×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

فاطمة الزهراء (عليها السلام) سرّ الوجود / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٣ فارغة
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

المقدّمة


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي لا يبلغ حمده الحامدون ولا يعدّ نعمه العادّون، والصلاة على من كان قاب قوسين أو أدنى من ربّه الأعلى، وعلى من هو نفسه، ومن هي روحه التي بين جنبيه، وعلى سبطيه، وخلفائه أئمة الإسلام بالحقّ، وسلّم تسليماً كثيراً.

لله تعالى في كلّ آن يدٌ علينا، ومن أياديه وآلائه أن وفّقنا لكتابة محاضرات قيّمة ألقاها سيّدنا الفقيه الاُستاذ السيّد عادل العلوي حفظه الله تعالى في بلاد الشام وفي جوار سيّدة الحرائر بعد اُمّها، وعقيلة الطالبيين، وشريكة الإمام الثائر، وصاحبة النور الزاهر، السيّدة زينب الكبرى عليها صلوات المصلّين وتحيّات العارفين، وكان مضمون هذه المحاضرات يقطر حبّاً لفاطمة الشهيدة سلام الله عليها ما بقي الليل والنهار، ويفوح عطراً بذكر اسمها الشريف حيث توفّق السيّد الاُستاذ دام توفيقه للحديث عن سيّدة نساء العالمين وبيّن فيه حجّيتها ومدى قربها من خالقها، فقال عنها وأحسن القول بأنّها سرّ الوجود وجامعة النورين والعلّة الغائية لعالم الإمكان، وغاص في بحر معرفتها حتّى خشينا عليه الغرق بين أمواج بحرها المتلاطم، إلاّ أنّه أثبت للحاضرين أهليّته، ودلّهم على أنّه من أهل هذا الفنّ الذي عجز عنه كثير ممّن يدّعون العلم والمعرفة، فكان عميقاً في

٤

معرفتها وعارفاً بشخصها بأعلى درجات المعرفة الجمالية، فإلى محبّيها اُقدّم هذه الجواهر، وإلى عاشقيها اُبيّن هذا الجمال الذي أظهره سيّدنا الاُستاذ ليزدادوا حبّاً وعشقاً، فهنيئاً لنا بهذه الحديقة الغنّاء وأزهارها الشذيّة، وأقول هنيئاً لا لقراءة هذه المحاضرات فحسب، بل لما تؤول إليه النفوس من حبّ كبير وتقديس واسع لسيّدة النساء الذي سيعود علينا بأن يجعلنا من محبّيها عن معرفة ودراية، فنستحقّ أن تلتقطنا يوم القيامة من بين أفواج البشر، كما يلتقط الطير الحبّ الجيّد من الرديء.

ولا يفوتني أن اُثني وليس لثنائي قيمة إزاء أجر الله تعالى على الفريق الذي جنّد كلّ طاقاته ليظهر حبّه للزهراء (عليها السلام) من خلال ما قدّمه من خدمات تلو الخدمات للمحاضر والحاضرين، وأعني بذلك الإخوة المخلصين في مكتب آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي (دام ظلّه)، فللّه الحمد كلّ الحمد على هذه النعمة التي أحاط بها المحاضر والحاضر والعامل على راحتهم واُصلّي واُسلّم على المصطفى وأخيه وبضعته وبنيه تسليماً كثيراً.


الشيخ علي الفتلاوي 
دمشق ـ السيّدة زينب
١٤٢١ هـ     

٥

(المحاضرة الاُولى)


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمّد وآله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم ومنكري فضائلهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

بعد أن توفّقنا للحديث عن عصمة زينب الكبرى حبانا الله سبحانه بلطف آخر حيث يسّر لنا الحديث عن الصدّيقة الكبرى وسيّدة النساء فاطمة الزهراء سلام الله عليها، من أجل إحياء امرها بإقامة العزاء عليها في أيّام شهادتها (عليها السلام)، وهذا التيسير ينمّ عن وجود يد غيبيّة أرادت ذلك، وكما تمّ لنا معرفة الله تعالى ورسوله والأئمة الأطهار وعقيلتهم اُمّ المصائب زينب صلوات الله عليهم أجمعين، بمعرفة جمالية آن الأوان لمعرفة سرّ الوجود ومجمع النورين النبوي والعلوي(١)،

١- فاطمة الزهراء هي التي جمعت بين نور النبوّة ونور الإمامة، أي أنّها المرأة الوحيدة التي لها المكانة الاُولى في قلب النبيّ (صلى الله عليه وآله) ولا يدانيها أحد في ذلك لا لأنّها ابنته فحسب، بل لأنّها سيّدة نساء العالمين والعلّة الغائيّة للوجود، وهي التي أزهرت السماوات والأرض بنورها الذي هو من نور عظمة الله تعالى، فلا كفؤ لها من الرجال من آدم فما دون إلاّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فزوّجها الله تعالى في السماوات وقال لرسوله (صلى الله عليه وآله): إنّي زوّجت النور من النور وأمره بتزويجها عليها (عليه السلام) فصارت بذلك تحمل نور النبوّة ونور الإمامة.

٦
فاطمة اُمّ أبيها سلام الله عليها(١)، بنفس تلك المعرفة ولكي يتسنّى لنا الحديث بما يليق بهذا السرّ الكوني لا بدّ لنا من مقدّمة فنقول:

من الأسئلة التي يطرحها جميع البشر تبعاً لما في فطرتهم من حبّ الاطلاع، ولأنّ الإنسان متكوّن من بُعد مادّي وآخر مجرّد نجده يتساءل عن سرّ خلقته وفلسفة وجوده، فيسأل نفسه أوّلا لماذا خُلقنا؟ وقبل الخوض في جواب هذا السؤال نريد أن نقول: إنّ الروحانية المجرّدة التي يحملها الإنسان تدعوه أن يهتمّ بما وراء الطبيعة، أي بما وراء المادّة والتي تسمّى باصطلاح الفلاسفة (الميتافيزيقيا) فتميل به إلى معرفة سرّ الوجود وفلسفة الخلقة ويذهب متسائلا: هل إنّ علاقتي بالمادّة وقوانينها فحسب أم أنّ هناك ارتباطاً يتجاوز هذه الحدود البلهاء والمادّة الصمّاء؟ أي هل إنّ لي ربّاً وإلهاً وراء المادّة أم لا؟ فيأتي الجواب من صميم الفطرة التي جُبل عليها، نعم إنّ لك إلهاً وخالقاً لا شريك له في إيجادك، ولا ندّ له في الوجود، فيشترك بهذا الجواب الفطري المؤمن والكافر على حدّ سواء وهذا لا خلاف فيه وإن تظاهر الكافر بإنكاره، فإنّه كما في قوله تعالى:

{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أنْفُسُهُمْ}(٢).

فهو جاحد لما استيقن ومنكر لما ثبت في الوجدان. فالسؤال الفطري الذي

١- هذه إشارة إلى الحديث الشريف الوارد في كتب الفريقين، فلقد جاء في (اُسد الغابة ٥: ٥٢٠) من كتب الجمهور في ترجمة فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: وكانت فاطمة تكنّى اُمّ أبيها اعترافاً بالحديث الوارد في حقّها بأنّها اُمّ أبيها سلام الله عليها، كما ورد في أحاديث أصحابنا.

٢- النمل: ١٤.

٧
يطرحه الجميع هو: من أين؟ وإلى أين؟ وفي أين؟ وماذا يراد منّي؟ فبهذهالكلمات جُمع فيها علم الأوّلين والآخرين، وكلّ الكتب السماوية والأديان الإلهيّة جاءت لتثبيت هذا التساؤل، ومن ثمّ الإجابة عليه بجواب صريح وكلام مبين، بأنّك من الله وإلى الله تعالى، وهذا التساؤل الذي ينقدح في ذهن السائل يدعوه إلى التفكّر، ومن خلال تفكيره تنفتح له آفاق جديدة في سيره وسلوكه وعقائده وأعماله فيخرج من حالة الغفلة والسكر التي يعيشها الناس إلى حالة اليقظة والانتباه.

ولو بحثنا في كتاب الله الكريم الذي نزل مهيمناً على غيره من الكتب التي سبقته، لوجدنا فيه آيات تبيّن فلسفة الخلقة وسرّ الوجود، ففي آية يبيّن سبب خلق الكون فيقول عزّ من قائل:

{وَخَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِالحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُـظْلَمُونَ}(١).

فسخّر لنا ما في السماوات والأرض لكي نصل إلى كمالنا، وكأنّ هذا الوجود خلق لأجل مخلوق فيه ألا وهو الإنسان(٢)، فكان العالم التكويني هو الإنسان الكبير كما كان الإنسان هو العالم الأكبر، وهذا المخلوق هو أكرم من في الوجود وأشرف المخلوقات، فلذا امتدح الخالق نفسه عندما خلق هذا الإنسان، فقال تعالى:

١- الجاثية: ٢٢، وفي هذه الآية يصرّح فيقول سبحانه: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً) (البقرة: ٢٩).

٢- إشارة إلى الآية الكريمة: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ) (الجاثية: ١٣).

٨
{فَـتَبَارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخَالِقِينَ}(١).

فهذا يدلّ على عظمة الإنسان وكرامته على الله تعالى، حتّى صرّح في كتابه الكريم بهذه الكرامة، فقال سبحانه:

{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}(٢).

فبترتيب هذه الآيات الكريمة التي هي كلام الحقّ سبحانه وتعالى يظهر لنا أنّ سرّ وجود الكون هو خدمة الإنسان، وإنّما استحقّ هذه الخدمة لأنّه أشرف المخلوقات وأكرمها، ولكن ما هي الحكمة من صيرورة الإنسان أشرف وأكرم من في الوجود؟ فيأتي الجواب قرآنياً في آية صريحة تبيّن سرّ وجود الإنسان وفلسفة خلقته فيقول أحسن الخالقين:

{وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِـيَعْبُدُونِ}(٣).

فاتّضح بهذه الآية الكريمة سرّ الوجود جميعه وفلسفة الخلقة لهذا الخلق العجيب.

إذن وجد الإنسان ليعبد الله سبحانه، ولازم عبادة الله أن يكفر بالطاغوت، ولازم العبادة المعرفة، فقوله تعالى: {لِـيَعْبُدُونِ} أي ليعرفون، كما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام)، فالمقصود من خلق الإنسان هو أن يعرف ويتكامل ويصل إلى قاب قوسين أو أدنى من ربّه(٤)، لأنّه محبوب لربّه، وهذا ما أشار إليه الحديث

١- المؤمنون: ١٤.

٢- الإسراء: ٧٠.

٣- الذاريات: ٥٦.

٤- إشارة إلى الآيتين القرآنيتين الكريمتين: (دَنَا فَـتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنَى)(النجم: ٨ ـ ٩).

٩
القدسي: «خلقت الأشياء من أجلك وخلقتك من أجلي»، فطوبى لمن عرفقدر نفسه، وطوبى لمن وقف على الحقيقة فترك الغفلة وعاش في ذكر ربّه ليلا ونهاراً.

وإنّ ذكر الله تعالى يبدأ بذكر الموت الذي هو الطريق إلى لقاء الله سبحانه، فلا ننسى هادم اللذّات(١)، ولا نفرّ من ذكره لأنّ في ذكره حياة القلوب والخروج من الغفلة واليقظة من النوم فلذا نجد الآيات القرآنية الكريمة تؤكّد هذا المعنى في أكثر من موضع في الكتاب الكريم كقوله تعالى:

{إنَّا للهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ}(٢).

ففيها إشارة إلى نهاية المطاف، فالله تعالى هو الغاية بعد أن كانت منه البداية، فهذه الآيات الصريحة في ظاهرها والعميقة في باطنها لا تنفكّ عن ذكر المنتهى ولا تقصر في بيان السلوك إلى الله تعالى، فآية تتكلّم عن المنتهى فتقول:

{وَأنَّ إلَى رَبِّكَ المُـنْـتَهَى}(٣).

وآية تبيّن حركة وسير الإنسان فتقول:

{إنَّكَ كَادِ حٌ إلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ}(٤).

١- إشارة إلى الحديث الشريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، يقول: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كثيراً ما يوصي أصحابه بذكر الموت فيقول: أكثروا ذكر الموت فإنّه هادم اللذّات، حائل بينكم وبين الشهوات (القلب السليم: ٦٣).

٢- البقرة: ١٥٦.

٣- (النجم: ٤٢)، وآية تقول: (ألا إلَى اللهِ تَصِيرُ الاُمُورُ) (الشورى: ٥٣)، وهناك آية اُخرى تقول: (وَإلَى اللهِ المَصِيرُ) (آل عمران: ٢٨، النور: ٤٢، فاطر: ١٨).

٤- الانشقاق: ٦.

١٠
فإذن لا بدّ من لقاء الله تعالى، فإذا أيقنت النفس بذلك فما عليها إلاّ أن نعدّالعدّة ونتأهّب لهذا اللقاء، ولا يضيع العمر هباءً منثوراً، فإنّ في عدم التأهّب وإعداد العدّة خوف ورهبة(١)، وفي ذكر الموت والتهيّؤ للقاء خالق الموت والحياة اطمئنان للقلوب واطمئنان للنفوس، فتصل النفوس إلى درجة الاطمئنان العليا(٢)، وهي اليقين بالفوز وأنّى لنا ذلك ونحن بعد لم نصل إلى درجة أصحاب اليقين، ولكنّ لنا عزاء في حبّنا للنبيّ وأهل بيته الأطهار مع شيء من العمل اليسير، فنرجو الله تعالى بذلك ونفرح لحبّنا لهم (عليهم السلام) فنكون كما قال هذا الرجل لرسول الله (صلى الله عليه وآله): يا رسول الله، ليس لي عمل صالح إلاّ الشهادتين وحبّك، فقال له الرسول: أبشر بالجنّة، فإنّ المرء مع من أحبّ، فلمّا سمع المسلمون ذلك فرحوا فرحاً لا يدانيه إلاّ فرحهم بالإسلام(٣)، فالحبّ لأهل البيت (عليهم السلام) فيه ينال المحبّ أعلى درجات الجنّة إذا اقترن بالعمل الصالح، لأنّ الأخبار الشريفة تؤكّد هذا «كذب من زعم أنّه يحبّنا ولا يعمل بأعمالنا»، لأنّ المحبّ لمن أحبّ مطيع كما يروى هذا القول للإمام الصادق (عليه السلام)، ثمّ في قول أحدهم (عليهم السلام): «عجبت لمن يدّعي حبّ الله

١- ولذلك نجد الإمام زين العابدين (عليه السلام) يقول في دعائه: «أستجير يا ذا العفو والرضوان من الظلم والعدون ـ إلى أن يقول: ـ ومن انقضاء المدّة قبل التأهّب والعدّة» (مفاتيح الجنان: ٢٣).

٢- هذه إشارة إلى قوله تعالى: {يَا أيَّـتُهَا النَّـفْسُ المُطْمَـئِـنَّةُ * ارْجِعِي إلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} (الفجر: ٢٧ ـ ٢٨).

٣- وورد في حبّهم عن عليّ بن الحسين عن أبيه عن جدّه أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) «أخذ بيد حسن وحسين وقال: من أحبّني وأحبّ هذين وأباهما واُمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة» (كشف الغمّة ١: ٨٩)، عن مسند أحمد بن حنبل ١: ٧.

١١

كيف يعصي الله؟»(١)، إلاّ أنّ الحبّ كلّي تشكيكي وله مراتب، فلذا نجد شخصاً محبّاً إلاّ أنّه يعصي الله تعالى، فحبّه هذا في أوّل مرتبة من مراتبه، ولكن كلّما ازداد حبّاً ازداد عملا لرضا المحبوب، لرضا الله تعالى ورسوله وأهل بيته وفاطمة الزهراء (عليهم السلام).

فعندما نقف امام آيات القرآن الكريم نجد آية تتكلّم عن التسخير أي عن الرحمة الإلهية، وآية اُخرى تتكلّم عن تحصيل العلم:

{اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَات وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَـنَزَّلُ الأمْرُ بَـيْـنَهُنَّ لِـتَعْلَمُوا أنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ وَأنَّ اللهَ قَدْ أحَاطَ بِكُلِّ شَيْء عِلْماً}(٢).

وآية اُخرى تتكلّم عن عبادة الله سبحانه، ففي هذه الآيات الثلاثة تتبيّن فلسفة الخلقة الكونية، ولكنّ العبادة التي ذكرت في الآية: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِـيَعْبُدُونِ}(٣)، المراد منها المعرفة لأنّ المعرفة تدلّ الإنسان على العمل وتدعوه إلى أنواع العبادات والتي على رأسها الدعاء، فلذا يذكرون أنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان رجلا دعّاءً(٤)، لأنّ الدعاء مخّ العبادة(٥)،

١- وحديث آخر في معناه عن الإمام الصادق (عليه السلام): «ما أحبّ الله من عصاه» قصار الجمل ٢: ٤٠.

٢- الطلاق: ١٢.

٣- الذاريات: ٥٦.

٤- إشارة إلى الحديث الشريف عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) رجلا دعّاءً» اُصول الكافي ٢: ٤٥٧.

٥- هذه إشارة إلى الحديث الشريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «الدعاء مخّ العبادة» الوسائل ٢: ١٠٨٧.

١٢
كما ورد في الحديث الشريف، فالعبادة هي الطريق إلى الله تعالى، ولا يفتح هذا الطريق إلاّ بالمعرفة والعلم لأنّ الجهل يقصم الظهر كما ورد عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «قصم ظهري اثنان: جاهل متنسّك فإنّه يفرّ الناس بجهله...»(١)، فالعبادة مع العلم هي التحليق في سماء الفضائل حتّى يصل بها المرء إلى ربّه، فيكون قاب قوسين أو أدنى دنوّاً واقتراباً من العليّ الأعلى. فبالإيمان والعمل الصالح يكون السلوك إلى الله تعالى، وهناك أكثر من سبعين آية يقرن ربّ العالمين بين الإيمان والعمل الصالح، وبهذا يقول سبحانه أنّه لا يكفي المرء أحدهما، فلا بدّ من الإيمان والعمل معاً حتّى نجد هذا المعنى أيضاً جليّاً في الحديث الشريف: «العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلاّ ارتحل»(٢)، أي أنّ العمل وحشي إن تركته يمشي، فبالرحمة الإلهية يتمّ هذا، فلذا نجد الأسماء الحسنى جميعها معاني للرحمة، إلاّ بعض الأسماء التي تعبّر عن الغضب الإلهي كاسم المنتقم والقهّار وغيرهما، ولكن التي تعبّر عن الرحمة كثيرة كاسم الودود، الحنّان، الشفيق، اللطيف... وغيرها من الأسماء التي بها أراد الله تعالى الخير لعباده، وأراد لهم سعادة الدنيا والآخرة، وأراد لهم الكمال، والله تعالى إنّما أراد لهم الكمال لأنّه تعالى هو الكمال المطلق ومطلق الكمال(٣)، ومن كماله أن يظهر كماله، ولنا شاهد بالوجدان على ذلك، فإنّه عندما نرى شخصاً يتّصف بصوت جميل تجده فطرياً يظهر هذا الصوت الجميل،

١- نهج البلاغة ـ قصار الجمل.

٢- قصار الجمل ; للمشكيني ٢: ٥٩.

٣- أي أنّه تعالى هو الكمال الحقّ الذي لا نهاية له ولا حدّ ولا مقيّد بقيد، كما أنّ له كلّ الكمال، وكلّ كامل غيره ناقص.

١٣
إمّا بصوت الرحمن فيتلو به القرآن، وإمّا بصوت الشيطان فيطلقه في الغناء، وكلّ مراده هو إظهار كمال صوته، فكذلك تعالى له الكمال المطلق الذي لا تحيط به العقول، فلا يليق بكماله المطلق إلاّ أن يظهر كماله، وإلاّ لزم النقص وهو تعالى منزّه عنه، فمن كمال الكمال ظهور وإظهار الكمال، ولهذا جاء في الحديث مع غضّ النظر عن المناقشة في سنده ودلالته: «كنت كنزاً مخفيّاً فأحببت أن اُعرف فخلقت الخلق لكي اُعرف»، فحبّه للمعرفة لكماله المطلق، وهذا يسمّى بسرّ الخالق إن صحّ التعبير، وأمّا سرّ المخلوق فهو عبارة عن الرحمة الإلهية والعلم والعبادة، فخلقه تعالى للخلق كافّة هو من باب الكمال لا للاحتياج، فيندفع الإشكال في ذلك، فخلق الخلق لأنّه فيّاض لا لحاجته للمظهر والمعرّف، وهذا ما أشار إليه الإمام الحسين (عليه السلام) في دعاء عرفة وهو من توحيد الصدّيقين: «ألغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يستدّل به عليك، أنت الذي دللتني عليك»(١)، فبالله أعرف الله تعالى، أي بالعلّة أعرف المعلول لا بالمعلول أعرف العلّة(٢)، فظهور الخلق من الله لوصول المخلوقات إلى كمالها، فهذه المخلوقات تسبّح بحمده فهي في مقام الجلال، وتحمده فتكون في مقام الجمال، فقولنا في سورة الحمد (فاتحة الكتاب الكريم) الحمد لله: أي له الثناء كلّه وله الحمد كلّه، فهو المستحقّ لذلك لأنّه الجمال المطلق ومطلق الجمال وإنّه يحبّ الجمال، وهذا معنى قول العقيلة زينب الكبرى (عليها السلام) عندما قالت في جواب ابن زياد اللعين عندما أراد أن يجرح

١- دعاء عرفة للإمام الحسين (عليه السلام)، مفاتيح الجنان: أعمال يوم عرفة.

٢- هناك معرفتان: معرفة للعلّة من خلال المعلول ويسمّى هذا بالبرهان اللمّي، ومعرفة المعلول بالعلّة ويسمّى بالبرهان الإنّي.

١٤
١٥

(المحاضرة الثانية)


بعد البسملة والحمد والصلاة:

لقد ورد في الحديث الشريف المعروف بحديث المعراج: «يا أحمد، لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا عليّ لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما»(١).

فالحديث عن المعاني السامية والمضامين العميقة في هذا الخبر الشريف إنّما يحتاج إلى مقدّمات حتّى يتبيّن من خلالها معنى هذا الكلام الأقدس، ويتبيّن أيضاً مدى تطابقه مع الدليل العقلي فضلا عن الدليل النقلي.

ومثل هذا الحديث قد يثير التساؤلات الكثيرة في نفوس الذين لا يستطيعون هضم هذه المعاني.

فلذلك نصح بعض الأعلام أن لا تطرح مثل هذه العناوين، ولكنّي ذكرت له من الحجج التي تدفعني إلى التعريف بمقامات أهل البيت (عليهم السلام) ولا بدّ من معرفتهم بمعرفة جمالية، وفي هذا يتمّ لنا بيان ما لدينا من عقائد حقّة مبنيّة على الأدلّة العقلية والنقلية، ولا يهمّنا الردود السلبية التي تصدر من البعض فإنّها لا تشكّل

١- فاطمة الزهراء (عليها السلام) ليلة القدر، بقلم سيّدنا الاُستاذ دامت إفاضاته.

١٦
مانعاً شرعيّاً(١)، فهي غاية ما تكون اتّهامات لا معنى لها ولا تستحقّ الردّ.

وعلى كلّ حال لا اُريد أن أشغلكم بهذا، فإنّه من المسلّم أنّ من يزداد معرفةً يزداد كمالا وخضوعاً وأدباً، فلو دخل علينا رجل كبير السنّ فإنّه نحترمه ونوقّره من باب (وقّروا كباركم)، وإذا عرفنا أنّ هذا الرجل الكهل هو أحد مراجع التقليد فإنّه بلا شكّ يزداد احترامنا وتوقيرنا له ومحبّتنا فيه وإطاعتنا إيّاه، ومن هذا المنطلق من عرف النبيّ والأئمة الأطهار (عليهم السلام) بمعرفة جمالية، فإنّه يزداد مودّةً وتعظيماً وإطاعة، فيفوز بسعادة الدارين.

فاليوم نتكلّم عن سيّدة النساء فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وهذا من وحي المناسبة(٢) ولأنّ محبّيها يعيشون أحزان ذكرى شهادتها فنقول:

ثبت في محلّه أنّ الله سبحانه حكيم وعليم وقادر وجواد وحيّ، وله الأسماء الحسنى والصفات العليا، وإنّه الكمال المطلق، فلكلّ هذا خلق خلقاً، وخلق أرضاً وسماءً وما فيهما وما بينهما عن حكمة وعلم، فلم يكن خلقه لهذا الكون الكبير عبثاً.

فإذن لا بدّ أن نعرف سرّ هذه الخلقة، ونوجز هذا القول بكلمات قصيرة فنقول:

١- مراد السيّد الاُستاذ أنّ هذه الردود لا تمنعنا لأنّها لم تكن موانع أو نواهي قال بها الشرع المقدّس، وإلاّ لو كانت كذلك لكان حرام علينا مخالفتها.

٢- اختلفت الروايات والأقوال في يوم شهادة الزهراء (عليها السلام)، فقيل: أربعون يوماً بعد رحلة الرسول الأعظم، وقيل: خمسة وسبعين يوماً، وقيل: خمسة وتعسين يوماً، وإحياءً لأمرهم (عليهم السلام) يقام العزاء الفاطمي لمدّة ثلاثة أيّام أو اُسبوع على الأقوال الثلاثة، وكانت محاضرات سيّدنا الاُستاذ دام ظلّه في سوريا على القول الأوّل.

١٧
إنّه تعالى خلق الكون لنا وخلقنا لأجله، فنراه سبحانه قد سخّر لنا ما فيالسماوات وما في الأرض لكي نصل إلى كمالنا الذي هو عبادة الله تعالى فلذلك قال في آية من آيات الكتاب العزيز:

{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ}(١).

ثمّ بيّن سرّ خلقة الإنسان بقوله عزّ من قائل:

{وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِـيَعْبُدُونِ}(٢).

أي ليعرفون.

فإذن لا بدّ لنا من عبادة المنعم لنتكامل بهذه العبادة، إلاّ أنّ هذه العبادة على أقسام فمنها عبادة الأحرار ومنها عبادة التجّار ومنها عبادة العبيد(٣)، ولكن كلّها تؤدّي إلى كمال الإنسان، فالإنسان يتكامل وكلّ شيء في عالم الوجود ما سوى الله تعالى في سير تكاملي، فالنواة تتكامل حتّى تصير شجرة مثمرة والنطفة تتكامل، فكلّ ما في الطبيعة يتكامل، إلاّ أنّ كماله محدود ببداية ونهاية، إلاّ الإنسان فإنّ له بداية ولا نهاية لكماله، لأنّ منتهاه هو الله ومقام الفناء فيه سبحانه

١- الجاثية: ١٣.

٢- الذاريات: ٥٦.

٣- هذه إشارة إلى الحديث الشريف عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنّ العباد ثلاثة: قوم عبدوا الله عزّ وجلّ خوفاً فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب فتلك عبادة الاُجراء، وقوم عبدوا الله عزّ وجلّ حبّاً له فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة» اُصول الكافي ٢: ٨٩، وهناك حديث مثله لأمير المؤمنين يذكر فيه كلمة (تجّار)، ولا فرق لأنّ المعنى واحد.

١٨
وهو لا نهاية له:

{وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً}(١).

{وَأنَّ إلَى رَبِّكَ المُـنْـتَهَى}(٢).

فالإنسان باعتبار جسده وأنّه من الطبيعة ومن التراب فهو محدود، ولكن باعتبار روحه وأنّه من السماء:

{وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}(٣).

فهو بلا نهاية.

فالروح تتكامل، وهي من الله تعالى وإليه ترجع.

{إنَّا للهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ}(٤).

سؤال:

ما هو كمال الإنسان وبأيّ شيء يتكامل؟

يأتي الجواب من الإمامين الصادقين (عليهما السلام): «الكمال كلّ الكمال التفقّه في الدين، والصبر على النائبة، والتقدير في المعيشة»(٥)، ولازم هذا الكمال الحركة أي أنّ كلّ شيء يتحرّك في ذاته كما يتحرّك في الخارج بحركة وضعيّة أو انتقالية فهذه الحركة الذاتية تسمّى بالحركة الجوهرية كما حقّق ذلك الفيلسوف الإسلامي صدر المتألّهين.

١- طه: ١١٤.

٢- النجم: ٤٢.

٣- الحجر: ٢٩.

٤- البقرة: ١٥٦.

٥- قصار الجمل ; للمشكيني ٢: ٥٥.

١٩
فإذن كلّ شيء يسبّح بحمده وهذه هي الحركة التكاملية للأشياء، فلازمالتكامل الحركة، وثمرة الحركة هو التكامل، وعندما يقول الإمام (عليه السلام): «الكمال كلّ الكمال التفقّه في الدين، والصبر على النائبة، والتقدير في المعيشة»، فهو يشير إلى ثلاث حركات: علمية وأخلاقية واقتصادية، أي حركات دينية ودنيوية لأنّ هناك ترابطاً بين الدنيا والآخرة، ففي هذا الحديث يتّضح لنا أنّ الدنيا هي متجر أولياء الله تعالى ومزرعة الآخرة، بل هناك من يجعل الدنيا هي الجنّة لأنّ نفسه تيقّنت بالفوز فهو قد وصل إلى علم اليقين وحقّ اليقين وعين اليقين(١)، ومعنى هذا أنّ الكمال والسعادة لا ينحصران في الآخرة فقط ولا بالدنيا فقط بل بهما معاً، فإن قال قائل: إنّ أحاديثاً كثيرة وردت في مذمّة الدنيا، نقول: وهناك أحاديث اُخرى وردت في مدح الدنيا، كما ورد ذلك عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما سمع رجلا يذمّ الدنيا، أجابه: «ويلك، لمَ تذمّ الدنيا، إنّ الدنيا متجر أولياء الله»(٢)، أي يمكن

١- هذه المراتب ذكرت في كتب الأخلاق، فكان أوّل هذه المراتب مرتبة علم اليقين وهو اعتقاد ثابت جازم مطابق للواقع كيقينك بوجود النار من مشاهدة الدخان، والمرتبة الثانية: عين اليقين، وهو مشاهدة المطلوب ورؤيته بعين البصيرة والباطن ومثاله التيقّن بوجود النار عند رؤيتها عياناً، وأمّا المرتبة الثالثة وهي حقّ اليقين وهو أن تحصل وحدة معنوية بين العاقل والمعقول ومثاله الحسّي اليقين بوجود النار بالدخول فيها من غير احتراق.

٢- وتكون الدنيا متجراً لأولياء الله تعالى عندما يتّخذوها قنطرة للعبور إلى الجنّة وعندما يتّخذوها مزرعة للآخرة، بل إنّ العمل الصالح لا يكون إلاّ في الدنيا لأنّها دار التكليف، وبالعمل الصالح يكون الدخول إلى الجنّة أو الخلاص من النار أو الارتزاق بلقاء الله تعالى، وهذا ما تؤكّده الآية الكريمة: (هَلْ أدُ لُّـكُمْ عَلَى تِجَارَة تُـنجِيكُمْ مِنْ عَذَاب ألِيم * تُـؤْمِنُونَ بِاللهِ) (الصفّ: ١٠ ـ ١١)، وورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا كنت في تجارتك وحضرت الصلاة فلا يشغلنّك عنها متجرك» والمتجر هو مكان التجارة، أي عليك أن تعمل في المتجر الحقيقي وأن تعمل بالتجارة الحقيقية الرابحة وإلاّ لو كان متجر الدنيا وتجارة الدنيا هي الحقّ لما أمرنا الإمام (عليه السلام) بعدم الانشغال في متجر الدنيا. وهناك كلام كثير لو أردنا أن نؤلّف فيه فصلا لتمّ لنا ذلك.

٢٠