×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة عبد الله بن عبّاس ـ ج 02 / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٦ فارغة
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

مركز الأبحاث العقائدية :

إيران ـ قم المقدسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم ٣٤

ص . ب : ٣٣٣١ / ٣٧١٨٥

الهاتف : ٧٧٤٢٠٨٨ (٢٥١) (٠٠٩٨)

الفاكس : ٧٧٤٢٠٥٦ (٢٥١) (٠٠٩٨)

العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلى الله عليه وآله)

جنب مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله

ص . ب : ٧٢٩

الهاتف : ٣٣٢٦٧٩ (٣٣) (٠٠٩٦٤)

الموقع على الإنترنيت :www.aqaed.com

البريد الإلكتروني :[email protected]


شابِك ( ردمك ) :٧-٥٠٠-٣١٩-٩٦٤ دورة ٢٠ جزءاً احتمالاً

ISBN: ٩٦٤-٣١٩-٥٠٠-٧ / ٢٠ Vols.

شابِك ( ردمك ) ج٢: ٣-٥٠٢-٣١٩-٩٦٤

ISBN: ٩٦٤-٣١٩-٥٠٢-٣

موسوعة عبدالله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن

تأليف

السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان

الجزء الثاني

الطبعة الأولى - ٢٠٠٠ نسخة

سنة الطبع: ١٤٢٨هـ

المطبعة : ستارة

* جميع الحقوق محفوظة للمركز *

٧

تقديم


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
به نستعين

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين، ورضي الله عن الصحابة المهتدين المرضيين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

وبعد فهذا هو الجزء الثاني من الحلقة الاُولى من (موسوعة عبد الله بن عباس) حبر الاُمة وترجمان القرآن، وهو يتضمن فترة ربع قرن من تاريخه، وهي فترة الشباب، مليئة بالحيوية والنشاط، وتبدأ من بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، سنة ١١ من الهجرة وتنتهي بسنة ٣٥ من الهجرة وفيها من الأحداث المريرة التي عاشها، وقاسى مرارتها طيلة عهود الثلاثة الخالفين من بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وما رأئ وما جرى، منه وله وعليه، أيام تلك الحكومات، وسنقرأ له مواقف جريئة، تنبئ عن قابليات تميّز بها، فكان على صغر سنّه، فاق أكابر الشيوخ من الصحابة، فكانت له مكانته المتميزة في مجتمع الصحابة.

وسنبدأ حديثنا عنه من فترة بين عهدين:

٨
٩

الفصل الأول:



فترة بين عهدين




١٠
١١

فترة بين عهدين:

لقد طالت واستطالت مع قِصر بُعدها الزماني، إلاّ أنها كانت بالغة التأثير في بصماتها على تاريخ الإسلام الكبير الخطير. فقد وقعت فيها حوادث جسام، كان شخوصها من الصحابة العظام، لذلك تغيّرت الموازين عند المحدثين من كتاب محققين.

فهم بين عاملَين قويين، عامل القداسة لكل الصحابة، وعامل الحقيقة الّتي عمدوا على تجاهلها وتُنازِعهُم على ذكرها، فشطّت بهم السبل إلا القليل منهم.

فيا لها من فترة لم تتجاوز اليوم والليلة، بل الأصح أنها كانت بعض يوم. وإن حاول بعض الكتاب تحديدها بثماني وأربعين ساعة. ولكن ما زعمه لا يتفق - مهما حاول - مع واقع الحالِ. فهو تحديد غير دقيق.

قال عمر أبو النصر في كتابه فاطمة بنت محمّد: «إنّ بين وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبين بيعة أبي بكر بالخلافة ثمانية وأربعين ساعة»(١). وهذا التحديد لا يتفق مع بيعة السقيفة لأنّها كانت يوم وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل أن تغرب شمسه كما لا تتفق مع بيعة أبي بكر في المسجد فإنها كانت في اليوم الثاني وهي دون الثماني والأربعين ساعة. ولعل الاُستاذ عبد الفتاح مقصود الكاتب المصري الشهير كان أصوب منه

(١) فاطمة بنت محمّد /١١٥ط الأولى (الأهلية بيروت).

١٢

حين قال في كتابه السقيفة والخلافة في تحديدها بيوم: «لم يكن بعدُ قد ولّى عمره أو بلغت شمسه المنكودة حافة الغروب»(١).

ومهما يكن بُعدها الزماني فتلكم هي الفترة الّتي عاشها حبر الاُمة عبد الله ابن عباس وهو الحزين المصاب بفقد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو الكئيب الأسيف لما حَدَث في تلك الفترة.

فقد ابتدأت بإعلان نبأ وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وإنتهت بإعلان بيعة أبي بكر خليفة بعد ملاحاة طويلة مع الأنصار في السقيفة، وتمت البيعة، وقد كانت فلتة - كما قال عمر بن الخطاب عنها - وقى الله المسلمين شرّها(٢).

وقد سماها الدكتور أحمد أمين المصري: (غلطة)!، فقال: «ولذلك قال عمر: انّها غلطة وقى الله المسلمين شرّها»، ثم قال أحمد أمين: «وكذلك كانت غلطة بيعة أبي بكر لعمر الخ...»(٣).

وقال عبد الفتاح عبد المقصود في كتابه السقيفة والخلافة عن السقيفة وأحداثها: «وكفاها خطورة أن عاشت في الأذهان والأخيلة كما عاشت فوق ألسنة الأفواه وأسنة الأقلام نحو ألف ونصف ألف من الأعوام.

كفاها خطورة ان جعلت المسلمين فرقتين متقابلتين، تتحاوران وتتحاجان وإن كنت اُعيذهما اليوم من لدد العداء وعنف الخصام.

كفاها خطورة أن غيّرت اتجاه تاريخ الإسلام، أو لوّنت صورته السياسية بغير ما كان ينبغي أو - بأرفق تعبير- بغير ما كان يظن أن تكون الصورة وتكون الألوان.

(١) السقيفة والخلافة /١١٦.

(٢) صحيح البخاري كتاب الحدود باب رجم الحبلى من الزنا ٨/١٦٩ط بولاق سنة ١٣١٢هـ.

(٣) يوم الإسلام /٥٣.

١٣

وقال: السقيفة معروفة... لا يخفى أمرها عمن ألقى بنظرة عابرة عجلى على غرة الإسلام...»(١).

وقال أيضاً: «والسقيفة (الحدث) - في رأي المؤرخين كافة - هي أبرز المعالم على طريق التاريخ المبكر للإسلام... وفي رأي جم غفير من المسلمين ومن أهل الفكر نقطة تحول خطيرة ومنعطف شديد الإلتواء، لا في التاريخ الإسلامي وحده، بل في التاريخ الإنساني كله من لحظة أن حوّلت أولها عن مجراه وخرجت على خلاف المنتظر أو المظنون بتراث رسول الله من حوزة الأعزة الكرام من آل بيته الأطهار، إلى حوزة رفيق الغار!...»(٢).

ولمّا كان تاريخ الحاكمين سجّل الأحداث بأقلام مأجورة لهم. فقلّ أن تجد حَدَثاً سجلته الأقلام بأمانة تامة، وإذا وجدت ذلك القليل فهو أيضاً فلتة، وإلاّ فتشويه الحقيقة وتلميع الصورة شأن جل رواة الأحداث. وأهم حَدَث تعرّض إلى كثير من اللف والتشويش هو حدث السقيفة. وتجد الدمدمة والهمهمة الّتي لا تفصح ببيان لمعرفة الجواب على تلك التساؤلات الّتي تفرض نفسها. وتجيش بها نفس القارئ:

١- لماذا في السقيفة أجتمع الأنصار يأتمرون، والنبي الكريم في آخر يوم من حياته؟ وكان الأحرى بهم الحضور عند بيته.

٢- ثم لماذا بقوا في السقيفة بعد وفاته؟ ألم يبلغهم نبأ ذلك وكان الأحرى بهم أن يحضروا تجهيزه.

(١) السقيفة والخلافة /٣٠.

(٢) نفس المصدر /٣١.

١٤

٣- ثم لماذا جاء أبو بكر وعمر وأبو عبيدة إلى السقيفة سراعاً وابتداراً خوف الفتنة كما يقولون؟ ألم يسعهم تأخير ذلك إلى ما بعد مواراة الجثمان الطاهر؟

وليس لنا أن نقول فيهم إلا ما قاله أحمد أمين حيث قال: «وكان هذا ضعف لياقة منهم، إذ اختلفوا قبل أن يدفن الرسول، ولكن كان عذرهم في ذلك العمل على ضمّ الشمل وجمع الكلمة»(١)؟!

وليس لنا أن نقول إلاّ كما قال الاُستاذ محمّد ضياء الدين الريّس في كتابه النظريات السياسية الإسلامية: «وتوحي مبادرتهم بالإسراع في عقد هذا الأجتماع في نفس اليوم الّذي توفيّ فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقبل انهاء مراسم الدفن، توحي إلى المؤرخ بفكرة قوية: هي أنهم كانوا لا بد قد فكّروا في هذا الأمر قبل الأجتماع ولو ببضعة أيام»(٢).

ولعل طموح سعد بن عبادة كبير الخزرج هو الّذي جعله يسرع إلى تكوين جبهة ليظفروا بقرار تأييد قبل أن يظهر من يزاحمه.

وهناك دلائل على أن هذه الفكرة قد جالت بخاطر آخرين إلى جانب الأنصار:

فيروي ابن هشام في سيرته، عن عبد الله بن عباس: «أنّ عليّاً خرج من عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في وجعه الّذي توفي فيه، فقال له الناس: يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئاً.

فأخذ العباس بيده ثم قال: يا عليّ... إنّي والله لأرى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سوف يتوفى من وجعه هذا، إنّي لأعرف وجوه عبد المطلب عند الموت، فانطلق إلى

(١) يوم الإسلام /٥٤.

(٢) النظريات السياسية الإسلامية /٢٦ و ٢٧ ط الثانية.

١٥

رسول الله، فإن كان هذا الأمر فينا عرّفناه، وان كان في غيرنا كلّمناه فأوصى بنا الناس، فقال له عليّ: إنّي والله لا أفعل، والله لئن منَعنَاه لا يؤتيناه أحد بعده»(١). وذكره البخاري أيضاً ببعض تغيير في اللفظ(٢).

وروى ابن سعد في طبقاته، عن عبد الله بن عباس أنّه قال: «اشتد برسول الله وجعه فقال: (إئتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً)، فأختلف أهل البيت واختصموا، فلمّا أكثروا اللغو والأختلاف أمرهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالإنصراف»(٣). وذكر ذلك البخاري ببعض تغيير في اللفظ(٤)، والشهرستاني أيضا(٥).

وأوضحت بعض الروايات انّ هذا كان بناءً على طلب بعض الصحابة، ممّا يشعر أنهم تباحثوا في هذا الأمر، ولسبب ما لم تتم كتابة الوثيقة(٦).

(١) سيرة ابن هشام ٤/٣٣٢ و ٣٣٣ ط المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة.

(٢) صحيح البخاري ٣/٦١ مطبعة التقدم العلمية ١٣٢٠. وليس من الغريب أن لا ينقل الريّس عن صحيح البخاري نص الحديث بلفظه، ما دام جاهداً في التعتيم على رموز المعارضة، والحديث قد مرّ بتمام صوره عند البخاري وعند غيره، ورأينا تصريحاً وتلويحاً من هم الذين كان يخشى العباس أن يدفعوهم عن الأمر، وهم الذين قد عناهم الأستاذ الريّس في أول كلامه بقوله: وهناك دلائل على أن هذه الفكرة قد جالت بخاطر آخرين إلى جانب الأنصار، ولكن عامل القداسة للصحابة يمنعه عن أن يفصح بأسمائهم، كما أن عامل الحقيقة الّتي يعلمها وتجيش بها نفسه، يدفعه أن يقولها، لهذا أختار طريقاً وسطاً فيما رأى. وان لم يكن ذلك بالسبيل الأوسط الأقوم.

(٣) طبقات ابن سعد ٤/٥٨ ط لجنة نشر الثقافة بالقاهرة ١٣٥٨.

(٤) صحيح البخاري ٣/٦٠.

(٥) نهاية الاقدام في علم الكلام /٤٠٤، والملل والنحل /١٨- ١٩ ط الأزهر الحديثة.

(٦) لقد تسامح الريّس في تعبيره وأوضحت بعض الروايات الخ فليس ذلك بصحيح ولم يرد في رواية واحدة تصريح بذلك، وانما ذلك كان من توجيهات علماء التبرير لدفع غائلة السماجة عن كلمة عمر (إن النبيّ ليهجر) فطرحوا تصور الاستفهام الإنكاري وعليه بنوا أوهامهم.

١٦

ومهما يكن فهذا التفكير كله ما كان قد تجاوز الأيام القليلة قبيل وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولم يزد على انّه كان خواطر جالت ببعض الأذهان، وكان التفكير في هذا طبيعياً لشعور المسلمين بقرب الساعة الّتي سيخلو فيها مكان القيادة، ولم يصل الأمر إلى درجة الإتفاق، أو وضع الخطط أو التآمر - كما ادعى الأب أو القس لامانس، وردد قوله بعض المستشرقين ارنولد - زاعماً أنّ اتفاقاً قد تم بين أبي بكر وعمر وأبي عبيدة على الاستئثار بهذا الأمر، وتداوله فيما بينهم، فانه لا يقول هذا إلاّ رجل يريد أن يطعن في شخصيات الصحابة وأخلاقهم، ويغمز في إيمانهم، ورجل لا يفهم روح العصر، ولا يدرك سمو هذه النفوس العالية الّتي بلغت مرتبة القديسين أو جاوزتها، وان هذا كلام ليس له أي دليل من عقل أو تاريخ، بل انّ حقائق التاريخ المجمع عليها تثبت انّه ليس اكثر من بهتان... أهـ.

عجيب أمر هذا الاُستاذ حين يزعم أنّ حقائق التاريخ تثبت عكس ذلك، وهذا الّذي يقوله الأستاذ الريّس يعبّر عن رأي الكثير الكثير من المحدثين ممن يزعمون توخي الحقائق في كتاباتهم. ولو أنصفوا أنفسهم وجرّدوها عن العواطف، لأذعنوا للحقيقة.

فإنّ الأحداث المتتابعة منذ مرض النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى وفاته وما حدث بعدها من حوادث، لتوحي للباحث بأنه من الواضح كانت هناك - وبلا شك - فكرة تجول في أذهان الصحابة من مهاجرين وأنصار حول موضوع ولاية الأمر بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولم تنشأ تلك الفكرة من فراغ، بل كانت مستوحاة من مواقف الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) السابقة سلباً وأيجاباً، ولا بد لنا أن نقول ذلك بصراحة، نعم لا نستبعد أن يكون بروز آثارها كانت بوضوح بعد الحدث المشؤوم في ذلك اليوم العبوس الكالح

١٧

وهو يوم الخميس، وبينه وبين وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أربعة أيام. وهذه الأيام كانت كافية للأنصار للمداولة والتفكير في التخطيط وبالتالي إلى التصميم على الفعل، فما دام أمر الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في آخر عمره لم يمتثل في حياته، ولو أمتثل لحسم كلّ نزاع يحتمل أن يحصل، وكانوا على حد قول دعبل الخزاعي:


ولو قلدوا الموصى إليه أمورهملَزُّمت بمأمون عن العثرات

لكن عمر منع من امتثاله، فما الّذي يمنع الأنصار أن يفكّروا في أمرهم وقد علموا أن المهاجرين قد أصروا في أيام مرض النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على أن يحوزوا سلطان محمّد، فأدركوا تلك الحقيقة فخافوا على مراكزهم إذا تولى الأمر من المهاجرين من لا يرعى فيهم إلاً ولا ذمة، ما دام لهم متسّع من الوقت لتكوين جبهة قويّة تصد عنهم أو تحفظ لهم حقوقهم، ولهم بعدُ حجتهم فهم أهل الدار، وهم الذين آووا ونصروا، وبذلك يكونّوا جبهة قوية في وجه المهاجرين الذين بدت من بعضهم فلتات توحي بما يبيّتون من نوايا.

فاتخذوا قرارهم واجتمعوا في سقيفتهم لكسب التأييد والنظر في مستقبلهم. وليس يعني ذلك إضفاء الشرعية على فعلهم، بل يدل على العكس مهما تعاظمت أقدارهم، وتعالت درجاتهم ومهما ومهما... وإلا فأي عذر مقبول لهم بعدما عاهدوا الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عليه من أمتثال أوامره، فأين الوفاء بعهده؟ وأين ميثاق بيعة الشجرة والرضوان؟ وأين عهود ليلة العقبة؟ وأين وأين؟

وأمّا المهاجرون ومنذ ذلك الحدث أيضاً فقد بان انقسامهم إلى فريقين: فريق أهل البيت ومن شايعهم وعلى رأسه الإمام عليّ وعمّه العباس، فهم حين يرون أن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد حيل بينه وبين ما أراد أن يكتبه لأمته لئلا يضلوا بعده فحال عمر دون ذلك وقال ما قال ممّا لا ينبغي له أن يقوله. فهم أيضاً كان لهم الحق في التفكير

١٨

بمصائر الأمور بعد ما رأوا مكاشفة بقية من حضر في بيت النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في استبعادهم عن الساحة، بل أحسّوا بالعمل الدائب على منع النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من كلّ ما من شأنه تهيئة الأجواء الصالحة لمصير الأمة، فأتخذوا هم أو بعضهم ما يمليه الموقف في تلك الساعات الحرجة، ومن ذلك ما قاله العباس لعليّ (عليه السلام) انّي لأرى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سوف يموت...الخ. وستأتي في مواقف العباس في تلك الفترة شواهد تكشف عن مدى القلق الّذي ساور نفوس الهاشميين - رجالاً ونساء ً - فأصابهم بالإحباط، فتوجّسوا الشر وما سوف يلحقهم من الأذى بعد فقد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

لذلك قال العباس لعليّ (عليه السلام): «أنتَ بعد ثلاث عبد العصا»(١). وقالت أم الفضل وقد دخلت على النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مرضه فبكت، فقال: (ما يبكيكِ؟) قالت: خفنا عليك وما ندري ما نلقى بعدك يا رسول الله. فقال: (أنتم المستضعفون بعدي)(٢)- (إنكم مقهورون مستضعفون بعدي)(٣)-.

ولم يغب كلّ ذلك عن سيّد بني هاشم ووليّ الأمر من بينهم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) الّذي كان يقول: (انّ ممّا عهد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّ الأمة ستغدر بي)(٤).

وأمّا الفريق الثاني من المهاجرين وهم الذين كانوا يمثلون المعارضة بأظهر أشكالها، وكان أبرز رموزها من المهاجرين أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح ومعهم من الأنصار أسيد بن حضير وبشير بن سعد يشدان أمرهم، فقد كانوا يعملون جاهدين على أحتجان الأمر دون بقية المسلمين سواء من أهل البيت أو الأنصار. فقاموا بما قاموا من أعمال كلها توحي أنها لم تكن وليدة الساعة بل كانت عن سابق تفكير وتخطيط، وإن شئت قل إنّها كانت

(١) طبقات ابن سعد ٢ ق ٢/٣٨، والمصنف لعبد الرزاق ٥/٤٣٥.

(٢) كما في رواية أحمد في مسنده ٦/٣٣٩.

(٣) كما في رواية ابن سعد في الطبقات ٨/٢٠٤.

(٤) مستدرك الحاكم ٣/١٤٠.

١٩

مؤامرة مدبّرة أحكمت خيوطها منذ أمد ليس بالقريب، وقد يستفزّك هذا التعبير، ولكن لو تجرّدت عن الرواسب ورجعت إلى ما قبل ذلك التاريخ، فلا تعدم - وأنت الباحث - الشواهد على ذلك.

فمثلاً في غزوة الطائف حين كانت مناجاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعليّ (عليه السلام) وأطال نجواه، فورمت آناف ناس لذلك فقالوا ناقمين: لقد أطال نجواه لأبن عمه فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ما أنا أنتجيته، بل الله أنتجاه). وحين تنقب عن أولئك الناس الناقمين تجد أسم أبي بكر لامعاً دون غيره!(١)

وأيضاً في تلك الغزاة قام (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (يا أيها الناس انّي فَرَط لكم وأوصيكم بعترتي خيراً، وإن موعدكم الحوض، والذي نفسي بيده ليقيمنّ الصلاة وليؤتينّ الزكاة، أو لأبعثن اليهم رجلاً منّي أو كنفسي، فليضربنّ أعناق مقاتليهم وليسبينّ ذراريهم)، قال عبد الرحمن بن عوف - وهو راوي الحديث -: فرأى الناس انّه أبو بكر أو عمر فأخذ بيد عليّ فقال: (هو هذا)(٢). وهنا أيضاً أبهم أسماء الناس الذين رأوا أنّ المعنيّ للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو أبو بكر أو عمر، لكنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أخذ بيد عليّ (عليه السلام) فقال: (هو هذا).

(١) أخرج الترمذي في صحيحه ٢/٣٠٠، والخطيب البغدادي في تاريخه ٧/٤٠٢، وابن الأثير في أسد الغابة ٤/٢٧، وغيرهم انّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنتجى عليّاً فأطال مناجاته فقال الناس: لقد طال نجواه لأبن عمه، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : (ما أنا أنتجيته ولكن الله أنتجاه). واذا كان الناس مبهمين في هذا الحديث فانّهم عرفوا كما في حديث جابر بن عبد الله، وقد أخرجه الطبراني في معجمه الكبير ٢/١٨٦ ط الثانية، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال ١٥/١٢٢ ط الثانية حيدر آباد، قال: لمّا كان يوم غزوة الطائف قام النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع عليّ ملياً من النهار، فقال له ابو بكر يا رسول الله لقد طالت مناجتك عليّاً منذ اليوم؟! فقال رسول الله: (ما أنا أنتجيته ولكن الله أنتجاه).

(٢) المطالب العالية لأبن حجر ٤/٥٦، والصواعق المحرقة /٧٥ ط الاُولى، ومجمع الزوائد ٩/١٣٤، وكنز العمال ١٥/١٤٤ ط حيدر آباد الثانية، والفصول المهمة لأبن الصباغ المالكي /١١ وغيرها.

٢٠