×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

عمرو بن العاص وشعره في الغدير / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحة: ١ فارغة
كتاب عمرو بن العاص وشعره في الغدير للعلامة الأميني (ص ١ - ص ١٦)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

عمرو بن العاص
المتوفى سنة ٤٣


معاوية الحال لا تجهل * وعن سبل الحق لا تعدل
نسيت احتيالي في جلق * على أهلها يوم لبس الحلي؟
وقد أقبلوا زمرا يهرعون * مهاليع كالبقر الجفل (١)
وقولي لهم: إن فرض الصلاة * بغير وجودك لم تقبل
فولوا ولم يعبأوا بالصلاة * ورمت النفار إلى القسطل
ولما عصيت إمام الهدى * وفي جيشه كل مستفحل
أبا البقر البكم أهل الشأم * لأهل التقى والحجى أبتلي؟
فقلت: نعم، قم فإني أرى * قتال المفضل بالأفضل
فبي حاربوا سيد الأوصياء * بقولي: دم طل من نعثل (٢)
وكدت لهم أن أقاموا الرماح * عليها المصاحف في القسطل
وعلمتهم كشف سوأتهم * لرد الغضنفرة المقبل
فقام البغاة على حيدر * وكفوا عن المشعل المصطلي
نسيت محاورة الأشعري * ونحن على دومة الجندل؟
ألين فيطمع في جانبي * وسهمي قد خاض في المقتل
خلعت الخلافة من حيدر * كخلع النعال من الأرجل
وألبستها فيك بعد الأياس * كلبس الخواتيم بالأنمل
ورقيتك المنبر المشمخر * بلا حد سيف ولا منصل
ولو لم تكن أنت من أهله * ورب المقام ولم تكمل

(١) أهرع: أسرع. الهلع: الجزع. الجفل: النفر والشرد.

(٢) طل الدم: هدر أو لم يثأر له فهو طليل ومطلول ومطل.

٢
وسيرت جيش نفاق العراق * كسير الجنوب مع الشمأل
وسيرت ذكرك في الخافقين * كسير الحمير مع المحمل
وجهلك بي يا بن آكلة الكبود * لأعظم ما أبتلي
فلولا موازرتي لم تطع * ولولا وجودي لم تقبل
ولولاي كنت كمثل النساء * تعاف الخروج من المنزل
نصرناك من جهلنا يا بن هند * على النبأ الأعظم الأفضل
وحيث رفعناك فوق الرؤوس * نزلنا إلى أسفل الأسفل
وكم قد سمعنا من المصطفى * وصايا مخصصة في علي؟
وفي يوم " خم " رقى منبرا * يبلغ والركب لم يرحل
وفي كفه كفه معلنا * ينادي بأمر العزيز العلي
ألست بكم منكم في النفوس * بأولى؟ فقالوا: بلى فافعل
فأنحله إمرة المؤمنين * من الله مستخلف المنحل
وقال: فمن كنت مولى له * فهذا له اليوم نعم الولي
فوال مواليه يا ذا الجلال * وعاد معادي أخ المرسل
ولا تنقضوا العهد من عترتي * فقاطعهم بي لم يوصل
فبخبخ شيخك لما رأى * عرى عقد حيدر لم تحلل
فقال: وليكم فاحفظوه * فمدخله فيكم مدخلي
وإنا وما كان من فعلنا * لفي النار في الدرك الأسفل
وما دم عثمان منج لنا * من الله في الموقف المخجل
وإن عليا غدا خصمنا * ويعتز بالله والمرسل (٢)
يحاسبنا عن أمور جرت * ونحن عن الحق في معزل
فما عذرنا يوما كشف الغطا؟ * لك الويل منه غدا ثم لي
إلا يا بن هند أبعت الجنان * بعهد عهدت ولم توف لي

(١) في بعض النسخ: وبلغ والصحب لم ترحل.

(٢) في رواية الخطيب التبريزي: سيحتج بالله والمرسل.

٣
وأخسرت أخراك كيما تنال * يسير الحطام من الأجزل
وأصبحت بالناس حتى استقام * لك الملك من ملك محول
وكنت كمقتنص في الشراك (١) * تذود الظماء عن المنهل
كأنك أنسيت ليل الهرير * بصفين مع هولها المهول
وقد بت تذرق ذرق النعام * حذارا من البطل المقبل
وحين أزاح جيوش الضلال * وافاك كالأسد المبسل
وقد ضاق منك عليك الخناق * وصار بك الرحب كالفلفل (٢)
وقولك: يا عمرو؟ أين المفر * من الفارس القسور المسبل؟
عسى حيلة منك عن ثنيه * فإن فؤدادي في عسعل
وشاطرتني كلما يستقيم * من الملك دهرك لم يكمل
فقمت على عجلتي رافعا * وأكشف عن سوأتي أذيلي
فستر عن وجهه وانثنى * حياء وروعك لم يعقل
وأنت لخوفك من بأسه * هناك ملأت من الأفكل (٣)
ولما ملكت حماة الأنام * ونالت عصاك يد الأول
منحت لغيري وزن الجبال * ولم تعطني زنة الخردل
وأنحلت مصرا لعبد الملك (٤) وأنت عن الغي لم تعدل
وإن كنت تطمع فيها فقد * تخلى القطا من يد الأجدل
وإن لم تسامح إلى ردها * فإني لحوبكم مصطلي
بخيل جياد وشم الأنوف * وبالمرهفات وبالذبل
وأكشف عنك حجاب الغرور * وأيقظ نائمة الأثكل
فإنك من إمرة المؤمنين * ودعوى الخلافة في معزل
ومالك فيها ولا ذرة * ولا لجدودك بالأول

(١) أقتنص الطير أو الظبي: اصطاده.

(٢) الفلفل: القرب بين الخطوات.

(٣) الأفكل: الرعدة من الخوف.

(٤) عبد الملك بن مروان والد الخلفاء الأمويين.

٤
فإن كان بينكما نسبة * فأين الحسام من المنجل؟
وأين الحصا من نجوم السما؟ * وأين معاوية من علي؟
فإن كنت فيها بلغت المنى * ففي عنقي علق الجلجل (١)

* (ما يتبع الشعر) *

هذه القصيدة المسماة بالجلجلية كتبها عمرو بن العاص إلى معاوية بن أبي سفيان في جواب كتابه إليه يطلب خراج مصر ويعاتبه على امتناعه عنه، توجد منها نسختان في مجموعتين في المكتبة الخديوية بمصر كما في فهرستها المطبوع سنة ١٣٠٧ ج ٤ ص ٣١٤ وروى جملة منها ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٢ ص ٥٢٢ وقال: رأيتها بخط أبي زكريا يحيى (٢) بن علي الخطيب التبريزي المتوفى ٥٠٢.

وقال الاسحاقي في " لطايف أخبار الدول " ص ٤١: كتب معاوية إلى عمرو بن العاص: إنه قد تردد كتابي إليك بطلب خراج مصر وأنت تمتنع وتدافع ولم تسيره فسيره إلي قولا واحدا وطلبا جازما، والسلام.

فكتب إليه عمرو بن العاص جوابا وهي القصيدة الجلجلية المشهورة التي أولها:

معاوية الفضل لا تنس لي * وعن نهج الحق لا تعدل
نسيت احتيالي في جلق * على أهلها يوم لبس الحلي؟
وقد أقبلوا زمرا يهرعون * ويأتون كالبقر المهل

ومنها أيضا:

ولولاي كنت كمثل النساء * تعاف الخروج من المنزل
نسيت محاورة الأشعري * ونحن على دومة الجندل؟
وألعقته عسلا باردا * وأمزجت ذلك بالحنظل (٣)

(١) مثل يضرب راجع مجمع الأمثال للميداني ص ١٩٥.

(٢) أحد أئمة اللغة والنحو قال ابن ناصر: كان ثقة في النقل وله المصنفات الكثيرة. كذا ترجم له ابن كثير في تاريخه ١٢ ص ١٧١.

(٣) في رواية الخطيب التبريزي:

فألمظه عسلا باردا * وأخبأ من تحته حنظلي

٥
ألين فيطمع في جانبي * وسهمي قد غاب في المفصل
وأخلعتها منه عن خدعة * كخلع النعال من الأرجل
وألبستها فيك لما عجزت * كلبس الخواتيم في الأنمل

ومنها أيضا:

ولم تك والله من أهلها * ورب المقام ولم تكمل
وسيرت ذكرك في الخافقين * كسير الجنوب مع الشمأل
نصرناك من جهلنا يا بن هند * على البطل الأعظم الأفضل
وكنت ولن ترها في المنام * فزفت إليك ولا مهر لي
وحيث تركنا أعالي النفوس * نزلنا إلى أسفل الأرجل
وكم قد سمعنا من المصطفى * وصايا مخصصة في علي

ومنها أيضا:

وإن كان بينكما نسبة * فأين الحسام من المنجل؟
وأين الثريا وأين الثرى؟ * وأين معاوية من علي؟

فلما سمع معاوية هذه الأبيات لم يتعرض له بعد ذلك. ا هـ.

وذكر الشيخ محمد الأزهري في شرح مغني اللبيب ١ ص ٨٢ هذه الأبيات برمتها حرفيا نقلا عن تاريخ الاسحاقي غير أنه حذف قوله:

وحيث تركنا أعالي النفوس * نزلنا إلى أسفل الأرجل

وذكر منها ثلاث عشر بيتا ابن شهر آشوب في " المناقب " ٣ ص ١٠٦.

وأخذ منها السيد الجزايري في " الأنوار النعمانية " ص ٤٣ عشرين بيتا.

وذكر برمتها الزنوزي في الروضة الثانية من رياض الجنة وقال: هذه القصيدة تسمى بالجلجلية لما في آخرها: وفي عنقي علق الجلجل.

وخمسها بطولها الشاعر المفلق الشيخ عباس الزيوري البغدادي، وقفت عليه في ديوانه المخطوط المصحح بقلمه، ويوجد التخميس في إحدى نسختي المكتبة الخديوية بمصر.

يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون
٦

مهمات مصادر ترجمة عمرو بن العاص..

٧

* (الشاعر) *

عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد (بالتصغير) بن سهم بن عمرو بن هصيص ابن كعب بن لوي القرشي أبو محمد وأبو عبد الله.

أحد دهاة العرب الخمس، منه بدئت الفتن وإليه تعود، وتقحمه في البوائق والمخاريق ثابت مشهور تضمنته طيات الكتب، وتناقلته الآثار والسير، وإذا استرسلت في الكلام عن الجور والفجور فحدث عنه ولا حرج، كما تجده في كلمات الصحابة الأولين، فالبغل نغل وهو لذلك أهل (١) ويقع الكلام في ترجمته عن نواحي شتى.

نسبه

أبوه هو الأبتر بنص الذكر الحميد (إن شانئك هو الأبتر) وعليه أكثر أقوال المفسرين والعلماء (٢) وفي بعض التفاسير وإن جاء ترديد بينه وبين أبي جهل وأبي لهب وعقبة بن أبي معيط وغيرهم إلا أن القول الفصل ما ذكره الفخر الرازي من: أن كلا من أولئك كانوا يشنئون رسول الله صلى الله عليه وآله إلا أن ألهجهم به وأشدهم شنئة العاص ابن وائل. فالآية تشملهم أجمع، ويخص اللعين بخزي آكد، ولذلك اشتهر بين المفسرين أنه هو المراد.

قال الرازي في تفسيره ٨ ص ٥٠٣، روي أن العاص بن وائل كان يقول: إن محمدا أبتر لا ابن له يقوم مقامه بعده، فإذا مات انقطع ذكره، واسترحتم منه، وكان قد مات ابنه عبد الله من خديجة، وهذا قول ابن عباس ومقاتل والكلبي وعامة أهل التفسير. وقال ص ٥٠٤ بعد نقل الأقوال الأخر: ولعل العاص بن وائل كان أكثرهم مواظبة على هذا القول، فلذلك اشتهرت الروايات بأن الآية نزلت فيه.

وروى التابعي الكبير سليم بن قيس الهلالي في كتابه: أن الآية نزلت في

(١) مثل يضرب لمن لؤم أصله فخبث فعله.

(٢) راجع الطبقات لابن سعد ١ ص ١١٥، والمعارف لابن قتيبة ص ١٢٤، وتاريخ ابن عساكر ٧ ص ٣٣٠.

٨
المترجم نفسه، كان أحد شانئي رسول الله صلى الله عليه وآله لما مات ولده إبراهيم فقال:

إن محمدا قد صار أبتر لا عقب له. وذكره بذلك أمير المؤمنين في أبيات له تأتي فقال:

إن يقرنوا وصيه والأبترا * شاني الرسول واللعين الأخزرا

وذكره بذلك عمار بن ياسر يوم صفين وعبد الله بن جعفر في حديثيهما الآتيين.

فالمترجم له هو (الأبتر ابن الأبتر) وبذلك خاطبه أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب له يأتي بقول: من عبد الله أمير المؤمنين إلى الأبتر ابن الأبتر عمرو بن العاص شانئ محمد وآله محمد في الجاهلية والاسلام.

تعرفنا الآية الكريمة المذكورة إن كل معزو إلى العاص من الولد من ذكر أو أنثى من المترجم له أو غيره ليسوا لرشدة، فمن هنا تعرف فضيلة عمرو من ناحية النسب، أضف إلى ذلك حديث أمه ليلى العنزية الجلانية.

كانت أمه ليلى أشهر بغي بمكة وأرخصهن أجرة، ولما وضعته ادعاها خمسة كلهم أتوها غير أن ليلى ألحقته بالعاص لكونه أقرب شبها به، وأكثر نفقة عليها، ذكرت ذلك أروى بنت الحارث بن عبد المطلب لما وفدت إلى معاوية فقال لها: مرحبا بك يا عمة؟ فكيف كنت بعدنا؟ فقالت: يا بن أخي؟ لقد كفرت يد النعمة، وأسأت لابن عمك الصحبة، وتسميت بغير اسمك، وأخذت غير حقك، من غير بلاء كان منك ولا من آبائك، ولا سابقة في الاسلام، ولقد كفرتم بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله فأتعس الله منكم الجدود، وأصعر منكم الخدود، حتى رد الله الحق إلى أهله، وكانت كلمة الله هي العليا، ونبينا محمد صلى الله عليه وآله هو المنصور على من ناواه ولو كره المشركون، فكنا أهل البيت أعظم الناس في الدين حظا ونصيبا وقدرا حتى قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله مغفورا ذنبه، مرفوعا درجته، شريفا عند الله مرضيا، فصرنا أهل البيت منكم بمنزلة قوم موسى من آل فرعون يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وصار ابن عم سيد المرسلين فيكم بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى حيث يقول: يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني، ولم يجمع بعد رسول الله لنا شمل، ولم يسهل لنا وعر، وغايتنا الجنة، وغايتكم النار.

فقال لها عمرو بن العاص: أيها العجوز الضالة؟ أقصري من قولك، وغضي

٩
من طرفك. قالت: ومن أنت؟ لا أم لك. قال: عمرو بن العاص. قالت يا بن اللخناء النابغة تتكلم وأمك كانت أشهر امرأة بمكة وآخذهن لأجرة، إربع على ظلعك (١) واعن بشأن نفسك فوالله ما أنت من قريش في اللباب من حسبها ولا كريم منصبها، ولقد إدعاك ستة (٢) نفر من قريش كله يزعم أنه أبوك فسألت أمك عنهم فقالت: كلهم أتاني فانظروا أشبههم به فألحقوه به، فغلب عليك شبه العاص بن وائل فلحقت به، ولقد رأيت أمك أيام منى بمكة مع كل عبد عاهر، فأتم بهم فإنك بهم أشبه. (٣)

وقال الإمام السبط الحسن الزكي سلام الله عليه بمحضر من معاوية وجمع آخر:

أما أنت يا بن العاص فإن أمرك مشترك، وضعتك أمك مجهولا من عهر وسفاح، فتحاكم فيك أربعة (٤) من قريش فغلب عليك جزارها، ألأمهم حسبا، وأخبثهم منصبا، ثم قام أبوك فقال: أنا شانئي محمد الأبتر فأنزل الله فيه ما أنزل. (٥)

وعده الكلبي أبو المنذر هشام المتوفى ٢٠٦ / ٤ في كتابه " مثالب العرب " الموجود عندنا - ممن يدين بسفاح الجاهلية، وقال في باب تسمية ذوات الرايات: وأما النابغة أم عمرو بن العاص: فإنها كانت بغيا من طوايف مكة فقدمت مكة ومعها بنات لها، فوقع عليها العاص بن وائل في الجاهلية في عدة من قريش منهم: أبو لهب، وأمية بن خلف، وهشام بن المغيرة، وأبو سفيان بن حرب، في طهر واحد فولدت عمرا فاختصم القوم جميعا فيه كل يزعم أنه ابنه، ثم إنه أضرب عنه ثلاثة وأكب عليه اثنان: العاص بن وائل، وأبو سفيان بن حرب فقال أبو سفيان: أنا والله وضعته في حر أمه. فقال العاص: ليس هو كما تقول

(١) مثل يضرب لمن يتوعد. ربع في المكان أي أقام به. الظلع: العرج. يقال: ظلع البعير أي غمز في مشيته فالمعنى: لا تجاوز حدك في وعيدك، وأبصر نقصك وعجزك عنه.

(٢) في العقد الفريد، وروض المناظر: خمسة.

(٣) بلاغات النساء ص ٢٧، العقد الفريد ١ ص ١٦٤، روض المناظر ٨ ص ٤، ثمرات الأوراق ١ ص ١٣٢، دايرة المعارف لفريد وجدي ١ ص ٢١٥، جمهرة الخطب ٢ ص ٣٦٣.

(٤) في لفظ الكلبي وسبط ابن الجوزي: خمسة.

(٥) أخذنا هذه الجملة من حديث المهاجاة الطويلة الواقعة بين الإمام الحسن بن علي وبين عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة، وعتبة بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، في مجلس معاوية رواه ابن أبي الحديد في شرحه ٢ ص ١٠١ نقلا عن كتاب المفاخرات للزبير بن بكار، وذكره سبط ابن الجوزي في التذكرة ص ١١٤.

١٠
هو إبني فحكما أمه فيه فقالت: للعاص. فقيل لها بعد ذلك: ما حملك على ما صنعت و أبو سفيان أشرف من العاص؟ فقالت: إن العاص كان ينفق على بناتي، ولو ألحقته بأبي سفيان لم ينفق علي العاص شيئا وخفت الضيعة، وزعم ابنها عمرو بن العاص إن أمه امرأة من غنزة بن أسد بن ربيعة.

وكان الزناة الذين اشتهروا بمكة جماعة منهم هؤلاء المذكورون وأمية بن عبد شمس، وعبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص أخو مروان بن الحكم، وعتبة بن أبي سفيان أخو معاوية، وعقبة بن أبي معيط. (١)

وعده الكلبي من الأدعياء في باب - أدعياء الجاهلية - وقال: قال الهيثم: ومن الأدعياء عمرو بن العاص، وأمه النابغة حبشية، وأخته لأمه أرينب (بضم الألف) وكانت تدعي لعفيف بن أبي العاص، وفيها قال عثمان لعمرو بن العاص: لمن كانت تدعى أختك أرينب يا عمرو؟ فقال: لعفيف بن أبي العاص. قال عثمان: صدقت. إنتهى.

وروى أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى ٢٠٩ / ١١ في كتاب " الأنساب ": إن عمرا اختصم فيه يوم ولادته رجلان: أبو سفيان، والعاص، فقيل: لتحكم أمه فقالت: إنه من العاص بن وائل. فقال أبو سفيان. أما إني لا أشك إنني وضعته في رحم أمه فأبت إلا العاص فقيل لها: أبو سفيان أشرف نسبا. فقالت: إن العاص بن وائل كثير النفقة علي وأبو سفيان شحيح. ففي ذلك يقول حسان بن ثابت لعمرو بن العاص حيث هجاه مكافئا له عن هجاء رسول الله صلى الله عليه وآله:

أبوك أبو سفيان لا شك قد بدت * لنا فيك منه بينات الدلائل
ففاخر به إما فخرت ولا تكن * تفاخر بالعاص الهجين بن وائل
وإن التي في ذاك يا عمرو حكمت * فقالت رجاء عند ذاك لنائل
: من العاص عمرو تخبر الناس كلما * تجمعت الأقوام عند المحامل (٢)

وقال الزمخشري في " ربيع الأبرار ": كانت النابغة أم عمرو بن العاص أمة لرجل من عنزة (بالتحريك) فسبيت فاشتراها عبد الله بن جذعان التيمي بمكة فكانت

(١) وإلى هنا ذكره سبط ابن الجوزي في تذكرته ص ١١٧ عن المثالب.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٢ ص ١٠١.

١١
بغيا. ثم ذكر نظير الجملة الأولى من كلام الكلبي ونسب الأبيات المذكورة إلى أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب. وقال: جعل لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرو بن العاص عن أمه ولم تكن بمنصب مرضي فأتاه بمصر أميرا عليها فقال: أردت أن أعرف أم الأمير. فقال: نعم، كانت امرأة من عنزة، ثم من بني جلان تسمى ليلى وتلقب النابغة، إذهب وخذ ما جعل لك (١)

وقال الحلبي في سيرته ١ ص ٤٦ في نكاح البغايا. ونكاح الجمع. من أقسام نكاح الجاهلية: الأول أن يطأ البغي جماعة متفرقين واحدا بعد واحد فإذا حملت وولدت الحق الولد بمن غلب عليه شبهه منهم. الثاني: أن تجتمع جماعة دون العشرة ويدخلون على امرأة من البغايا ذوات الرايات كلهم يطؤوها فإذا حملت ووضعت ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت وهو ابنك يا فلان.

تسمي من أحبت منهم فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع منهم الرجل إن لم يغلب شبهه عليه، وحينئذ يحتمل أن يكون أم عمرو بن العاص رضي الله عنه من القسم الثاني فإنه يقال: إنه وطئها أربعة هم: العاص، وأبو لهب، وأمية، وأبو سفيان، و ادعي كلهم عمرا فألحقته بالعاص لإنفاقه على بناتها. ويحتمل أن يكون من القسم الأول ويدل عليه ما قيل: إنه الحق بالعاص لغلبة شبهه عليه، وكان عمرو يعير بذلك عيره علي وعثمان والحسن وعمار بن ياسر وغيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. و سيأتي ذلك في قصة قتل عثمان عند الكلام على بناء مسجد المدينة (٢).

* (عبد الله وعمرو) *

روى الحافظ ابن عساكر في تاريخ الشام ٧ ص ٣٣٠: إن عمرو بن العاص قال لعبد الله بن جعفر الطيار ذي الجناحين في مجلس معاوية: يا بن جعفر؟ يريد تصغيره.

فقال له: لئن نسبتني إلى جعفر فلست بدعي ولا أبتر ثم ولى وهو يقول:

(١) ورواه المبرد في الكامل، ابن قتيبة في عيون الأخبار ١ ص ٢٨٤، ابن عبد البر في الاستيعاب، وذكر في شرح النهج لابن أبي الحديد ٢ ص ١٠٠، جمهرة الخطب ٢ ص ١٩.

(٢) ذكر قتل عثمان عند الكلام على بناء المسجد ج ٢ ص ٧٢ - ٨٨ ولم يوجد هناك شيئ مما أو عزاليه.

١٢
تعرضت قرن الشمس وقت ظهيرة * لتستر منه ضوءه بظلامكا
كفرت اختيارا ثم آمنت خيفة * وبغضك إيانا شهيد بذلكا

* (عبد الله وعمرو) *

أخرج الحافظ ابن عساكر في تاريخه ٧ ص - ٤٣٨: إن عبد الله بن أبي سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي قدم معاوية وعنده عمرو فجاء الآذن فقال: هذا عبد الله وهو بالباب: فقال: إئذن له. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين؟ لقد أذنت لرجل كثير الخلوات للتلهي، والطربات للتغني، صدوف عن السنان، محب للقيان، كثير مزاحه، شديد طماحه، ظاهر الطيش، لين العيش، أخاذ للسلف، صفاق للشرف فقال عبد الله: كذبت يا عمرو؟ وأنت أهله ليس كما وصفت ولكنه: لله ذكور، ولبلاءه شكور، وعن الخنا زجور، سيد كريم، ماجد صميم، جواد حليم، إن ابتدأ أصاب، وإن سئل أجاب، غير حصر ولا هياب، ولا فاحش عياب، كذلك قضى الله في الكتاب، فهو كالليث الضرغام، الجرئ المقدام، في الحسب القمقام، ليس بدعي ولا دني كمن اختصم فيه من قريش شرارها فغلب عليه جزارها، فأصبح ينوء بالدليل، ويأوي فيها إلى القليل، قد بدت بين حيين، وكالساقط بين المهدين، لا المعتزي إليهم قبلوه، ولا الظاعن عنهم فقدوه، فليت شعري بأي حسب تنازل للنضال؟ أم بأي قديم تعرض للرجال؟ أبنفسك؟ فأنت الخوار الوغد الزنيم. أم بمن تنتمي إليه؟

فأنت أهل السفه والطيش والدناءة في قريش، لا بشرف في الجاهلية شهر، ولا بقديم في الاسلام ذكر، غير أنك تنطق بغير لسانك، وتنهض بغير أركانك، وأيم الله إن كان لأسهل للوعث (١) وألم للشعث (٢) أن يكعمك (٣) معاوية على ولوعك باعراض قريش كعام الضبع في وجاره (٤) فأنت لست لها بكفي، ولا لأعراضها بوفي. قال:

فتهيأ عمرو للجواب فقال له معاوية: نشدتك الله إلا ما كففت. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين دعني أنتصر فإنه لم يدع شيئا. فقال معاوية: أما في مجلسك هذا فدع الانتصار و

(١) الوعث بالفتح: العسر الغليظ.

(٢) يقال: لم الله شعثهم. أي جمع أمرهم.

(٣) يقال: كعم البعير. أي شد فمه لئلا يعض أو يأكل.

(٤) الوجار بكسر الواو وفتحها: حجر الضبع وغيرها

١٣
عليك بالاصطبار. وأشار إلى هذه القصة ابن حجر في الإصابة ٢ ص ٣٢٠.

إسلامه

إن الذي حدانا إليه يقين لا يخالجه شك بعد الأخذ بمجامع ما يؤثر عن الرجل في شئونه وأطواره: أنه لم يعتنق الدين اعتناقا، وإنما انتحله انتحالا وهو في الحبشة، نزل بها مع عمارة بن الوليد لاغتيال جعفر وأصحابه رسل النبي الأعظم تنتهي إليه الأنباء عن أمر الرسالة، ويبلغه التقدم والنشور له، وسمع من النجاشي قوله: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله؟ فقال:

أيها الملك؟ أكذلك هو؟ فقال: ويحك يا عمرو أطعني واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده (١).

فراقه التزلف إلى صاحب الرسالة بالتسليم له فلم ينكفئ إلى الحجاز إلى طمعا في رتبة، أو وقوفا على لماظة من العيش، أو فرقا من البطش الإلهي بالسلطة النبوية. فنحن لا نعرفه في غضون هاتيك المدد التي كان يداهن فيها المسلمين و يصانعهم إبقاءا لحياته، واستدرارا لمعاشه، إلا كما نعرفه يوم كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وآله بقصيدة ذات سبعين بيتا فلعنه صلى الله عليه وآله عدد أبياته. وهو كما قال أمير المؤمنين: متى ما كان للفاسقين وليا، وللمسلمين عدوا؟؟ وهل يشبه إلا أمه التي دفعت به. (٢) وكان كما يأتي عن أمير المؤمنين من قوله: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا، وأسروا الكفر فلما وجدوا أعوانا رجعوا إلى عداوتهم منا.

قال ابن أبي الحديد في الشرح ١ ص ١٣٧: قال شيخنا أبو القاسم البلخي رحمه الله تعالى: قول عمرو بن العاص لمعاوية لما قاله معاوية: يا أبا عبد الله؟ إني لأكره لك أن تتحدث العرب عنك إنك إنما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا: دعنا عنك. كناية عن الالحاد بل تصريح به، أي: دع هذا الكلام لا أصل له، فإن اعتقاد الآخرة و إنها لاتباع بعرض الدنيا من الخرافات، وما زال عمرو بن العاص ملحدا ما تردد قط

(١) سيرة ابن هشام ٣ ص ٣١٩ وغير واحد من كتب السيرة النبوية والتاريخ.

(٢٩ تذكرة خواص الأمة ص ٥٦، السيرة الحلبية وغيرهما.

١٤
في الالحاد والزندقة وكان معاوية مثله.

وقال في ج ٢ ص ١١٣: نقلت أنا من كتب متفرقة كلمات حكمية تنسب إلى عمرو بن العاص استحسنتها وأوردتها لأني لا أجحد الفاضل فضله وإن كان دينه عندي غير مرضي. وقال في ص ١١٤: قال شيخنا أبو عبد الله: أول من قال بالارجاء المحض معاوية وعمرو بن العاص، كانا يزعمان أنه لا يضر مع الإيمان معصية، ولذلك قال معاوية لمن قال: حاربت من تعلم وارتكبت ما تعلم. فقال: وثقت بقوله تعالى: إن الله يغفر الذنوب جميعا.

وقال في ج ٢ ص ١٧٩: وأما معاوية فكان فاسقا مشهورا بقلة الدين والانحراف عن الاسلام، وكذلك ناصره ومظاهره على أمره عمرو بن العاص ومن تبعهما من طغام أهل الشام وأجلافهم وجهال الأعراب، فلم يكن أمرهم خافيا في جواز محاربتهم و استحلال قتالهم.

وهناك كلمات ذكرت في مصادر وثيقة تمثل الرجل بين يدي القاري بروحياته و حقيقته، وتخبره بعجره وبجره (١) وإليك نماذج منها:

١ - كلمة النبي الأعظم

دخل زيد بن أرقم على معاوية فإذا عمرو بن العاص جالس معه على السرير فلما رأى ذلك زيد جاء حتى رمى بنفسه بينهما فقال له: عمرو بن العاص: أما وجدت لك مجلسا إلا أن تقطع بيني وبين أمير المؤمنين؟ فقال زيد: إن رسول الله صلى الله عليه و آله غزا غزوة وأنتما معه فرءاكما مجتمعين فنظر إليكما نظرا شديدا ثم راءكما اليوم الثاني واليوم الثالث كل ذلك يديم النظر إليكما فقال في اليوم الثالث: إذا رأيتم معاوية وعمرو بن العاص مجتمعين ففرقوا بينهما فإنهما لن يجتمعا على خير.

كذا أخرجه ابن مزاحم في كتاب " صفين " ص ١١٢ ورواه ابن عبد ربه في " العقد الفريد " ٢ ص ٢٩٠ عن عبادة بن الصامت وفيه: إنه صلى الله عليه وآله قاله في غزوة تبوك ولفظه: إذا رأيتموهما اجتمعا ففرقوا بينهما فإنهما لا يجتمعان على خير.

(١) العجر: العروق المتعقدة. البحر: العروق المتعقدة في البطن. مثل يضرب لمن يخبر بجميع عيوبه.
١٥

٢ - كلمة أمير المؤمنين

روى أبو حيان التوحيدي في " الإمتاع والمؤانسة " ٣ ص ١٨٣ قال: قال الشعبي:

ذكر عمرو بن العاص عليا فقال: فيه دعابة فبلغ ذلك عليا فقال: زعم ابن النابغة إني تلعابة، تمراحة، ذو دعابة، اعافس، وامارس. هيهات يمنع من العفاس والمراس (١) ذكر الموت وخوف البعث والحساب، ومن كان له قلب ففي هذا من هذا له واعظ وزاجر، أما وشر القول الكذب، إنه ليعد فيخلف، ويحدث فيكذب، فإذا كان يوم البأس فإنه زاجر وآمر ما لم تأخذ السيوف بهام الرجال، فإذا كان ذاك فأعظم مكيدته في نفسه أن يمنح القوم إسته.

ورواه بهذا اللفظ شيخ الطايفة في أماليه ص ٨٢ من طريق الحافظ ابن عقدة.

* (صورة أخرى على رواية الشريف الرضي) *

عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام أن في دعابة، وإني امرؤ تلعابة، أعافس وأمارس، لقد قال باطلا، ونطق آثما، أما وشر القول الكذب، إنه ليقول فيكذب، ويعد فيخلف، ويسأل فيلحف، ويسئل فيبخل، ويخون العهد، ويقطع الإل، فإذا كان عند الحرب فأي زاجر وآمر هو؟؟!! ما لم تأخذ السيوف مآخذها، فإذا كان ذلك كان أكبر مكيدته أن يمنح القرم سبته، أما والله إني ليمنعني من اللعب ذكر الموت، وإنه ليمنعه من قول الحق نسيان الآخرة، وإنه لم يبايع معاوية حتى شرط له أن يؤتيه أتية، ويرضخ له على ترك الدين رضيخة. (٢)

- نهج البلاغة - ١ ص ١٤٥.

* (صورة أخرى على رواية ابن قتيبة) *

قال زيد بن وهب: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: عجبا لابن النابغة يزعم إني تلعابة، أعافس وأمارس، أما وشر القول أكذبه، إنه يسأل فيلحف، و يسئل فيبخل، فإذا كان عند البأس فإنه امرؤ زاجر ما لم تؤخذ السيوف مآخذها من هام القوم، فإذا كان كذلك كان أكبر همه أن يبر قط ويمنع الناس إسته، قبحه

(١) العفاس بالكسر: الفساد المراس: العبث واللعب.

(٢) يقال: رضخ له من ماله رضيخة. أي: قليلا من كثير.

١٦
كتاب عمرو بن العاص وشعره في الغدير للعلامة الأميني (ص ١٧ - ص ٣١)
١٧

٥ - كتاب أمير المؤمنين إلى عمرو

من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى الأبتر ابن الأبتر عمرو بن العاص بن وائل شانئ محمد وآله محمد في الجاهلية والاسلام. سلام على من اتبع الهدى - أما بعد - فإنك تركت مروءتك لامرئ فاسق مهتوك ستره، يشين الكريم بمجلسه، ويسفه الحليم بخلطته، فصار قلبك لقلبه تبعا كما قيل: وافق شن طبقة (١) فسلبك دينك وأمانتك ودنياك وآخرتك، وكان علم الله بالغا فيك، فصرت كالذئب يتبع الضرغام إذا ما الليل دجا، أو أتى الصبح يلتمس فاضل سؤره، وحوايا فريسته، ولكن لا نجاة من القدر، ولو بالحق أخذت لأدركت ما رجوت، وقد رشد من كان الحق قائده، فإن يمكن الله منك ومن ابن آكلة الأكباد ألحقتكما بمن قتله الله من ظلمة قريش على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وإن تعجزا (٢) وتبقيا بعدي فالله حسبكما، وكفى بانتقامه انتقاما، وبعقابه عقابا. والسلام.

* (فائدة) *

هذا الكتاب بهذه الصورة ذكرها ابن أبي الحديد (٣) في شرحه ٤ ص ٦١ نقلا عن كتاب صفين لنصر بن مزاحم ولم نجده فيه فمن أمعن النظر في جل ما نقله ابن أبي الحديد عن هذا الكتاب يعلم بأن المطبوع منه هو مختصره لا أصله وهو أكبر من الموجود بكثير.

صورة أخرى له

فإنك قد جعلت دينك تبعا لدنيا امرئ ظاهر غيه، مهتوك ستره، يشين الكريم بمجلسه، ويسفه الحليم بخلطته، فاتبعت أثره، وطلبت فضله، إتباع الكلب للضرغام، يلوذ بمخالبه، وينتظر ما يلقى إليه من فضل فريسته، فأذهب دنياك وآخرتك، ولو بالحق أخذت، أدركت ما طلبت، فإن يمكن الله منك ومن ابن أبي سفيان أجزكما بما قدمتما، وإن تعجزا وتبقيا فما أمامكما شر لكما. والسلام.

نهج البلاغة ٢ ص ٦٤

(١) مثل ساير له قصة يستفاد منها. شن: اسم رجل. طبقة: اسم امرأة: راجع مجمع الأمثال للميداني ٢ ص ٣٢١.

(٢) عجز الشئ: مؤخره.

(٣) وذكره عنه الدكتور أحمد زكي صفوت في جمهرة الرسائل ١ ص ٤٨٦.

١٨

٦ - خطبة أمير المؤمنين بعد التحكيم

لما خرجت الخوارج وهرب أبو موسى إلى مكة ورد علي عليه السلام ابن عباس إلى البصرة قام في الكوفة خطيبا فقال: الحمد لله، وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدث الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ليس معه إله غيره، وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله - أما بعد -: فإن معصية الناصح الشفيق العالم المجرب، تورث الحسرة، وتعقب الندامة، وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري، ونحلت لكم مخزون رأيي، لو كان يطاع لقصير أمر (١) فأبيتم علي إباء المخالفين الجفاة، والمنابذين العصاة، حتى ارتاب الناصح بنصحه، وضن الزند بقدحه، فكنت أنا وإياكم كما قال أخو هوازن (٢):

أمرتكم أمري بمنعرج اللوى * فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد

ألا؟ إن هذين الرجلين: (عمرو بن العاص وأبا موسى الأشعري) اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحييا ما أمات القرآن، و أماتا ما أحيى القرآن، واتبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من الله، فحكما بغير حجة بينة، ولا سنة ماضية، واختلفا في حكمهما، وكلاهما لم يرشد (٣)، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين، واستعدوا وتأهبوا للمسير إلى الشام.

الإمامة والسياسة ١ ص ١١٩، تاريخ الطبري ٦ ص ٤٥، مروج الذهب ٢ ص ٣٥، نهج البلاغة ١ ص ٤٤، كامل ابن الأثير ٣ ص ١٤٦.

ذكر ابن كثير في تاريخه ٧ ص ٢٨٦ هذه الخطبة ولما لم يعجبه ذكر أهل العيث والفساد بما هم عليه، أولم يره صادرا من أهله في محله، أولم يرض أن تطلع الأمة الإسلامية على حقيقة عمرو بن العاص وصويحبه فبتر الخطبة وذكرها إلى

(١) قصير هو مولى جذيمة الأبرش، وكان قد أشار على سيده أن لا يأمن الزباء ملكة الجزيرة، وقد دعته إليها ليزوجها، فخالفه وقصد إليها فقتلته فقال قصير: لا يطاع لقصير أمر . فذهب مثلا.

(٢) دريد بن الصمة.

(٣) في الإمامة والسياسة: لم يرشدهما الله.

١٩
آخر البيت فقال: ثم تكلم فيما فعله الحكمان فرد عليهما ما حكما به وأنبهما، و قال ما فيه حط عليهما. ا هـ

وهناك لأمير المؤمنين عليه السلام في خطبه كلمات كثيرة حول الرجل مثل قوله:

قد سار إلى مصر ابن النابغة عدو الله وولي من عادى الله. وقوله: إن مصرا افتتحها الفجرة أولو الجور والظلم الذين صدوا عن سبيل الله وبغوا الاسلام عوجا. (١) نضرب عنها صفحا روما للاختصار.

٧ - قنوت أمير المؤمنين بلعن عمرو

م - أخرج أبو يوسف القاضي في " الآثار " ص ٧١ من طريق إبراهيم قال: إن عليا رضي الله عنه قنت يدعو على معاوية رضي الله عنه حين حاربه فأخذ أهل الكوفة عنه، وقنت معاوية يدعو على علي فأخذ أهل الشام عنه].

وروى الطبري في تاريخه ٦ ص ٤٠ قال: كان علي إذا صلى الغداة يقنت فيقول:

أللهم؟ العن معاوية، وعمرا، وأبا الأعور السلمي، وحبيبا، وعبد الرحمن بن خالد، والضحاك بن قيس، والوليد. فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت لعن عليا، وابن عباس، والأشتر، وحسنا، وحسينا.

ورواه نصر بن مزاحم في كتاب صفين ص ٣٠٢ وفي ط مصر ص ٦٣٦ وفيه:

كان علي إذا صلى الغداة والمغرب وفرغ من الصلاة يقول: أللهم؟ العن معاوية، و عمرا، وأبا موسى، وحبيب بن سلمة. إلى آخر الحديث باللفظ المذكور، غير أن فيه: قيس بن سعد مكان الأشتر.

م - وقال ابن حزم في المحلى ٤: ١٤٥: كان علي يقنت في الصلوات كلهن، و كان معاوية يقنت أيضا، يدعو كل واحد منهما على صاحبه].

ورواه الوطواط في " الخصايص " ص ٣٣٠ وزاد فيه: ولم يزل الأمر على ذلك برهة من ملك بني أمية إلى أن ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة فمنع من ذلك. وذكره ابن الأثير في " أسد الغابة " ٣ ص ١٤٤ بلفظ الطبري.

م - وقال أبو عمر في " الاستيعاب " في الكنى في ترجمة أبي الأعور السلمي: كان

(١) تاريخ الطبري ٦ ص ٦١ و ٦٢.
٢٠