المؤمنين عليه السلام، من بعد النبي صلى الله عليه وآله قالوا: ولا يطعن فيما بيناه (٢) أن هارون عليه السلام مات قبل موسى عليه السلام لأن المتعالم أنه لو عاش بعده لخلفه فالمنزلة ثابتة، وإن لم يعش فيجب حصولها لأمير المؤمنين عليه السلام إذا عاش بعد الرسول صلى الله عليه وآله كما لو قال الرئيس لصاحب له: منزلتك عندي في الإكرام والعطاء منزلة فلان من فلان وفلان فأت فيه الإكرام والعطاء بموت أو غيبة (٣) ولم يفت في الثاني فالواجب أن ينزل منزلته، ولا يجوز أن يقال: لا يزاد على الأول في ذلك، قال: وربما قالوا: قد ثبت أن موسى عليه السلام قد استخلف هارون على الإطلاق على ما دل عليه قوله تعالى: (اخلفني في قومي) (٤) فيجب ثبوت هذه المنزلة لعلي عليه السلام من الرسول صلى الله عليه وآله على الإطلاق حتى تصير كأنه صلى الله عليه وآله قال: اخلفني في قومي، والمعلوم أنه لو قال ذلك لتناول حال الحياة وحال الممات فيجب لذلك أن يكون هو الخليفة [ من بعده ] (٥) وربما قالوا: قد ثبت أنه صلى الله عليه وآله قد استخلف أمير المؤمنين عليه السلام عند غيبته في غزوة تبوك، ولم يثبت عنه أنه

(١) غ " خليفة ".

(٢) غ " فيما قلناه ".

(٣) غ " أو غيبة ".

(٤) الأعراف ١٤٢.

(٥) التكملة من " المغني ".

٧
صلى الله عليه وآله صرفه فيجب أن يكون خليفته بعد وفاته كما يجب في هارون أن يكون خليفته أبدا ما عاش، وربما ذكروا ذلك بأن قالوا: إنه صلى الله عليه وآله أثبت له منزلته ونفى الأشياء الأخرى فإذا كان ما نفاه بعده صلى الله عليه وآله ثابتا فالذي أثبته كمثله وهذا يوجب أنه الخليفة بعده لأنه صلى الله عليه وآله نبه بالاستثناء على هذه الحالة وإن كان مثلها لم يحصل لهارون عليه السلام إلا في حال حياة موسى عليه السلام،...) (١).

يقال له: نحن نبين كيفية الاستدلال بالخبر الذي أوردته على إيجاب النص ونورد من الأسئلة والمطالبات ما يليق بالموضع ثم نعود إلى نقض كلامك على عادتنا فيما سلف من الكتاب فنقول: إن الخبر دال على النص من وجهين ما فيهما إلا قوي معتمد أحدهما أن قوله صلى الله عليه وآله " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " يقتضي حصول جميع منازل هارون من موسى عليه السلام لأمير المؤمنين إلا ما خصه الاستثناء المتطرق (٢) به في الخبر وما جرى مجرى الاستثناء من العرف، وقد علمنا أن منازل هارون من موسى هي الشركة في النبوة، وأخوة النسب والفضل والمحبة والاختصاص على جميع قومه والخلافة له في حال غيبته على أمته، وأنه لو بقي بعده لخلفه فيهم ولم يجز أن يخرج القيام بأمورهم عنه إلى غيره، وإذا خرج بالاستثناء منزلة النبوة، وخص العرف منزلة الأخوة في النسب لأن من المعلوم لكل أحد ممن عرفهما عليهما السلام أنه لم يكن بينهما أخوة نسب وجب القطع على ثبوت ما عدا هاتين المنزلتين، وإذا ثبت ما عداهما وفي جملته أنه لو بقي لخلفه ودبر أمر أمته وقام فيهم مقامه، وعلمنا بقاء أمير المؤمنين عليه السلام بعد وفاة

(١) المغني ٢٠ ق ١ / ١٥٩.

(٢) المستطرق به خ ل أيضا " المنطوق به " خ ل.

٨
الرسول صلى الله عليه وآله وجبت له الإمامة بعده بلا شبهة.

فإن قالوا: دلوا أولا على صحة الخبر فهو الأصل، ثم على أن من جملة منازل هارون من موسى أنه لو بقي بعد وفاته لخلفه وقام بأمر أمته، ثم على أن الخبر يصح فيه طريقة العموم، وأنه يقتضي ثبوت جميع المنازل بعد ما أخرجه الاستثناء وما جرى مجراه.

قيل: أما الذي يدل على صحة الخبر فهو جميع ما دل على صحة خبر الغدير مما استقصيناه فيما تقدم وأحكمناه، ولأن علماء الأمة مطبقون على قبوله وإن اختلفوا في تأويله والشيعة تتواتر به وأكثر رواة الحديث يرويه ومن صنف الحديث منهم أورده من جملة الصحيح، وهو ظاهر بين الأمة شائع كظهور سائر ما نقطع على صحته من الأخبار واحتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على أهل الشورى يصححه، ومن يحكي أنه رده أو أظهر الشك فيه لا شك إذا صحت الحكاية عنه في شذوذه وتقدم الإجماع لقوله ثم تأخره عنه، وكل هذا قد تقدم فلا حاجة بنا إلى بسطه.

وأما الدليل على أن هارون عليه السلام لو بقي بعد موسى لخلفه في أمته فهو أنه قد ثبت خلافته له في حال حياته بلا خلاف وفي قوله تعالى:

(وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين) (١) أكبر شاهد بذلك. وإذا ثبت الخلافة له في حال الحياة وجب حصولها له بعد حال الوفاة لو بقي إليها لأن خروجها عنه في حال من الأحوال مع بقائه حط له من رتبة كان عليها، وصرف عن ولاية فوضت إليه، وذلك يقتضي من التنفير أكثر مما يعترف به خصومنا من المعتزلة بأن الله تعالى يجنب أنبياءه عليهم السلام من القباحة في الخلق

(١) الأعراف ١٤٢.

٩
والدمامة المفرطة، والصغائر المستخفة، وأن لا يجيبهم الله تعالى إلى ما يسألونه لأمتهم من حيث يظهر لهم.

فإن قال: ولم زعمتم أن فيما ذكرتموه تنفيرا قيل له: لأن خلافة هارون لموسى عليهما السلام كانت منزلة في الدين جليلة، ودرجة فيه رفيعة، واقتضت من التبجيل والتعظيم ما يجب لمثلها لم يجز أن يخرج عنها لأن في خروجه عنها زوال ما كان له في النفوس بها من المنزلة، وفي هذا نهاية التنفير والتأثير في السكون إليه ومن دفع أن يكون الخروج عن هذه المنزلة منفرا كمن دفع أن يكون سائر ما عددناه منفرا.

فإن قال: إذا ثبت فيما ذكرتموه أنه منفر وجب أن يجتنبه هارون عليه السلام من حيث كان نبيا ومؤديا عن الله عز وجل، لأنه لو لم يكن نبيا لما وجب أن يجتنب المنفرات، فكأن نبوته هي المقتضية لاستمرار خلافته إلى بعد الوفاة، وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله قد استثنى في الخبر النبوة وجب أن يخرج معها ما هي مقتضية له وكالسبب فيه، وإذا أخرجت هذه المنزلة مع النبوة لم يكن في الخبر دلالة على النص الذي تدعونه.

قيل له: إن أردت بقولك إن الخلافة من مقتضى النبوة أنه من حيث كان نبيا تجب له هذه المنزلة كما يجب له سائر شروط النبوة فليس الأمر كذلك، لأنه غير منكر أن يكون هارون قبل استخلاف موسى له شريكا في نبوته، وتبليغ شرعه وإن لم يكن خليفة له فيما سوى ذلك في حياته ولا بعد وفاته، وإن أردت أن هارون بعد استخلاف موسى له في حياته يجب أن يستمر حاله ولا يخرج عن هذه المنزلة، لأن خروجه عنها يقتضي التنفير الذي يمتنع نبوة هارون منه، وأشرت في ذلك أن النبوة تقتضي الخلافة بعد الوفاة إلى هذا الوجه فهو صحيح، غير أنه لا يجب ما ظننته من استثناء الخلافة باستثناء النبوة، لأن أكثر ما فيه أن يكون

١٠
كالسبب في ثبوت الخلافة بعد الوفاة، وغير واجب أن ينفي ما هو كالسبب عن غيره عند نفي ذلك الغير ألا ترى أن أحدنا لو قال لوصيه: اعط فلانا من مالي كذا وكذا - وذكر مبلغا عينه - فإنه يستحق هذا المبلغ علي من ثمن سلعة ابتعتها منه، وأنزل فلانا منزلة فلان الذي أوصيتك به وأجره مجراه، فإن ذلك يجب له من أرش جناية أو قيمة متلفة، أو ميراث أو غير هذه الوجوه، بعد أن يذكر وجها يخالف الأول لوجب على الوصي أن يسوي بينهما في العطية، ولا يخالف بينهما فيها من حيث اختلفت جهة استحقاقهما، ولا يكون قول هذا القائل عند أحد من العقلاء يقتضي سلب المعطى الثاني العطية من حيث سلبه جهة استحقاقها في الأول، فوجب بما ذكرناه أن تكون منزلة هارون من موسى عليهما السلام في استحقاق خلافته له بعد وفاته ثابتة لأمير المؤمنين عليه السلام لاقتضاء اللفظ لها، وإن كانت تجب لهارون من حيث كان في انتفائها تنفير يمنع نبوته منه وتجب لأمير المؤمنين عليه السلام من غير هذا الوجه.

وليس له أن يقول: إن ما ذكرتم حاله لم يختلفا في جهة العطية، وما هو كالسبب لها لأن القول من الموصي هو المقتضي لها، والمذكوران يتساويان فيه، وذلك أن سبب استحقاق العطية في الحقيقة ليس هو القول، بل هو ما تقدم ثمن البيع وقيمة التلف أو ما جرى مجراهما، وهو مختلف لا محالة، وإنما يجب بالقول على الموصى إليه العطية، فأما الاستحقاق على الموصي وسببه فيتقدمان بغير شك، ويزيد ما ذكرناه وضوحا أن النبي صلى الله عليه وآله لو صرح به حتى يقول: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " في خلافته له في حياته واستحقاقها له لو بقي إلى بعد وفاته إلا أنك لست بنبي كان كلامه صلى الله عليه وآله صحيحا غير متناقض ولا خارج عن الحقيقة، ولم يجب عند أحد أن يكون باستثناء النبوة نافيا لما أثبته من منزلة الخلافة بعد الوفاة، وقد يمكن مع ثبوت هذه الجملة أن يرتب الدليل في

١١
الأصل على وجه يجب معه كون هارون مفترض الطاعة على أمة موسى لو بقي إلى بعد وفاته، وثبوت مثل هذه المنزلة لأمير المؤمنين عليه السلام وإن لم يرجع إلى كونه خليفة له في حال حياته ووجوب استمرار ذلك إلى بعد الوفاة فإن في المخالفين من يحمله نفسه على دفع خلافة هارون لموسى في حياته وإنكار كونها منزلة تنفصل عن نبوته وإن كان فيما حمل نفسه عليه ظاهره المكابرة ويقول: قد ثبت أن هارون كان مفترض الطاعة على أمة موسى عليه السلام لمكان شركته له في النبوة التي لا يتمكن من دفعها، وثبت أنه لو بقي بعده لكان ما يجب من طاعته على جميع أمة موسى عليه السلام يجب له لأنه لا يجوز خروجه عن النبوة وهو حي، وإذا وجب ما ذكرناه وكان النبي صلى الله عليه وآله قد أوجب بالخبر لأمير المؤمنين عليه السلام جميع منازل هارون من موسى ونفى أن يكون نبيا وكان من جملة منازله أنه لو بقي بعده لكانت طاعته مفترضة على أمته وإن كانت تجب لمكان نبوته وجب أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام المفترض الطاعة وعلى سائر الأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وإن لم يكن نبيا لأن نفي النبوة لا يقتضي نفي ما يجب لمكانها على ما بيناه، وإنما كان يجب بنفي النبوة، نفي فرض الطاعة لو لم يصح حصول فرض الطاعة إلا للنبي، وإذا جاز أن يحصل لغير النبي كالإمام والأمير علم انفصاله من النبوة، وأنه ليس من شرائطها وحقائقها التي تثبت بثبوتها وتنتفي بانتفائها والمثال الذي تقدم يكشف عن صحة قولنا، وأن النبي صلى الله عليه وآله لو صرح أيضا بما ذكرناه حتى يقول " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " في فرض الطاعة على أمتي وإن لم تكن شريكي في النبوة وتبليغ الرسالة لكان كلامه مستقيما بعيدا من التنافي، فإن قال: فيجب على هذه الطريقة أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام مفترض الطاعة على الأمة في حال حياة النبي صلى الله عليه وآله
١٢
كما كان هارون كذلك في حياة موسى عليه السلام.

قيل له: لو خلينا وظاهر الكلام لأوجبنا ما ذكرته، غير أن الإجماع مانع منه لأن الأمة لا تختلف في أنه عليه السلام لم يكن مشاركا للرسول صلى الله عليه وآله في فرض الطاعة على الأمة في جميع أحوال حياته حيث ما كان عليه هارون في حياة موسى ومن قال منهم: إنه مفترض الطاعة في تلك الأحوال يجعل ذلك في أحوال غيبة الرسول عن الأمة في جميع أحوال حياته حيث ما كان عليه هارون في حياة موسى ومن قال منهم: إنه مفترض الطاعة في تلك الأحوال يجعل ذلك في أحوال غيبة الرسول صلى الله عليه وآله على وجه الخلافة له لا في أحوال حضوره، وإذا خرجت أحوال الحياة بالدليل تثبت الأحوال بعد الوفاة بمقتضى اللفظ فإن قال ظاهر قوله عليه السلام: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " لم يمنع مما ذكرتموه لأنه يقتضي من المنازل ما حصل لهارون من جهة موسى واستفادة به، وإلا فلا معنى لنسبة المنازل إلى أنها منه، وفرض الطاعة الحاصل عن النبوة غير متعلق بموسى عليه السلام ولا واجب من جهته.

قيل له: أما سؤالك فظاهر السقوط على كلامنا، لأن خلافة هارون لموسى في حياته لا شك في أنها منزلة منه، وواجبة بقوله الذي ورد به القرآن، فأما ما أوجبناه من استخلافه الخلافة بعده فلا مانع من إضافته أيضا إلى موسى عليه السلام، لأنه من حيث استخلفه في حياته وفوض إليه تدبير قومه ولم يجز أن يخرج عن ولاية جعلت له، وجب حصول هذه المنزلة له بعد الوفاة، فتعلقها بموسى عليه السلام تعلق قوي، فلم يبق إلا أن نبين الجواب على الطريقة التي استأنفناها، والذي يبينه أن قوله صلى الله عليه وآله: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " لا يقتضي ما ظنه السائل من حصول المنازل بموسى عليه السلام ومن جهته، كما أن قول أحدنا: أنت مني بمنزلة أخي مني أو بمنزلة أبي مني لا يقتضي كون الأخوة

١٣
والأبوة به ومن جهته، فليس يمكن أحدا أن يقول في هذا القول إنه مجاز أو خارج عن حكم الحقيقة، ولو كانت هذه الصيغة تقتضي ما ادعى لوجب أيضا أن لا يصح استعمالها في الجمادات، وكل ما لا يصح منه فعل، وقد علمنا صحة استعمالها فيما ذكرناه لأنهم لا يمنعون من القول بأن منزلة دار زيد من دار عمرو بمنزلة دار خالد من دار بكر، ومنزلة بعض أعضاء الإنسان منه بمنزلة بعض آخر منه، وإنما يفيدون تشابه الأحوال وتقاربها، ويجري لفظة " من " في هذه الوجوه مجرى " عند " و " مع " فكأن القائل أراد محلك عندي، وحالك معي في الاكرام والاعظام كحال أبي عندي ومحله فيهما، ومما يكشف عن صحة ما ذكرناه حسن استثناء الرسول صلى الله عليه وآله النبوة من جملة المنازل، ونحن نعلم أنه لم يستثن إلا ما يجوز دخوله تحت اللفظ عندنا، أو يجب دخوله عند مخالفينا، ونعلم أيضا أن النبوة المستثناة لم تكن بموسى عليه السلام وإذا ساغ استثناء النبوة من جملة ما اقتضى اللفظ مع أنها لم تكن بموسى عليه السلام بطل أن يكون اللفظ متناولا لما وجب من جهة موسى من المنازل، وأما الذي يدل على أن اللفظ يوجب حصول جميع المنازل إلا ما أخرجه الاستثناء، وما جرى مجراه وإن لم يكن من ألفاظ العموم الموجبة للاشتمال والاستغراق، ولا كان من مذهبنا أيضا أن في اللفظ المستغرق للجنس على سبيل الوجوب لفظا موضوعا له فهو أن دخول الاستثناء في اللفظ الذي يقتضي على سبيل الاحتمال أشياء كثيرة متى صدر من حكيم يريد البيان والافهام دليل على أن ما يقتضيه اللفظ يحتمله بعد ما خرج بالاستثناء مرادا بالخطاب وداخل تحته، ويصير دخول الاستثناء كالقرينة أو الدلالة التي توجب بها الاستغراق والشمول، يدل على صحة ما ذكروه أن الحكيم منا إذا قال:

من دخل داري أكرمته إلا زيدا فهمنا من كلامه بدخول الاستثناء إن من عدا زيدا مراد بالقول، لأنه لو لم يكن مرادا لوجب استثناؤه مع إرادة

١٤
الإفهام والبيان، فهذا وجه.

ووجه آخر وهو إنا وجدنا الناس في هذا الخبر على فرقتين منهم من ذهب إلى أن المراد منزلة واحدة لأجل السبب الذي يعدون خروج الخبر عليه أو لأجل عهد أو عرف، والفرقة الأخرى تذهب إلى عموم القول بجميع ما هو منزلة لهارون من موسى عليهما السلام بعد ما أخرجه الدليل على اختلافهم في تفصيل المنازل وتعيينها، وهؤلاء هم الشيعة وأكثر مخالفيهم، لأن القول الأول لم يذهب إليه إلا الواحد والاثنان، وإنما يمتنع من خالف الشيعة من إيجاب كون أمير المؤمنين عليه السلام خليفة النبي صلى الله عليه وآله من حيث لم يثبت عندهم أن هارون لو بقي بعد موسى لخلفه، ولا أن ذلك مما يصح أن يعد في جملة منازله فكان كل من ذهب إلى أن اللفظ يصح تعديه المنزلة الواحدة ذهب إلى عمومه فإذا فسد قول من قصر القول على المنزلة الواحدة لما سنذكره، وبطل وجب عمومه لأن أحدا لم يقل بصحة تعديته مع الشك في عمومه، بل القول بأنه مما يصح أن يتعدى، وليس بعام خروج عن الإجماع.

فإن قال: وبأي شئ تفسدون أن يكون الخبر مقصورا على منزلة واحدة لأجل السبب أو ما يجري مجراه.

قيل له: أما ما تدعي من السبب الذي هو إرجاف المنافقين (١)، ووجوب حمل الكلام عليه وألا يتعداه فيبطل من وجوه:

منها، أن ذلك غير معلوم على حد العلم بنفس الخبر (٢) بل غير معلوم أصلا، وإنما وردت به أخبار آحاد وأكثر الأخبار واردة بخلافه، وأن أمير المؤمنين عليه السلام لما خلفه النبي صلى الله عليه وآله بالمدينة في

(١) الأرجاف: واحد أراجيف الأخبار، وأرجف القوم خاضوا في أخبار الفتن وغيرها، ومنه (المرجفون في المدينة).

(٢) خ " على حد تيقن الخبر ".

١٥
غزوة تبوك كره أن يتخلف عنه، وأن ينقطع عن العادة التي كان يجري عليها في مواساته له بنفسه، وذبه الأعداء عن وجهه، فلحق به وشكى إليه ما يجده من ألم الوحشة، فقال له هذا القول، وليس لنا أن نخصص خبرا معلوما بأمر غير معلوم، على أن كثيرا من الروايات قد أتت بأن النبي صلى الله عليه وآله قال له: " أنت مني بمنزله هارون من موسى " في أماكن مختلفة، وأحوال شتى (١)، فليس لنا أيضا أن نخصه بغزوة تبوك دون غيرها، بل الواجب القطع على الخبر الحق والرجوع إلى ما يقتضيه والشك فيما لم يثبت صحته من الأسباب والأحوال.

ومنها، إن الذي يقتضيه السبب مطابقة القول له، وليس يقتضي مع مطابقته ألا يتعداه وإذا كان السبب ما يدعونه من إرجاف المنافقين أو استثقاله عليه السلام أو كان الاستخلاف في حال الغيبة والسفر فالقول على مذهبنا وتأويلنا يطابقه ويتناوله، وإن تعداه إلى غيره من الاستخلاف بعد الوفاة الذي لا ينافي ما يقتضيه السبب، يبين ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله لو صرح بما ذهبنا إليه حتى يقول: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " في المحبة والفضل والاختصاص والخلافة في الحياة وبعد الوفاة لكان السبب الذي يدعي غير مانع من صحة الكلام واستقامته.

ومنها، إن القول لو اقتضى منزلة واحدة إما الخلافة في السفر أو ما ينافي من إرجاف المنافقين من المحبة والميل لقبح الاستثناء لأن ظاهره لا يقتضي تناول الكلام لأكثر من منزلة واحدة، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول أحدنا لغيره منزلتك مني في الشركة في المتاع المخصوص دون غيرها منزلة فلان من فلان إلا أنك لست بجاري، وإن كان الجوار ثابتا بين من ذكره من حيث لم يصح تناول قوله الأول ما يصح دخول منزلة الجوار فيه، وكذلك لا يصح أن يقول: إن ضربت غلامي زيدا إلا غلامي عمرا، وإن صح أن يقول: ضربت غلماني إلا غلامي عمرا من حيث تناول

(١) سيأتي ذكر هذه الأحوال ص ٥٦ من هذا الجزء
١٦
اللفظ الواحد دون الجمع، وبهذا الوجه يسقط قول من ادعى أن الخبر يقتضي منزلة واحدة لأن ظاهر اللفظ يتناول أكثر من المنزلة الواحدة، وأنه لو أراد منازل كثيرة لقال أنت مني بمنازل هارون من موسى وذلك أن اعتبار موضع الاستثناء يدل على أن الكلام يتناول أكثر من منزلة واحدة، والعادة في الاستعمال جارية بأن يستعمل مثل هذا الخطاب، وإن كان المراد المنازل الكثيرة، لأنهم يقولون منزلة فلان من الأمير كمنزلة فلان منه، وإن أشاروا إلى أحوال مختلفة وإلى منازل كثيرة، ولا يكادون يقولون بدلا مما ذكرناه منازل فلان كمنازل فلان، وإنما حسن منهم ذلك من حيث اعتقدوا أن ذوي المنازل الكثيرة، والرتب المختلفة قد حصل لهم بمجموعها منزلة واحدة كأنها جملة تتفرع على غيرها، فتقع الإشارة منهم إلى الجملة بلفظ الواحدة، وباعتبار ما اعتبرناه من الاستثناء يبطل قول من حمل الكلام على منزلة يقتضيها العهد والعرف، ولأنه ليس في العرف ألا تستعمل لفظ منزلة إلا في شئ مخصوص دون ما عداه، لأنه لا حال من الأحوال يحصل لأحد مع غيره من نسب وجوار وولاية ومحبة واختصاص إلى سائر الأحوال إلا ويصح أن يقال فيه: أنه منزلة، ومن ادعى عرفا في بعض المنازل كمن ادعاه في غيره وكذلك لا عهد يشار إليه في منزلة من منازل هارون من موسى عليه السلام دون غيرها فلا اختصاص بشئ من منازله بعهد ليس في غيره، بل سائر منازله كالمعهود من جهة أنها معلومة بالأدلة عليها، وكل ما ذكرناه واضح لمن أنصف من نفسه.

طريقة أخرى من الاستدلال بالخبر على النص وهي أنه إذا ثبت كون هارون خليفة لموسى على أمته في حياته ومفترض الطاعة عليهم، وأن هذه المنزلة من جملة منازله، ووجدنا النبي صلى الله عليه وآله استثنى ما لم يرده من المنازل بعده بقوله " إلا أنه لا نبي بعدي " دل هذا الاستثناء على أن ما لم يستثنه حاصل لأمير المؤمنين عليه السلام بعده وإذا كان من جملة المنازل الخلافة في الحياة وثبتت بعده فقد صح وجه النص بالإمامة.

١٧
فإن قال: ولم قلتم إن الاستثناء في الخبر يدل على بقاء ما لم يستثن من المنازل وثبوته بعده.

قيل له: لأن الاستثناء كما من شأنه إذا كان مطلقا أن يوجب ما لم يستثن مطلقا كذلك من شأنه إذا قيد بحال أو وقت أن يوجب ثبوت ما لم يستثن في ذلك الوقت، لأنه لا فرق بين أن يستثنى من الجملة في حال مخصوصة ما لم يتضمنه الجملة في تلك الحال وبين أن يستثنى منها ما لم يتضمنه على وجه من الوجوه، ألا ترى أن قول القائل: ضربت غلماني إلا زيدا في الدار، وإلا زيدا فإني لم أضربه في الدار، يدل على أن ضربه غلمانه كان في الدار لموضع تعلق الاستثناء بها، وأن الضرب لو لم يكن في الدار لكان تضمن الاستثناء لذكر الدار كتضمنه ذكر ما لا تشتمل عليه الجملة الأولى من بهيمة وغيرها، وليس لأحد أن يقول ويتعلق بأن لفظة " بعدي " في الخبر لا تفيد حال الوفاة، وأن المراد بها بعد نبوتي لأن الجواب عن هذه الشبهة يأتي فيما بعد مستقصى بمشيئة الله، ولا له أن يقول: من أين لكم ثبوت ما لم يدخل تحت الاستثناء من المنازل؟ لأنا قد دللنا على ذلك في الطريقة الأولى.

ونحن نعود إلى كلام صاحب الكتاب في الفصل.

أما الطريقة الأولى وهي التي بدأ بذكرها فقد استوفينا نصرتها.

وأما ما ذكره ثانيا فليس بمعتمد جملة لأن قوله تعالى في حكاية خطاب موسى لهارون (اخلفني في قومي وأصلح) إن كانت هذه الصيغة بعينها هي الواقعة من موسى عليه السلام لم يكن دلالة على ثبوت الاستخلاف في جميع الأحوال، فكيف ونحن نعلم أن الحكاية تناولت معنى قوله دون صيغته، وإنما قلنا إن قوله: (أخلفني في قومي) لا يقتضي عموم سائر الأحوال لأنه محتمل، وليس يجب في اللفظ المحتمل أن يحمل على سائر ما يحتمله إلا بدليل كما لا يجب ذلك في البعض.

فأما ما ذكره ثالثا فهو طريقة إثبات النص، وقد اعتمدها أصحابنا

١٨
أنه ليس بمتعلق بالخبر الذي شرع صاحب الكتاب في حكاية وجوه استدلالاتنا منه، ولا مفتقرة إليه، وما نعلم أحدا من أصحابنا قرن هذه الطريقة من الاستدلال بالكلام في الخبر وإيرادها في هذا الموضع طريف.

فأما ما ذكره رابعا فهي الطريقة التي أوردناها وقد بينا كيفية دلالتها.

قال صاحب الكتاب: " واعلم أن قوله: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) لا يتناول إلا منزلة ثابتة منه، ولا يدخل تحته منزلة مقدرة لأن المقدر ليس بحاصل ولا يجوز أن يكون منزلة لأن وصفه بأنه منزلة يقتضي حصوله على وجه مخصوص ولا فرق في المقدر بين (١) أن يكون من الباب الذي كان يجب لا محالة على الوجه الذي قدر أو لا يجب في أنه لا يدخل تحت الكلام، ويبين صحة ذلك أن قوله: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) يقتضي منزلة لهارون من موسى معروفة يشبه (٢) بها منزلته، فكيف يصح أن تدخل في ذلك المقدر وهو كقول القائل: حقك (٣) علي مثل حق فلان على فلان، ودينك عندي مثل دين فلان إلى ما شاكل ذلك في أنه لا يتناول إلا أمرا معروفا حاصلا وإذا ثبت ذلك، فيقال: ننظر فإن كانت منزلة هارون من موسى معروفة حملنا الكلام عليها، وإلا وجب التوقف كما يجب مثله فيما مثلناه من الحق والدين، ويجب أن ننظر إن كان الكلام يقتضي الشمول حملناه عليه وإلا وجب التوقف عليه ولا يجوز أن يدخل تحت الكلام ما لم يحصل لهارون من المنزلة البتة، وقد علمنا أنه لم تحصل له الخلافة بعده فيجب أن لا يدخل ذلك تحت الخبر ولا يمكنهم أن

(١) غ " في العدد ".

(٢) غ " ليست بها منزلته " والظاهر تحريف " ليست " عن " يشبه ".

(٣) غ " حصل علي ".

١٩
يقولوا بوجوب دخوله تحت الخبر على التقدير الذي ذكروه، لأنا قد بينا أن الخبر لا يتناول التقدير (١) الذي لم يكن، وإنما يتناول أول المنزلة الكائنة الحاصلة.

فإن قيل: إن المنزلة التي تقدرها لهارون هي كأنها ثابتة، لأنها واجبة بالاستخلاف في حال الغيبة، وإنما حصل فيها منع وهو موته قبل موت موسى عليه السلام، ولولا هذا المنع لكانت ثابتة فإذا لم يحصل مثل هذا المنع في أمير المؤمنين عليه السلام فيجب أن تكون ثابتة.

قيل له: إن الذي ذكرته إذا سلمناه لم يخرج هذه المنزلة من كونها غير ثابتة في الحقيقة وإن كانت في الحكم كأنها ثابتة وقد بينا (٢) أن الخبر لم يتناول المقدر صح وجوبه أو لم يصح فنحن قبل أن نتكلم في صحة ما أوردته ووجوبه قد صح كلامنا (٣) فلا حاجة بنا (٤) إلى منازعتك في هذه المنزلة هل كانت تجب لو مات موسى قبله، أو كانت لا تجب؟ يبين ذلك أنه عليه السلام لو ألزمنا صلاة سادسة في المكتوبات أو صوم شوال لكان ذلك شرعا له ولوجب ذلك لمكان المعجز وليس بواجب أن يكون من شرعه الآن وإن كان لو أمر به للزم، وكذلك القول فيما ذكروه وليس كل مقدر حصل سبب وجوبه وكان يجب حصوله له ولولا المانع (٥) يصح أن يقال:

إنه حاصل، وإذا تعذر ذلك فكيف يقال أنه منزلة وقد بينا أن كونه (٦)

(١) غ " المقدر ".

(٢) غ " وقد ثبت أن الخبر ".

(٣) غ " فيجب صحة كونه كلامنا ".

(٤) غ " فلا حاجة بنا الآن ".

(٥) غ " تحت حصوله لولا الصانع لصح " وهي محرفة قطعا ولو رجع محققوا " المغني " إلى " الشافي " لكانوا في غنى عن توجيه هذه التحريفات وهي كثيرة جدا!

(٦) غ " وقد بينا أنه منزلة ".

٢٠