×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الشافي في الإمامة (ج 4) / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
كتاب الشافي في الإمامة (ج٤) للشريف المرتضى (ص ١ - ص ٢٣)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

فصل
في تتبع كلامه على من طعن في الاختيار (١)


قال الشريف المرتضى: إعلم أن كلامنا في وجوب النص، وأنه لا بد منه ولا يقوم غيره في الإمامة مقامه تقدم، وذلك كاف في فساد الاختيار، لأن كل شئ أوجب النص بعينه فهو مبطل للاختيار فلا معنى لتكلف كلام مستقل (٢) في إفساد الاختيار.

واعلم أن الذي نعتمده في إفساد اختيار الإمام هو بيان صفاته التي لا دليل للمختارين عليها، ولا يمكن إصابتها بالنظر والاجتهاد، ويختص علام الغيوب تعالى بالعلم بها كالعصمة والفضل في الثواب والعلم على جميع الأمة، لأنه لا شبهة في أن هذه الصفات لا تستدرك بالاختيار، ولا يوقف عليها إلا بالنص، وهذا مما تقدم شرحه وبيانه في هذا الكتاب، وبينا أيضا أنه لا يمكن أن يقال بصحة الاختيار مع اعتبار هذه الصفات بأن يعلم الله تعالى أن المكلفين لا يتفق منهم إلا اختيار من هذه صفاته، وقلنا: إن ذلك تكليف قبيح من حيث كان مكلفا لما لا دلالة عليه، ولا إمارة تميز الواجب من غيره. وبينا أنه يلزم على ذلك جواز تكليفنا اختيار

(١) انظر المغني ج ٢٠ ق ١ / ٢٩٧ - ٣٢٠.

(٢) في الأصل " مستقبل " والتصحيح من ض وع.

٦
الأنبياء والشرائع بأن يعلم الله تعالى أن المختارين لا يتفق منهم إلا اختيار النبي دون غيره، ومن الشرائع المصلحة دون غيرها، وكيف يكون الاختيار كاشفا لنا عن وجوب الفعل، وإنما يجب أن نختاره إذا علمنا وجوبه، فالاختيار تابع، فكيف نجعله متبوعا، وكيف يتميز (١) الواجب من غيره، والقبيح من الحسن بعد الفعل فإنما يجب أن يتميزا قبل الفعل ليكون الإقدام على ما يعلم حسنه، ويؤمن قبحه، ولا معنى للإكثار في هذا الباب. فالشبهة فيه ضعيفة.

ولما تتبعنا ما أورده صاحب الكتاب في هذا الفصل وجدناه قد جمع فيه وحشد (٢) القوي والضعيف، والبعيد والقريب، وما أورده أصحابنا على سبيل التحقيق وعلى سبيل التقريب، وقد بينا ما نعتمده في هذا الباب، ونصرناه فيما تقدم من الكتاب بأدلته، وأوردنا الجواب عما يرد عليه، وما عدا ذلك فهو غير معتمد، ولا دال لما ذكره صاحب الكتاب وغيره، ومن أورد من أصحابنا فإنما قرب بإيراده، ولم يرد التحقيق، وليس ذلك بعيب، فإنه لم يعر (٣) المصنفون من الجمع بين المقرب والمحقق، وصاحب الكتاب يعلم أنه لما تتبع هو أدلة الموحدين على التوحيد في بعض كتبه لم يصحح منها إلا دليلين أو ثلاثة، وطعن على الباقي وزيفه، فإن كان على أصحابنا عيب بأن ذكروا في فساد الاختيار شيئا لا يلزم عند التحقيق والتفتيش فهذا العيب لازم لخصومهم فيما هو أعظم من باب الاختيار وأفحم، (٤) وهذه الجملة

(١) ع " يميز ".

(٢) حشد: أي جمع.

(٣) المراد لم يخل.

(٤) في ض وع " بالخاء المعجمة " ومعناه بالمهملة إسكات الخصم، وبالمعجمة من الفخامة أي العظمة.

٧
تغني عن غيرها وجميع ما أورده في هذا الفصل على طوله (١)، ومما يمكن أن يعتمد في فساد الاختيار خارجا عن الجملة التي عقدناها، أن يقال: إن العاقدين للإمامة يجوز أن يختلفوا فيرى بعضهم أن الحال يقتضي أن يعقد فيها للفاضل، ويرى آخرون أنها تقتضي العقد للمفضول، وهذا مما لا يمكن دفع جوازه، لأن الاجتهاد يجوز أن يقع فيه الاختلاف بحسب الإمارات التي تظهر للمجتهدين فلن يخلو من حالهم إذا قدرنا هذا الاختلاف من أمور، إما أن يقال: أن يقفوا عن العقد حتى يتناظروا ويتفقوا على كلمة واحدة، وهذا يؤدي إلى إهمال الأمر في الإمامة لأنه غير ممتنع أن يمتد الزمان باختلافهم. بل جائز أن يبقوا مختلفين أبدا، أو يقال: يجب أن يعقد كل فريق لمن يراه، وهذا يؤدي إلى إمامين مع العلم بفساده، أو يقال: يجب المصير إلى قول من يرى العقد للفاضل لأنه أولى، ويحرم على الباقين المخالفة. وهذا فاسد لأنه إلزام للمجتهد أن يترك اجتهاده إلى اجتهاد من يجري مجراه، فكيف يكون العقد للفاضل أولى على كل حال، وبعض من لا يتم العقد إلا به يرى أنه ولايته مفسدة وولاية غيره مصلحة، وإنما فرضنا أن يكون هذا الاختلاف بين العدد الذي لا يتم عند مخالفينا عقد الإمامة إلا به حتى لا يقولوا: متى عقد واحد لغيره برضى أربعة فهو إمام [ سواء ] (٢) كان فاضلا أو مفضولا ولا يلتفت إلى من يعتقد من باقي الأمة أن العقد لغيره أولى لأنا إذا فرضنا الاختلاف بين هذا العدد المخصوص لم يستقم هذا الانفصال، وليس لأحد أن يقول: إن وقوف أمر الإمامة عند هذا الأمر المقدر إنما أتوا فيه من قبل أنفسهم كما يقولون إذا قيل لهم: إن الاختيار إذا كان لأهل الحق

(١) أي إن هذه الجملة تغني في رد كلامه في صحة الاختيار على طوله.

(٢) ما بين المعقوفين من ا وع.

٨
وكان كل فريق من فرق الأمة يدعي هذه الصفات فالاختيار لا يتم، ولا بد من التجاذب فيه. والتغالب والاختلاف، ووقوف عقد الإمامة لأنهم إذا قالوا على هذا الوجه: إنهم إنما يؤتون من قبل نفوسهم في فوت الإمامة دون مكلفهم كان هذا القول صحيحا، لأن على الحق دليلا يمكن المبطل إصابته، والمصير إلى موجبه، وبتقصيره يضل عنه، وليس هذا فيما تقدم لأنه ليس على الأولى من الفاضل والمفضول دليل قاطع يصل إليه الناظر، ويضل عنه المقصر بالتفريط، وإنما يرجع في ذلك إلى الإمارات وجهات الظنون، وقد يلتبس ويخفى ويظهر ولا لوم في هذا الموضع على أحد المجتهدين، ولا تقصير ينسب إليه ولا تفريط، فكيف يسوى بين الأمرين؟

٩

فصل
في اعتراض كلامه:
في أن أبا بكر يصلح للإمامة (١)


اعتمد في ذلك على أن الإجماع إذا ثبت في إمامته ثبت أنه يصلح لها لأنه لو لم يصلح لما أجمعوا على إمامته، وادعى أن الصفات المراعاة في الإمامة مجتمعة فيه من علم وفضل ورأي ونسب وغير ذلك، ثم أجاب عن سؤال من سأله عن سر الدلالة على إيمانه وخروجه عن الكفر المتيقن منه بأن قال كما نعلم أنه كان كافرا من قبل بالتواتر نعلم انتقاله إلى الإيمان، والتصديق بالرسول صلى الله عليه وآله ولا يجوز أن يكون باقيا على حالته، بل اليقين قد حصل بانتقاله.

قال: " على أنا نعلم ضرورة أنه كان على دين الرسول صلى الله عليه وآله بما نقل من الأخبار، وذلك يمنع من التجويز والشك، وقد بينا أنه لا يمتنع في الاعتقادات أن تعلم ضرورة، فلا يجوز أن يقال: إذا كان ذلك باطنا (٢) فكيف يدعي الاضطرار فيه وعلى هذا الوجه يدعي في كثير من الأمور إنا نعلم ضرورة من دين الرسول صلى الله عليه وآله، وبعد فإنا

(١) أنظر المغني ٢٠ ق ١ / ٣٢٢.

(٢) غ " باطلا ".

١٠
نعلم أن النبي صلى الله عليه وآله كان يعظمه ويمدحه على الحد الذي يعلم ذلك في أمير المؤمنين عليه السلام وغيره وذلك يمنع من كونه كافرا، وما ثبت عنه صلى الله عليه وآله من تسميته صديقا يدل على ذلك، وما روي من الفضائل المشهورة في بابه يدل على بطلان هذا القول،... " (١) يقال له: آكد ما دل على أن أبا بكر لا يصلح للإمامة ما ثبت من وجوب عصمة الإمام وأن السهو والغلط لا يجوزان عليه في شئ من الأشياء، وعلمنا بأن أبا بكر لم يكن بهذه الصفة، وما ثبت أيضا من أن الإمام لا بد أن يكون عالما بجميع أحكام الدين، دقيقه وجليله، وأن يكون أكمل علما من جميع الأمة به، وقد علمنا بلا شبهة أن أبا بكر لم يكن كذلك، وما ثبت أيضا من وجوب كون الإمام أفضل عند الله من جميع الأمة يدل على أنه لا يصلح لها، لأنا قد علمنا بالأدلة الظاهرة أن غيره أفضل منه عند الله تعالى.

فأما ما اعتمده في ذلك من دعوى الإجماع على إمامته فقد سلف من الكلام على بطلان هذه الدعوى ما فيه كفاية وبينا إن الإجماع لم يثبت قط على إمامته.

فأما ادعاؤه أن الخلال المراعاة في الإمامة مجتمعة فيه فهذا منه أيضا بناء على أصله الفاسد الذي قد دللنا على بطلانه، لأنه لا يراعي في الإمام العصمة ولا كمال العلم، ولا كونه أفضل عند الله تعالى، وقد دللنا على أن ذلك معتبر وفقده مؤثر فيما تقدم من الكتاب فبطل قوله " إن الخلال المراعاة مجتمعة فيه ".

(١) المغني ٢٠ ق ١ / ٣٢٢.

١١
فأما ادعاؤه اليقين والضرورة بإيمانه وانتقاله عن الكفر فليس يخلو من أن يدعي الضرورة في انتقاله إلى إظهار الإيمان والتصديق وأن يدعي الضرورة في إبطانه لذلك واعتقاده له وانطوائه عليه والأول لا خلاف فيه ولا ينفعه فيما قصد له والثاني ادعاؤه يجري مجرى المكابرة فإن البواطن لا يعلمها إلا علام الغيوب تعالى، ولو كان ذلك معلوما ضرورة بالإخبار على ما ادعى لوجب أن نشركه نحن وسائر العقلاء في هذا العلم لمشاركتنا في الطريق إليه وقوله: " إن في الاعتقادات ما يعلم ضرورة فلا يمتنع أن يكون هذا منها " يبطله ما بيناه من أن ذلك يوجب أن نشاركه في العلم، على أنا لو سلمنا أن اعتقاده لدين الرسول صلى الله عليه وآله وتصديقه في جميع شريعته كان معلوما منه ضرورة. من أين أنه كان إيمانا وعلما؟ وليس يمكنه أن يدعي الاضطرار في العلم كما ادعاه في الاعتقاد لأنه معلوم أن أحدا لا يضطر إلى كون غيره عالما وإن جاز أن يضطر إلى كونه معتقدا.

فأما قوله: " إن النبي صلى الله عليه وآله كان يعظمه ويمدحه على الحد الذي يعلم ذلك في أمير المؤمنين عليه السلام " فأول ما فيه. أن ذلك غير معلوم، ولا وارد من طريق يوجب اليقين، ويرفع الريب، وما نجد في ذلك إلا أخبار آحاد مظنونة (١) مقدوحا في ورودها بضروب القدح يرويها بعض الأئمة ويدفعها بعض آخر، ويقسم (٢) على بطلانها، ثم هي مع ذلك متأوله مخرجة عن وجوه تمنع من الغرض المقصود بها.

ثم يقال له: ما في مدحه وتعظيمه لو ثبت مما يدل على صلاحه

(١) مبعوثة خ ل.

(٢) ض " ويقيم ".

١٢
للإمامة إذ كل معظم ممدوح لا يصلح لها، وهذا مما لا تقوله أنت ولا أحد من أصحابك.

فإن قال: إنما نفيت بتعظيمه ومدحه من كونه كافرا ليثبت إيمانه ولم اقتصر في صلاحه للإمامة على تعظيمه ومدحه.

قيل له: إنما يمنع تعظيمه ومدحه من كونه يظهر الكفر ولا يمنع من كون مبطنا له إذا كان لا يعلم باطنه، فمن أين لك أن المدح والتعظيم يدلا على الإيمان الباطن.

فإن قال: يقنعني (١) في صلاحه للإمامة أن يكون مظهرا للإيمان ولست أحتاج إلى العلم بباطنه.

قيل له: وقد بينا أن ذلك غير مقنع، وإذا كان إظهار الإيمان يقنعك فمن الذي يخالف فيه حتى أحوجك إلى الاستدلال عليه، وإذا كنت تقنع بالظاهر فما الحاجة بك إلى ذكر الاعتقادات؟ وإنها قد تعلم ضرورة.

فإن قال: كيف تسلمون أن النبي صلى الله عليه وآله كان يعظمه على الظاهر وعندكم أنه عليه السلام كان يعلم أنه سيدفع النص وذلك عندكم كفر وردة، والكفر والردة الذي يوافى به صاحبه على مذاهبكم لا يجوز أن يتقدمه إيمان، فكيف يجوز على هذا أن يعظمه النبي صلى الله عليه وآله وهو يعلم من باطنه ما يقتضي خلاف التعظيم؟

قيل له: ليس يمتنع أن يكون النبي صلى الله عليه وآله غير عالم بأنه سيدفع النص لأن هذا لا طريق إليه إلا بإعلام الله تعالى وفي الجائز أن لا يعلمه ذلك.

(١) في آ وع " يقتضي " وفي نسخة أخرى " يقضي ".

١٣
فإن قيل: هذا وإن كان جائزا فالظاهر من مذهب الشيعة خلافه لأنهم يذهبون إلى أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يعلم ذلك. وأن النبي صلى الله عليه وآله أشعره به.

قلنا: ليس يمتنع أن يكون عالما في الجملة دون التفصيل بأنه سيغدر به، ويدفع النص وأنذر بذلك على هذا الوجه من الاجمال، وما عدا هذا من التفضيل فليس (١) ينقطع العذر به على أنه لو سلم أنه عليه السلام كان عالما على التحديد والتعيين لجاز أن يكون تعظيمه للرجل متقدما لهذا العلم ولما علم منه هذه الحال لم يكن منه تعظيم ولا مدح، وليس معنا في العلم تاريخ ولا في المدح والتعظيم، والتجويز في هذا كاف.

وبعد، فليس يكفي في نفي تقدم الإيمان العلم بوقوع كفر في المستقبل دون أن يعلم أنه يوافى به، وليس يمنع أن يعلم النبي صلى الله عليه وآله بحال الدافعين للنص ولا يعلم بعاقبتهم، وما يموتون عليه، ومتى جوز أن يتوبوا، ولو قبل الوفاة بلحظة لم يكن قاطعا على نفي الإيمان منهم فيما تقدم بل لا بد مع التجويز لأن يتوبوا من التجويز لأن يكون الإيمان الظاهر منهم صحيحا في الباطن، وبعد، فليس جميع أصحابنا القائلين بالنص يذهبون إلى الموافاة وإلى أن من مات على كفره لا يجوز أن يتقدم منه الإيمان ومن لا يذهب إلى ذلك لا يحتاج أن يتكلف ما ذكرناه.

فأما ادعاؤه أنه كان عليه السلام كان يسميه صديقا فدون صحة ذلك خرط القتاد، وليس يقدر أحد على أن يروي عنه عليه السلام في ذلك خبرا معروفا. وإنما معولهم على المشهور والظاهر، وليس في ذلك دلالة على الصحة لأنه قد يتقرب إلى ولاة الأمور، وملاك الحمل والعقد من

(١) المصدر السابق.

١٤
الألقاب والسمات والصفات وغير ذلك ما يبلغ من الشهرة أقصاها، وينتهي إلى أن يغلب على الأسماء والكنى ولا يقع التعريف إلا به، ومع ذلك فلا يكون صادرا عن حجة ولا مبنيا على صحة.

ولو قيل لمدعي ذلك أشر إلى الحال التي لقبه النبي صلى الله عليه وآله فيها بالصديق، والمقام الذي قام بذلك فيه لعجز عن إيراد شئ مقنع.

قال صاحب الكتاب: " وقال الشيخ أبو حذيفة واصل بن عطاء:

الذي يدل على بطلان طريقهم في سوء الثناء على المهاجرين والأنصار ورميهم إياهم بشرك ونفاق ما خلا طائفة يسيرة قوله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا) (١) وقد علم من بايع تحت الشجرة فكذلك قوله: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك وهم الصادقون والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) (٢) وقال تعالى:

(لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار والذين اتبعوه في ساعة العسرة) (٣) وقال: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفى الله عنهم) (٤) فلو كانوا كفارا

(١) الفتح ١٨.

(٢) الحشر ٨ و ٩.

(٣) التوبة ١١٧.

(٤) آل عمران ١١٥.

١٥
ما صح ذلك، وقال تعالى: (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالإيمان) (١) وذكر جل جلاله أنه أذهب الرجس عن أزواج النبي صلى الله عليه وآله فلا يصح مع ذلك كفرهن، * وكيف يصح أن يكن كافرات وبنات كفار وقد تزوج بهن النبي صلى الله عليه وآله * (٢) ومن دينه أنه لا يجوز التزويج ببنات الكفار وإذا لم يكونوا أهل ذمة، ولو جاز أن يتزوج ببناتهم وهم كفار لجاز أن يزوج بناته الكفار، وذلك بخلاف الدين ".

قال: " وقد ثبت من مناقبه أنه سبق إلى الاسلام، وبايع الرسول صلى الله عليه وآله وواساه بنفسه وماله، ثم كان ثاني اثنين في الغار، وصاحبه في الهجرة وأنيسه في العريش يوم بدر، ووزيره والمستشار في أموره، وأميره على الموسم (٣) في الحج وحين افتتحت مكة والمقدم في الصلاة أيام مرضه، والمخصوص بتسميته الصديق والمشبه من الملائكة بميكائيل، ومن الأنبياء بإبراهيم عليهم السلام ثم هو وعمر بشرا بأنهما سيدا كهول أهل الجنة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله: (هما مني بمنزلة يميني من شمالي) وكل ذلك يبطل نسبتهما إلى الكفر والنفاق والردة ".

قال: " وقد بينا ما ورد في الأخبار من تعظيم أمير المؤمنين عليه السلام له والجماعة (٤) وأن النبي صلى الله عليه وآله بشره وغيره بالجنة بألفاظ مختلفة، ووصفه بأنه خليله وأخوه، إلى غير ذلك مما يمنع أن يكون

(١) الحشر ١٠.

(٢) ما بين النجمتين ساقط من " المغني ".

(٣) غ " على الصلاة ".

(٤) غ " له وللجماعة ما يغني عن إعادة ذكره ".

١٦
كافرا ويوجب (١) له الفضل العظيم، على أنه قد ثبت أن الناس بعد النبي اختلفوا في تقديمه وتقديم أمير المؤمنين عليه السلام، وذلك لا يصح إلا مع ثبوت فضله.

قال: " بعد ولو عدلنا (٢) عن كل ذلك وجدنا ما ظهر من أحوال أبي بكر دلالة على ظاهر الفضل العظيم، والعلم بالرأي وقد بينا أنه لا يجب في الإمام أن يكون معصوما فكيف يصح أن يدعي أنه كان لا يصح للإمامة، وقد بينا أن الوجوه التي قلنا لها في معاوية وغيره أنهم لا يصلحون للإمامة لا يتأتى فيه (٣) وبينا ما روي مما يدل على أنه يصلح لذلك نحو قوله: (إن وليتم أبا بكر) ونحوه من الأخبار التي يتضمن بشارته بالخلافة نصا أو تنبيها وذلك يعني عن إعادته " وحكي عن أبي علي " أن قول من يقول كان كافرا فجوزوا بقاءه على ما كان عليه بمنزلة قول من يقول كان بمكة مقيما (٤) فجوزوا بقاءه على ما كان عليه لأنا كما نعلم أنه انتقل إلى المدينة نعلم انتقاله إلى الاسلام [ والدين ] (٥) وقد ثبت أن الله تعالى كان يحذر نبيه المنافقين، ويمنعه من صحبتهم والاختصاص بهم، وصح أنه كان يختص أبا بكر بأعظم المنازل في سفره وحضره واختاره صاحبا له ومعينا ومشيرا ولا فرق بين ما قالوا في أبي بكر وعمر وبين من ادعى من الخوارج عليهم اللعنة أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن مؤمنا

(١) غ " بل يوجب ".

(٢) " قال وبعد " ساقطة من ض.

(٣) غ " وكشفنا الحال فيه ".

(٤) " مقيما " كانت في المغني " مغنما " فجعل المصحح مكانها " مغنم " ظنا منه أنها اسم كان ولم يفطن للمعنى، وكم له من أمثالها.

(٥) الزيادة من " المغني ".

١٧
بيقين، فيجب أن يكون على ما كان عليه لأن فيهم طبقة مختلفة، وهم الحازمية، والعجردية (١) يقولون فيه عليه السلام أنه ما اعتقد الاسلام والإيمان قط فإذا قالوا لو كان كذلك لما زوجه بنته عليه السلام فللمخالف أن يقول لهم ولو كان حال أبي بكر وعمر ما ذكرتم لما خطب إليهما وكان لا يزوج عثمان بابنتيه جميعا،... " (٢).

يقال له: قد جمعت في هذا الفصل بين أشياء كثيرة مختلفة واستقصاء كل فصل منها وإيراد جميع ما يجب أن يورد فيه يطول، لكنا نتكلم على ذلك بأخصر ما يمكن مع الاستيفاء لشرائط الحجة.

أما قوله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) فأول ما فيه أنا لا نذهب أن الألف واللام للاستغراق لكل من يصلحان له، بل الظاهر عندنا مشترك متردد بين العموم والخصوص، وإنما يحمل على أحدهما بدلالة غير الظاهر.

وقد دللنا على ذلك في مواضع كثيرة، وخاصة في كلامنا المنفرد للوعيد من جملة جواب مسائل أهل الموصل (٣) وإذا لم يكن الظاهر يستغرق جميع المبايعين تحت الشجرة فلا حجة لهم في الآية.

على أنا لو سلمنا ما يقترحونه من استغراق الألف واللام لم يكن في الآية أيضا دلالة على ما ادعوه لأن الله تعالى علق الرضى في الآية بالمؤمنين ثم قال: " إذ يبايعونك تحت الشجرة " فجعل البيعة حالا للمؤمنين أو تعليلا لوجه الرضى عنهم وأي الأمرين كان فلا بد فيمن وقع الرضى عنه عن أمرين:

(١) الحازمية كانت في المغني " الحار " وقال المصحح: كذا بالأصل و " العجردية " " العمرون " ولم يكلف المحقق نفسه الفحص عن معناهما.

(٢) ما نقله المرتضى من أول هذا الفصل إلى هنا يبدأ في المغني من ٢٢٢ - ٢٢٤.

(٣) الحشر ٨.

١٨
أحدهما: أن يكون مؤمنا والآخر أن يكون مبايعا، ونحن نقطع على أن الرضا متعلق بمن جمع الأمرين فمن أين أن كل من بايع تحت الشجرة كان جامعا لهما فإن الظاهر لا يفيد ذلك على أنه تعالى قد وصف من رضي عنه ممن بايع تحت الشجرة بأوصاف قد علمنا أنها لم تحصل لجميع المبايعين فيجب أن يختص الرضا بمن اختص بتلك الأوصاف لأنه تعالى قال: (فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا) ولا خلاف بين أهل النقل في أن الفتح الذي كان بعد بيعة الرضوان بلا فصل هو فتح خيبر، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث أبا بكر وعمر فرجع كل واحد منهما منهزما ناكصا على عقبيه فغضب النبي صلى الله عليه وآله وقال. (لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله تعالى ورسوله ويحبه الله ورسوله كرارا غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله عليه) فدعا أمير المؤمنين عليه السلام وكان أرمد فتفل في عينه فزال ما كان يتشكاه وأعطاه الراية فمضى متوجها وكان الفتح على يديه، فيجب أن يكون هو المخصوص بحكم الآية ومن كان معه في ذلك الفتح من أهل البيعة تحت الشجرة لتكامل الشرائط فيهم. ويجب أن يخرج عنها من لم يجتمع له الشرائط، وليس لأحد أن يقول: إن الفتح كان لجميع المسلمين، وإن تولاه بعضهم. وجرى على يديه فيجب أن يكون جميع أهل بيعة الرضوان ممن رزق الفتح وأثيب به، وهذا يقتضي شمول الرضا للجميع وذلك لأن هذا عدول عن الظاهر لأن من تولي الشئ نفسه هو الذي يضاف إليه على سبيل الحقيقة، ويقال إنه أثيب به، ورزق إياه، وإن جاز أن يوصف بذلك غيره ممن يلحقه حكمه على سبيل التجوز لجاز أن يوصف من كان بخراسان من المسلمين بأنه هازم جنود الروم. ووالج حصونهم وإن وصفنا بذلك من يتولاه، ويجري على يديه.

فأما قوله: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم

١٩
وأموالهم) فأول ما فيه أن أبا بكر يجب أن يخرج عن هذه الآية على أصول مخالفينا لأنهم على أصولهم كان غنيا مؤسرا كثير المال، واسع الحال، وليس لهم أن يتأولوا الفقراء هاهنا على أن المراد به الفقر إلى الله دون ما يرجع إلى الأموال، لأن الظاهر من لفظ الغني والفقير ينبئ عن معنى الأموال دون غيرها. وإنما يحملان على ذلك بدليل يقتضي العدول عن الظاهر، وما قلناه في الآية الأولى من أن الألف واللام لا يقتضيان الاستغراق على كل حال يطعن أيضا على معتقدهم في هذه الآية، وبعد فإن سياق الآية يخرج ظاهرها عن أيديهم ويوجب الرجوع عليهم إلى غيرها لأن الله تعالى قال: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون) (١) فوصف بالصدق من تكاملت له الشرائط ومنها ما هو مشاهد كالهجرة والإخراج من الديار والأموال ومنها ما هو باطن لا يعلمه إلا الله تعالى وهو ابتغاء الفضل والرضوان من الله ونصرة الرسول، والله تعالى لأن المعتبر في ذلك ليس بما يظهر بل بالبواطن والنيات فيجب على الخصوم أن يثبتوا اجتماع هذه الصفات في كل واحد من الذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأموالهم، ولا بد في ذلك من الرجوع إلى غير الآية.

فأما قوله تعالى: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة) فالكلام فيه يجري مجرى ما تقدم لأن الظاهر لا يقتضي العموم.

ثم الظاهر من الكلام يقتضي أنهم تابوا فتاب الله عليهم، وقبل

(١) الحشر ٨.

٢٠