×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

قراءة في رسالة التنزيه (للسيد محسن الأمين) / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٦ فارغة
كتاب قراءة في رسالة التنزيه للشيخ محمّـد الحسّـون (ص ١ - ص ٢٥)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية


المقدّمة


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على خير الأنام، نبيّنا
ومقتدانا أبي القاسم محمّد، وعلى أهل بيته الطيّبين الطّاهرين
الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا.

وبعد،


لكلّ اُمّة من الاُمم، بل لكلّ جماعة من الناس ـ على اختلاف أديانهم ومذاهبهم ومعقتداتهم ـ شعائر وطقوس يؤمنون بها ويؤدّونها على أنّها فرضٌ لايمكن التساهل به.

والاُمم والجماعات: السالفة منها، والتي نعاصرها الآن، وحتّى التي تأتي بعدنا، كلّها سواء من حيث المعتقدات، إلاّ أنّ الاختلاف في طبيعتها وكيفيّتها يكون تابعاً لعنصري المكان والزّمان والمستوى الثقافي للأفراد، فالشعائر التي يؤدّيها المثقّف تختلف عن تلك التي يؤدّيها الاُمّي وإن كانت متّحدة من حيث المنشأ والمعتقد.

والشعائر الحسينيّة التي يقيمها أتباع أهل البيت (عليهم السلام) ومحبّوهم، قديمة قدِم واقعة الطف الخالدة، ومتأصّلة في النفوس أصالة المبادىء التي ثار من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام).

وقد مرّت هذه الشعائر بفترات مدٍّ وجزر; تبعاً للظروف السياسيّة التي عمّت المجتمع الإسلامي آنذاك، ونزولا عند رأي الحكّام المتسلّطين على رقاب المسلمين وموليهم لهذه الشعائر وعدمها.

فلعلّ أوّل هذه الشعائر، وهو البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه، جرى بعد واقعة الطّف مباشرة وفي بيت يزيد بن معاوية، كما حدّثنا

٧
التأريخ بذلك:

قال الطبري في تأريخه:

"فخرجنَ ـ أي النساء السبايا ـ حتّى دخلنَ دار يزيد، فلم يبقَ من آل معاوية امرأة إلاّ استقبلتهنّ تبكي وتنوح على الحسين، فأقاموا عليه المناحة ثلاثاً"(١) .

وتتابعت مجالس الحزن والبكاء في الكوفة والمدينة المنوّرة وغيرهما، وأقام التوّابون عند قبر الحسين (عليه السلام) مأتماً عظيماً يصفه ابن الأثير في تأريخه قائلا:

"فما رُئي أكثر باك من ذلك اليوم، وأقاموا عنده يوماً وليلة يبكون ويتضرّعون ويترحّمون عليه وعلى أصحابه"(٢) .

واُقيمت هذه المجالس في العهد الأُموي سرّاً; خوفاً من أعداء أهل البيت.

وفي العهد العبّاسي اُقيمت علناً أحياناً وسرّاً أحياناً اُخرى، ففي أيّام المأمون اُقيمت علناً، وفي أيّام المتوكّل أقيمت سرّاً، حتّى تفاقم الوضع في أيّامه ومنعَ من إقامة هذه الشعائر، وتطرّف كثيراً في عدائه للإمام الحسين (عليه السلام) إذ أمرَ بهدم قبره الشريف، يقول ابن الأثير في تأريخه في حوادث سنة ٢٣٦هـ.

"وفي هذه السنة أمرَ المتوكّل بهدم قبر الحسين بن علي (عليه السلام)، وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأن يُبْذر ويُسقى موضع قبره"(٣) .

وانتشرت هذه الشعائر أيام الاخشيديين وكافور، واتّسع نطاقها أيّام الفاطميين(٤) .

١ ـ تأريخ الطبري ٥:٤٦٢.

٢ ـ الكامل في التأريخ ٤: ١٧٨.

٣ ـ الكامل في التأريخ ٧: ٥٥.

٤ ـ الخطط المقريزيّة ٢:٢٩٠.

٨
وفي أيام البويهيين اتّخذ معزّ الدولة البويهي اليوم العاشر من محرّم يومَ حزن وعزاء بصفة رسميّة(١) .

وانتعشت هذه المجالس في أيّام الدولة الصفويّة، واتسعت مساحتها، ودخلتها اُمور كثيرة مُستحدثة.

وعندما سيطر العثمانيّون على العالم الإسلامي ـ ومنه العراق ـ منعوا من إقامة هذه الشعائر بشتّى الأساليب والطُرق، فاُقيمت سرّاً.

وبعد رحيل الأتراك عن العراق أصبحت المجالس تقام علناً وبشكل واسع النطاق.

وعند حصول العراق على استقلاله الوطني انتعشت هذه المجالس كثيراً، وأصبح لها دويّ واسع، لا في المحرّم فحسب، بل وفي أربعينيّة الإمام الحسين (عليه السلام) وذكرى وفاة الرّسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، والأئمّة الأطهار.

وفي العقود الثلاثة الأخيرة من زماننا هذا، وبعد سيطرة حزب البعث على العراق، منعتّ الحكومة العراقيّة من إقامة أكثر هذه الشعائر، وعاقبت المتمسّكين بها أشدّ عقاب، فأعدمت بعضهم وسجنت البعض الآخر.

أمّا في الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة فقد مرّت هذه الشعائر بأدوار مختلفة مُنعت في بعضها واُقيمت في اُخرى. ففي زمن الشاه رضا الپهلوي مُنعت هذه الشعائر أشدّ المنع، وجرت عقوبات مجحفة بحقّ المقيمين لها.

وفي أيّامنا هذه نُشاهد ـ بحمد الله تعالى ومنّه ـ رواجاً وانتشاراً واسعاً لهذه الشعائر بشكل لم يسبق له مثيل، وهذا من ثمار الجمهوريّة الإسلاميّة المباركة التي

١ ـ الشيعة في الميزان: ١٦٣.

٩
أسّسها الإمام الراحل رضوان الله تعالى عليه.

إلاّ أنّ هذا لا يعني بقاء جميع تلك الشعائر سالمة من بعض الجوانب السلبيّة، ومحافظةً على أصالتها والأهداف التي اُقيمت من أجلها. فمن المؤسف جدّاً أن نرى محاولات مُغرضة ومُبرمجة ـ لايبعد أن يكون وراءها أيادي معادية للإسلام ـ لإصراف هذه الشعائر عن مسيرها الصحيح، وتفريغ الثورة الحسينيّة المباركة من محتواها الفكري والعقائدي، الذي يتحدّى الظالمين ويسخّر من الطغاة.

والغريب في الأمر أنّ بعض محبّي أهل البيت: أدخلوا في هذه الشعائر ما يشينها ويبعدها عن روح الإسلام المحمّدي الأصيل، وهم يتصوّرون ـ في أعمالهم هذه ـ بأنّهم يخدمون الإمام الحسين (عليه السلام) الذي استرخص دمه ودم أهل بيته وأصحابه من أجل أهداف ساميّة، عبّر عنها بقوله:

"ما خرجتُ أشراً ولا بطراً ولا مُفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي، لآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر".

وبقوله (عليه السلام): "اللهمّ إنّك تعلم إنّه لم يكن الذي كان منّا منافسةً في سلطان ولا التماساً لفضول الحطام، ولكنّ لنردّ المعالم من دينك، ونُظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك، ويُعمل بفرائضك وسنّتك وأحكامك".

إذاً فثورة الحسين (عليه السلام) جمعت بين الفكر والعاطفة، واحتوت العقل والسيف، وضمّت الشعار إلى الحكمة، والعِبرة إلى العَبرة، والدمعة الساكبة إلى التأمّل والفكرة.

فما أحوجنا في هذه الأيّام ـ التي نشاهد فيها الغزو الثقافي الغربي قد دخل إلى عقر ديارنا الإسلاميّة ـ إلى التركيز على العِبرة والخطاب الفكري العقائدي، إلى جانب العَبرة والخطاب التعبويّ الذي يعرض الجانب المأساوي لواقعة الطفّ.

والساحة الإسلاميّة الآن بحاجة ماسّة إلى تلاحم واتّحاد واقعي بين مدارس

١٠
الفكر ومدارس العاطفة، يقف فيه المتّقف إلى جانب الخطيب المناقبي، ويساند المفكّرُ الفقيه الذي قضى كلّ عمره في دراسة العلوم الإسلاميّة واستنباط الأحكام الشّرعيّة.

وما هذه الرّسالة "التنزيه" إلاّ واحدة من تلك الصيحات المخلصة التي تعالت مطالبةً بتنزيه الشعائر الحسينيّة ممّا لحقها من شوائب أخرجتها عن مسيرها الصحيح، أطلقها أحد علماء أتباع أهل البيت (عليهم السلام) قبل سبع وسبعين سنة تقريباً، هو السيّد محسن الأمين العاملي (ت ١٣٧١هـ).

ونحن إذ نقوم بعرض هذه الرسالة، وقراءة ما ورد فيها، ومناقشة آراء مؤلّفها، وإيضاح الاُمور المبهمة والوقائع التاريخيّة وتراجم الرجال التي تحتاج إلى تبيين، نوكّد بأنّنا لسنا بصدد الترويج لها أو تبنّيها أو ردّها كاملة. بل الذي يهمّنا هنا هو رؤية صاحبها والأفكار التي طرحها فيها، التي نؤيّد بعضها ونتحفّظ على البعض الآخر، مع كامل احترامنا وتقديرنا لكلّ الآراء التي طُرحت حولها قدحاً ومدحاً أو رفضاً وقبولا.

وقبل أن نبدأ بعرض أثر هذه الرّسالة في المجتمع الإسلامي آنذاك وما قيل حولها وحول مؤلّفها، لابدّ من بيان ترجمة مختصرة لحياة صاحبها:

السيّد محسن الأمين

فنقول: "هو(١) السيّد محسن ابن السيّد عبد الكريم ابن السيّد علي ابن السيّد محمّد الأمين ابن أبي الحسن موسى بن حيدر بن أحمد الحسيني العاملي المعروف

١ ـ اقتبسنا هذه الترجمة ممّا قاله فيه معاصره الشيخ محمّد حرز الدين (ت ١٣٦٥ هـ) في معارف الرجال ٢: ١٨٤ ـ ١٨٦.

١١
بالأمين.

ولد في قرية شقرة من جبل عامل سنة ١٢٨٣هـ ونشأ فيها وأكمل مقدّماته العلميّة بها، ثمّ هاجر إلى العراق قاصداً الإقامة في النّجف الأشرف بلد العلم والهجرة للمجتهدين، وأقام فيها سنين يطلب العلم والمعارف الإسلاميّة والكمالات الأخلاقيّة، وجدَّ في دراسته حتّى حضر دروس الأعلام، وكان قويّ الحافظة فطناً ألمعيّاً لبيباً شاعراً ينظم الشعر المتين، وربّما أسمعنا بعض نظمه في المديح والرثاء والغزل.

ولمّا بلغ رتبة الاجتهاد والفضل الواسع غادر النجف داعياً إلى الحقّ مبشراً بالإيمان والصدق، وبثّ مكارم الأخلاق والفضائل الإسلاميّة، وأقام في دمشق والشام بطلب من وجوه المسلمين، وجعلها وطنه الدائمي. وهناك ظهرت علومه الجمّة وأخلاقه الساميّة، وطار صيته في الآفاق الإسلاميّة عامّة والأقطار العربيّة خاصّة. كما أَلَّفَ وصنّف الكثير، وكانت الأسئلة والانتقادات من المخالفين تردّ عليه بمختلف ألوانها وصورها فيجيب عنها.

من مؤلّفاته: "أعيان الشيعة في تراجم طبقات أعلام الشيعة"، و"معادن الجواهر" و"المجالس السنيّة" و"الدرّ المنتقاة" و"الدرّ الثمين" و"لواعج الأشجان" و"كشف الارتياب في أتباع محمّد بن عبد الوهّاب" و"مفتاح الجنّات" و"الرحيق المختوم" و"الدروس الدينيّة" و"الدرّ النضيد في رثاء الشهيد" و"حاشية على كتاب القوانين".

توفّي(رحمه الله) ليلة الأحد الرابع من شهر رجب سنة ١٣٧١هـ، الموافق لليوم الثلاثين في شهر اذار سنة ١٩٥٢م.

١٢
١٣


الفصل الأوّل
أثر الرّسالة في المجتمع




١٤

تمهيد


في عام ١٣٤٤هـ صرّح السيّد محسن الأمين من مقرّ إقامته في العاصمة السوريّة دمشق بمعارضته لبعض الشعائر الحسينيّة التي يُقيمها بعض محُبّي أهل البيت (عليهم السلام)، وكان لضرب الرؤوس بالسيوف القسط الأوفر من هذه المعارضة.

ولم يكتفِ الأمين بالتصريح فقط، بل دوّن آراءه في رسالة ألّفّها سمّاها "التنزيه في أعمال الشبيه"، إذ أثبت فيها لزوم تنزيه مجالس العزاء ومحافلها عن الأعمال غير المشروعة، ووجوب التحرّز عن إدخال بعض المحرّمات في التعزية وفساد هذا الأمر الخطير. وقد طُبعت هذه الرّسالة أوّلا بمطبعة العرفان سنة ١٣٤٧هـ، ثم توالت طبعاتها، وتُرجمت إلى عدّة لغات.

وما أن انتشرت هذه الرسالة حتّى أحدثت ثورة عارمة، ليس في الشّام فحسب، بل في العالم الإسلامي عموماً، وعمّت دعوتها المسلمين في كلّ مكان، ووجد فيها الموافقون لآراء السيّد الأمين فرصتهم للتعبير عن رأيهم ورفع أصواتهم عالياً، وكأنّهم كانوا ينتظرون من يقوم بهذا الدور على مستوىً عال، فجاءت هذه الرسالة لتكون لهم درعاً واقياً، لا سيّما أنّ صاحبها علم من الأعلام لا يشكّ أحد في ولائه وإخلاصه وتفانيه من أجل الدين الحنيف.

ووجد فيها المخالفون لآرائه خطراً يُهدّد مستقبل هذه الشعائر، فعارضوها عن طيب نفس وخُلوص نيّة، وهم يعتقدون أنّ واجبهم الدينيّ يُحتّم عليهم ذلك.

واستغلّها البعض الآخر ذريعةً لتمرير ألآعيبهم على النّاس، واستثمار مصالحهم وحساباتهم الشخصيّة، فكيف كانت بداية تلك المعركة الثقافيّة؟

١٥

بداية المطاف


نستطيع أن نُقسّم الفترة الزمنيّة التي سبقت وصاحبت الأحداث التي أثارتها هذه الرسالة إلى أربع مراحل، هي:

المرحلة الاُولى:

وهي التي بدأ فيها السيّد مهدي البصري (ت ١٣٥٨هـ) بكتابة عدّة مقالات في الصحف العراقيّة، ينتقد فيها بعض الشعائر الحسينيّة، وذلك بعد عودته من الكويت واستقراره في مدينة البصرة سنة ١٣٤٣هـ، وكانت لصحيفة "الأوقات" ـ التي تصدر في البصرة آنذاك ـ مساهمة كبيرة في نشر تلك المقالات.

ولم يكتفِ السيّد مهدي ببيان آرائه في الصُحف، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، فألّف رسالة مستقلّة دوّن فيها جميع انتقاداته وإشكالاته على بعض الشعائر الحسينيّة، سمّاها "صولة الحقّ على جولة الباطل" التي طبعت في العراق سنة ١٣٤٣هـ(١) .

وقد وجّه السيّد مهدي في مقالاته ورسالته انتقاده لبعض الشعائر الحسينيّة كضرب الرؤوس بالسيوف، وضرب الظهور بالسلاسل، وتمثيل واقعة الطفّ يوم العاشر من المحرّم، وخروج المواكب في الأزقّة والشوارع.

وإنّي لم أعثر على تلك المقالات ولا على رسالة "الصولة" لكي أقف على ما فيها من انتقادات بشكل واضح، نعم وقفتُ على فقرات منها في رسالة "نصرة المظلوم" للشيخ ابراهيم المظفر، التي يردّ فيها على السيّد مهدي البصري، والتي

١ ـ الذريعة ١٥: ٩٨/٦٤٦.

١٦
طبعت في شهر ربيع الأوّل سنة ١٣٤٥هـ، وسوف أُشير اليها في الفصل الثالث من رسالتنا هذه.

ولم تكن رسالة "نصرة المظلوم" الوحيدة التي ردّت على السيّد مهدي، بل كافّة الرسائل التي اُلّفت في الرّد على السيّد محسن الأمين، وجّهت انتقادها أيضاً للسيّد مهدي ولرسالة "الصولة"، وسيأتي البحث مفصّلا عن هذه الرسائل في الفصل الثالث.

ونذكر هنا نبذة مختصرة عن حياة..

السيّد مهدي البصري

فنقول: هو السيّد مهدي ابن السيّد صالح الموسوي القزويني الكاظمي البصري، ولد بالكاظميّة سنة ١٢٧٢هـ، ودرس فيها العلوم الإسلاميّة، ثمّ هاجر إلى ٢سامراء سنة ١٣٠٠هـ، وحضر دروس الميرزا ابراهيم ابن المولى محمّد علي المحلاّتي الشيرازي، والشيخ اسماعيل الترشيزي، ثمّ حضر بحث الخارج عند السيّد الشيرازي.

وفي سنة ١٣١٤هـ سافر إلى ايران لزيارة مشهد الإمام الرضا (عليه السلام)، ومنها ذهب إلى الكويت وأصبح مرجعاً للاُمور الشرعيّة فيها إلى سنة ١٣٤٣هـ، فتركها وعاد إلى العراق واستقرّ في مدينة البصرة يمارس واجباته الدينيّة في الوعظ والإرشاد وإقامة الصّلاة جماعة والتأليف.

وكان(رحمه الله) مكثراً في التأليف، إذ خلّف مجموعة من الكتب والرسائل منها: "برهان الدين الوثيق في نقض عمدة التحقيق" و"بوار الغالين" في الردّ على الشيخيّة، و"خصائص الشيعة التي جاءت بها الشريعة" و"صولة الحقّ على جولة

١٧
الباطل"و"ضربات المحدّثين" و"مخازي الشيخيّة ومفاخر الشيعة" و"هدى المنصفين إلى الحقّ المبين" الذي سمّاه شيخ الشريعة الأصفهاني بـ"إلقام الحجر لمن تجبّر وجحد وتكبّر".

وتوفي(رحمه الله) يوم الاثنين السادس من شهر ذي القعدة سنة ١٣٥٨هـ، وحُمل جثمانه إلى مدينة النجف الأشرف ودفن في الصحن الشريف في الحجرة التي على يسار الداخل إلى الصحن من باب المغرب المعروفة بيان السلطاني(١) .

المرحلة الثانية:

وهي التي تلت المرحة السابقة، فبعد أن كتبَ السيّد مهدي البصري رسالته "الصولة" وكتب أيضاً عدّة مقالات في الصحف العراقيّة ينتقد فيها بعض الشعائر الحسينيّة، وجّه أهالي البصرة عدّة استفتاءات إلى علماء النجف الأشرف يطلبون منهم بيان الحكم الشرعي لهذه الشعائر، فكان جوابهم بين مؤيّد لها ومعارض. فأيّدها الميرزا حسين النائيني (ت ١٣٥٥هـ) والشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء (ت١٣٧٣هـ)، وعارضها السيّد أبو الحسن الأصفهاني (١٣٦٥هـ)(٢) .

وتصدّى الشيخ ابراهيم المظفّر لردّ الانتقادات التي أوردها السيّد مهدي البصري في رسالة "الصولة" فألّف رسالة مستقلّة في ذلك سمّاها "نصرة المظلوم" طبعت في أربع وستّين صفحة في ربيع الأوّل سنة ١٣٤٥هـ في المطبعة العلويّة في مدينة النّجف الأشرف(٣) .

١ ـ انظر: الذريعة ٣:٩٥ و١٥٣/٣٠٤ و٥٣١، ٧:١٦٨/١٩٤، ١٥:٩٨/٦٤٦، ٢٠:١٦٥/٢٤١٠، ٢٥:٢٠٣/٢٧٥، معجم المؤلّفين: ٣١٨.

٢ ـ انظر: هكذا عرفتهم ٣:٢٢٩.

٣ ـ الذريعة ٢٤:١٧٨/٩٢١.

١٨
وقام السيّد محسن الأمين بالدفاع عن الآراء الواردة في رسالة "الصولة"، فشرع بكتابة عدّة مقالات في الصحف البيروتيّة، ينتقد فيها بعض الشعائر الحسينيّة كضرب الرؤوس بالسيوف وضرب الظهور بسلاسل الحديد.

ثمّ قام بتأليف كتابين مهمّين في هذا الموضوع هما: "إقناع اللائم على إقامة المآتم"(١) ، و"المجالس السنيّة في مناقب ومصائب العترة النبويّة"(٢) ، طُبعاً معاً سنة ١٣٤٣هـ.

و"المجالس السنّية" كتاب كبير يقع في خمسة أجزاء، ألّفه السيّد الأمين لكي يكون مرجعاً لخطباء المنبر الحسينيّ، إذ ضمّنه الوقائع التأريخيّة الصحيحة في حياة الأنبياء وأهل البيت (عليه السلام) وواقعة الطّف. الجزء الأوّل منه في واقعة الطّف، والثاني في قصص الأنبياء وغزوات نبيّنا (صلى الله عليه وآله)، والثالث في حروب أمير المؤمنين (عليه السلام)، والرابع في أخبار معاوية والإمام الحسن (عليه السلام)، والخامس في أخبار جميع المعصومين وتواريخهم. طبع عدّة مرّات، وتُرجم جزؤه الخامس إلى اللغة الفارسيّة.

المرحلة الثالثة:

تنحصر هذه المرحلة في وقوف الشيخ عبد الحسين صادق العاملي (ت ١٣٦١هـ) ضد الآراء التي أبداها السيّد الأمين حول بعض الشعائر الحسينيّة، التي نشرها في بعض الصحف البيروتيّة.

فتصدّى هذا الشيخ الجليل ـ وهو آنذاك أكبر رجال الدين في النبطيّة ـ لتلك الآراء قولا وعملا:

١ ـ الذريعة ٢: ٢٧٥/١١١٥.

٢ ـ الذريعة ١٩: ٣٦٠/١٦١٠.

١٩
فألّف رسالة مستقلّة في ذلك سمّاها "سيماء الصلحاء"(١) طُبعت سنة ١٣٤٥هـ.

وشجَّعَ الشعائر التي انتقدها السيّد الأمين وفي مقدّمتها ضرب الرؤوس بالسيوف، ممّا أدّى إلى توسّع هذه الظاهرة وانتشارها وكثرة الضاربين رؤوسهم.

وإنّي لم أعثر على هذه الرسالة حين كتابة هذه الأسطر; لأقف بشكل دقيق على محتواها، نعم وقفتُ على فقرات منها، نقلها السيّد الأمين في رسالته "التنزيه" في معرض ردّه على الشيخ عبد الحسين صادق، وسوف اُورد بعضها في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى.

ونذكر هنا نبذة مختصرة عن حياة..

الشيخ عبد الحسين صادق العاملي

فنقول: هو(٢) الشيخ عبد الحسين ابن الشيخ ابراهيم ابن الشيح صادق الخيّامي النباطي العاملي النّجفي، ولد سنة ١٢٧٩هـ، وقرأ بعض مقدّمات العلوم في جبل عامل، ثمّ هاجر إلى النّجف بلد العلم والهجرة وعمره أنذاك احدى وعشرون سنة، أعني سنة ١٣٠٠هـ في السنة التي توفّي فيها زعيم الإماميّة السيّد مهدي القزويني ورفيقه العالم الشيخ نوح القرشي.

وأكمل مقدّماته في النّجف على الشيخ محمود ذهب (ت ١٣٢٤هـ)، والشيخ علي الخاقاني (ت ١٣٣٤هـ) والسيّد علي ابن السيّد محمد البحراني الغريفي (ت

١ ـ الذريعة ١٢: ٢٩٢/١٩٦١.

٢ ـ اقتبسنا هذه الترجمة ممّا قاله فيه معاصره الشيخ محمّد حرز الدين (ت ١٣٦٥هـ) في معارف الرجال ٢:٤٠ـ٤٧.

٢٠