×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مسائل فقهيّة / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
كتاب مسائل فقهيّة للسيد شرف الدين الموسوي (ص ١ - ص ٣٠)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

مقدمة الناشر

المرحوم العلامة السيد شرف الدين علم من أعلام العلم والجهاد والوحدة الإسلامية، قضى عمره المبارك في سبيل ذلك، وقدم تراثاً علمياً جهادياً وحدوياً لا يمكن أن ينسى، وسيظل يخدم القضية الإسلامية خير خدمة.

ولقد امتاز أسلوبه بالوضوح والاحترام للرأي المقابل، والدقة، والموضوعية التامة. الأمر الذي جلب إليه قلوب الأصدقاء والأعداء معاً.

وكان له في مجال تحقيق تفاهم فقهي أكبر بين المذاهب الاسلامية باع طويل، وتأليفات ثمينة القدر. اخترنا منها هذا الكراس القيِّم ـ رغم صغره ـ متوخِّين نفس الأهداف السامية التي عمل لها.

فرحم الله العلاّمة الجليل شرف الدين، ونفع الجميع بعلمه الغزير.

معاونية العلاقات الدولية  
في منظمة الإعلام الإسلامي

٦
٧

كلمة موجزة

هذه مسائل فقهية مفرغة بأسلوب واضح متين، اعتمدت الحجة القوية، وانتهجت السبيل القويم، وحسبها أنها نتيجة فكرة نيرة، ويراعة بارعة، توفرت على النظريات العلمية الدقيقة فأسلست إليها القياد، وأخذت بزمامها فتصرفت بها كما تريد، واتجهت بها نحو الحق والصواب فآزرتهما، وأخذت بناصرهما، وتلك كتب سيدنا العم الأعظم سماحة الإمام شرف الدين التي تفخر بها المكتبة العربية، أقبل عليها رواد العلم، وطالبو الحقيقة يتزودون بزادها العلمي النافع، ويكبرون فيها سداد الرأي وقوة البرهان، وعظيم الإنصاف، والمدافعة عن الحق.

وفي هذه المباحث القيمة ستقرأ علماً صحيحاً استمده من كتاب الله وسنة رسوله فلم يستنطق غيرهما، ولم يعتمد سواهما، وستحظى بفروع من الفقه قليلة في عددها، كثيرة في فائدتها، وانما أدار سيدنا دام ظله بحثه على هذه المسائل بخصوصها، وجعلها موضوع رسالته الوجيزة لأن هذه المسائل

٨
الفرعية التي نقدمها إليك أيها القارئ الكريم كان الجدل فيها بارزاً، والضجيج حولها متعالياً، والحملات عنيفة، فأراد أن يخفف من حدة المتحامل، وأن يأخذ بيد المنصف إلى الصواب، وشاء من جهة ثانية أن يوضح أن الفرقة الجعفرية لا تختار فرعاً من الفروع إلا أن تكون فيه على بينة من أمرها، وحيطة بالغة في اختيارها، فالآية الكريمة المحكمة، والسنة الصحيحة عليهما المعول، وإليهما المفزع، يأخذانها بالأعناق إلى ما تذهب إليه، ولا تحيد عنهما فيما تختار.

وهذه المسائل انموذج صحيح تعطيك صورة صادقة عن الاستنتاج الموفق والاجتهاد المعتدل، تلمس فيها التوجيه الرفيع، فإنها لا تكترث بغير البرهان الجلي، والحجة القويمة المستمدَّين من كتاب الله وسنة رسوله صلّي الله عليه وآله وسلَّم.

نور الدين شرف الدين

٩

الجمع بين الصلاتين

لا خلاف ـ بين أهل القبلة من أهل المذاهب الإسلامية كلها ـ في جواز الجمع بعرفة وقت الظهر بين الفريضتين ـ الظهر والعصر ـ وهذا في اصطلاحهم جمع تقديم، كما لا خلاف بينهم في جواز الجمع في المزدلفة وقت العشاء بين الفريضتين (١) ـ المغرب والعشاء ـ وهذا في الاصطلاح جمع تأخير (٢) بل لا خلاف في استحباب هذين الجمعين وأنهما من السنن النبوية وإنما اختلفوا في جواز الجمع بين الصلاتين فيما عدا هذين.

ومحل النزاع هنا إنما هو جواز الجمع بين الفريضتين بأدائهما معاً في وقت احداهما تقديماً على نحو الجمع بعرفة أو تأخيراً على نحو الجمع بالمزدلفة.

(١) انما انعقد اجماع أهل القبلة على جواز الجمع بعرفة والمزدلفة للحجاج خاصة، أما غيرهم فمحل خلاف.

(٢) وذلك لتأخير صلاة المغرب عن وقتها وجمعها مع العشاء في وقتها، كما أن الجمع في عرفة انما كان جمع تقديم لتقديم صلاة العصر عن وقتها وجمعها مع الظهر في وقتها.

١٠

وقد صدع الأئمة من آل محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم بجوازه مطلقاً غير ان التفريق أفضل، وتبعهم في هذا شيعتهم في كل عصر ومصر، فاذا هم يجمعون غالباً بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء سفراً وحضراً لعذر أو لغير عذر، وجمع التقديم وجمع التأخير عندهم في الجواز سواء.

أما الحنفية فمنعوا الجمع فيما عدا جمعي عرفة والمزدلفة بقول مطلق مع توفر الصحاح الصريحة بجواز الجمع ولا سيما في السفر، لكنهم تأولوها على صراحتها فحملوها على الجمع الصوري. وسيتضح لك بطلان ذلك قريباً ان شاء الله تعالى.

وأما الشافعية والمالكية والحنبلية فأجازوه في السفر على خلاف بينهم فيما عداه من الأعذار كالمطر والطين والمرض والخوف، وعلى تنازع في شروط السفر المبيح له (١).

حجتنا التي نتعبد فيما بيننا وبين الله سبحانه في هذه المسألة وفي غيرها انما هي صحاحنا عن أئمتنا عليهم السلام، وقد نحتج على الجمهور بصحاحهم لظهورها فيما نقول وحسبنا منها ما قد أخرجه الشيخان في صحيحيهما، واليك ما أخرجه مسلم في باب الجمع بين الصلاتين في الحضر من صحيحه إذ قال:

حدثنا يحيي بن يحيي قال: قرأت على مالك عن أبي الزبير عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

(١) وذلك أن منهم من اشترط سفر القربة كالحج والعمرة والغزو ونحو ذلك دون غيره ومنهم من اشترط الاباحة دون سفر المعصية ومنهم من اشترط ضرباً خاصاً من السير ومنهم من لم يشترط شيئاً فأي سفر كان وبأي صفة كان يراه مبيحاً للجمع، والتفصيل في فقههم.
١١
الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً (١) في غير خوف ولا سفر.

(قال): وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو ابن دينار عن أبي الشعشاء جابر بن زيد عن ابن عباس. قال: صليت مع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ثمانياً جميعاً أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء. قال: وأنا أظن ذلك.(٢) اهـ. قلت: ان يتبعون الا الظن وان الظن لا يغني من الحق شيئاً.

(قال): حدثنا أبو الربيع الزهراني حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس: ان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم صلى بالمدينة سبعاً وثمانياً الظهر والعصر والمغرب والعشاء(٣).

(قال): وحدثني أبو الربيع الزهراني حدثنا حماد عن الزبير بن الخريت عن عبد الله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني: الصلاة الصلاة قال: فقال ابن عباس: اتعلمني بالسنة لا أم لك ؟ ثم قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال عبد الله بن شقيق فحاك في صدري من

(١) لعلك لا تجهل أن اصطلاحهم في الجمع بين الصلاتين انما هو ايقاعهما معاً في وقت احداهما دون الأخرى جمع تقديم أو جمع تأخير هذا هو مراد المتقدمين منهم والمتأخرين من عهد الصحابة إلى يومنا هذا، وهذا هو محل النزاع كما سمعته في الأصل.

(٢) وهذا الحديث أخرجه أحمد بن حنبل من حديث ابن عباس ص٢٢١ من الجزء الأول من مسنده وفي تلك الصفحة نفسها أخرج من طريق أخر عن ابن عباس أيضاً. قال: صلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في المدينة مقيماً غير مسافر سبعاً وثمانياً.

(٣) هذا في الاصطلاح لف ونشر غير مرتب وهو جائز ولو قال صلى ثمانياً وسبعاً لكان مرتباً.

١٢
ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته (١).

(قال): وحدثنا ابن ابي عمر حدثنا وكيع حدثنا عمران بن حدير عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: قال رجل لابن عباس: الصلاة فسكت. ثم قال: الصلاة فسكت. ثم قال: الصلاة فسكت. فقال ابن عباس: لا أم لك أتعلمنا بالصلاة ؟! كنا تجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

قلت: وللنسائي من طريق عمرو بن هرم عن أبي الشعثاء ان ابن عباس صلى في البصرة الظهر والعصر ليس بينهما شيء فعل ذلك من شغل، وفيه رفعه إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم (٢).

(قال مسلم): وحدثنا أحمد بن يونس وعون بن سلام جميعاً عن زهير قال ابن يونس: حدثنا زهير حدثنا أبو الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: صلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الظهر والعصر جميعاً بالمدينة في غير خوف ولا سفر (٣) قال أبو الزبير: فسألت سعيداً لِمَ فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني. فقال أراد أن لا يحرج أحداً من أمته.

(قال): وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا أبو معاوية، وحدثنا أبو كريب وأبو سعيد الاشج واللفظ لأبي كريب قالا

(١) من هوان الدنيا على الله تعالى وهوان آل محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم على هؤلاء أن يحوك في صدورهم شيء من ابن عباس فيسألوا أبا هريرة وليتهم بعد تصديق أبي هريرة عملوا بالحديث وهذا الحديث أخرجه أحمد بن حنبل ايضاً عن ابن عباس في ص٢٥١ من الجزء الأول من مسنده.

(٢) كما نقله الزرقاني في الجمع بين الصلاتين من شرح الموطأ ص٢٦٣ من جزئه الأول.

(٣) وهذا الحديث مما أخرجه مالك في باب الجمع بين الصلاتين من الموطأ، والامام أحمد عن ابن عباس في مسنده.

١٣
ـ يعني أبا كريب وأبا سعيد ـ حدثنا وكيع وأبو معاوية كلاهما عن الاعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: جمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر.

(قال): وفي حديث وكيع قال: قلت لابن عباس لِمَ فعل ذلك؟ قال: كيلا يحرج أمته. وفي حديث أبي معاوية قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته.

(قال): وحدثنا يحيى بن حبيب الحارثي حدثنا خالد بن الحرث حدثنا قرة بن خالد حدثنا أبو الزبير حدثنا سعيد بن جبير حدثنا ابن عباس: ان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم جمع بين الصلاة في سفرة سافرها في غزوة تبوك فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال سعيد فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته.

(قال): حدثنا يحيى بن حبيب حدثنا خالد بن الحرث حدثنا قرة بن خالد حدثنا أبو الزبير حدثنا عامر بن وائلة أبو الطفيل حدثنا معاذ بن جبل. قال: جمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء. قال فقلت: ما حمله على ذلك؟ فقال: أراد أن لا يحرج أمته. أهـ.

قلت: هذه الصحاح صريحة في أن العلة في تشريع الجمع إنما هي التوسعة بقول مطلق على الأمة وعدم احراجها بسبب التفريق رأفة بأهل الأشغال وهم أكثر الناس، والحديثان الأخيران ـ حديث معاذ والذي قبله ـ لا يختصان بموردهما ـ أعني السفر ـ اذ علة الجمع فيهما مطلقة لا دخل فيها للسفر من حيث كونه سفراً، ولا للمرض والمطر والطين والخوف من حيث هي هي وإنما هي كالعام يرد في مورد خاص، فلا يتخصص به

١٤
بل يطرد في جميع مصاديقه، ولذا ترى الإمام مسلماً لم يوردهما في باب الجمع في الحضر ليكونا أدلة من جواز الجمع بقول مطلق وهذا من فهمه وعلمه وانصافه.

وصحاحه ـ في هذا الموضوع ـ التي سمعتها والتي لم تسمعها كلها على شرط البخاري، ورجال أسانيدها كلهم قد احتج البخاري بهم في صحيحه، فما المانع له يا ترى من ايرادها بأجمعها في صحيحه؟ وما الذي دعاه إلى الاقتصار على النزر اليسير منها؟ ولماذا لم يعقد في كتابه باباً للجمع في الحضر ولا باباً للجمع في السفر؟ مع توفر الصحاح ـ على شرطه ـ الواردة في الجمع، ومع أن أكثر الأئمة قائلون به في الجملة، ولماذا اختار من أحاديث الجمع ماهو أخسها دلالة عليه؟ ولم وضعه في باب يوهم صرفه عن معناه؟ فإني أربأ بالبخاري وأحاشيه أن يكون كالذين يحرفون الكلم عن مواضعه، أو كالذين يكتمون الحق وهم يعلمون.

وإليك ما اختاره في هذا الموضوع، ووضعه في غير موضعه، اذ قال ـ في باب تأخير الظهر إلى العصر من كتاب مواقيت الصلاة من صحيحه (١) ـ: حدثنا أبو النعمان قال حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر بن

(١) تعقبه شيخ الاسلام الانصاري عند بلوغه إلى هذا الباب من شرحه ـ تحفة الباري ـ فقال: المناسب للحديث باب: صلاة الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء، فقي التعبير بما قاله تجوز وقصور إلى أن قال: وتأويل ذلك بأنه فرغ من الأولى فدخل وقت الثانية فصلاها عقبها خلاف الظاهر، انتهى بلفظه في آخر ص٢٩٢ من الجزء الثاني من شرحه، قال القسطلاني في ص٢٩٣ في الجزء الثاني من شرحه ارشاد الساري: وتأوله على الجمع الصوري بأن يكون أخر الظهر إلى آخر وقتها وعجل العصر في أول وقتها ضعيف لمخالفة الظاهر وهكذا قال أكثر علمائهم ولا سيما شارحو صحيح البخاري، كما ستسمعه في الأصل ان شاء الله.
١٥
زيد عن ابن عباس: ان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم صلى بالمدينة سبعاً وثمانياً الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة، قال: عسى. قلت: ان يتبعون الا الظن.

وأخرج في باب وقت المغرب عن آدم قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن زيد عن ابن عباس قال: صلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم سبعاً جميعاً وثمانياً جميعاً.

وأرسل في باب «ذكر العشاء والعتمة» عن ابن عمر وأبي أيوب وابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم صلى المغرب والعشاء ـ يعني جمعهما ـ في وقت إحداهما دون الاخرى.

وهذا النزر اليسير من الجم الكثير من صحاح الجمع كاف في الدلالة على ما نقول كما لا يخفى، ويؤيده ما عن ابن مسعود اذ قال: جمع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ يعني في المدينة ـ بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فقيل له في ذلك فقال: صنعت هذا لئلا تحرج أمتي. أخرجه الطبراني (١).

والمأثور عن عبد الله بن عمر (٢) اذ قيل له: لم ترى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء مقيماً غير مسافر، أنه أجاب بقوله: فعل ذلك لئلا تحرج أمته.

وبالجملة فان علماء الجمهور كافة ممن يقول بجواز الجمع وممن لا يقول به متصافقون على صحة هذه الاحاديث وظهورها فيما نقول من الجواز

(١) كما في أواخر ص٢٦٣ من الجزء الأول من شرح الموطأ للزرقاني قال: وارادة نفي الحرج تقدح في حمله على الجمع الصوري لأن القصد إليه لا يخلو من حرج.

(٢) في حديث تجده في صفحة ٢٤٢ من الجزء الرابع من كنز العمال عدده في تلك الصفحة ٥٠٧٨ مسنداً إلى عبد الله.

١٦
مطلقاً، فراجع ما شئت مما علقوه عليها يتضح لك ذلك (١) نعم تأولوها حملا لها على مذاهبهم، وكانوا في تأولها على غمة وفي ليل من الحيرة مظلم، وحسبك ما نقله النووي عنهم في تعليقه على هذه الاحاديث من شرحه لصحيح مسلم. اذ قال ـ بعد اعتبارها ظاهرة في الجمع حضراً ـ: وللعلماء فيها تأويلات ومذاهب، فمنهم من تأولها على أنه جمع لعذر المطر.

(قال): وهذا مشهور عن جماعة من كبار المتقدمين (٢).

(قال): وهو ضعيف بالرواية الثانية عن ابن عباس من غير خوف ولا مطر (٣).

(قال): ومنهم من تأولها على أنه كان في غيم فصلى الظهر ثم انكشف الغيم وظهر أن وقت العصر دخل فصلاها فيه (٣).

(قال): وهذا أيضاً باطل لانه ان كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء.

(قال): ومنهم من تأولها على تأخير الأولى إلى آخر وقتها فصلاها فيه فلما

(١) وحسبك تعليق النووي في شرحه لصحيح مسلم والزرقاني في شرحه لموطأ مالك والعسقلاني والقسطلاني وزكريا الانصاري في شروحهم لصحيح البخاري وسائر من علق على أي كتاب من كتب السنن يشتمل على حديث ابن عباس في الجمع بين الصلاتين حيث صححوه بكل طرقه التي نقلناها عن صحيحي مسلم والبخاري واستظهروا منها جواز الجمع في الحضر لمجرد وقاية الأمة من الحرج، وما أدري والله ما الذي حملهم على الاعراض عنها، ولعل هذا من حظ أهل البيت عندهم.

(٢) كالامامين مالك والشافعي وجماعة من أهل المدينة.

(٣) على أنه بعيد عن اللفظ غاية البعد ولا قرينة عليه.

(٣) هذا خرص ومجازفة ورجم بالغيب.

١٧
فرغ منها دخل وقت العصر فصلاها فيه فصار جمعه للصلاتين صورياً (١).

(قال): وهذا ضعيف أيضاً أو باطل لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل.

(قال): وفعل ابن عباس حين خطب فناداه الناس الصلاة الصلاة! وعدم مبالاته بهم واستدلاله بالحديث لتصويب فعله بتأخيره صلاة المغرب إلى وقت العشاء وجمعهما جميعاً في وقت الثانية وتصديق أبي هريرة له وعدم انكاره صريح في رد هذا التأويل.

قلت: ورده ابن عبد البر والخطابي وغيرهما بأن الجمع رخصة فلو كان صورياً لكان أعظم ضيقاً من الاتيان بكل صلاة في وقتها لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة فضلاً عن العامة (قالوا) ومن الدليل على أن الجمع رخصة قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته (قالوا) وأيضاً فصريح أخبار الجمع بين الفريضتين إنما هو بأدائهما معاً في وقت احداهما دون الأخرى اما بتقديم الثانية على وقتها وادائها مع الأولى في وقتها أو بتأخير الأولى عن وقتها إلى وقت الثانية وادائهما وقتئذ معاً (قالوا) وهذا هو المتبادر إلى الفهم من اطلاق لفظ الجمع في السنن كلها وهذا هو محل النزاع.

(قال النووي) ومنهم من تأولها فحملها على الجمع لعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه (قال) وهذا قول أحمد بن حنبل والقاضي حسين من أصحابنا واختاره الخطابي والمتولي والروياني من أصحابنا وهو المختار في

(١) وقد تعلم أن ابا حنيفة وأصحابه تأولوا صحاح الجمع حضراً وسفراً بحملها كلها على الجمع الصوري فقالوا بمنع مطلقاً وهذا غريب منهم إلى أبعد غاية وقد كفانا مناقشتهم والبحث معهم عدة من الاعلام تسمع في الأصل كلامهم.
١٨
تأويلها، لظاهر الأحاديث.

قلت: لا ظهور في الأحاديث ولا دلالة فيها عليه بشيء من الدوال والقول به تحكم كما اعترف به القسطلاني في شرحه لصحيح البخاري (١).

وقد تعقبه بعض الأعلام أيضاً اذ قال: وقيل ان الجمع كان للمرض وقواه النووي وفيه نظر لانه لو جمع للمرض لما صلى معه الا من به المرض، والظاهر أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم جمع بأصحابه، وبه صرح ابن عباس في رواية ثابتة عنه. انتهى(٢).

قلت: ولما لم يكن لصحاح الجمع تأويل يقبله العلماء رجع قوم من الجمهور إلى رأينا في المسألة تقريباً من حيث لا يقصدون. وقد ذكرهم النووي بعد أن زيف التأولات بما سمعت. فقال: وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه الخطابي عن القفال الشاشي الكبير من أصحاب الشافعي، وعن أبي اسحاق المروزي وعن جماعة من أصحاب الحديث واختاره ابن المنذر (قال) ويؤيده ظاهر قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته اذ لم يعلله بمرض ولا غيره والله أعلم، هذا كلامه (٣) وبه صرح غير

(١) فراجع من شرحه ارشاد الساري باب تأخير الظهر إلى العصر تجد في ص٢٩٣ من جزئه الثاني ما هذا لفظه: وحمله ـ أي حديث ابن عباس في الجمع حضراً ـ بعضهم على الجمع للمرض وقواه النووي فتعقبوه بأنه مخالف لظاهر الحديث وتقييده به ترجيح بلا مرجع وتخصيص بلا مخصص. اهـ.

(٢) فراجعه في ص٢٦٣ من الجزء الأول من شرح الزرقاني لموطأ مالك في باب الجمع بين الصلاتين.

(٣) في ص٤٥٥ من الجزء الرابع من شرحه لصحيح مسلم المطبوع في هامش ارشاد الساري وتحفة الباري شرحي صحيح البخاري ولا يخفى ميل النووي إليه في آخر كلامه اذ أيده بقول ابن عباس وعلق على قول ابن عباس قوله فلم يعلله بمرض ولا غيره فكان آخر كلامه ناقصاً لتأويله.

١٩
واحد من أعلامهم (١).

ولعل المحققين منهم في هذا العصر على رأينا كما شافهني به غير واحد منهم، غير انهم لا يجرؤون على مبادهة العامة بذلك، وربما يمنعهم الاحتياط فان التفريق بين الصلوات مما لا خلاف فيه، وهو أفضل بخلاف الجمع، لكن فاتهم أن التفريق قد أدى بكثير من أهل الاشغال إلى ترك الصلاة كما شاهدناه عياناً بخلاف الجمع فإنه أقرب إلى المحافظة على أدائها، وبهذا يكون الاحوط للفقهاء أن يفتوا العامة بالجمع وأن ييسروا ولا يعسروا ـ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ـ وما جعل عليكم في الدين من حرج ـ والدليل على جواز الجمع مطقاً موجود والحمد لله سنة صحيحة صريحة كما سمعت، بل كتاباً محكماً مبيناً، الا تصغون لأتلو عليكم من محكماته ما يتجلى به أن أوقات الصلوات المفروضة ثلاثة فقط، وقت لفريضتي الظهر والعصر مشتركاً بينهما، ووقت لفريضتي المغرب والعشاء على الاشتراك بينهما أيضاً، وثالث لفريضة الصبح خاصة، فاستمعوا له وانصتوا (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً).

قال الامام الرازي حول تفسيرها ـ من سورة الاسراء ص٤٢٨ من الجزء الخامس من تفسيره الكبير ـ ماهذا لفظه: فان فسرنا الغسق بظهور

(١) كالزرقاني في شرحه للموطأ وسائر من علق على حديث ابن عباس في الجمع بين الصلاتين ممن شرح الصحاح والسنن كالعسقلاني والقسطلاني وغيرهما.
٢٠