×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

علي المرتضى (عليه السلام) نقطة باء البسملة / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٣ فارغة
[image] - مركز الأبحاث العقائدية


عصر الذرّة أو حديث النقطة


ما لَنا ولحديث النقطة في عصر الذرّة؟!

قالوا:

عصرنا الراهن والعالم المتحضّر ـ في يومنا هذا ـ، قد شقّ الشعرة وفلق الذرّة، وجمع العلوم في صفحة الحاسوب (ديسك الكومبيوتر)، وجعل ربوع الأرض الرحبة كقرية صغيرة في دنيا الارتباطات، ووصلت التكنولوجيا إلى ذروتها، يكفي البشرية أن يُضغط على زرّ صغير لكي تتلاشى الكرة الأرضية بمن فيها، وأمريكا تخطّط للعالم الثالث لمئة عام، وتريد أن تغزو العالم وتبسط اُخطبوطها في كلّ بقاع الأرض، وتسيطر على الشعوب وتسود الدنيا بأسلحتها المخيفة والمدمّرة، والاضطرابات والمظاهرات وتحرّر الشعوب والنهضات الجماهيرية، لا سيما المسلمة في كلّ العالم تملأ الصحف والإذاعات والإعلام العالمي... و و...

وفي مثل هذه الأمواج المتلاطمة، والعالم المتكهرب، والفوضى العالمية، والتقدم الصناعي، وتسخير الفضاء، وحرب النجوم، والألعاب السياسية المحيّرة والمذهلة للعقول، والصراعات والتكالب بأنياب ضارية على الحكم والسلطة والقدرة في كلّ الميادين، السياسية والاقتصادية والثقافية والتسلح العسكري...

٤
وفي مثل هذه الأجواء المحمومة والملغومة، وإذا بكاتب إسلامي من مهد العلم والأدب والقيادة الرشيدة، من حوزة قم العلمية المباركة، يكتب عن نقطة الباء، ويثير ما كان مدفوناً في خزائن الكتب ورفوف المكتبات، وكأنّه جاهلا عمّا يدور حوله، أو يتجاهل بما يجري في بلده أو البلاد الإسلامية، وما يقع في العالم من الحوادث الغريبة والوقائع العجيبة.

فما هذا التأخّر والانحطاط الفكري.

وهل من الضرورة إثارة مثل هذه المواضيع الحساسة، والتي أكل الدهر عليها وشرب؟!

ولكن حجتي وبرهاني في العمل والكتابة، إنّما هو انطلاقاً من النقاط التالية:

أوّلا ـ قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في نهجه البليغ: «العاقل الذي يضع الأشياء في مواضعها»(١).

فمن كان يمثّل الأنبياء في هداية الناس وسعادتهم، ويجذبهم إلى الخير والصلاح والإصلاح، إنّما مقصوده ورسالته الدينية، تحتّم عليه أن يحذو حذوهم، وأن يبذل جهده، ويضحّي بالنفس والنفيس من أجل سعادة الناس وهدايتهم إلى سبيل اللّه وصراطه المستقيم، لا أن يخترع القنبلة الذرية، أو يصنع الطائرة النفّاثة، أو يشتغل في المصانع وينتج المنتوجات الراقية، أو يتخصّص في أمراض الدماغ والعملية الجراحية المتطوّرة للقلب، أو غير ذلك من الحِرَف والمهن والصناعات. بل لكلّ علم وفنّ رجاله وأصحابه، ومن الحماقة أن نطلب من رجل الدين أن يفكّر في تطوير الحاسوب، أو يخترع صناعة جديدة متطوّرة تواكب الزمن

١- نهج البلاغة، محمد عبده ٢: ٢٠٥، الكلمات القصار: ٢٣٥.

٥
أو تسبقه، فإنّ العاقل الذي يضع الأشياء في مواضعها، والرجل الديني إنّما رسالته وشغله وهدفه هدف الأنبياء ورسالتهم في إرشاد الناس وقيادتهم إلى وادي السعادة، وسَوقهم إلى شاطىء السلام، وذلك بتهذيب النفوس وزرع الإيمان الراسخ في القلوب، وتربية من يفلق الذرّة بالزهد، وأن يجعل اللّه بين عينيه، ويلاحظ ربّه السميع البصير في عمله، وأن يكون علمه في خدمة الناس، لا أن يستغلّه الطغاة والجبابرة بتطميعه واستثماره بالمال والجاه والمقام، حتى يؤول أمره إلى أن يصنع القنبلة الذرّية التي تدمّر العالم في ثوان.

فمقصود رجال العلم والدين هو: تهذيب الناس وهدايتهم، وعلاج الأمراض الروحية، الاجتماعية والفردية.

وعلينا أن نحكّم ضمائرنا، ونطلب من كلّ واحد ما يختصّ به، فليس من العقل والانصاف أن نطالب الطبيب بالحلاقة، كما لا نطلب من الحلاّق أن يعالج أمراضنا الجسدية.

نعم، نطلب من كلّ واحد أن يخلص في علمه وعمله، وفنّه ومهنته...

وثانياً ـ روى شيخنا الكليني (قدس سره) بإسناده، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)، قال: «دخل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) المسجد، فإذا جماعة قد أطافوا برجل، فقال: ما هذا؟ فقيل: علاّمة، فقال: وما العلاّمة؟ فقالوا له: أعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها وأيام الجاهلية والأشعار العربية، قال: فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ذاك علمٌ لا يضرّ مَن جَهَله، ولا ينفع مَن عَلمه، ثمّ قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): إنّما العلم ثلاثة: آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنّة قائمة، وما خلاهنّ فهو فضل»(١).

١- الكافي ١: ٣٢.

٦
من الدلالات الواضحة في هذا الخبر النبويّ الشريف، أنّ العلم النافع في الدنيا والآخرة ـ بنظر الشارع المقدّس ـ إنّما هو عبارة عن العلوم الثلاثة التالية:

١ ـ علم العقائد الصحيحة، المشار إليه في قوله: «آية محكمة»; فإنّ علم الكلام إنّما يستدلّ على صحّته وما جاء فيه من العقائد بالآيات المحكمة والبراهين المستحكمة، ولا يجوز فيها التقليد.

٢ ـ علم الفقه، الذي هو عبارة عن أحكام أفعال المكلّفين من الواجبات والمحرّمات ولواحقهما، واُشير إليه في قوله: «فريضة عادلة»; فإنّ الفقه مجموعة فرائض تخبر عن المصالح والمفاسد بصيغ الأوامر والنواهي وتوابعهما.

٣ ـ علم الأخلاق، فهو عبارة عن كسب الآداب والسنن، وتخلية النفس والقلب من الصفات الذميمة، وتحليتهما بالأخلاق الطيبة والسنن القائمة، المشار إليها في قوله: «سنّة قائمة» في نفس الإنسان والتي تكون ملكة راسخة في وجوده.

ولمّا كان الإنسان ذا أبعاد ثلاثة: العقل والجسد والروح، فمربّي عقله هو العقائد السليمة، ومربّي الجسد: التكاليف الشرعية، ومعلّم الروح: الأخلاق الحسنة(١).

١- يقول صاحب (جامع السعادات ١: ١١٧) المولى محمد مهدي النراقي: العلم كلّه وإن كان كمالا للنفس وسعادة، إلاّ أنّ فنونه متفاوتة في الشرافة والجمال ووجوب التحصيل وعدمه، فإنّ بعضها، كالطبّ والهندسة والعروض والموسيقى وأمثالها، ممّا ترجع جلّ فائدته إلى الدنيا، ولا يحصل لها مزيد بهجة وسعادة في العقبى، ولذا عدّت من علوم الدنيا دون الآخرة، وربّما وجب تحصيل بعضها كفاية... وما هو علم الآخرة الواجب تحصيله، وأشرف العلوم وأحسنها، هو العلم الإلهي المعرّف لاُصول الدين، وعلم الأخلاق المعرّف لمنجيات النفس ومهلكاتها، وعلم الفقه المعرّف لكيفية العبادات والمعاملات، والعلوم التي مقدمات لهذه الثلاثة، كالعربية والمنطق وغيرهما، يتّصف بالحسن ووجوب التحصيل من باب المقدّمة.

وهذه العلوم الثلاثة وإن وجب أخذها إجمالا، إلاّ أنّها في كيفية الأخذ مختلفة. فعلم الأخلاق يجب أخذه عيناً على كلّ أحد، على ما بيّنته الشريعة وأوضحه علماء الأخلاق، وعلم الفقه يجب أخذ بعضه عيناً، إمّا بالدليل أو بالتقليد من مجتهد حيّ، والتارك للطريقين غير معذور، ولذا ورد الحثّ الأكيد على التفقّه في الدين. قال الصادق (عليه السلام): «عليكم بالتفقّه في دين اللّه ولا تكونوا أعراباً، فإنّه مَن لم يتفقّه في دين اللّه لم ينظر إليه يوم القيامة ولم يزكّ له عملا». وقال: «ليت السياط على رؤوس أصحابي حتّى يتفقّهوا في الحلال والحرام». وقال (عليه السلام): «إنّ آية الكذّاب أن يخبرك خبر السماء والأرض والمشرق والمغرب، فإذا سألته عن حرام اللّه وحلاله لم يكن عنده شيء».

وأمّا اُصول العقائد فيجب أخذها عيناً من الشرع والعقل، وهما متلازمان لا يتخلّف مقتضى أحدهما عن مقتضى الآخر، إذ العقل هو حجّة اللّه الواجب امتثاله والحاكم العدل الذي تطابق أحكامه الواقع ونفس الأمر، فلا يردّ حكمه، ولولاه لما عرف الشرع، ولذا ورد: (أنّه ما أدّى العبد فرائض اللّه حتّى عقل عنه، ولا بلغ جميع العابدين في فضل عبادتهم ما بلغ العاقل)، فهما متعاضدان ومتظاهران، وما يحكم به أحدهما يحكم به الآخر أيضاً، وكيف يكون مقتضى الشرع مخالفاً لمقتضى ما هو حجّة قاطعة وأحكامه للواقع مطابقة، فالعقل هو الشرع الباطن والنور الداخل، والشرع هو العقل الظاهر والنور الخارج، وما يتراءى في بعض المواضع من التخالف بينهما، إنّما هو لقصور العقل، أو لعدم ثبوت ما ينسب إلى الشرع منه، فإنّ كلّ عقل ليس تاماً، وكلّما ينسب إلى الشرع ليس ثابتاً منه، فالمناط هو العقل الصحيح وما ثبت قطعاً من الشريعة، وأصحّ العقول وأقواها وأمتنها وأصفاها هو عقل صاحب الوحي، ولذا يدرك بنوريّته ما لا سبيل لأمثال عقولنا إلى دركه، كتفاصيل أحوال نشأة الآخرة، فاللازم في مثله أن نأخذه منه إذعاناً، وإن لم نعرف مأخذه العقلي. انتهى كلامه رفع اللّه مقامه.

٧
٨
ثمّ، موضوع علم العقائد هو المبدأ والمعاد وما بينهما من النبوّة والإمامة، والبحث عن أحوال الأئمة الأطهار ومقاماتهم الشامخة وفضلهم ومناقبهم إنّما هو من اُصول الدين وأساسه، فمعرفتهم لازمة وواجبة على كلّ مكلّف، وعلى كلّ مَن يبحث عن الحقيقة ويطلب سعادته ويبغي نجاته في الدارَين ويتطلّع إلى قائد يقتدي به واُسوة صالحة يتمسّك بها ويهتدي بأقوالها وأفعالها، والقدوة الصالحة والاُسوة الحسنة لكلّ مَن أراد أن يسعد في حياته وينجو بعد مماته هم الأنبياء والأوصياء والأئمة الأطهار ومن يحذو حذوهم من العلماء الصالحين، فقدوتنا هم الأئمة الأبرار من أهل بيت النبي المختار (عليهم السلام)، وبهم يعرف اللّه كما عرفت النبوّة، ولولا الحجّة لساخت الأرض، ولَضلّ الإنسان وهلك كما ورد في دعاء الغيبة: «اللّهم عرّفني حجّتك، فإنّك إن لم تعرّفني حجّتك ضللت عن ديني»، وعاقبة أمره أن يموت على الجاهلية، وفي النبوي الشريف: «مَن لم يعرف إمام زمانه مات ميتة الجاهلية ـ متّفق عليه عند الفريقين». فمن وظائف العلماء ومسؤولياتهم الدينية، تعريف الناس بأئمة الهدى، وأنّهم القدوة الصالحة والحسنة بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله).

وثالثاً ـ روى شيخنا الكليني (رحمه الله) بإسناده، عن عاصم بن حميد، قال: «سُئل علي بن الحسين (عليه السلام) عن التوحيد؟ فقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون، فأنزل اللّه تعالى: {قُلْ هُوَ اللّهُ أحَدْ} ـ أي: سورة التوحيد ـ، والآيات من سورة الحديد إلى قوله: {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ

٩
الصُّدُورِ}، فمَن رام وراء ذلك فقد هلك»(١).

أجل، مثل هذه الروايات الشريفة تفتح لنا آفاقاً جديدة في العلم الإلهي، وإنّها إخبار بالغيب يدلّ على صدق قائلها، فإنّ عقل الإنسان في آخر الزمان يتكامل، لعدم محدودية العلم والقدرة والحياة; فإنّها من صفات اللّه الذاتية، فلا بدّ من تكامل البشر حتّى نشاهد في مجالاته الدنيوية، يصنع ما يكاد أن يكون بحكم المستحيل، لا سيما عند القدماء، فإذا كان قساوسة النصارى وكنائس المسيحيين تحاكم جاليلو لاعتقاده بكروية الأرض، فما بالهم لو سمعوا أنّ الإنسان قد صعد إلى القمر، وكيف كان حالهم لو عاينوا الاختراعات الحديثة المدهشة التي لا تصدّق لولا أن نراها بالعين؟!!

فأقوام تعمّقوا في العلوم الدنيوية، ومن العدل الإلهي ولطف اللّه أن يكون أقوام يتعمّقون في العلوم الاُخروية (علوم العقائد والفقه والأخلاق) التي فيها سعادة الدارين ونجاة الإنسانية من براثن الجهل.

فديتك نفسي وأهلي يا ابن رسول اللّه، فما أروع كلامك الحقّ الذي يخرج من معادن العلم الإلهي، وخزائن الوحي والرسالة السماوية السمحاء.

«يكون في آخر الزمان أقوام يتعمّقون»، ومن ثمّ أنزل اللّه سبحانه بلطفه سورة التوحيد من أجلهم.

وليس ذلك في التوحيد وحسب، بل في النبوّة والإمامة كذلك، فإنّ النبوّة خلاصة التوحيد، والإمامة امتداد للنبوّة وخلاصتها، فهناك آيات وروايات نزلت وصدرت لاُولئك الأقوام المتعمّقين...

١- الكافي ١: ٩١، باب النسبة، الحديث ٣.

١٠
سيدي، وتصديقاً لمقولتك الإلهية، نرى اليوم أمثال شيخنا الاُستاذ(١) آية اللّه الشيخ حسن حسن زاده الآملي دام ظلّه يكتب رسالة يذكر فيها واحداً وتسعين وجهاً ومعنىً وبياناً للحديث النبوي الشريف: «مَن عرف نفسه فقد عرف ربّه»(٢).

ولا عجب في ذلك، بل وسيأتي أقوام يتعمّقون أكثر فأكثر في المعارف الإلهية والعلوم النبوية والولوية.

وإذا كان للقرآن الكريم سبعون(٣) بطناً، كما ورد في الخبر الشريف، فكذلك أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، ولا يكون أتباعهم فقهاء علماء حتى يعرفوا معاريض كلامهم ونكاته ولطائفه ووجوهه وبطونه.

روى شيخنا العلاّمة المجلسي (قدس سره) بإسناده، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه، ولا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا، وإنّ الكلمة من كلامنا لتنصرف على سبعين وجهاً، لنا من جميعها المخرج»(٤).

فأحاديث النبي الأعظم وعترته الأئمة المعصومين الأطهار (عليهم السلام) مفسّرة للقرآن الكريم، ولها وجوه كثيرة كالقرآن، فبطونها عديدة، ولكلّ بطن بطون،

١- حضرت عنده دام ظلّه سنة ١٤١٠ دروس في علم الفلك، فجزاه اللّه خيراً.

٢- الرسالة مذكورة في مجلة (ميراث جاويدان) التابعة لمنظمة الأوقاف في إيران، العدد ٤، السنة الاُولى ١٣٧٣ هـ ش، الصفحة ٦٠.

٣- المراد من السبعين هو الكثرة، لا خصوص السبعين.

٤- بحار الأنوار ٢: ١٨٤، الباب ٣٦، إنّ حديثهم صعب مستصعب، وإنّ كلامهم ذو وجوه كثيرة، وفضل التدبّر في أخبارهم (عليهم السلام)، وفيه ١١٦ حديثاً.

١١
وينفتح من كلّ باب ألف باب، ولا يعلمها إلاّ الراسخون في العلم، ولا يُلقّاها إلاّ ذو حظٍّ عظيم.

فلا بدّ من التعمّق في أحاديث الرسول وأهل بيته الأبرار لاستخراج الكنوز والذخائر من تراثهم المبارك، ومن اللّه العون والتوفيق والسداد. ثمّ كثرة الروايات في موضوع واحد، لازمها التواتر المعنوي أو الإجمالي، فلا مجال للإشكال حينئذ في سند بعض الروايات، وأنّها ضعيفة السند، بل لما ينقل عشرات الروايات في موضوع ما، فإنّه نقطع إجمالا أنّ واحد منها لا أقلّ صدرت عن المعصوم (عليه السلام)، كما أنّها مطابقة للقرآن الكريم والعقل السليم والفطرة المستقيمة، كما لازمها التواتر المعنوي، فيكون الموضوع حينئذ من الحقّ الحقيق الذي لا ريب فيه هدىً للمتّقين، فتدبّر جيداً.

ورابعاً ـ روى العلاّمة المجلسي عن (الخصال) بإسناده: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إيّاكم والغلوّ فينا. قولوا: إنّا عبيد مربوبون، وقولوا في فضلنا ما شئتم»(١).

وقال (عليه السلام): «لا تتجاوزوا بنا العبودية، ثمّ قولوا ما شئتم، ولن تبلغوا».

قوله (عليه السلام): «ولن تبلغوا»، أي بعد ما أثبتم لنا العبودية ـ بأنّهم عباد اللّه مكرمون ـ، فكلّ ما قلتم في وصفنا، كنتم مقصّرين في حقّنا، ولن تبلغوا ما نستحقّه من التوصيف(٢).

وقال (عليه السلام): «وإنّما أنا عبد من عبيد اللّه، لا تسمّونا أرباباً، وقولا ـ سلمان

١- بحار الأنوار ٢٥: ٢٧٠.

٢- لقد ذكرت تفصيل هذا المعنى في رسالة (جلوة من ولاية أهل البيت (عليهم السلام))، فراجع.

١٢
وجندب ـ في فضلنا ما شئتم فإنّكم لن تبلغوا من فضلنا كنه ما جعله اللّه لنا ولا معشار العشر»(١).

ومثل هذا الكلام الصريح والنصّ الواضح يدلّ على أنّ الإنسان مهما قال في فضائل أهل البيت (عليهم السلام) ومناقبهم وعلوّ مقاماتهم وشموخ مراتبهم، التي هي دون الخالق وفوق المخلوق، فإنّه لم يبلغ المنتهى، بل ولن يبلغ جزءاً ممّا يستحقّونه ـ و (لن) كما في اللغة تفيد نفي التأبيد ـ أي أبداً لا يمكن للبشر أن يبلغ نهاية المطاف، بل ولا معشار العشر.

وما نصل إليه ونبلغه، إنّما هو منهم وإليهم، فمنهم العلم الإلهي، وهم أساس المعارف، وبهم فتح اللّه وبهم يختم، ولولاهم لما عرفناهم حتى هذه المعرفة الضئيلة، والعلم القليل.

أجل، بالأمس نطق اُناس بجزء من ألف باء معرفة أهل البيت (عليهم السلام)، إلاّ أنّهم اتّهموا من قبل بعض حسّادهم بالغلوّ والكفر، فإنّ العقول آنذاك لم تصل إلى حدّ بلوغها ونضوجها، لتتعمّق في المعارف وكلمات أئمة الحقّ (عليهم السلام) وآيات القرآن الكريم، فكان من يتكلّم أو يكتب في معرفتهم، ليرفع جانباً من الستار ليكشف عن صفحة من جمالهم وكمالهم، سرعان ما كان يلقى بحجر الغلوّ وسهام مروقه عن الدين.

ولكن اليوم أعلامنا الأعاظم، جهابذة الفكر والعلم والسياسة والعرفان، وأساطين الفقه والاُصول والكلام ـ أمثال السيد الإمام الخميني (قدس سره) ـ يكتب في تعريف الحقيقة المحمدية والحقيقة العلوية، ويتحدّث عن نقطة باء البسملة.

١- بحار الأنوار ٢٦: ٦.

١٣
ولن يبلغ القائل مهما تحدّث في عظمة أهل البيت (عليهم السلام) ومقامهم الشامخ ومرتبتهم الرفعية.

إلاّ أنّه إذا لم نتمكّن من سحب وشرب ماء البحار، فلا بدّ أن نغترف منها بمقدار ما يرفع العطش ويروي الظمأ ويشفي الغليل.

وعسى أن أفتح الطريق برسالتي وبضاعتي المزجاة هذه، لاُولئك الذين يتعمّقون، ورُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه.

خامساً ـ روى العلاّمة المجلسي في الأربعمائة، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «خالطوا الناس بما يعرفون ودعوهم ممّا ينكرون، ولا تحملوهم على أنفسكم وعلينا، إنّ أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو عبد قد امتحن اللّه قلبه للإيمان»(١).

فأمر الولاية وأحاديث أسرارهم، وحقيقة خلقتهم وبواطنهم، من الصعب المستصعب، الذي لا يتحمّله من الناس، إلاّ من كان مؤمناً حقاً، قد امتحن اللّه قلبه بالإيمان، ومن الطبيعي أنّ الناس أعداء ما جهلوا، ومن لم يكن مؤمناً، وكان في قلبه مرض، وفي نطفته خلل وشبهة، فإنّه ينكر فضائل أهل البيت (عليهم السلام)، ويرمي ذاكرها بالزندقة والغلوّ، ويضرب بمثل ما في يديه عرض الجدار، ويتّهم كاتبه بما يحاسب عليه يوم القيامة، فإنّه ما يلفظ من قول إلاّ لديه رقيب عتيد.

وقد أدّبنا الأئمة (عليهم السلام) بآداب القرآن الكريم، فعن مولانا أبي عبد اللّه الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ اللّه تبارك وتعالى حصّن عباده بآيتين من كتابه: أن لا يقولوا حتّى يعلموا، ولا يردّوا ما لم يعلموا. إنّ اللّه تبارك وتعالى يقول:

١- بحار الأنوار ٢: ١٨٣.

١٤
{ألَمْ يُؤْخَذُ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللّهِ إلاّ الحَقَّ}، وقال: {بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ}».

وعن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «أما واللّه إنّ أحبّ أصحابي إليّ أورعهم وأفقههم وأكتمهم لحديثنا، وإنّ أسوأهم عندي حالا وأمقتهم إليّ الذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا ويروى عنّا فلم يعقله ولم يقبله، إشمأزّ منه وجحده، وكفر بمن دان به، وهو لا يدري لعلّ الحديث من عندنا خرج وإلينا اُسند، فيكون بذلك خارجاً من ولايتنا»(١).

فالحذار الحذار لاُولئك الذين لا يعقلون بعض الحقائق في معرفة الأئمة الأطهار أن ينكروها ويُعادوها.

فعن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «لا تكذبوا بحديث آتاكم أحد، فإنّكم لا تدرون لعلّه من الحقّ فتكذّبوا اللّه فوق عرشه».

بل إنّما نتخلّق بأخلاقهم الحسنة، ونردّ ما تضيق به الصدور، ولا تتحمّله العقول الضعيفة إليهم (عليهم السلام)، فعن سفيان بن السمط، قال: «قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): جعلت فداك إنّ الرجل ليأتينا من قبلك فيخبرنا عنك بالعظيم من الأمر فيضيق بذلك صدورنا حتّى نكذّبه، قال: فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أليس عنّي يحدّثكم؟ قال: قلت: بلى، قال: فيقول للّيل إنّه نهار، وللنهار إنّه ليل؟ قال: فقلت له: لا، قال: فقال: ردّه إلينا، فإنّك إن كذّبت فإنّما تكذّبنا»(٢).

ومن المعلوم أنّ تكذيبهم تكذيب للّه فوق عرشه كما مرّ، ويكون كافراً به

١- المصدر: ١٨٦.

٢- المصدر: ١٨٧.

١٥
سبحانه ـ والعياذ باللّه ـ وهو لا يدري ويحسب أنّه يحسن صنعاً، وأنّه يدافع عن العقل وحكومته، وأنّه من الدعاة إلى الحضارة والتمدّن والتحرّر، إلاّ أنّه ضلّ وأضلّ...

وأخيراً وليس بآخر: لقد اشتهر بين الناس أنّ (من صَنّف استُهدِف)، وإنّ اللّه سبحانه يقول: {وَخَلَقْناكُمْ أطْواراً}، وإنّ أذواق الناس مختلفة، ولولا اختلاف الأذواق لبارت السلع في الأسواق، واختلاف الآراء والأفكار بعدد الناس، وليس كلّ من كتب وصنّف رضي عنه الجميع.

إلاّ أنّي أتقرّب إلى اللّه في عملي، وإنّما كتبت لآخرتي، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى اللّه بقلب سليم، ومن الواضح أن يكون حينئذ مدح الناس وقدحهم على حدٍّ سواء، ولكن بكلّ رحابة صدر أتقبّل النقد البنّاء، فغير المعصوم غير معصوم، وإنّ الإنسان قد ابتلي بالنسيان، وإنّه معرّض للخطأ والاشتباه، فأعتذر مقدّماً من هفوة القلم وزلّة القدم، وأسأل اللّه السداد والرشاد والإخلاص، فعليه أتوكّل وبه أستعين، ومنه التوفيق وإليه اُنيب وإيّاه أعبد، وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

١٦
كتاب علي المرتضى(عليه السلام) نقطة باء البسملة للسيد عادل العلوي (ص ١٧ - ص ٢٩)

١٧
بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي جعل الكائنات مظهراً لأسمائه، والحمد جامعاً لكتابه، والبسملة مفتاحاً لحمده، والنقطة منطلقاً لبسملته.

البسملة: مصدر انتزاعي من قوله تعالى: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}، كالحوقلة من: {لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاّ بِاللّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ}.

وممّا تعارف عليه الناس أنّهم في بداية أعمالهم ربما يقرأونها باسم عزيز من أعزّائهم أو كبير من كبرائهم، ليكون ذلك العمل مباركاً متشرّفاً باسمهم، كما يفعلون ذلك في التسمية، فربما يسمّى الولد باسم الوالد أو يكنّى به ـ كما يستحبّ ذلك ـ ليحيى ذكر الوالد ولا ينسى، وقد جرى كلام اللّه في البسملة هذا المجرى فابتدأ كلامه المقدّس باسمه جلّ وعلا، ليكون ما فيه اسمه متعلّقاً به، ويتأدّب عباده بأدبه، فيبدأون باسمه في أفعالهم وأعمالهم، حتّى لا تكون مبتورة ومقطوعة من البركة والخير المستمرّ الثابت، ولا تكون هالكة باطلة; لأنّها باسم اللّه الذي لا يهلك ولا يزول، فهو السرمدي الأبدي. وكلّ ما ليس لوجهه الكريم فهو هالك وباطل ويكون هباءً منثوراً، وإنّما يبقى اللّه وما فيه اسم اللّه.

وفي الخبر المشهور عند الفريقين، عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، قال: «كلّ أمر

١٨
ذي بال لم يبدأ فيه باسم اللّه فهو أبتر»، والأبتر هو المنقطع الآخر الذي لا بقاء فيه فهو هالك وزائل لا محالة.

واللّه: اسم الجلالة علم للذات الواجب الوجود لذاته المستجمع لجميع الصفات الكمالية والجلالية.

وعن أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «اللّه: معناه المعبود الذي يأله فيه الخلق ويؤله إليه، واللّه هو المستور عن درك الأبصار، المحجوب عن الأوهام والخطرات».

وقال الإمام الباقر (عليه السلام): «معناه: المعبود الذي أله الخلق عن درك ماهيّته والإحاطة بكيفيّته».

وقال الإمام الكاظم (عليه السلام): «معناه: استولى على ما دقّ وجلّ».

وقال الإمام العسكري (عليه السلام): «هو الذي يتألّه إليه عند الحوائج والشدائد كلّ مخلوق عند انقطاع الرجاء من كلّ من دونه»(١).

ويقول العلاّمة الطباطبائي في تفسيره القيّم (الميزان): «وأمّا لفظ الجلالة، فاللّه أصله الإله حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال، وإله من أله الرجل يأله بمعنى عبد، أو من أله الرجل أو وله الرجل أي تحيّر، فهو فِعال ـ بكسر الفاء ـ بمعنى المفعول، ككتاب بمعنى المكتوب، سمّي إلهاً لأنّه معبود أو لأنّه ممّا تحيّرت في ذاته العقول، والظاهر أنّه عَلَم بالغلبة، وقد كان مستعملا دائراً في الألسن قبل نزول القرآن يعرفه العرب الجاهلي، كما يشعر به قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللّهُ}(٢)،

١- الروايات من ميزان الحكمة ١: ١٣٢.

٢- سورة الزخرف، الآية ٨٧.

١٩
وقوله تعالى: {فَقالُوا هذا لِلّهِ وَهذا لِشُرَكائِنا}(١)، وممّا يدلّ على كونه عَلَماً أنّه يوصف بجميع الأسماء الحسنى وسائر أفعاله المأخوذة من تلك الأسماء من غير عكس، فيقال: اللّه الرحمن الرحيم، ويقال: رحم اللّه وعلم اللّه ورزق اللّه، ولا يقع لفظ الجلالة صفة لشيء منها، ولا يؤخذ منه ما يوصف به شيء منها.

ولمّا كان وجوده سبحانه وهو إله كلّ شيء، يهدي إلى اتّصافه بجميع الصفات الكمالية، كانت الجميع مدلولا عليها به بالالتزام، وصحّ ما قيل: أنّ لفظ الجلالة اسم للذات الواجب الوجود المستجمع لجميع صفات الكمال، وإلاّ فهو عَلَم بالغلبة لم تعمل فيه عناية غير ما يدلّ عليه مادّة إله.

وأمّا الوصفان الرحمن الرحيم: فهما من الرحمة وهي وصف انفعالي وتأثّر خاصّ يلمّ بالقلب عند المشاهدة من يفقد أو يحتاج إلى ما يتمّ به أمره، فيبعث الإنسان إلى تتميم نقصه ورفع حاجته، إلاّ أنّ هذا المعنى يرجع بحسب التحليل إلى الاعطاء والإفاضة لرفع الحاجة، وبهذا المعنى يتّصف سبحانه بالرحمة. والرحمن فعلان صيغة مبالغة تدلّ على الكثرة، والرحيم فعيل صفة مشبّهة تدلّ على الثبات والبقاء، ولذلك ناسب الرحمن أن يدلّ على الرحمة الكثيرة المفاضة على المؤمن والكافر، وهو الرحمة العامة، وعلى هذا المعنى يستعمل كثيراً في القرآن، قال تعالى: {الرَّحْمنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى}(٢)، وقال: {قُلْ مَنْ كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدَّاً}(٣)، إلى غير ذلك، ولذلك أيضاً ناسب الرحيم أن يدلّ على

١- سورة الأنعام، الآية ١٣٦.

٢- سورة طه، الآية ٥.

٣- سورة مريم، الآية ٧٥.

٢٠