×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

من له كتاب عن يوم الجمل / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحة: ١ فارغة
كتاب من له كتاب عن يوم الجمل لـ مشتاق طالب محمد (ص ١ - ص ٨)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

الهدف من البحث

يهدف هذا البحث إلى تقديم قائمة بأسماء المؤلفين الذين ألفوا كتابا ً مستقلا ً عن يوم الجمل أو وقعة الجمل، و هي المعركة الشهيرة التي حدثت في البصرة في عام ٣٦ هـ بين علي بن أبي طالب (ع) من جهة، و الزبير بن العوام و طلحة بن عبيد الله و عائشة بنت أبي بكر من جهة ثانية.

و قد سبقنا إلى هذا الأمر، على حد علمنا، اثنان من العلماء الأجلاء. أولهما الشيخ أغا بزرك الطهراني، الذي قدم قائمة تضم ١٥ كتابا ً ألفها ١٤ مؤلف و كلها تحمل عنوان " كتاب الجمل "(١). و ثانيهما السيد عبد العزيز الطباطبائي، الذي قدم قائمة تضم أسماء ١٠ كتب تحمل العنوان نفسه(٢).

و يأتي بحثنا هذا لإتمام القائمتين أعلاه من عدة نواح ٍ:

أولها أنه وقع لنا من أسماء الكتب و المؤلفين ما لم يرد في أي من القائمتين أعلاه.

و ثانيها أننا توسعنا في البحث في سير مؤلفي هذه الكتب و تتبعنا ما وصل إلينا عنهم من أخبار.

و ثالثها أننا ناقشنا ما ورد عن مؤلفي هذه الكتب في كتب الرجال من حيث التعديل و التجريح لبيان قيمة رواياتهم.

أننا حاولنا أن نعرف مصير هذه الكتب، فأشرنا إلى ما هو مطبوع منها، إن كان مطبوعا ً، و تتبعنا ما هو منقول منها من روايات في الكتب الأخرى إن وجدنا شيئا منها.

حدود البحث

التزمنا في هذا البحث بحدين لم نتجاوزهما.

الأول أننا اقتصرنا على ذكر الكتب المختصة بيوم الجمل، فأهملنا العديد من الكتب التي لم يكن من هدفها ذكر أخبار يوم الجمل بل وردت هذه الواقعة فيها ضمن أشياء أخرى. فمما أهملناه كتاب " تسمية من شهد مع أمير المؤمنين عليه السلام الجمل و صفين و النهروان من الصحابة رضي الله عنهم " لعبيد الله بن أبي رافع(٣)، كاتب الإمام علي (ع)، لكون هذا الكتاب يتناول صفين و النهروان بالإضافة إلى الجمل. و كذلك أهملنا كتاب " مسند أمير المؤمنين عليه السلام و أخباره في الجمل و صفين و النهر و فضائله و تسمية من روى عنه من أصحابه " ليعقوب بن شيبة(٤)، للسبب نفسه. بالإضافة إلى عشرات الكتب التاريخية الأخرى مثل تاريخ خليفة بن خياط، و تاريخ اليعقوبي، و تاريخ الطبري، و مروج الذهب للمسعودي، و تاريخ ابن الأثير، و تاريخ ابن كثير، و تاريخ أبي الفداء، و تاريخ ابن خلدون، و غيرها كثير. فبالرغم من قناعتنا بأن هذه الكتب بالغة الأهمية و لا يُستغنى عنها في تدوين تاريخ يوم الجمل، غير أننا أهملنا الإشارة إليها لعدم اختصاصها بهذه الواقعة.

و الثاني أننا اقتصرنا على ذكر الكتب القديمة، فتوقفنا عند القرن السادس الهجري و لم نتعده، لأننا نرى أن الكتب التالية لهذا التاريخ لا يمكن أن تضيف شيئا على المستوى الأخباري، فالأخبار و الروايات الشفهية التي لم تكن قد دونت حتى ذلك الحين أصبحت في عداد المفقودة، و لا نتوقع أن يدون أحد بعد هذا التاريخ شيئا لم يكن قد دُوّن من قبل. و أهمية الكتب اللاحقة تكمن

١ - الشيخ أغا بزرك الطهراني ، الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، ج٥ ص١٤١ ، الأرقام ٥٨٥ - ٥٩٩ .

٢ - عبد العزيز الطباطبائي ، ( أهل البيت في المكتبة العربية ) ، مجلة " تراثنا " عدد ٣ ص٤٨ ، الأرقام ١٢٤ - ١٣٣ .

٣ - الطوسي ، الفهرست ، ص١٠٧ رقم ٤٥٦ ** و السيد محمد رضا الحسيني ، ( التسميات ، طليعة المؤلفات في الحضارة الإسلامية، موضوعها و منهج تأليفها و فهرست أسمائها ) ، مجلة " تراثنا " عدد ١٥ .

٤ - الطوسي ، الفهرست ، ص١٨٠ رقم ٧٨٦ .

٢
في ما تضيفه من تحليلات، أو مقارنات بين الأخبار، أو تقديم لطائفة منها على غيرها، أو تجريح أو توثيق للأخبار على أساس تحليلي أو على أساس إسنادي، و لكننا لا نتوقع أن تحتوي جديدا ً على المستوى الأخباري.

و قد رتبنا الكتب حسب تاريخ وفاة مؤلفيها، لأننا نرى أن هذا الترتيب يعطينا تصورا ً عن تطور الكتابة في هذا المجال أفضل مما يعطيه أي ترتيب آخر.

و من الله التوفيق.

١) جابر بن يزيد الجعفي(٥)

كوفي، من أصحاب الإمامين محمد الباقر و جعفر الصادق (ع).

كنيته أبو محمد، و يقال أبو يزيد.

ورد في بعض الروايات أنه خدم الإمام محمدا ً الباقر (ع) ١٨ سنة(٦). و منها نستنتج أنه التقى بالإمام (ع) في حوالي سنة ٩٦ هـ لأن الإمام (ع) توفي سنة ١١٤ هـ. و ورد في رواية أخرى أنه كان شابا ً عندما التقى بالإمام الباقر (ع) لأول مرة. فإذا افترضنا أن عمر جابر يومها كان حوالي ٢٠ سنة، إذن يمكننا القول أنه ولد في حوالي سنة ٧٦ هـ.

و قد اختلط جابر (أي جن) في حوالي سنة ١٢٥ هـ، في أواخر عهد هشام بن الملك. و تروى في ذلك قصة طويلة، مفادها أنه كان في المدينة المنورة مع الإمام جعفر الصادق (ع) ثم ودعه و خرج من عنده مسرورا ً، و سافر عائدا ً إلى الكوفة. و في الطريق لحقه رسول من الإمام (ع) و سلمه رسالة، فلما قرأها انقبض وجهه، فما رُئي ضاحكا ً و لا مسرورا ً حتى وصل الكوفة. و في الصباح التالي لوصوله ظهرت عليه علامات الجنون، فأخذ يدور في شوارع الكوفة، راكبا ً قصبة على أنها حصان و في عنقه كعاب علقها، و هو يردد أبياتا ً من الشعر تدل على جنونه و اختلاطه، و كان الصبيان يدورون حوله في الشوارع و هم يقولون: جُن جابر، جُن جابر.

و بعد أيام ورد من هشام بن عبد الملك كتاب إلى واليه على الكوفة أن " انظر رجلا ً يقال له جابر بن يزيد الجعفي فاضرب عنقه و ابعث لي برأسه ". فسأل الوالي عنه فقالوا له: أصلحك الله كان رجلا ً له علم و فضل و حديث و حج فجُـنّ و هوذا في الرحبة مع الصبيان يلعب على القصب.

فنظر الوالي إلى رحبة مسجد الكوفة، فرآه كما قالوا. فتركه و لم يقتله(٧).

و المفهوم من هذه القصة أن جنونه لم يكن جنونا ً حقيقيا ً، بل هو تظاهر بالجنون بناءً على نصيحة من الإمام جعفر الصادق (ع)، للتخلص من قرار الإعدام الصادر بحقه. و هناك رواية تفيد بأنه رجع إلى حاله بعد زوال الخطر عنه.

و قد توفي جابر بن يزيد في سنة ١٢٨ هـ.

٥ - بالإضافة إلى المصادر المذكورة ضمن السياق العام يمكن مراجعة المصادر التالية حول سيرة جابر بن يزيد : ابن داود ، الرجال ، ص٨١ و ٤٣٣ و ٥٤٦ ** البرقي ، الرجال ، ص٩ و ١٦ ** العلامة الحلي ، الرجال ، ص٣٥ ** الكشي ، الرجال ، ص١٩١ - ١٩٨ ** الطوسي ، الرجال ، ص١٢٩ و ١٧٦ ** النجاشي ، الرجال ، ص١٢٨ - ١٢٩ ** مسلم بن الحجاج ، الكنى و الأسماء ، ج١ ص٧٢٥ ** الذهبي ، المقتنى في سرد الكنى ، ج٢ ص١٥٣ ** الذهبي ، ميزان الاعتدال ، ج٢ ص١٠٣ ** الذهبي ، المغني في الضعفاء ، ص١٢٦ ** البخاري ، التاريخ الكبير ، ج٢ ص٢١٠ ** البخاري ، كتاب الضعفاء الصغير ، ص٢٥ ** الربعي ، مولد العلماء و وفياتهم ، ج١ ص٣٠٢ ** ابن أبي حاتم الرازي ، الجرح و التعديل ، ج٢ ص٤٩٧ ** العجلي ، معرفة الثقاة ، ج١ ص٢٦٤ ** الخوئي ، معجم رجال الحديث ، ج٤ ص٣٣٦ - ٣٤٦ ** النسائي ، كتاب الضعفاء و المتروكين ، ص٢٨ ** ابن عدي ، الكامل في ضعفاء الرجال ، ج٢ ص١١٣ - ١١٩ ** ابن حجر العسقلاني ، طبقات المدلسين ، ص٥٣ ** العقيلي ، الضعفاء ، ج١ ص١٩١ ** ابن حبان ، كتاب المجروحين ، ج١ ص٢٠٨ ** أبو الحجاج المزي ، تهذيب الكمال ، ج٤ ص٤٦٥ - ٤٧٢ ** ابن سعد ، الطبقات الكبرى ، ج٦ ص٣٤٥ .

٦ - الطوسي ، الأمالي ، ص٢٩٦ ** و المجلسي ، بحار الأنوار ، ج٧٥ ص١٨٢ - ١٨٣ ** و عماد الدين الطبري ، بشارة المصطفى ، ١٨٨ .

٧ - الكليني ، الكافي ، ج١ ص٣٩٦ - ٣٩٧ ** المجلسي ، بحار الأنوار ، ج٧ ص٢٣ و ج٤٦ ص٢٨٢ ** و الشيخ المفيد ، الاختصاص ، ص٦٧ ** و ابن شهرآشوب ، المناقب ، ج٤ ص١٩١ .

٣
و كان جابر كثير الرواية للحديث حتى قال عنه أبو حنيفة: " ما أتيته بشيء إلا جاءني بحديث ". و بالرغم من ذلك ورد في بعض الروايات أنه سمع من الإمام محمد الباقر (ع) ٧٠ ألف حديث لم يحدث بها أحدا ً، و في روايات أخرى أنها ٥٠ألف حديث، و في غيرها ٣٠ ألفاً.

و ورد أنه قال للإمام محمد الباقر (ع): إنك قد حملتني وقرا ً عظيما ً بما حدثتني به من سركم الذي لا أحدث به أحدا ً فربما جاش في صدري حتى يأخذني منه شبه الجنون.

فقال له الإمام (ع): فإذا كان ذلك فاخرج إلى الجبان فاحفر حفيرة و دلّ رأسك فيها، ثم قل: حدثني محمد بن علي بكذا و كذا.

كما وردت روايات باطلاعه على معجزات حدثت للأئمة (ع)، أو أن معجزات حدثت له شخصيا ً، منها أنه رأى الإمام الباقر (ع) و قد صنع فيلا ً من طين فركبه و طار في الهواء فذهب إلى مكة عليه و عاد(٨).

و منها أن بعض أهل الكوفة جاءوا إليه و طلبوا منه أن يعينهم في بناء مسجد ينوون بناءه، فرفض المساهمة في ذلك قائلا ً: ما كنت بالذي أعين في بناء شيء يقع منه رجل مؤمن فيموت. فتركوه و خرجوا من عنده و هم يتحدثون عنه باعتباره بخيلا ً و كذابا ً. فلما أتموا المال اللازم لبناء المسجد بدءوا بالبناء، فزلت قدم أحد العمال فوقع فمات.

و منها أنه كان يعرف كلام الحيوانات و يفهم ما تقول.

و منها أن رجلا ً وقع خاتمه في الماء من على جسر الكوفة فمد جابر يده إلى الماء، فأقبل الماء يعلو بعضه على بعض حتى اقترب منه الخاتم فتناوله و أخذه.

و غير ذلك من الأمور و الغرائب.

و علق السيد الخوئي على حديث المعجزات هذا قائلا ً: " هذا حديث موضوع لا شك في كذبه و رواته كلهم متهمون بالغلو و التفويض ".

و يبدو أن كل ذلك أثار الخلاف بين الناس حول مكانة جابر. فكان الشيعة يذهبون إلى الأئمة (ع) و يسألونهم عنه. و لكن الروايات تناقضت من حيث ردود الأئمة (ع) على الناس فورد في بعضها أنهم ترحموا عليه و اعتبروه صادقا ً، و في غيرها أنه تبرءوا منه و من أحاديثه. و يبدو أن الشيخ المفيد كان يضعّـف جابرا ً الجعفي و يقلل من شأنه، و اتبعه في ذلك تلميذه النجاشي. و قد جمع الكشي في ترجمته لجابر بن يزيد الروايات المادحة و الذامة، و علق العلامة الحلي على ذلك قائلا ً: " روى الكشي فيه مدحا ً و بعض الذم، و الطريقان ضعيفان ".

و علق الخوئي على كل هذه الروايات قائلا ً: " الذي ينبغي أن يقال أن الرجل لابد من عده من الثـقاة الأجلاء " و ناقش الروايات الذامة و بين أنها لا تقلل من مكانته و جلالته و أنه كان عنده من أسرار أهل البيت عليهم السلام.

و الخلاصة التي وصل إليها ابن الغضائري هي " أن جابر بن يزيد الجعفي الكوفي ثقة في نفسه، و لكن جل من روى عنه ضعيف، فممن أكثر عنه من الضعفاء عمرو بن شمرو الجعفي، و مفضل بن صالح، و السكوني، و منخل بن جميل الأسدي. و أرى الترك لما روى هؤلاء عنه، و الوقف في الباقي إلا ما خرج شاهدا ً ".

و من الجدير بالذكر هنا أن عمرو بن شمر المذكور آنفا ً هو الذي روى عنه الكشي حديث الأعاجيب و المعجزات، الذي أبى السيد الخوئي القبول به كما بينـّا قبل قليل.

و لا يقل اختلاف علماء الرجال السنة في جابر بن يزيد عن اختلاف علماء الرجال الشيعة فيه. فقد وثـقه جماعة، منهم سفيان الثوري الذي وصفه بأنه كان " ورعا ً في الحديث، ما رأيت أورع في الحديث من جابر "؛ و شعبة بن الحجاج الذي وصفه بأنه " صدوق في الحديث "، و قال عنه أيضا: " لا تنظروا إلى هؤلاء المجانين الذين يقعون في جابر، هل جاءوكم بأحد لم يلقه؟ "؛ و زهير بن معاوية الذي قال عنه: " كان جابر إذا قال سمعت أو سألت فهو من أصدق الناس "؛ و وكيع بن الجراح الذي قال لأصحابه: " مهما شككتم في شيء

٨ - محمد بن جرير الطبري ، دلائل الإمامة ، ص٩٦ .
٤
فلا تشكوا أن جابر بن يزيد أبا محمد الجعفي ثقة؛ و كان عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه ثم تركه.

و في مقابل هؤلاء هاجمه علماء آخرون و انتقصوه و ضعفوه. منهم يحيى بن معين، و عبد الرحمن بن مهدي، و أبو زرعة، و العجلي، و النسائي، و يحيى القطان، و أبو داود، و جرير بن عبد الحميد، و أبو الأحوص، و سفيان بن عيينة و غيرهم. و وصفوه بأنه ضعيف و كذاب و لين و ليس بشيء و أنه رافضي يشتم أصحاب النبي صلى الله عليه و آله و سلم. و أشد ما أنكروه عليه أنه كان يؤمن بالرجعة، حتى أن ابن حبان قال عنه: " كان سبئيا من أصحاب عبد الله بن سبأ، كان يقول أن عليا ً يرجع إلى الدنيا ". و ذكر مسلم في مقدمة صحيحه إيمانه بالرجعة، و أن الناس كانوا يروون عنه الحديث، فلما أظهر إيمانه بالرجعة اتهموه و تركوا حديثه.

و كان ابن حبان من أشد الناس هجوما ً عليه، و كان منزعجا ً لأن بعض مشاهير أئمة الحديث مثل شعبة و الثوري و غيرهما رويا عنه، فقال في ذلك: " إن احتج محتج بأن شعبة و الثوري رويا عنه فإن الثوري ليس من مذهبه ترك الرواية عن الضعفاء بل كان يؤدي الحديث على ما سمع لأن يرغب الناس في كتابة الأخبار و يطلبوها في المدن و الأمصار. و أما شعبة و غيره من شيوخنا فإنهم رأوا عنده أشياء لم يصبروا عنها و كتبوها ليعرفوها فربما ذكر أحدهم عنه الشيء بعد الشيء على جهة التعجب فتداوله الناس ".

أقول: هذا تبسيط كبير للمشكلة. فالقضية ليست هي أن شعبة و الثوري رويا عنه، بل إنهما وثـقاه. فصحيح أن مذهب الثوري الرواية عن الضعفاء، و أنه ليس كل من روى عنه الثوري ثقة، و لكن الثوري لم يكتف بالرواية عن جابر، بل قال عنه: " كان جابر ورعا ً في الحديث، ما رأيت أورع في الحديث من جابر ". كما إنه ليس صحيحا ً أن شعبة ذكر روايات جابر على جهة التعجب، فهو الذي قال لأصحابه: " لا تنظروا إلى هؤلاء المجانين الذين يقعون في جابر، هل جاءوكم بأحد لم يلقه؟ ". فكلام ابن حبان لا قيمة له، و إنما هو رجل دفعه شنئان قوم على أن لا يعدل، و لو أنه عدل ي الكلام لكان أقرب للتقوى. و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم.

و كان ابن عدي أخف وطأة على جابر من ابن حبان فقال: " و لجابر حديث صالح، و قد روى عنه الثوري الكثير، و شعبة أقل رواية عنه من الثوري، و حدث عنه زهير و شريك و سفيان و الحسن بن صالح و ابن عيينة و أهل الكوفة و غيرهم. و قد احتمله الناس و رووا عنه. و عامة ما قذفوه به أنه كان يؤمن بالرجعة. و قد حدث عنه الثوري مقدار خمسين حديثا ً، و لم يتخلف أحد في الرواية عنه، و لم أرَ له أحاديث جاوزت المقدار في الإنكار، و هو مع هذا كله أقرب إلى الضعف منه إلى الصدق ".

فالاختلاف في جابر بن يزيد كبير، و اعتقد أن الخلاصة التي توصل إليها ابن الغضائري، و التي أشرنا إليها آنفا ً هي خير ما يمكن قوله في جابر، و الله أعلم.

وذكر النجاشي أن لجابر بن يزيد كتابا ً بعنوان " كتاب الجمل "، أورده ضمن قائمة طويلة من الكتب، قال في آخرها: " و غيرها من الأحاديث و الكتب، و ذلك موضوع و الله أعلم ".

أقول: إني نظرت في الأسانيد التي ذكرها النجاشي، فوجدت أن كل هذه الكتب واردة بأسانيد ضعيفة عن جابر، و كتاب الجمل بالذات رواه عنه عمرو بن شمر، و هو ممن لا تقبل روايته عن جابر كما ذكر ابن الغضائري و غيره. فالأقرب إلى الصواب أن كتاب الجمل هذا غير صحيح النسبة إلى جابر، هذا إن كان الكتاب موجود أصلا ً.

٥
و هناك رواية طويلة عن جابر، فيها وصف لمسير الإمام علي (ع) من الربذة إلى ذي قار، و لقائه بأهل طيء و كلامهم تأييدا ً له و إعلان استعدادهم لنصرته(٩). و هذه الرواية واردة بطريق عمرو بن شمر عن جابر، مما يجعلها غير مقبولة.

٢) أبان بن تغلب(١٠)

اختلفوا في كنيته، فقيل هو أبو سعد، و قيل أبو أمية، و قيل أبو سعيد. و قد أجمع علماء الرجال الشيعة على أن كنيته أبو سعيد، و هم أعرف به.

و اختلفوا في لقبه، فقيل أنه ربعي، و قال علماء الرجال الشيعة أنه بكري جُريري، مولى بني جُرير، إلا البرقي قال إنه كندي.

و اتفقوا على أنه كوفي.

كما اتفقوا على أنه شيعي، بل هو قاص الشيعة.

و ذكروا أنه لقي الأئمة عليا ً زين العابدين، و محمدا ً الباقر، و جعفر الصادق (ع)، و عليه يمكن التخمين بأنه ولد في حوالي سنة ٧٠ هـ.

و كانت تربطه بالإمام جعفر الصادق (ع) علاقة قوية، وكان كثير الرواية عنه، حتى أن الإمام (ع) كان يوصي تلاميذه و هو يودعهم أن يأتوا أبان بن تغلب فيسمعوا منه و يرووا عنه لأنه سمع منه حديثا ً كثيرا ً.

و كان كثير الدخول على الإمام الصادق (ع)، و كان إذا دخل عليه ثنى له الإمام الوسادة و صافحه. و قبل ذلك كان الإمام الباقر (ع) يحرضه على الجلوس في مسجد المدينة (أو مسجد الكوفة حسب بعض الروايات) و إفتاء الناس، لأنه يحب أن يرى الناس في الشيعة من هم أمثال أبان بن تغلب.

و كان إذا قدم المدينة تجمعت عليه حلقات الدرس الديني، و أخليت له سارية النبي صلى الله عليه و آله و سلم.

مدحه علماء الرجال الشيعة كثيرا ً و وصفوه بأنه ثقة جليل القدر، سيد عصره و فقيهه و عمدة الأئمة، عظيم الشأن، و كان مقدما ً في كل فن من فنون العلم، في القرآن و الفقه و الحديث و الأدب و اللغة و النحو، و له كتب.

و هو يعد أحد قراء الكوفة، و له قراءة مفردة، أخذ القراءة عن طلحة بن مصرف و عاصم بن أبي النجود، و تلقى الحفظ من الأعمش.

و له تعريف جميل للشيعة يقول فيه بأنهم هم " الذين إذا اختلف الناس عن رسول الله صلى الله عليه و آله أخذوا بقول علي (ع)، و إذا اختلف الناس عن علي أخذوا بقول جعفر بن محمد (ع) ".

٩ - الطوسي ، الأمالي ، ص٧٠ - ٧٢ ** و المجلسي ، بحار الأنوار ، ج٣٢ ص١٠١ - ١٠٣ .

١٠ - بالإضافة إلى المصادر المذكورة ضمن السياق العام يمكن مراجعة المصادر التالية : البخاري ، التاريخ الكبير ، ج١ ص٤٥٣ ** و الجوزجاني ، أحوال الرجال ، ص٦٧ ** و ابن أبي حاتم الرازي ، الجرح و التعديل ، ج٢ ص٢٩٦ ** و الذهبي ، من تكلم فيه ، ص٢٨ ** و الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج٦ ص٣٠٨ ** و الذهبي ، طبقات المحدثين ، ص٥١ ** و الذهبي ، المغني في الضعفاء ، ص٦ ** و الذهبي ، الكاشف ، ج١ ص٢٠٥ ** و ابن حبان ، مشاهير علماء الأمصار ، ص١٦٤ ** و ابن حبان ، الثقاة ، ج٦ ص٦٧ ** و أبو حفص الواعظ ، تاريخ أسماء الثقاة ، ص٣٨ ** و ابن الجوزي ، كتاب الضعفاء و المتروكين ، ج١ ص١٥ ** و ابن عدي ، الكامل في ضعفاء الرجال ، ج١ ص٣٨٩ ** و العقيلي ، الضعفاء ، ج١ ص٣٦ ** و ابن حجر العسقلاني ، تهذيب التهذيب ، ج١ ص٨١ ** و ابن منجويه ، رجال مسلم ، ج١ ص٦٨ ** و أبو الحجاج المزي ، تهذيب الكمال ، ج٢ ص٦ ** و ابن سعد ، الطبقات الكبرى ، ج٦ ص٣٦٠ ** و احمد بن حنبل ، سؤالات أبي داود ، ص٣٠٧ ** و الحاكم ، معرفة علوم الحديث ، ص٣٦ ** و أبو الفرج النديم ، الفهرست ، ص٣٠٨ ** و ابن داود ، الرجال ، ص٩ - ١١ ، و ص ٣٨٩ ** و البرقي ، الرجال ، ص٩ و ص١٦ ** و الطوسي ، الرجال ، ص١٠٩ و ص١٢٦ و ص١٦٤ ** و الطوسي ، الفهرست ، ص١٧ ** و العلامة الحلي ، الرجال ، ص٢١ ** و الكشي ، الرجال ، ص٣٣٠ ** و النجاشي ، الرجال ، ص١٠ ** و المجلسي ، بحار الأنوار ، ج٢ ص٨٠ ** و الخوئي ، معجم رجال الحديث ، ج١ ١٣١ - ١٤٠ .

٦
و ذكروا أن له ثلاثين ألف رواية عن الإمام جعفر الصادق (ع)، و لكن السيد الخوئي يقول: " وقع أبان بن تغلب في إسناد كثير من الروايات تبلغ زهاء ١٣٠ موردا ً، و في جميع ذلك روى عن المعصوم إلا أحد عشر موردا ً ".

و لعل الشيء المميز في أبان بن تغلب هو علاقته بأهل السنة. فقد روي عنه أنه قال للإمام الصادق (ع): إني أقعد في المسجد، فيجيء الناس فيسألوني، فإن لم أجبهم لم يقبلوا مني، و أكره أن أجيبهم بقولكم و ما جاء عنكم.

فقال له الإمام: انظر ما علمت أنه من قولهم فأخبرهم به.

و يبدو أن أبان بن تغلب استفاد من هذا الإذن، فأخذ يروي عن علماء السنة و مشايخهم، فاعتبره علماء السنة الكبار مثل أحمد بن حنبل و يحيى بن معين و غيرهم ثقة صالحا ً صدوقا ً مشهورا ً حديثه صحيح و له أدب و عقل، و أنه أحد الأئمة، معروف عالم كبير من خيار أهل الكوفة، و أحاديثه عامتها مستقيمة إذا روى عنه ثقة، و هو من أهل الصدق في الرواية، و من النساك.

ولكن علماء آخرين مثل الجوزجاني و ابن عدي و ابن الجوزي و السعدي و العقيلي و غيرهم لم يقبلوا منه تشيعه، فاعتبروه مذموم المذهب مجاهرا ً زائغا ً غاليا ً في التشيع، و لكنهم صرحوا بأن الذم يخص مذهبه، أما هو في نفسه فصدوق، و روايته صالحة و لم يعرف عنه الكذب، و أنهم لا يرفضون روايته إلا لكونه شيعيا ً، إذ اعتبروا تشيعه بدعة.

و ردّ عليهم الذهبي بأن " بدعته خفيفة " و هو " لا يتعرض للكبار "، " فلنا صدقه و عليه بدعته "، " ذلك أن البدعة على ضربين، فبدعة صغرى كغلو التشيع أو التشيع بلا غلو و لا تحرف، فهذا تحرف كثير في التابعين و تابعيهم مع الدين و الورع و الصدق. فلو رُدّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية و هذه مفسدة بينة. ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل و الغلو فيه و الحط ّ على أبي بكر و عمر رضي الله عنهما و الدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم و لا كرامة. و أيضا ً فما استحضر الآن في هذا الضرب رجلا ً صادقا ً و لا مأمونا ً، بل الكذب شعارهم و التـقية و النفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله؟ حاشا و كلا. فالشيعي الغالي في زمان السلف و عرفهم هو من تكلم في عثمان و الزبير و طلحة و معاوية و طائفة ممن حارب عليا ً رضي الله عنه و تعرض لسبهم. و الغالي في زماننا و عرفنا هو من يكفر هؤلاء السادة و يتبرأ من الشيخين أيضا ً فهذا ضال معثر. و لم يكن أبان بن تغلب يعرض للشيخين أصلا ً، بل قد يعتقد عليا ً أفضل منهما "(١١).

و واضح من كل ذلك أن أبان بن تغلب كان شيعيا ً ظاهر التشيع، و أنه كان من الثقاة المعروفين بالصدق و الورع، حتى أن أحدا ً لم يستطع إنكار ذلك، و إن من ضعفوه لم يجدوا عليه مأخذا ً إلا تشيعه.

و مات أبان بن تغلب سنة ١٤١ هـ، فلما وصل نعيه إلى الإمام الصادق (ع) قال: " لقد أوجع قلبي موت أبان ".

ذكر صائب عبد الحميد أن له " كتاب الجمل "(١٢). و يبدو أن هذا غير صحيح، فالطوسي لم يذكر ذلك في " الفهرست "، و لا ذكره النجاشي في " الرجال "، و لا ذكره أبو الفرج النديم في " الفهرست "، و لا أغا بزرك الطهراني في القائمة التي أشرنا إليها في بداية هذا البحث.

١١ - الذهبي ، ميزان الاعتدال ، ج١ ص١١٨ .

١٢ - صائب عبد الحميد ، معجم مؤرخي الشيعة ، مجلة " تراثنا " ، العدد ٥٥ و ٥٦ ، ص٢٣١ - ٢٣٢ .

٧

٣) لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم الأزدي(١٣)

كنيته التي اشتهر بها أبو مخنف. و هو كوفي.

أخطأ العلامة الحلي في تسمية جده، إذ سمّـاه أسلم. و كذلك أخطأ النجاشي فيه فسمّـاه سالم. و الصحيح أنه سليم، لا أسلم و لا سالم. و يؤيد ذلك أن في قائمة كتبه، التي أوردها النجاشي، كتابا ً اسمه " أخبار آل مخنف بن سليم ". و مخنف بن سليم هذا شخص معروف و مشهور و كان زعيم الأزد في الكوفة، و عندما استنفر علي (ع) أهل الكوفة لنصرته ضد أصحاب الجمل سارع الأزد بزعامة مخنف بن سليم إليه، فلما انتهت الحرب، و دخل علي (ع) الكوفة قادما ً من البصرة، أشاد بموقفهم و موقف زعيمهم مخنف، مقارنة بمواقف المتباطئين عنه(١٤). كما عينه واليا ً على أصبهان فذهب إليها(١٥). ثم عاد إلى الكوفة ليشارك في صفين.

و قد أخطأ الكشي في اعتبار لوط بن يحيى من أصحاب الإمام علي (ع). و قد نبه علماء الرجال الآخرون على هذا الخطأ، و منهم الطوسي الذي ذكر اسم أبي مخنف ضمن أصحاب الإمام علي (ع) اتباعا ً للكشي و نبه على غلط الكشي. ثم عاد و ذكره في أصحاب الإمام جعفر الصادق (ع)، هذا هو الصحيح.

و لم يصحح علماء الرجال روايته عن الإمام محمد الباقر (ع). و بناءً على ذلك، بالإضافة إلى كونه من أصحاب الإمام جعفر الصادق (ع)، يمكن التخمين بأنه ولد في حوالي سنة ١٠٠ هـ.

و قد أخطأ ابن شهرآشوب عندما اعتبره من أصحاب الإمام الحسن (ع)(١٦)، و اتبعه على ذلك المجلسي(١٧). فإذا كانت روايته عن الباقر (ع) غير صحيحة، فكيف يكون من أصحاب الحسن (ع)؟

و اتفق علماء الرجال الشيعة و السنة على كونه شيعيا ً، و لم يخالف في ذلك إلا ابن أبي الحديد الذي قال عنه: " و أبو مخنف من المحدثين، و ممن يرى صحة الإمامة بالاختيار، و ليس من الشيعة و لا معدودا ً في رجالها "(١٨). و اتبعه في ذلك المجلسي، إذ ذكر كتابه " مقتل الحسين " ضمن كتب المخالفين التي نقل منها، فلم يعتبره من كتب الشيعة(١٩). و قد أخطأ الاثـنان في ذلك، فهو شيعي و يؤيد ذلك ورود اسمه في كتب الرجال الشيعية.

و هناك انقسام طائفي واضح بين علماء الرجال في تقييمهم لأبي مخنف.

فقد وصفه علماء الرجال الشيعة بأنه شيخ أصحاب الأخبار في الكوفة و وجههم، و كان يسكن إلى ما يرويه.

أما علماء الرجال السنة فقد هاجموه و طعنوا فيه و اعتبروه غير موثوق و أنه ليس بشيء، و متروك الحديث، و أخباري ضعيف تالف هالك لا يوثق به. و ركزوا هجومهم على تشيعه بالذات، و قالوا عنه أنه شيعي محترق صاحب أخبارهم، و أنه حدّث بأخبار من سلف من الصالحين و لا يبعد منه أن يتناولهم، و أن له من الأخبار المكروه الذي لا يستحب ذكره.

١٣ - بالإضافة إلى المصادر المذكورة ضمن السياق العام يمكن مراجعة المصادر التالية : ابن داود ، الرجال ، ص٢٨٢ ** و الطوسي ، الرجال ص٨١ و٢٧٥ ** و الطوسي ، الفهرست ، ص١٢٩ - ١٣٠ ** و العلامة الحلي ، الرجال ، ص١٣٦ ** و النجاشي ، الرجال ص٣٢٠ ** و ابن زبر الربعي ، مولد العلماء و وفياتهم ، ج١ ص٣٦٦ ** و ابن أبي حاتم الرازي ، الجرح و التعديل ، ج٧ ص١٨٢ ** و الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج٧ ص٣٠١ ** و الذهبي ، ميزان الاعتدال ، ج٥ ص٥٠٨ ** و الذهبي ، المغني في الضعفاء ، ج٢ ص٨٠٧ ** و ابن الجوزي ، كتاب الضعفاء و المتروكين ، ج٣ ص٢٨ ** و ابن حجر العسقلاني ، لسان الميزان ، ج٤ ص٤٩٢ ** و ابن عدي ، الكامل في ضعفاء الرجال ، ج٦ ص٩٣ ** و العقيلي ، الضعفاء ، ج٤ ص١٨ ** و يحيى بن معين ، التاريخ ( برواية عباس الدوري ) ج٣ ص٢٨٥ و ٣٦٦ و ٤٣٩ ** و أبو الفرج النديم ، الفهرست ، ص١٣٦ .

١٤ - نصر بن مزاحم ، صفين ، ص٨ .

١٥ - نصر بن مزاحم ، صفين ، ص١١ .

١٦ - ابن شهرأشوب ، المناقب ، ج٤ ص٤٠ .

١٧ - المجلسي ، بحار الأنوار ، ج٤٤ ص١١٠ .

١٨ - ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة ، ج١ ص١٤٧ .

١٩ - المجلسي ، بحار الأنوار ، ج١ ص٢٤ .

٨
كتاب من له كتاب عن يوم الجمل لـ مشتاق طالب محمد (ص ٩ - ص ١٦)
٩

٥) محمد بن علي بن النعمان الأحول(٢٩)

كنيته أبو جعفر. و هو كوفي بجلي، مختلف في أصله، إذ قال الطوسي أنه عربي، و قال الكشي و أبو داود و العلامة الحلي أنه مولى. و كان يعمل صيرفيا ً أي أنه يتعامل بالنقود، و كان له دكان في محلة طاق المحامل في الكوفة.

ذكروه فيمن أدرك الإمام محمد الباقر (ع)، و عليه يمكن التخمين بأنه ولد قبل سنة ١٠٠ هـ، و الله أعلم.

اكتسب شهرته من علاقته الوثيقة بالإمام جعفر الصادق (ع)، الذي اعبره واحدا ً من أربعة هم أحب الناس إليه أحياءً و أمواتا ً.

و كان يمتلك قدرة كبيرة عل الجدل و المناظرة، و عنده سرعة بديهة مكنته من إجابة مناظريه إجابات سريعة و مفحمة. و يبدو من بعض الروايات أن الإمام جعفر الصادق (ع) صقل مواهبه في هذا الاتجاه، إذ يروى أنه دخل على الإمام (ع) ذليلا ً مستكينا ً منكسرا ً لفشله في إحدى المناظرات، فهدّأ الإمام (ع) روعه، و سأله عن الحجج التي كان يخاصم بها الناس، ثم علمه كيف يخاصمهم و بأي شيء يناظرهم.

و لاقى هذا التعليم و غيره أرضية خصبة في شخصية محمد بن علي بن النعمان الأحول فأصبح مناظرا ً لا يشق له غبار. و معظم أخباره هي في الحقيقة مناظرات جرت بينه و بين آخرين، على رأسهم أبو حنيفة النعمان بن ثابت، حيث وردت روايات كثيرة ع مناظرات جرت بينهما، بعضها أقرب إلى الطرائف منها إلى المناظرات.

و يعتد أن مناظراته و خصوماته هذه هي التي جعلت الناس يختلفون في تلقيبه. فالشيعة الذين ينتمي إليهم يلقبونه بمؤمن الطاق، و الآخرون الذين كان يجادلهم و يناظرهم يلقبونه بشيطان الطاق. و لكن هناك روايات أخرى تفيد بأن لقب شيطان الطاق لا علاقة له بالمناظرات التي كان يخوض غمارها ضد الآخرين، بل هو الذي لقب نفسه بهذا اللقب اعتزازا ً منه بقدرته على كشف النقود المزيفة.

و بعد وفاة الإمام جعفر الصادق (ع) وقع الشيعة في حيرة بخصوص الإمام الذي يكون بعده، فدخل محمد الأحول مع هشام بن سالم على عبد الله بن الإمام جعفر الصادق (ع) الذي كان يدعو إلى نفسه، و سألوه عن أشياء فلم يجدوا عنده جوابا ً لها، فأيقنوا أنه لا يصلح للإمامة. فخرجوا متحيرين حتى دخلوا على موسى الكاظم (ع)، فوجدوه عالما ً لا يسأل عن شيء إلا أجاب عليه، فاقتنعوا بإمامته و خرجوا من عنده و أخذوا يدعون الناس إليه.

ومات محمد الأحول في أيام موسى الكاظم (ع)، و لا نعرف بالتحديد سنة وفاته، لأن إمامة الكاظم (ع) امتدت من سنة ١٤٨ حتى ١٨٣ هـ، و هي فترة طويلة جدا ً. و من باب التخمين فقط يمكن القول أنه توفي في حوالي سنة ١٧٠ هـ، و الله أعلم.

مدحه علماء الرجال الشيعة كثيرا ً، و وصفوه بأن له في العلم و الخاطر و الفضل و الدين منزلة عالية، و أنه أحد الأربعة الذين كان يحبهم الإمام جعفر الصادق (ع) أحياءً و أمواتا ً، و أنه كان ثقة متكلما ً حاذقا ً حاضر الجواب.

أما علماء الرجال السنة فوصفوه بأنه شيعي جَـلـْد، و رووا بعض أخبار مناظراته، و خصوصا ً مع أبي حنيفة، و لكنهم تجنبوا إطلاق الأحكام الموثقة أو الجارحة عليه.

و قد وردت روايات في بعض المصادر الشيعية بأن الإمام جعفر الصادق (ع) ذمه بسبب كثرة مناظراته و استخدامه أساليب غير مقبولة في الجدال. غير أن السيد الخوئي علق

٢٩ - يمكن مراجعة المراجع التالية حول سيرته و مكانته : ابن داود ، الرجال ، ص٣٢٦ - ٣٢٧ و ٣٩٤ ** و البرقي ، الرجال ، ص١٧ ** و الطوسي ، الرجال ، ص٢٩٦ ** و الطوسي ، الفهرست ، ص١٣١ - ١٣٢ ** و العلامة الحلي ، الرجال ، ص١٣٨ ** و الكشي ، الرجال ، ص١٨٥ ** و النجاشي ، الرجال ، ص٣٢٥ ** و الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج١٠ ص٥٥٣ ** و ابن حجر العسقلاني ، لسان الميزان ، ج٥ ص٣٠٠ ** و الخطيب البغدادي ، تاريخ بغداد ، ج١٣ ص٤٣٦ ** و أبو الفرج النديم ، الفهرست ، ص٢٥٠ ** و صائب عبد الحميد ، معجم مؤرخي الشيعة ، مجلة " تراثنا " العدد ٦١ ص١٠٥ ** و أغا بزرك الطهراني ، الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، ج٥ ص١٤١ و ج١٥ ص١٧٧ ** و ابن شهر آشوب ، معالم العلماء ، ص٩٥ .
١٠
على ذلك قائلا ً: " الروايات المادحة على أنها متظافرة، فيها ما هو صحيح السند، فلا ينبغي الشك في عظمة الرجل و جلالته، و قد عرفت من الشيخ [ الطوسي ] توثيقه صريحا ً. و أما الروايتان اللتان عدهما الكشي من الذامة فلا تعارضان ما تقدم من روايات المدح.

أما أولا ً فلضعف الروايتين سندا ً، فإن في سندهما علي بن محمد القمي، و هو لم يوثق (....) مضافا ً إلى أن الرواية الثانية في سندها المفضل بن عمر و هو مطعون.

و أما ثانيا ً فلأن الروايتين لا تدلان على الذم، فإن غاية ما تدل عليه الرواية الأولى أن مؤمن الطاق كانت له مناظرات مبنية على الجدل، و قد يناظر الخصم بالقياس، و هذا النحو من الكلام غير مرضي عند الإمام، إلا إذا كانت الضرورة مقتضية له، و قد كانت الضرورة دعت مؤمن الطاق على ذلك، كما صرح به في رواية أبي مالك الأحمسي المتقدمة، و كان ذلك موجبا ً لسرور الإمام عليه السلام. و لعل هذا هو المراد بقول مؤمن الطاق في ذيل الرواية الأولى: صدق بأبي و أمي ما يمنعني من الرجوع عنه إلا الحمية. يريد بذلك أنه في نفسه لا يريد أن يتكلم بالجدل، إلا أن الحماية عن الدين و العصبية له دعته إلى ذلك.

و أما الرواية الثانية فهي غير قابلة للتصديق، فإن الصادق عليه السلام، كان يسره مناظرات مؤمن الطاق، و يأمره الإمام عليه السلام بذلك كما يظهر من الروايات المتقدمة "(٣٠).

و لمحمد الأحول كتاب عن يوم الجمل، اختلفوا في تسميته.

فقد سماه الطوسي في الفهرست " كتاب الجمل في أمر طلحة و الزبير و عائشة ".

و سماه الذهبي في سير أعلام النبلاء " كتاب طلحة و عائشة ".

و سماه أبو الفرج النديم في الفهرست " كتاب في أمر طلحة و الزبير و عائشة ".

و سماه صائب عبد الحميد " كتاب الجمل ".

و سماه ابن شهر آشوب " في أمر طلحة و الزبير و عائشة ".

و سماه أغا بزرك الطهراني في موضع " كتاب الجمل في أمر طلحة و الزبير و عائشة "، و في موضع آخر " كتاب طلحة و الزبير و عائشة ".

و استنادا ً إلى اسم الكتاب، و إلى ما هو معروف من سيرة محمد الأحول، من المتوقع أن هذا الكتاب هو في الجدل و المناظرات حول مواقف الأطراف المتصارعة في يوم الجمل، أكثر من كونه كتابا ً في التاريخ، و إن كان من المؤكد أنه يحتوي على روايات تاريخية مهمة، فإن أمثال هذه الروايات أدوات لا يُستغنى عنها في الجدل.

٦) سيف بن عمر(٣١)

لم نجد أحدا ً من علماء الرجال ذكر اسم جده، أو ذكر له نسبا ً أطول من هذا. الأمر الذي يترك لدينا انطباعا ً بأنه كان غريبا ً عن المجتمع الذي عاش فيه، و أنه كان يتعمد إخفاء أصله. و يتأكد هذا الانطباع عند ملاحظة الاختلاف في لقبه، إذ قال بعضهم أنه ضبي، و قال آخرون أنه ضبي أسيدي، و قال غيرهم أنه تميمي، أو تميمي برجمي، أو سعدي.

٣٠ - الخوئي ، معجم رجال الحديث ، ج١٨ ص٣٤ و ما بعدها .

٣١ - يمكن مراجعة المراجع التالية حول سيرته و مكانته : أبو نعيم الأصبهاني ، المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم ، ج١ ص٦٨ ** أبو نعيم الأصبهاني ، كتاب الضعفاء ، ص٩١ ** ابن أبي حاتم الرازي ، الجرح و التعديل ، ج٤ ص٢٧٨ ** ابن الجوزي ، الضعفاء و المتروكين ، ج٢ ص٣٥ ** الذهبي ، ميزان الاعتدال ، ج٣ ص٣٥٣ ** الذهبي ، المغني في الضعفاء ، ص٢٩٢ ** ابن عدي ، الكامل في ضعفاء الرجال ، ج٣ ص٤٣٥ ** ابن العجمي ، الكشف الحثيث ، ص١٣١ ** العقيلي ، الضعفاء ، ج٢ ص١٧٥ ** ابن حبان ، المجروحين ، ج١ ص٣٤٥ ** أبو الحجاج المزي ، تهذيب الكمال ، ج١٢ ص٣٢٤ ** أبو زرعة الرازي ، سؤالات البرذعي ، ص٣٢٠ ** يحيى بن معين ، التاريخ ( برواية عباس الدوري ) ، ج٣ ص٤٥٩ ** أبو الفرج النديم ، الفهرست ، ص١٣٧ ** أحمد راتب عرموش ، الفتنة و وقعة الجمل ، المقدمة ** سيف بن عمر ، كتاب الردة و الفتوح و كتاب الجمل و مسير عائشة و علي ، مقدمة المحقق الدكتور قاسم السامرائي ** كما إننا بحثنا سيرته و مكانته و رواياته في كتابنا غير المنشور " عبد الله بن سبأ ، نصوص و مقارنات في التاريخ الإسلامي " .

١١
و اتفق أغلب علماء الرجال على أنه كوفي، و لم يخالف في ذلك إلا ابن حبان الذي قال عنه أنه من أهل البصرة و كان أصله من الكوفة. و لعل ابن حبان أخطأ في عده من أهل البصرة و الله أعلم.

لا يوجد في كتب الرجال أي شيء من سيرته، سوى أنه اتهم بالزندقة، و مصدر هذه التهمة رجل من بني تميم حدّث بأنه " قد اتهم بالزندقة "، فردد علماء الرجال ذلك، و لا تتوفر أية تفاصيل عن هذا الموضوع. فلا تعرف، مثلا ً، من الذي اتهمه بالزندقة؟ و هل هذا الاتهام كان أحاديث يتداولها الناس فيما بينهم، أم كان اتهاما ً رسميا ً وجه إليه؟ و هل أجريت له محاكمة أم لا؟ و من الذي حاكمه إن كان قد حوكم؟ و ماذا كانت نتيجة المحاكمة؟ هل أدين أم بُـرأ؟ لا نعرف أي شيء عن كل ذلك.

و لكن المعروف أن سيف بن عمر عاش في أيام الخليفة العباسي المهدي، الذي تولى الخلافة من سنة ١٥٨ إلى سنة ١٦٩ هـ، و في أيامه بدأت " حملة منظمة و على الصعيد الرسمي في محاربة أهل البدع و الزندقة سياسيا ً و فكريا ً (....) و قد أنشأ من أجل ذلك ديوان الزنادقة، يرأسه صاحب الديوان عبد الجبار، ثم رأس الديوان عمر الكلواذي، ثم محمد بن عيسى بن حمدويه، و بلغت عملية المطاردة ذروتها سنة ١٦٦ هـ / ٧٨٢ م (....) و كانت عمليات منظمة تنظيما ً مركزيا ً دقيقا ً يشرف عليها الخليفة بنفسه، و يعتبر صاحب الزنادقة أو عريف الزنادقة المسؤول المباشر عن هذه العمليات في العاصمة و هو رئيس ديوان الزنادقة. أما الطريقة التي يحاكم بها الزنديق بعد القبض عليه فكانت مثوله أمام الخليفة أو القاضي، و يطلب إليهم أن يرجعوا عن الزندقة إذا اعترفوا بها، و هذه هي الاستتابة فإذا رجعوا أطلق سراحهم (....) و هنا لعبت العداوات الشخصية و التنازع على السلطة و الجاه (....) دورها في اتهام البعض بالزندقة. فقد كان من السهل على الفقيه أو الوزير أو صاحب الديوان أن يؤلب السلطة على خصمه "(٣٢).

في ظل هذه الأجواء عاش سيف بن عمر مرحلة مهمة من حياته، و توجه إليه الاتهام بالزندقة، و لكننا لا نعرف أي شيء عن ظروف هذا الاتهام.

و قد توفي سيف في أيام هارون الرشيد، و قد حدد بعضهم ذلك بحوالي سنة ١٨٠ هـ.

و مع أن سيرة سيف بن عمر مجهولة تماما ً إلا إن موقف علماء الرجال منه واضح تماما ً. إذ أجمعوا على أنه ساقط الحديث، لا شيء، ضعيف الحديث، متروك الحديث، فلس خير منه (أي أنه لا يساوي فلسا ً واحدا ً)، يروي الموضوعات عن الأثبات، يضع الحديث، يروي عن خلق كثير من المجهولين، ليس بشيء، عامة حديثه منكر، و بعض أحاديثه مشهورة و عامتها منكرة لم يتابع عليها، و هو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق، لا يتابع على كثير من حديثه، متروك باتفاق. و لم ينس علماء الرجال الذين رددوا تلك الأوصاف عنه أن يقولوا أنه متهم في دينه رمي بالزندقة. و لا نعرف أحدا ً من علماء الرجال ذكره بخير اللهم إلا أن الذهبي قال عنه " كان أخباريا ً عارفا ً "، و هي عبارة ليست لها أية قيمة أمام العبارات السابقة. فما فائدة المعرفة إذا كان صاحبها مشبوها ً؟

و قد قال بعض علماء الرجال أن حديثه يشبه حديث الواقدي أو هو كالواقدي. و لكن في ذلك ظلما ً كبيرا ً للواقدي، فالواقدي رجل مختلف فيه وثـّـقه و طعن فيه آخرون. أما سيف بن عمر فلم يذكره أحد بخير أبدا ً.

و لسيف بن عمر ثلاثة كتب كانت إلى وقت قريب ضائعة. واحد منها اسمه " كتاب الجمل و مسير عائشة و علي "، نقل منه الطبري روايات كثيرة جدا ً، حتى أن أحمد راتب عرموش جمع الروايات التي نقلها الطبري من كتاب سيف بن عمر عن يوم الجمل، و أصدرها في كتاب مستقل اسمه " الفتنة و وقعة الجمل ". ثم أن الدكتور قاسم السامرائي عثر على مخطوطة للكتاب في مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، يعود تاريخها إلى

٣٢ - د . فاروق عمر فوزي ، التاريخ الإسلامي و فكر القرن العشرين ، ص١٢٢ - ١٢٥ .
١٢
ما قبل سنة ٧٨٦ هـ بسنوات ليست كثيرة. فحققها و نشرها، و هي تحتوي على روايات كثيرة لم ينقلها عنه الطبري و لا غيره.

٧) هشام بن محمد بن السائب الكلبي(٣٣)

كنيته أبو المنذر.

ولد في الكوفة في الربع الأول من القرن الثاني الهجري، أي بعد سنة ١٠٠ هـ و لكن لا نعرف التاريخ على وجه التحديد.

و هناك رواية بأنه التقى بالإمام جعفر الصادق (ع) ففسر له آية من القرآن(٣٤). و لكن الرواية نفسها مروية عن أبيه في الحيرة، و ليس فيها ذكر الإمام جعفر الصادق (ع)(٣٥).

و هناك رواية أخرى أنه مرض فنسي علمه، فجلس إلى الإمام جعفر الصادق (ع) فسقاه العلم في كأس، فعاد إليه علمه.

و ذكر هو عن نفسه أنه كان له عم يعاتبه على حفظ القرآن، فدخل بيتا ً و حلف أن يخرج منه حتى يحفظ القرآن، فحفظه في ثلاثة أيام.

و مع ذلك فقد وردت عنه روايات يفهم منها أنه كانت فيه غفلة شديدة.

فمنها أنه روى عن نفسه أنه نظر في المرآة فوجد لحيته طويلة، فقبض عليها بيده، و أراد قصها من تحت القبضة، فقصها من فوق القبضة.

و روى أحد أصحابه أنه تناول الطعام معه في بيته، فقال له هشام: لما مات أبي ندم المأمون أشد ندامة في الدنيا.

فسأله صاحبه: أكان عذبه حتى مات؟

قال: لا.

فعاد يسأله: أحبسه في ضيق؟

قال: لا.

فسأله: إذن مات حتف أنفه؟

قال: نعم.

فسأله: فما سبب ندامة المأمون إذن؟

قال: و الله لا أدري، هكذا حدثني سعد غلامنا.

و مع أن البعض فسر هذه القصص و أمثاله بأنها تدل على غفلته الشديدة و لكني أميل إلى تفسيرها بأنها تدل على تمتعه بروح النكتة و حب المزاح.

و كان هشام يتردد على مجلس المأمون، و لكن يبدو أن المأمون لم يكن يرتاح إليه، فقد سأل المأمون حاجبه يوما ً: من بالباب؟

فقال الحاجب: أبو الهذيل، و عبد الله بن أبان الخارجي، و هشام بن الكلبي.

فقال المأمون: ما بقي من رؤوس جهنم إلا من حضر.

و توفي هشام سنة ٢٠٤ أو ٢٠٦ هـ.

٣٣ - بالإضافة إلى المراجع المذكورة في متن البحث يمكن الرجوع إلى المراجع التالية فيما يخص سيرته : ابن داود ، الرجال ، ص٣٦٨ - ٣٦٩ ** العلامة الحلي ، الرجال ، ص١٧٩ ** النجاشي ، الرجال ، ص٤٣٤ - ٤٣٥ ** الخطيب البغدادي ، تاريخ بغداد ، ج١٤ ص٤٥ ** مسلم بن الحجاج ، الكنى و الأسماء ، ج١ ص٧٧٢ ** البخاري ، التاريخ الكبير ، ج٨ ص٢٠٠ ** القيسراني ، تذكرة الحفاظ ، ج١ ص٣٤٣ ** الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج١٠ ص١٠١ ** الذهبي ، طبقات المحدثين ، ج١ ص٧٩ ** الذهبي ، ميزان الاعتدال ، ج٧ ص٨٨ - ٨٩ ** الذهبي ، المغني في الضعفاء ، ج٢ ص٧١١ ** ابن الجوزي ، الضعفاء و المتروكين ، ج٣ ص١٧٦ ** ابن حجر العسقلاني ، لسان الميزان ، ج٦ ص١٩٦ ** ابن عدي ، الكامل في ضعفاء الرجال ، ج٧ ص١١٠ ** العقيلي ، الضعفاء ، ج٤ ص٣٣٩ ** ابن حبان ، المجروحين ، ج٣ ص٩١ ** ابن أبي حاتم ، الجرح و التعديل ، ج٩ ص٦٩ ** ابن سعد ، كتاب الطبقات الكبير ، ج٦ ص٣٥٨ ** أبو الفرج النديم ، الفهرست ، ص١٤٠ ** أبو القاسم الخوئي ، معجم رجال الحديث ، ج٢٠ ص ٣٣٦ - ٣٣٧ ** صائب عبد الحميد ، معجم مؤرخي الشيعة ، مجلة " تراثنا " ، العدد ٦٢ ص١١٩ - ١٢٥ .

٣٤ - المجلسي ، بحار الأنوار ، ج٨٩ ص٢٨٤ ** و أحمد بن فهد الحلي ، عدة الداعي ، ص٢٩٥ .

٣٥ - ابن طاوس ، الأمان ، ص١١٧ - ١١٨ .

١٣
اشتهر هشام بعلمه بالأنساب، و وصفوه بأنه " فتح هذا الباب و ضبط علم الأنساب (....) و صنف فيه خمسة كتب (....) ثم اقتفى أثره جماعة "(٣٦). و وصفه ابن حجر العسقلاني بأنه " إمام أهل النسب "، و رد ّ أقوال الآخرين إذا خالفت قوله(٣٧).

و مع ذلك فقد اتفق علماء الرجال السنة على تضعيفه، و وصفوه بأنه صاحب سمر و نسب لا يُروى عنه الحديث، و أنه أحد المتروكين، و أنه ضعيف جدا ً واه ٍ، و ليس بثقة، و أنه يروي العجائب و الأخبار التي لا أصول لها، و أخباره في الأغلوطات أشهر من أن يُحتاج إلى الإغراق في وصفها. و مما أدانوه به أنه رافضي شيعي، بل كان غاليا ً في التشيع.

أما علماء الرجال الشيعة فقد وصفوه بأنه عالم فاضل مشهور بالفضل و العلم، و أن الإمام جعفر الصادق كان يقربه و يدنيه. و لكنهم اختلفوا في تشيعه، فقال النجاشي أنه كان مختصا ً بالمذهب الشيعي. و أما ابن طاوس فقد وصفه بأنه " من رجال السنة " و " من علماء الجمهور " و " من علمائهم " و " من رجالهم "(٣٨). و اختلف فيه العلامة الحلي، فذكر مرة أنه " كان مختصا ً بمذهبنا "(٣٩)، و ذكر مرة أخرى أنه من " علماء الجمهور " و " من رجال السنة "(٤٠). و لم يذكره الطوسي في " الرجال " و لا في " الفهرست " و كأنه لا يقبل بنسبته إلى التشيع.

ذكر النجاشي قائمة طويلة من كتبه، من بينها " كتاب الجمل "، و لكن هذا الكتاب غير مذكور في القائمة التي أوردها أبو الفرج النديم في " الفهرست ". و الأرجح أن هذا الكتاب موجود، فقد أورد ابن أبي الحديد رسالة كتبتها أم سلمة إلى علي (ع) يخبره فيها بعزم طلحة و الزبير على جمع جيش ضده و الخروج إلى البصرة، و أرسلت إليه ابنها عمر ليكون معه. و صرح ابن أبي الحديد بأنه نقل هذه الرسالة من " كتاب الجمل " لهشام بن محمد(٤١).

و ذكر أغا بزرك الطهراني كتابا ً آخر لهشام اسمه " من شهد الجمل مع علي (ع) من الصحابة "، و قال: " نقل عنه في الاستيعاب(٤٢) و الإصابة(٤٣) ترجمة زيد بن صوحان العبدي في الجمل و أخويه صيحان و سيحان، و بقي صعصعة بعد شهادة الأمير و لقي معاوية "(٤٤).

٨) إسحاق بن بشر بن محمد بن عبد الله بن سالم(٤٥)

كنيته أبو حذيفة البخاري.

خلط عدد من علماء الرجال بينه و بين شخص آخر اسمه إسحاق بن بشر أيضا ً، و يلقب بالكاهلي، و الفرق بينهما في الكنية، فهذا كنيته أبو حذيفة، و الكاهلي كنيته أبو يعقوب.

ولد أبو حذيفة في بلخ. ثم انتقل إلى بخارى فتوطن فيها، و قد بعث إليه هارون الرشيد فأقدمه بغداد، فكان يحدث في أحد مساجدها. و لكنه لم يستقر في بغداد، بل عاد إلى بخارى، و مات فيها سنة ٢٠٦ هـ.

٣٦ - الرومي الحنفي ، كشف الظنون ، ج١ ص١٧٨ ** و القنوجي ، أبجد العلوم ، ج٢ ص١١٤ .

٣٧ - ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري ، ج٦ ص٥٣٥ .

٣٨ - ابن طاوس ، الطرائف ، ج٢ ص٤٠٥ و ٤٦٩ و ٤٩٥ و ٤٩٨ و ٥٠٠ .

٣٩ - العلامة الحلي ، الرجال ، ص١٧٩ .

٤٠ - العلامة الحلي ، نهج الحق و كشف الصدق ، ص٣٤٨ و ٣٥٦ .

٤١ - ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة ، ج٦ ص٢١٨ ** و المجلسي ، بحار الأنوار ، ج٣٢ ص١٦٨ - ١٦٩ .

٤٢ - يقصد كتاب " الاستيعاب في معرفة الأصحاب " لابن عبد البر .

٤٣ - يقصد كتاب " الإصابة في معرفة الصحابة " لابن حجر العسقلاني .

٤٤ - أغا بزرك الطهراني ، الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، ج٢٢ ص٢٢٨ .

٤٥ - تراجع حوله المراجع التالية : الذهبي ، المغني في الضعفاء ، ج١ ص٦٩ - ٧٠ ** الذهبي ، ميزان الاعتدال ، ج١ ص٣٣٥ ** أبو نعيم الأصبهاني ، المسند المستخرج على صحيح مسلم ، ج١ ص٥٩ ** أبو نعيم الأصبهاني ، كتاب الضعفاء ، ص٦١ ** مسلم بن الحجاج ، الكنى و الأسماء ، ج١ ص٢٦٥ ** ابن حجر العسقلاني ، لسان الميزان ، ج١ ص٣٥٤ ** ابن عدي ، الكامل في ضعفاء الرجال ، ج١ ص٣٧٧ ** ابن العجمي ، الكشف الحثيث ، ص٦٤ ** الخطيب البغدادي ، تاريخ بغداد ، ج٦ ص٣٢٦ ** الطوسي ، الرجال ص١٦٢ ** العلامة الحلي ، الرجال ، ص٢٠٠ ** النجاشي ، الرجال ، ص٧٢ ** أبو القاسم الخوئي ، معجم رجال الحديث ، ج٣ ص١٩٨ - ١٩٩ .

١٤
اتفق علماء الرجال السنة على تركه، و اتهموه بالكذب، و أنه لا تحل كتابة أحاديثه إلا على جهة التعجب، و أنه يروي عن ابن إسحاق و ابن جريج و الثوري العظائم التي لا يرويها غيره، و أنه يضع الحديث، و أحاديثه منكرة إما إسنادا ً و إما متنا ً لا يتابعه عليها أحد، و أحاديثه مناكير ليس لها أصل، و أنه ساقط.

و ذكروا أنه كان يحدث عن ابن طاوس و كبار التابعين ممن ماتوا قبل حميد الطويل، فسألوه: هل كتبت عن حميد الطويل؟

فرد عليهم: جئتم تسخرون بي؟ جدي لم يرَ حميدا ً.

فقالوا له: فأنت تروي عمن مات قبل حميد!

فعلموا ضعفه و أنه لا يدري ما يقول.

و ذكروا أيضا ً أنه قدم مكة، فجعل يقول: حدثني ابن طاوس. فقيل لسفيان بن عيينة: قدم إنسان من أهل بخارى و هو يقول حدثنا ابن طاوس! فقال: سلوه ابن كم هو؟ فسألوه، فنظروا فإذا ابن طاوس مات قبل مولده بسنتين.

و ابن طاوس هو عبد الله بن طاوس بن كيسان اليماني، و قد توفي سنة ١٣٢ هـ(٤٦). فمن الصعب أن يكون أبو حذيفة البخاري المتوفى سنة ٢٠٦ هـ قد سمع من ابن طاوس مباشرة، فروايته عنه غير صحيحة بالتأكيد. و هذه القصة تصرح بأن أبا حذيفة البخاري ولد في سنة ١٣٤ هـ.

أما علماء الرجال الشيعة فقد اعتبروه من رجال الإمام جعفر الصادق (ع)، و لكن بناءً على الاستنتاج السابق يكون عمر أبي حذيفة البخاري ١٤ سنة فقط عندما توفي الإمام جعفر الصادق (ع) في سنة ١٤٨ هـ، الأمر الذي يجعلنا نشكك في كونه من رجال الصادق (ع)، فالأرجح أنه في هذا العمر المبكر كان ما يزال في بلخ لم يغادرها بعد، و الله أعلم.

و قد صرح علماء الرجال الشيعة بكونه من العامة، أي أنه لم يكن شيعيا ً. و قال عنه الشيخ المفيد: " و نحن نثبت بتوفيق الله مختصرا ً من الأخبار فيما ذكرناه من كون طلحة و الزبير و عائشة - فيما صنعوه أيام عثمان - من أوكد أسباب ما تم عليه من الخلع و الحصر و سفك الدم و الفساد. فمن ذلك ما رواه أبو حذيفة إسحاق بن بشر القرشي، و أثبته في كتابه الذي صنفه في مقتل عثمان. و كان هذا الرجل، أعني أبا حذيفة، من وجوه أصحاب الحديث المنتسبين إلى السنة و المباينين للشيعة، لا يتهم فيما يرويه لمفارقة خصومه، و لا يظن به تخرص فيما يجتنيه من جميع الأخبار "(٤٧).

و يبدو أن رواياته التاريخية، تقترب من وجهة النظر الشيعية، و لذلك هاجمه علماء الرجال السنة، و تقبله علماء الرجال الشيعة. و لكن لم يصل به الأمر إلى حد اعتباره شيعيا ً، إذ اتفق الطرفان على أنه ليس كذلك.

ذكر أبو الفرج النديم أن له " كتاب الجمل "(٤٨).

٤٦ - ابن حجر العسقلاني ، تهذيب التهذيب ، ج٥ ص٢٣٤ .

٤٧ - الشيخ المفيد ، الجمل ، ص١٣٧ .

٤٨ - أبو الفرج النديم ، الفهرست ، ص١٣٧ .

١٥

٩) الواقدي، محمد بن عمر بن واقد(٤٩)

كنيته أبو عبد الله، و لقبه الأسلمي، و هو مولى لبني سهم من قريش.

ولد في المدينة المنورة سنة ١٣٠ هـ.

طلب العلم منذ صغره، حتى برز فيه. و كانت له طريقة فريدة في طلب العلم. فهو لا يكاد يسمع برجل من أبناء الصحابة و أبناء الشهداء، و لا مولى لهم، إلا ذهب إليه و سأله عما سمعه من أهله عن المشاهد التي شهدها أبوه و أين قتل. فإذا أخبره مضى إلى الموضع فعاينه. فما علم بغزوة إلا و مضى إلى الموضع الذي وقعت فيه ليعاينه. و قد شوهد في مكة و معه ركوة (و هي قربة يوضع فيها الماء) متوجها ً إلى حنين ليرى الموضع و الوقعة.

و أكسبته هذه الطريقة شهرة كبيرة، حتى أن ألواحه التي كان يكتب عليها كانت تضيع منه في المدينة، فيعيدها الناس إليه من شهرتها، يقال: هذه ألواح ابن واقد.

و في إحدى السنوات حج هارون الرشيد، و معه وزيره يحيى بن خالد البرمكي، فوردا المدينة. فطلب الرشيد من وزيره يحيى أن يأتيهم برجل عارف بالمدينة و المشاهد و كيف كان نزول جبريل على النبي صلى الله عليه و آله و سلم، و من أي وجه كان يأتيه، و قبور الشهداء. فسأل يحيى عن رجل مناسب، فدله الجميع على الواقدي. فبعث إليه فأتاه، و تواعدوا إلى ما بعد صلاة العشاء. فقادهما الواقدي فلم يدع مشهدا ً و لا موضعا ً إلا أراهما إياه. فأخذ هارون الرشيد و يحيى البرمكي يصليان و يجتهدان في الدعاء حتى طلع الفجر. و رضيا عنه جدا ً، و كافأه الرشيد بعشرة آلاف درهم، و قال له يحيى: لا عليك أن تلقانا حيث كنا.

و بهذه المكافأة توسعت الدنيا على الواقدي، فوسّـع على أهله، و زوّج أولاده. و يبدو أن الناس افترضوا أن الواقدي أصبح من المقربين من الرشيد و البرامكة، فأعطوه أموالهم ليضارب لهم بها، حتى تجمع لديه مائة ألف درهم من أموال الناس، فتاجر في الحنطة. و لكن مهارته في التجارة لم تكن مثل مهارته في العلم، فخسرت تجارته و تلفت الأموال التي أعطاه إياها الناس و أثقلته الديون، و ذلك في سنة ١٨٠ هـ.

و سافر الواقدي إلى بغداد ليقابل يحيى البرمكي، على حسب الوعد الذي وعده إياه يحيى. و هناك عرف أن الرشيد و يحيى موجودان في الرقة و ليس في بغداد. فسافر إلى الرقة، و لكنه لم يتمكن من الدخول على مجلس يحيى إلا بعد قصة طويلة أصابه خلالها اليأس من مقابلة يحيى، حتى توسط له في ذلك صديقه بكار الزبيري. و تأثر يحيى كثيرا ً لما رآه عليه من خسة الحال و رثاثة الثياب، فأخذ يعطيه كل ليلة خمسمائة دينار و يأمره بالعودة إليه في الليلة التالية، و الواقدي في كل مرة يحسن حاله، و الوزير يقربه أكثر. و كان ذلك في رمضان، حتى إذا كانت ليلة العيد أمره أن يلبس أحسن ما عنده و يتجهز ليراه الرشيد عند خروجه لصلاة العيد، و كانت النتيجة أن عينه الرشيد قاضيا ً و أمر له بثلاثين ألف درهم.

عاد الواقدي إلى المدينة و قضى دينه، و أخذ أهله، و انتقل إلى بغداد ليكون قريبا ً من يحيى البرمكي. و عاش عيشة هانئة.

و في سنة ١٨٧ هـ كانت نكبة البرامكة. و لا نعرف بالضبط ما الذي حدث للواقدي خلالها، و هل تعرض إلى مكروه باعتباره من المقربين إلى البرامكة، أم لا؟ و لكن المؤكد أنه فقد منزلته التي كان عليها، و ابتعد عن واجهة الحياة. و مع ذلك ظل الواقدي محتفظا ً بإخلاصه و

٤٩ - مصادر ترجمة الواقدي : أبو نعيم الأصبهاني ، المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم ، ج١ ص٨٢ ** أبو نعيم الأصبهاني ، كتاب الضعفاء ، ص١٤٦ ** البخاري ، التاريخ الكبير ، ج١ ص١٧٨ ** البخاري ، التاريخ الصغير ، ج٢ ص٣١١ ** البخاري ، الضعفاء الصغير ، ص١٠٤ ** الجوزجاني ، أحوال الرجال ، ص١٣٥ ** الربعي ، مولد العلماء و وفياتهم ، ج٢ ص٤٦٣ ** ابن أبي حاتم الرازي ، الجرح و التعديل ، ج٨ ص٢٠ ** الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج٩ ص٤٥٤ - ٤٦٩ ** الذهبي ، ميزان الاعتدال ، ج٦ ص٢٧٣ ** الذهبي ، المغني في الضعفاء ، ص٦١٩ ** الذهبي ، الكاشف ، ج٢ ص٢٠٥ ** السيوطي ، طبقات الحفاظ ، ص١٤٩ ** النسائي ، الضعفاء و المتروكين ، ج٣ ص٨٧ ** ابن حجر العسقلاني ، لسان الميزان ، ج٧ ص٥٢١ ** ابن حجر العسقلاني ، تهذيب التهذيب ، ج٩ ص٣٢٣ ** ابن حجر العسقلاني ، تقريب التهذيب ، ص٤٩٨ ** ابن العجمي ، الكشف الحثيث ، ص٢٤٣ ** العقيلي ، الضعفاء ، ج٤ ص١٠٧ ** ابن حبان ، المجروحين ، ج٢ ص٢٩٠ ** أبو الحجاج المزي ، تهذيب الكمال ، ج٢٦ ص١٨٠ - ١٩٤ ** الخطيب البغدادي ، تاريخ بغداد ، ج٣ ص٣ - ٢٠ ** ابن سعد كتاب الطبقات الكبير ، ج٥ ص٤٢٥ - ٤٣٣ ** أبو الفرج النديم ، الفهرست ، ص١٤٤ .
١٦
كتاب من له كتاب عن يوم الجمل لـ مشتاق طالب محمد (ص ١٧ - ص ٢٢)
١٧
عبرة بتوثيق من وثقه كيزيد و أبي عبيد و الصاغاني و الحربي و معن و تمام عشرة محدثين. إذ قد انعقد الإجماع اليوم على أنه ليس بحجة، و أن حديثه في عداد الواهي رحمه الله ".

و قد انتقدوه في أشياء عديدة، و لكن عند التمحيص في هذه الانتقادات يتبين أنه أقرب إلى أن يكون مظلوما ً فيها.

فمن ذلك أن سنيد بن داود قال: كنا عند هشيم فدخل الواقدي، فسأله هشيم عن باب (من أبواب الفقه) ما يحفظ فيه؟.

فقال له الواقدي: ما عندك يا أبا معاوية؟

فذكر خمسة أو ستة أحاديث في الباب، ثم قال للواقدي: ما عندك؟

فحدثه ثلاثين حديثا ً عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم و أصحابه و التابعين، ثم قال: سألت مالكا ً، و سألت ابن أبي ذئب، و سألت و سألت....

فرأيت وجه هشيم يتغير. و قام الواقدي فخرج. فقال هشيم: لئن كان كذابا ً فما في الدنيا مثله، و إن كان صادقا ً فما في الدنيا مثله.

و واضح من هذه الرواية أن الواقدي أثبت لتلاميذ هشيم أن لديه من العلم أكثر كثيرا ً مما لدى أستاذهم، فتضايق هشيم من أجل ذلك. و لو كان لهشيم حجة لرد الواقدي في وجهه و لم ينتظر حتى يخرج ليقول عنه كلمة يتطاير منها شرر الحسد.

و منها أن هناك حديثا ً للزهري عن نبهان عن أم سلمة. و قد روى الواقدي هذا الحديث عن معمر عن الزهري. فاستعظم أحمد بن حنبل ذلك، و أصر على أن هذا الحديث لم يروه عن الزهري أحد غير يونس. ثم صار أحمد يشنع على الواقدي في ذلك قائلا ً: لم نزل ندافع أمر الواقدي حتى جاء بشيء لا حيلة فيه، فهذا حديث يونس ما رواه غيره عن الزهري. بل وصل الأمر بأحمد بن حنبل أنه كتب إلى ابن المديني قائلا ً: كيف تستحل تروي عن رجل يروي عن معمر حديث نبهان مكاتب أم سلمة؟

و قد أثبت عدد من علماء الحديث أن أحمد بن حنبل كان هو المخطئ، و أن هذا الحديث رواه آخرون غير معمر و يونس، منهم خالد بن عقيل. و أقروا أن هذا مما ظلم فيه الواقدي.

و مما أوخذ به الواقدي أنه كان سيء الحفظ للقرآن، و تروى في ذلك قصة مفادها أن المأمون طلب من الواقدي أن يصلي الجمعة غدا ً بالناس. فامتنع الواقدي، و أصر المأمون على طلبه. فاعتذر الواقدي بأنه لا يحفظ سورة الجمعة. فتبرع المأمون أن يحفظه إياها. و جعل يلقنه فكان الواقدي لا يحفظ شيئا ً حتى ينسى ما كان حفظه من قبل. و ظلا على هذا الحال حتى تعب المأمون و نعس، فطلب من علي بن صالح أن يحفظ الواقدي، و ذهب لينام. فلم يتغير الأمر كثيرا ً، فكلما حفـّظه علي شيئا ً نسي شيئا ً آخر. و استيقظ المأمون فوجد الأمر على ما تركه. فقال: هذا رجل يحفظ التأويل و لا يحفظ التنزيل، و أمره أن يذهب فيصلي بالناس و يقرأ أي سورة شاء.

و مع أن هذه الحكاية مرسلة، إلا أن الطريقة التي لجأ إليها الواقدي للتهرب من إمامة الناس يوم الجمعة طريقة اعتاد على اللجوء إليها كل من كان في موقف الواقدي. و مع الأسف الشديد لا تبين الرواية لنا الأسباب التي دعت المأمون إلى الإصرار على إمامة الواقدي لصلاة الجمعة، و لا الأسباب التي دعت الواقدي إلى الإصرار على الامتناع من ذلك. و على أية حال فالقصة لا تدل أبدا ً على أنه كان لا يحفظ القرآن.

و مما انتقدوا به الواقدي أن محمد بن عيسى الطباع قال: أخبرني أخي إسحاق أنه رأى الواقدي في طريق مكة يسيء الصلاة. و هذا كلام غير مقبول في حق من وصفوه بأنه أعلم الناس بفقه مالك و ابن أبي ذئب و اختلاف الناس. و لعله كان له رأي في بعض أفعال الصلاة يخالف ما كان يراه إسحاق، فاعتبره يسيء الصلاة. و هذا يحدث بين كثير من الناس إذا اختلفت مذاهبهم، فإنهم يتهمون بعضهم بعضا ً بإساءة الصلاة أو إساءة الحج أو إساءة الصوم و ما إلى ذلك.

١٨
و مما أنكره أحمد بن حنبل على الواقدي أنه كان يجمع الأسانيد و يأتي واحد على سياقة واحدة عن جماعة ربما كانوا مختلفين. و التجني واضح في هذا الكلام، و سارع علماء الحديث الآخرون إلى رده بأنه أمر فعله قبل الواقدي عديدون من أشهرهم الزهري و حماد بن سلمة و ابن إسحاق.

فهذه أمور أنكروها على الواقدي، و كلها مردودة، و الواقدي فيها مظلوم ظلما ً واضحا ً، و الله أعلم.

و للواقدي كتب كثيرة أحدها يدعى " كتاب الجمل ".

نقل المجلسي من هذا الكتاب أخبارا ً عديدة، منها خطبة لعلي (ع) قالها في المدينة حين بويع له بالخلافة(٥٠)، و كتاب من علي (ع) إلى معاوية كتبه أول ما بويع بالخلافة(٥١)، و خطبة لعلي (ع) خطبها في ذي قار و هو متوجه إلى البصرة(٥٢). و قد صرح المجلسي بأن هذه الأخبار الثلاثة منقولة من كتاب الجمل للواقدي. و هناك أيضا ً خطبة لعلي (ع) يمدح فيها الأنصار قالها بعد انتهاء معركة الجمل(٥٣)، و كتابان أرسل علي (ع) أولهما إلى أهل الكوفة، و الثاني إلى أهل المدينة، يخبرهم فيهما بما جرى في البصرة(٥٤)، و رواية عن جدل دار بين عائشة و عمار بن ياسر بعد انتهاء المعركة(٥٥)، و رواية تصف عليا ً (ع) عندما جاءه ابن جرموز يخبره بأنه قتل الزبير(٥٦)، و رواية أخرى تصف ذهاب ابن عباس إلى عائشة ليأمرها بالرجوع إلى المدينة(٥٧). و مما يؤسف له أن هذه الأخبار كلها محذوفة الأسانيد.

و نقل الطبرسي رواية الجدل الذي جرى بين عائشة و عمار بن ياسر بعد انتهاء المعركة(٥٨)، من كتاب الواقدي و لكنه لم يذكر سندها، و منه نقلها المجلسي.

كما نقل الشيخ المفيد ٢٤ خبرا ً عن الواقدي تروي تفاصيل أحداث عديدة مما جرى يوم الجمل(٥٩)، و قد أورد الشيخ المفيد بعض هذه الأخبار مسندة و لكنه لم يلتزم بإيراد السند في الأخبار كلها.

و نقل ابن أبي الحديد عددا ً من الأخبار الخاصة بيوم الجمل عن الواقدي(٦٠).

و نقل البياضي ثلاثة أخبار خاصة بيوم الجمل عن الواقدي(٦١).

و في نهج البلاغة خطبة لعلي (ع) خطبها بذي قار و هو متوجه إلى البصرة(٦٢)، و كتاب أرسله إلى معاوية أول ما بويع له بالخلافة(٦٣).

أما الطبري فلم ينقل عن الواقدي إلا أن معركة الجمل حدثت يوم الخميس العاشر من جمادى الآخرة سنة ٣٦ هـ(٦٤).

و واضح من كثرة الروايات التي نقلها الشيعة عن الواقدي أنهم تقبلوا أخباره بالرضا بشكل عام.

٥٠ - المجلسي ، بحار الأنوار ، ج٢٨ ص٣٧٦ - ٣٧٧ .

٥١ - المصدر السابق ، ج٣٢ ص٣٦٥ .

٥٢ - المصدر السابق ، ج٣٢ ص١٤٨ .

٥٣ - المصدر السابق ، ج٣٢ ص٢٣٦ .

٥٤ - المصدر السابق ، ج٣٢ ص٣٣٢ - ٣٣٤ .

٥٥ - المصدر السابق ، ج٣٢ ص٢٦٦ و ص٣٤٠ .

٥٦ - المصدر السابق ، ج٣٢ ص٣٣٤ - ٣٣٥ .

٥٧ - المصدر السابق ، ج٣٢ ص٣٣٩ .

٥٨ - الطبرسي ، الاحتجاج ، ج١ ص١٦٤ .

٥٩ - الشيخ المفيد ، الجمل و النصرة لسيد العترة في حرب البصرة ، ص١١١ - ١١٢ و ١٣١ و ٢٣١ - ٢٣٣ و ٢٥٧ و ٢٧٣ و ٢٩٠ و ٢٩٧ و ٢٩٩ و ٣٠٢ - ٣٠٥ و ٣٠٩ - ٣١٠ و ٣٥٥ - ٣٥٦ و ٣٦١ و ٣٧٣ - ٣٧٨ و ٣٨١ و ٤٠٢ و ٤١٣ و ٤٢٠ .

٦٠ - ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة ، ج١ ص٢٥٣ و ٢٥٦ و ٢٦٢ . و ج٧ ص٢٨٤ . و ج١٣ ص٩ . و ج١٤ ص١٣ .

٦١ - علي بن يونس البياضي ، الصراط المستقيم ، ج٣ ص١٦٢ و ١٧٠ و ١٧١ .

٦٢ - الشريف الرضي ، نهج البلاغة ، ص٣٥٣ .

٦٣ - المصدر السابق ، ص٤٦٤ .

٦٤ - الطبري ، التاريخ ، ج٣ ص٥٥ .

١٩

١٠) معمر بن المثنى(٦٥)

كنيته أبو عبيدة. و هو تيمي من تيم قريش لا من تيم الرباب. مولاهم.

ولد في البصرة في سنة ١١٠ أو ١١٤ هـ.

كان الغالب عليه معرفة اللغة و الأدب و النحو و الشعر.

عاصر جماعة من أهل البصرة انتهى إليهم علم اللغة و الشعر و كانوا نحويين منهم الخليل بن أحمد الفراهيدي و الأصمعي و أبو زيد الأنصاري. و هؤلاء، بالإضافة إليه، هم المشاهير في اللغة و الشعر و لهم كتب مصنفة.

و كانت بينه و بين الأصمعي منافسة، و كان كل واحد منهما يقع في الآخر و يكيد له. و من الطرائف المذكورة في ذلك أنه دخل يوما ً على هارون الرشيد، و كان الأصمعي موجودا ً.

فقال الرشيد: يا معمر بلغني أن عندك كتابا ً حسنا ً في صفة الخيل أحب أن أسمعه منك.

فبادر الأصمعي قائلا ً: و ما تصنع بالكتب؟ أحضر فرسا ً و نضع أيدينا على عضو منه و نسميه و نذكر ما فيه.

فأمر الرشيد بإحضار فرس. و قام الأصمعي، فجعل يده على عضو عضو، و هو يقول: هذا كذا، قال فيه الشاعر كذا. حتى انقضى قوله.

فقال الرشيد لمعمر: ما تقول فيما قال؟

فقال معمر: قد أصاب في بعض و اخطأ في بعض، فالذي أصاب فيه مني تعلمه، و الذي أخطأ فيه لا أدري من أتى به.

و كان أبو عبيدة من أعلم الناس بأنساب العرب و أيامهم، و له كتب كثيرة في أيام العرب و حروبها. و كان كثير الطعن في أنساب الناس، فقال له رجل: يا أبا عبيدة قد ذكرت الناس و طعنت في أنسابهم فبالله إلا ما عرفتني ما كان أبوك؟ ما أصله؟

فقال أبو عبيدة: حدثني أبي أن أباه كان يهوديا ً بباجروان. و باجروان مدينة إيرانية واقعة على بحر قزوين الذي كان يسمى آنذاك بحر طبرستان أو بحر الخزر(٦٦).

و كان أبو عبيدة يرى رأي الخوارج، و كان عنده سوء عبارة، و كان غليظ اللثغة، و لكن كان عنده علم جم و فوائد كثيرة.

و في سنة ١٨٨ استدعاه الفضل بن الربيع، وزير هارون الرشيد، من البصرة إلى بغداد، فدخل مجلسه و حدثه و أنشده من عيون الشعر الجاهلي، فطرب له. ثم دخل المجلس أحد كبار موظفي ديوان الوزير، و سأله عن أشياء من القرآن، فدخل في باله أن يؤلف كتابا ً عن المجاز في القرآن، أثار ضجة بين الناس ما بين مؤيد و معارض.

اعتبره علماء الرجال مقبولا ً، لا بأس به، و صححوا رواياته، و وثقه جماعة و أحسنوا ذكره. و لكن أبا الفرج النديم قال عنه: " و كان مع ذلك كله وسخا ً مدخول الدين مدخول النسب ".

و توفي أبو عبيدة سنة ٢٠٨ أو ٢٠٩ أو ٢١٠ أو ٢١١ هـ. و لم يحضر جنازته أحد، إذ لم يسلم منه شريف و لا غيره.

و له من الكتب " كتاب الجمل و صفين ".

٦٥ - مصادر ترجمة معمر بن المثنى : ابن أبي حاتم ، الجرح و التعديل ، ج٨ ص٢٥٩ ** ابن حبان ، الثقاة ، ج٩ ص١٩٦ ** الذهبي ، ميزان الاعتدال ، ج٦ ص٤٨٣ ** الذهبي ، المغني في الضعفاء ، ج٢ ص٦٧١ ** الذهبي ، الكاشف ، ج٢ ص٢٨٢ ** ابن حجر العسقلاني ، لسان الميزان ، ج٧ ص٣٩٥ ** أبو الحجاج المزي ، تهذيب الكمال ، ج٨ ص٣٣٢ ، و ج٢٨ ص٣١٦ ** و الخطيب البغدادي ، تاريخ بغداد ، ج١٣ ص٢٥٢ ** و أبو الفرج النديم ، الفهرست ص٧٩ .

٦٦ - ياقوت الحموي ، معجم البلدان ، ج١ ص٣١٣ .

٢٠