المكتبة العقائدية » المحسـن بن فاطمة الزهراء عليها السلام (لـ عبد المحسن عبد الزهراء)



الصفحة 37

وقال ابن خنزابه في كتابه الغرر:

قال زيد بن أسلم: كنت ممن حمل الحطب مع عمر إلى باب فاطمة عليها السلام حين امتنع علي(عليه السلام) وأصحابه عن البيعة، فقال عمر لفاطمة: أخرجي من في البيت، أو لأحرقنه ومن فيه، قال: وفي البيت علي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام)، وجماعة من أصحاب النبي(صلى اللّه عليه وآله وسلم) فقالت فاطمة(عليها السّلام): أتحرق عليّاً وولدي؟! قال: أي واللّه أو ليخرجنّ وليبايعنّ(1).

وروى أبو الفداء في تاريخه(2).

خلا جماعة من بني هاشم، والزّبير، وعتبة بن أبي لهب، وخالد بن سعيد بن العاص، والمقداد بن عمر، وسلمان الفارسي، وأبو ذر، وعمّار بن ياسر، والبرّاء بن عازب، وأُبي بن كعب، ومالوا مع علي بن أبي طالب، وقال في ذلك عتبة بن أبي لهب:


وما كنت أحسب أنّ الأمر منصرف عن هاشم ثمّ منهم عن أبي حسن
عن أوّل النّاس إيماناً وسابقة وأعلم الناس بالقرآن والسنن
وآخر الناس عهداً بالنبي ومن جبريل عون له في الغسل والكفن
من فيه ما فيهم لا يمترون به وليس في القوم ما فيه من الحسن

____________

1- البحار ج28 ص339 ودلائل الصدق ج3 ص78.

2- تاريخ أبي الفداء ج1 ص164 وفي طبعة أخرى ص156 .


الصفحة 38

وكذلك تخلّف عن بيعة أبي بكر أبو سفيان من بني أميّة.

ثمّ إنّ أبا بكر بعث عمر بن الخطّاب إلى علي ومن معه ليخرجهم من بيت فاطمة(رضي اللّه عنهما) وقال: إن أبوا عليكم فقاتلهم، فأقبل عمر بشيء من نار على أن يضرم الدار، فلقيته فاطمة(رضي اللّه عنها) وقالت: إلى أين يا بن الخطّاب؟! أجئت لتحرق دارنا؟! قال: نعم(1).

وقال الواقدي:

إنّ عمر بن الخطّاب، جاء إلى علي(عليه السلام) في عصابة فيهم أسيد بن حضير، وسلمة بن أسلم، فقال: اخرجوا أو لنحرقنّها عليكم(2).

عن أحمد بن الخصيب، عن جعفر بن محمد بن المفضل، عن محمد بن سنان الزاهدي، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم، عن مديح بن هارون بن سعد، قال: سمعت أبا الطفيل عامر بن واثلة، عن أمير المؤمنين، أنه قال لعمر في جملة كلام له:

____________

1- كتاب الملاحظات ص167 .

2- البحار ج28 ص339 .


الصفحة 39

(( .. وهي النار التي أضرمتموها على باب داري لتحرقوني وفاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وابني الحسن والحسين وابنتي زينب وأم كلثوم… إلخ ))(1)

وروى الشهرستاني في الملل والنّحل(2).

إنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة، حتّى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصيح: أحرقوا دارها بمن فيها، وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين(3).

وفي البحار:عن إبراهيم بن سعيد الثقفي، قال: حدثني أحمد بن عمرو البجلي، قال: حدثنا أحمد بن حبيب العامري، عن حمران بن أعين، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام)، قال: (( والله، ما بايع علي حتى رأى الدخان قد دخل بيته ))(4)

وفيه أيضاً:

عن هارون بن موسى، عن أحمد بن محمد بن عمار العجلي الكوفي، عن

____________

1- الهداية الكبرى.

2- الملل والنّحل للشهرستاني ج1 ص57 .

3- كتاب ماذا تقضون ص433 .

4- البحار:ج 28،ص269 و390 و411،والشافي للسيد المرتضى: ج3 ص241، وتلخيص الشافي: ج3 ص76.


الصفحة 40

عيسى الضرير، عن الكاظم (عليه السلام)، قال:

قلت لأبي: فما كان بعد خروج الملائكة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟

قال: فقال: ثم دعا علياً وفاطمة، والحسن والحسين (عليهم السلام)، وقال لمن في بيته: أخرجوا عني … إلى أن تقول الرواية أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قال لعلي:

(( واعلم يا علي، أني راضٍ عمن رضيت عنه ابنتي فاطمة، وكذلك ربي وملائكته.

يا علي ويلٌ لمن ظلمها، وويلٌ لمن ابتزّها حقها، وويلٌ لمن هتك حرمتها، وويلٌ لمن أحرق بابها، وويلٌ لمن آذى خليلها، وويلٌ لمن شاقّها وبارزها… إلخ))(1)

وفي مفتاح الباب في شرح الباب الحادي عشر قال ابن مخدوم العربشاهي في مقام الطعن في خلافة أبي بكر: ((.. وأيضاً بعث إلى بيت أمير المؤمنين (عليه السلام) لما امتنع عن البيعة، فأضرم فيه النار وفيه سيدة نساء العالمين)).(2)

____________

1- بحـار الأنـوار: ج22 ص484 و485، وعـوالـم العلوم:ج11 ص400، وخصائص الأئمة ص72، والطرف: ص29.

2- مفتاح الباب لا بن مخدوم: ص199 المطبوع مع النافع يوم الحشر للمقداد السيوري.


الصفحة 41

وفي كشف الغطاء، قال الفقيه الكبير الشيخ جعفر كاشف الغطاء، في مقام الطعن في خلافة أبي بكر أيضاً:

(( .. ومنه إحراق بيت فاطمة الزهراء لما جلس فيه علي (عليه السلام)، ومعه الحسنان، وامتنع (عليه السلام) عن المبايعة، نقله جماعة من أهل السنة، منهم الطبري، والواقدي، وابن حزامة عن زيد بن أسلم، وابن عبد ربه وهو من أعيانهم، وروي في كتاب المحاسن وغير ذلك ))(1).

وفي تشييد المطاعن للسيد محمد قلي الموسوي الهندي والد صاحب عبقات الأنوار، قال:

(( وقوع إحراق بيت الزهراء ورد في الروايات، وتؤيده القرائن الصادقة الموجودة في كتب أهل السنة ))(2).

وقال محمد بن أحمد بن الحسن الديلمي:

(( روي أنه (عليه السلام) ما خرج من بيته حتى أحرق بابه ))(3).

____________

1- كشف الغطاء ص18.

2- راجع مأساة الزهراء (عليها السلام) ج2 ص104، نقلاً عن تشييد المطاعن: ج1 ص433 و 434.

3- كتاب قواعد عقائل آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ص270 (مخطوط)، نقلاً عن كتاب مأساة الزهراء (عليها السلام): ج2 ص188.


الصفحة 42

وروى سليم بن قيس في كتابه(1):

ثم نادى عمر حتّى أسمع عليّاً وفاطمة(عليهما السلام): واللّه لتخرجنّ يا علي، ولتبايعن خليفة رسول اللّه، وإلاّ أضرمت عليك النار، فقامت فاطمة(عليها السلام) فقالت: يا عمر ما لنا ولك؟! فقال: افتحي الباب وإلاّ أحرقنا عليكم بيتكم، فقالت: يا عمر أما تتقي اللّه تدخل عليّ بيتي!؟ فأبى أن ينصرف، ودعى عمر بالنار فأضرمها في الباب، ثمّ دفعه فدخل(2).

وروى الطبرسي في الإحتجاج(3):

عن عبد اللّه بن عبد الرَّحمن قال: ثمَّ إنَّ عمر احتزم بإزاره، وجعل يطوف بالمدينة وينادي إنَّ أبا بكر قد بويع له، فهلمّوا إلى البيعة فينثال(4) الناس يبايعون، فعرف أنَّ جماعة في بيوت مستترون، فكان يقصدهم في جمع ويكبسهم ويحضرهم المسجد فيبايعون، حتى إذا مضت أيّام أقبل في جمع كثير إلى منزل عليٍّ(عليه السلام) فطالبه بالخروج فأبى.

فدعا عمر بحطب ونار وقال: والّذي نفس عمر بيده ليخرجنّ أو لأحرقنّه على ما فيه، فقيل له: إنَّ فاطمة بنت رسول اللّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم)

____________

1- كتاب سليم بن قيس ص35 .

2- البحار ج28 ص269 و ج43 ص197 .

3- الإحتجاج للطبرسي ص80 .

4- إنثال الناس: اجتمعوا وتكاثروا.


الصفحة 43

وولد رسول اللّه وآثار رسول اللّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) فيه؟ وأنكر الناس ذلك من قوله(1).

وروى العيّاشي في تفسيره(2):

في حديث طويل يقول فيه: فأرسل إليه الثالثة عمر رجلاً يقال له قنفذ، فقامت فاطمة بنت رسول الله صلوات اللّه عليها تحول بينه وبين عليٍّ(عليه السلام) فضربها فانطلق قنفذ وليس معه علي، فخشي أن يجمع عليٌّ النّاس، فأمر بحطب فجعل حوالي بيته، ثمّ انطلق عمر بنار فأراد أن يحرق على عليٍّ بيته وعلى فاطمة والحسن والحسين (صلوات اللّه عليهم)(3).

وروى المجلسي في بحاره(4):

عن الإمام الصادق(عليه السلام) في حديث طويل يقول فيه: وإشعال النار على باب

____________

1- البحار ج28 ص204 .

2- تفسير العيّاشي ج2 ص307-308 والبرهان في تفسير القرآن2 ص434

3- البحار ج28 ص231 ح16 .

4- البحار ج53 ص14 . والعوالم ج11 ص441 ـ 443. والهداية الكبرى للخصيبي ص392 و407 و417، وعن حلية الأبرار ج2ص652. وراجع فاطمة بهجة المصطفى ج2 ص532، عن نوائب الدهور للسيد الميرجهاني ص192.


الصفحة 44

أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) لإحراقهم بها، وضرب يد الصدِّيقة الكبرى فاطمة بالسوط، ورفس بطنها وإسقاطها محسناً.

وروى المجلسي أيضاً في بحاره(1):

عن الإمام الصادق(عليه السلام) في حديث طويل يقول فيه: وقوله كفّي يا فاطمة فليس محمّد حاضراً ولا الملائكة آتية بالأمر والنهي والزجر من عند اللّه، وما عليٌّ إلاّ كأحد المسلمين فاختاري إن شئت خروجه لبيعة أبي بكر أو إحراقكم جميعاً.

فقالت وهي باكية: اللّهمّ إليك نشكو فقد نبيّك ورسولك وصفيّك، وارتداد أُمّته علينا، ومنعهم إيّانا حقّنا الّذي جعلته لنا في كتابك المنزل على نبيّك المرسل.

فقال لها عمر: دعي عنك يا فاطمة حمقات النساء، فلم يكن اللّه ليجمع لكم النبوّة والخلافة، وأخذت النار في خشب الباب.

وإدخال قنفذ يده لعنه اللّه يروم فتح الباب، وضرب عمر لها بالسوط على عضدها، حتى صار كالدُّملج الأَسود، وركل الباب برجله، حتى أصاب بطنها وهي حاملة بالمحسن، لستّة أشهر وإسقاطها إيّاه.

____________

1- البحار ج53 ص18 . والعوالم ج11 ص441 ـ 443. والهداية الكبرى للخصيبي ص392 و407 و417، وعن حلية الأبرار ج2ص652. وراجع فاطمة بهجة المصطفى ج2 ص532، عن نوائب الدهور للسيد الميرجهاني ص192.


الصفحة 45

وهجوم عمر وقنفذ وخالد بن الوليد وصفقه خدَّها حتى بدا قُرطاها تحت خمارها، وهي تجهر بالبكاء، وتقول: وا أبتاه، وا رسول اللّه، ابنتك فاطمة تكذَّب وتضرب، ويقتل جنين في بطنها!!!.

وخروج أمير المؤمنين(عليه السلام) من داخل الدار محمرّ العين حاسراً، حتّى ألقى ملاءته عليها، وضمّها إلى صدره، وقوله لها: يا بنت رسول اللّه قد علمت أنّ أباك بعثه اللّه رحمة للعالمين، فاللّه اللّه أن تكشفي خمارك، وترفعي ناصيتك، فواللّه يا فاطمة لئن فعلت ذلك لا أبقى اللّه على الأرض من يشهد أنّ محمّداً رسول اللّه، ولا موسى ولا عيسى ولا إبراهيم ولا نوح ولا آدم، ولا دابّة تمشي على الأرض ولا طائراً في السماء إلاّ أهلكه اللّه.

ثمّ قال يا ابن الخطّاب لك الويل من يومك هذا وما بعده وما يليه اخرج قبل أن أشهر سيفي فأفني غابر الأُمّة.

فخرج عمر وخالد بن الوليد وقنفذ وعبد الرَّحمن بن أبي بكر فصاروا من خارج الدار، وصاح أمير المؤمنين بفضّة يا فضّة مولاتك، فاقبلي منها ما تقبله النساء، فقد جاءها المخاض من الرَّفسة وردَّ الباب، فأسقطت محسنا، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): فإنّه لاحق بجدِّه رسول اللّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) فيشكو إليه.

وقال العلاّمة الحلّي(قدّس سرّه) في كتابه نهج الحق وكشف الصدق(1):

____________

1- نهج الحق وكشف الصدق للعلاّمة الحلّي ص271 .


الصفحة 46

وذكر الواقدي أنّ عمر جاء إلى عليٍّ في عصابة فيهم: أسيد بن الحضير، وسلمة بن أسلم، فقال: اخرجوا أو لنحرقنّها عليكم.

ونقل ابن خنزابة في غرره: قال زيد بن أسلم: كنت ممن حمل الحطب مع عمر إلى باب فاطمة، حين امتنع عليٌّ وأصحابه، عن البيعة، أن يبايعوا، فقال عمر لفاطمة: أَخْرجي من في البيت، وإلاّ أحْرقتهُ ومَنْ فيه، قال: وفي البيت عليٌّ وفاطمة، والحسن، والحسين، وجماعة من أصحاب النبي(صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فقالت فاطمة: تُحرق على ولدي؟ فقال: إي واللّه، أو ليخرجنّ وليبايعنّ.

وقال ابن عبد ربه، وهو من أعيان العامّة: فأمّا علي والعباس، فقعدوا في بيت فاطمة، وقال له أبو بكر: إن أبيا فقاتلهما، فأقبل بقبس من نار على أن يُضرم عليهما الدار، فلقيته فاطمة، فقالت: يا ابن الخطّاب، أجئت لتُحرق دارنا؟ قال: نعم(1).

وقال الشافي في مقام ذكر إيراد المخالف(2):

فأمّا ما ذكروه من حديث عمر في باب الإحراق، فلو صحّ لم يكن طعناً على عمر لأنّ له أن يهدّد من امتنع عن المبايعة إرادةً للخلاف على المسلمين.

وأجاب السيد المرتضى (رحمه الله) على ذلك الإيراد ص119 فقال: فقد بيّنا أنّ خبر الإحراق قد رواه غير الشيعة ممّن لا يتهم على القوم، وإنّ دفع الروايات بغير

____________

1- الملاحظات ص168 .

2- الشافي ج4 ص112 .


الصفحة 47

حجّة أكثَرَ من نفس المذاهب المختلف فيها، لا يجدي شيئاً، والّذي اعتذر به من حديث الإحراق ـ إذا صحّ ـ طريفٌ، وأيّ عذرٍ لمن أراد أن يحرّق على أمير المؤمنين وفاطمة عليهما السلام منزلهما؟ وهل يكون في مثل ذلك علّة يُصغى إليها أو تسمع، وإنّما يكون مخالفاً على المسلمين وخارقاً لإجماعهم، إذا كان الإجماع قد تقرّر وثبت.

وإنّما يصحّ لهم الإجماع متى كان أمير المؤمنين(عليه السلام) ومن قعد عن البيعة ممن انحاز إلى بيت فاطمة عليها السلام داخلاً فيه، وغير خارج عنه، وأي إجماع يصحّ مع خلاف أمير المؤمنين(عليه السلام) وحده فضلاً عن أن يتابعه على ذلك غيره، وهذه زلّة من صاحب الكتاب، وممّن حكى احتجاجه.

وبعد فلا فرق بين أن يهدّد بالإحراق للعلّة التي ذكرها، وبين ضرب فاطمة عليها السلام لمثل هذه العلّة، فإنَّ إحراق المنازل أعظم من ضربه بالسوط، وما يحسن الكبير ممن أراد الخلاف على المسلمين أولى بأن يحسن الصغير، فلا وجه لامتعاض صاحب الكتاب من ضربة السوط وتكذيب ناقلها، وعنده مثل هذا الإعتذار(1).

وقال شيخ الطائفة الطوسي في تلخيص الشافي(2):

إذ تبيّن بالمتّفق عليه من أخبارهم وأخبارنا، أنَّ عمر همَّ بإحراق بيت

____________

1- البحار ج28 ص408 .

2- تلخيص الشافي ج3 ص156 .


الصفحة 48

فاطمة(عليها السلام)، بأمر أبي بكر أو برضاه، وقد كان فيه أمير المؤمنين وفاطمة والحسنان صلوات اللّه عليهم، وهدَّدهم وآذاهم مع أنَّ رِفعة شأنهم عند اللّه وعند رسوله(صلى اللّه عليه وآله وسلم) ممّا لا ينكره إلاَّ مَن خرج عن الإسلام.

وقد استفاض في رواياتنا بل في رواياتهم أيضاً أنَّه روَّع فاطمة، حتّى ألقت ما في بطنها، وقد سبق في الروايات المتواترة وسيأتي، أنَّ إيذاءها صلوات اللّه عليها إيذاء للرسول(صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وآذيا عليّاً(عليه السلام) وقد تواتر في روايات الفريقين قول النبي(صلى اللّه عليه وآله وسلم): من آذى علياً فقد آذاني، وقد قال اللّه تعالى: {إنَّ الّذين يؤذون اللّه ورسوله لعنهم اللّه في الدُّنيا والآخرة وأعدَّ لهم عذاباً مهيناً(1)}(2).

وغيرهم كثير لا داعي للإحاطة بذلك، وما ذكرناه فيه الكفاية وزيادة، حتّى ترنّم بهذه الحادثة شاعر النيل محمد حافظ إبراهيم(3) كما سنوافيك به.

ولنختم هذا الفصل بالكلام الفصل من يراع رمز الولاء البحاثة أستاذ هذه الصناعة، العلاّمة الأميني في غديره الروي(4):

ثمَّ ما عساني أن أقول بعدما يُعربد شاعر النيل اليوم، ويأجِّج النيران الخامدة،

____________

1- سورة الأحزاب 33\ 57 .

2- البحار ج28 ص408 .

3- توفي سنة 1933م ، 1351هـ .

4- الغدير ج7 ص85 .


الصفحة 49

ويُجدِّد تلكم الجنايات المنسيَّة (لاها اللّه لا تُنسى مع الأبد) ويعدّها ثناءً على السلف، ويرفع عقيرته بعد مضي قرون على تلكم المعرَّات، ويتبهَّج ويتبجَّح بقوله في القصيدة (العمريَّة) تحت عنوان: عمر وعليّ:


وقولةٍ لعليٍّ قالها عمر أكرم بسامعها أعظم بملقيها

حرَّقت دارك لا أبقي عليك بها إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها

ما كان غير أبي حفصٍ يفوهُ بها أمام فارس عدنانٍ وحاميها

ماذا أقول بعد ما تحتفل الأمَّة المصريَّة في حفلة جامعة في أوائل سنة 1918 بإنشاد هذه القصيدة العمريَّة، التي تتضمن ما ذكر من الأبيات؟

وتنشرها الجرائد في أرجاء العالم، ويأتي رجال مصر نظراء أحمد أمين، وأحمد الزّين، وإبراهيم الأبياري(1)، وعلي جارم، وعلي أمين(2)، وخليل مطران(3)،

____________

1- ضبط وصحح وشرح هؤلاء الثلاثة الديوان طبعة سنة 1937 م بدار الكتب في جزئين والأبيات المذكورة توجد في ج1 ص82 .

2- هما ومعهما ثالث التزموا تصحيح الديوان في طبعة أخرى.

3- له مقدمة لديوان الحافظ في طبعة مكتبة الهلال سنة 1935م 1353هـ، والأبيات في ص184 غير أنّ الشطر الثاني من البيت الثاني محرّف: إن لم تبالغ وبنت المصطفى فيها.


الصفحة 50

ومصطفى الدمياطي بك(1)، وغيرهم(2) ويعتنون بنشر ديوانٍ هذا شعره، وبتقدير شاعر هذا شعوره، ويخدشون العواطف في هذه الأزمة، في هذا اليوم العصبصب، ويعكِّرون بهذه النعرات الطائفيَّة صفو السّلام والوئام في جامعة الإسلام، ويشتِّتون بها شمل المسلمين، ويحسبون أنَّهم يحسنون صنعاً.

وتراهم يجدِّدون طبع ديوان الشاعر وقصيدته العمريَّة خاصَّة مرَّة بعد أخرى، ويعلِّق عليها شارحها الدمياطي قوله في البيت الثاني: المراد أنَّ عليّاً لا يعصمه من عمر سكنى بنت المصطفى في هذه الدار. وقال في ص39 من الشرح: وفي رواية لابن جرير الطبري قال: حدّثنا جرير عن مغيرة عن زياد بن كليب قال: أتى عمر بن الخطاب منزل عليّ وبه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال: واللّه لأحرقنَّ عليكم أو لتخرجنَّ إلى البيعة فخرج عليه الزبير مصلتاً بالسيف، فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه، فإن كان زياد هذا هو الحنظلي أبو معشر الكوفي فهو موثق. والظاهر أنَّ حافظاً عوَّل على هذه الرواية ـ انتهى ـ .

وتراهم بالغوا في الثناء على الشاعر وقصيدته هذه، كأنَّه جاء للأمَّة بعلم جمّ، أو رأي صالح جديد، أو أتى لعمر بفضيلة رابية تسرُّ بها الأمَّة ونبيُّها المقدَّس، فبشرى بل بشريان للنبيِّ الأعظم بأنّ بضعته الصدِّيقة لم تكن لها أيّ حرمة

____________

1- شارح القصيدة العمرية طبع بمطبعة السعادة في مصر في 90 صفحة، وتوجد الأبيات فيه مشروحة ص38 .

2- في عدّة طبعات أخرى.


الصفحة 51

وكرامة عند من يلهج بهذا القول، ولم يكن سكناها في دار طهَّر اللّه أهلها يعصمهم منه ومن حرق الدار عليهم. فزهٍ زهٍ بانتخاب هذا شأنه، وبخٍ بخٍ ببيعة تمَّت بذلك الإرهاب، وقضت بتلك الوصمات.


الصفحة 52

كشف بيت علي وفاطمة
(عليهما السلام)

وهتك ستر النبوة والإمامة، ورُوِّع القلب الفاطمي الممتلئ حبّاً لحبيب اللّه سبحانه، فإذا كان لبيت المؤمن حجاب وكرامة فما بال بيت العصمة والطهارة تكون له المهانة، وإذا كان رسول اللّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) يقف على ذلك الباب مستأذناً وهو سيّد الكائنات فما بال هذه الحثالة.

لقد سمعوا جميعاً كلام رسول اللّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) بنبراته المحزنة وهو يقول:

فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد آذاني.

يرضى اللّه لرضى فاطمة ويغضب لغضبها.

بل سمعوا النبي(صلى اللّه عليه وآله وسلم) يتلو هذه الآيات من الذكر الحكيم:

{ قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى(1)} ، { إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا(2)}.

____________

1- سورة الشورى 42\23 .

2- سورة الأحزاب 33\33 .


الصفحة 53

فأيّ مودّة هذه لمن يهجم على عرضه(صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وينتهك ناموسه، وهل معنى المودّة هذه أن تهتك ستراً جعله اللّه سبحانه لأوليائه.

أليست فاطمة هذه ابنته، وقد قال(صلى اللّه عليه وآله وسلم): يحفظ المرء في ولده.

فالعجب كلّ العجب كيف تجرأوا على أمر تنهدّ منه الجبال، والسماوات يتفطّرن من هوله، أحقاً هتك بيت علي وفاطمة(عليهما السلام)؟!!! مع كلّ ألم نعم، هتك بيت محمد(صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فروى القاصي والدّاني والعدو والموالي أن القوم قد وفوا بتهديدهم، وقبل أن تقرأ معي دموع الأسى، تعال نستمع إلى هذا الكاتب من العامّة وهو يصف لنا شيئاً من الموقف المروع.

إنّه الأستاذ عبد الفتّاح عبد المقصود في كتابه(1) الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) حيث قال:

سبقت الشائعات خطوات ابن الخطَّاب ذلك النهار، وهو يسير في جمع من صحبه ومعاونيه إلى دار فاطمة، وفي باله أن يحمل ابن عمِّ رسول اللّه ـ إن طوعاً وإن كرهاً ـ على إقرار ما أباه حتى الآن، وتحدَّث أناس بأنّ السيف سيكون وحده متن الطاعة، وتحدّث آخرون بأنَّ السيف سوف يلقى السيف!... ثمَّ تحدَّث غير هؤلاء وهؤلاء بأنَّ النار هي الوسيلة المثلى إلى حفظ الوحدة وإلى الرضا والإقرار!.. وهل على ألسنة الناس عقالٌ يمنعها أن تروي قصَّة حطب أمر

____________

1- الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ص225 .


الصفحة 54

به ابن الخطّاب، فأحاط بدار فاطمة، وفيها عليٌّ وصحبه، ليكون عدة الإقناع أو عدة الايقاع؟...

على أنَّ هذه الأحاديث جميعها ومعها الخطط المدبَّرة أو المرتجلة كانت كمثل الزبد، أسرع إلى ذهابٍ، ومعها دُفعة ابن الخطّاب!... أقبل الرجل، محنقاً مندلع الثورة، على دار عليٍّ وقد ظاهره معاونوه ومن جاء بهم، فاقتحموها أو أوشكوا على اقتحام، فإذا وجه كوجه رسول اللّه يبدو بالباب حائلاً من حزن، على قسماته خطوط آلام، وفي عينيه لمعات دمع، وفوق جبينه عبسة غضب فائر وحنق ثائر...

وتوقّف عمر من خشية وراحت دفعته شعاعاً، وتوقَّف خلفه ـ أمام الباب ـ صحبه الذين جاء بهم، إذ رأوا حيالهم صورة الرسول تطالعهم من خلال وجه حبيبته الزهراء، وغضّوا الأبصار من خزي أو من استحياء، ثمَّ ولَّت عنهم عزمات القلوب وهم يشهدون فاطمة تتحرَّك كالخيال، وئيداً وئيداً بخطوات المحزونة الثكلى، فتقترب من ناحية قبر أبيها... وشخصت منهم الأنظار وأرهفت الأسماع إليها، وهي ترفع صوتها الرقيق الحزين النبرات، تهتف بمحمَّد الثاوي بقربها، تناديه باكيةً مريرة البكاء: يا أبت رسول اللّه!... يا أبت رسول اللّه!...

فكأنَّما زلزلت الأرض تحت هذا الجمع الباغي، من رهبة النداء...

وراحت الزهراء، وهي تستقبل المثوى الطاهر، تستنجد بهذا الغائب الحاضر: يا أبت رسول اللّه!... ماذا لقينا بعدك من ابن الخطَّاب، وابن أبي قحافة!؟! فما تركت كلماتها إلاّ قلوباً صدعها الحزن، وعيوناً جرّت دمعاً، ورجالاً ودّوا لو


الصفحة 55

استطاعوا أن يشقّوا مواطئ أقدامهم ليذهبوا في طوايا الثرى مغيَّبين(1).

وأقول لهذا الأستاذ، لا تتردد في أن القوم قد اقتحموا ولم يكن هناك رادع يردع، غير أنّ الأمر يفجع فانتابك التردد، كما هو حال الكثير من الناس عندما يصطدم بالمصاب، فيكاد لا يصدّق، ولكنّه الواقع المرّ، فإليك هذا الزخم المنهمر الناطق بالحق والصدق:

روى اليعقوبي في تاريخه(2):

قال: ..وبلغ أبا بكر وعمر أن جماعة من المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول اللّه، فأتوا في جماعة حتى هجموا الدار... ودخلوا الدار فخرجت فاطمة فقالت: واللّه لتخرجن أو لأكشفن شعري، ولأعجّنّ إلى اللّه! فخرجوا وخرج من كان في الدار، وأقام القوم أيّاماً.

وقال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة(3):

حدثنا أبو عفير عن أبي عون عن عبد اللّه بن عبد الرحمن الأنصاري:..

إلى أن قال: وإنّ أبا بكر أخبر بقوم تخلّفوا عن بيعته عند علي كرّم اللّه وجهه فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار علي(عليه السلام) فأبوا أن يخرجوا فدعا عمر بالحطب فقال: والّذي نفس عمر بيده، لتخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها،

____________

1- الغدير ج3 ص103 .

2- تاريخ اليعقوبي ج2 ص126 وشرح الخطبة ص239 .

3- الإمامة والسياسة ج1 ص4.


الصفحة 56

فقيل له: يا أبا حفص إنّ فيها فاطمة!!! فقال: وإن، .

إلى أن قال في ص13... ثمّ قام عمر، فمشى معه جماعة، حتّى أتوا باب فاطمة(عليها السّلام) فدقّوا الباب، فلمّا سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها باكية: يا رسول اللّه، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة، فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين فكادت قلوبهم تتصدع، وأكبادهم تتفطر، وبقي عمر ومعه قوم فأخرجوا علياً(1).

وروى ابن أبي الحديد في شرحه(2):

عن أبي الأسود قال: غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر بغير مشورة، وغضب عليٌّ(عليه السلام) والزبير، فدخلا بيت فاطمة(عليها السلام) معهما السلاح، فجاء عمر في عصابة، منهم أسيد بن حضير، وسلمة بن سلامة بن وقش، وهما من بني عبد الأشهل، فصاحت فاطمة(عليها السلام) وناشدتهم اللّه(3).

وروى ابن أبي الحديد أيضاً في شرحه(4):

عن الجوهري، عن أبي بكر الباهلي، عن إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال:

____________

1- البحار ج28 ص356 ب4 ح69 ودلائل الصدق ج3 ص87 وعبد اللّه بن سبأ.

2- شرح ابن أبي الحديد ج1 ص132 .

3- البحار ج28 ص314 .

4- شرح ابن أبي الحديد ج2 ص19 .


الصفحة 57

قال أبو بكر: يا عمر أين خالد بن الوليد؟ قال: هو هذا، فقال: انطلقا إليهما يعني علياً(عليه السلام) والزبير، فأتياني بهما.

فدخل عمر، ووقف خالد على الباب من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السّيف؟ قال أعددته لأبايع عليّاً.

قال: وكان في البيت ناس كثير، منهم المقداد بن الأسود، وجمهور الهاشميّين فاخترط عمر السّيف، فضرب به صخرة في البيت فكسره، ثمَّ أخذ بيد الزبير فأقامه ثمَّ دفعه فأخرجه وقال: يا خالد دونك هذا، فأمسكه خالد، وكان في الخارج مع خالد جمع كثير من الناس أرسلهم أبو بكر ردءاً لهما، ثمَّ دخل عمر فقال لعلي(عليه السلام): قم فبايع(1).

ذكر الشيخ المفيد في كتاب الاختصاص(2):

أبو محمد عن عمرو بن أبي المقدام عن أبيه عن جده قال: ما أتى على عليّ(عليه السلام) يومٌ قط أعظم من يومين أتياه ...

إلى أن قال... وظنت فاطمة(عليها السّلام) أنه لا يدخل بيتها إلا بإذنها، فأجافت الباب وأغلقته، فلما انتهوا إلى الباب ضرب عمر الباب برجله فكسره ـ وكان من سعف ـ فدخلوا على علي(عليه السلام) وأخرجوه...

ومثله بتغيير يسير ذكره العياشي في تفسيره(3)

____________

1- البحار ج28 ص322 .

2- الاختصاص ص185 .

3- تفسير العيّاشي ج2 ص19 في سورة الأعراف آية 56 . انظر البحار ج28 ص277 ح14 .


الصفحة 58

وروى العيّاشي أيضاً في تفسيره(1):

في حديث طويل يقول فيه: فأرسل إليه الثالثة عمر رجلاً يقال له قنفذ، فقامت فاطمة بنت رسول اللّه (صلوات اللّه عليها) تحول بينه وبين علي(عليه السلام) فضربها، فانطلق قنفذ وليس معه علي، فخشي أن يجمع علي الناس، فأمر بحطب فجعل حوالي بيته، ثمّ انطلق عمر بنار فأراد أن يحرق على علي بيته، وعلى فاطمة والحسن والحسين (صلوات اللّه عليهم)(2).

وفي كتاب سليم بن قيس(3):

ودعا عمر بالنار فأضرمها في الباب ثم دفعه فدخل فاستقبلته فاطمة(عليها السّلام) وصاحت يا أبتاه يا رسول اللّه(4).

وروى المجلسي في بحاره(5):

____________

1- تفسير العيّاشي ج2ص307-308، والبهان في تفسير القرآن ج2ص434

2- البحار ج28 ص231 ح16 وتفسير البرهان ج2 ص434 .

3- كتاب سليم بن قيس ص35 .

4- البحار ج28 ص269 و ج43 ص197 .

5- البحار ج53 ص19 .


الصفحة 59

عن الإمام الصادق(عليه السلام) في حديث طويل يقول فيه: وإدخال قنفذ يده لعنه اللّه يروم فتح الباب، وضرب عمر لها بالسوط على عضدها، حتى صار كالدُّملج الأَسود، وركل الباب برجله، حتى أصاب بطنها وهي حاملة بالمحسن، لستّة أشهر وإسقاطها إيّاه.

وهجوم عمر وقنفذ، وخالد بن الوليد وصفقه خدَّها حتى بدا قُرطاها تحت خمارها، وهي تجهر بالبكاء، وتقول: وا أبتاه، وا رسول اللّه، ابنتك فاطمة تكذَّب وتضرب، ويقتل جنين في بطنها.

إلى أن يقول: فخرج عمر وخالد بن الوليد وقنفذ وعبد الرَّحمن بن أبي بكر فصاروا من خارج الدار.

وذكر المسعودي في إثبات الوصية(1):

فأقام أمير المؤمنين(عليه السلام) ومن معه من شيعته في منازلهم بما عهده إليه رسول اللّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) فوجهوا إلى منزله، فهجموا عليه، وأحرقوا بابه، واستخرجوه منه كرهاً، وضغطوا سيدة النساء بالباب حتى أسقطت محسناً(2).

وروى الشيخ المفيد في أماليه(3):

عن الجعابي عن العبّاس بن المغيرة، عن أحمد بن منصور، عن سعيد بن عفير،

____________

1- إثبات الوصية للمسعودي ص116-119.

2- البحار ج28 ص308 .

3- إمالي الشيخ المفيد ص38 .


الصفحة 60

عن ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، عن مروان بن عثمان قال: لمّا بايع النّاس أبا بكر دخل علي(عليه السلام) والزبير والمقداد بيت فاطمة(عليها السلام) وأبوا أن يخرجوا.

فقال عمر بن الخطاب: أضرموا عليهم البيت ناراً، فخرج الزبير ومعه سيفه، فقال أبو بكر: عليكم بالكلب، فقصدوا نحوه، فزلّت قدمه وسقط على الأرض، ووقع السيف من يده، فقال أبو بكر: اضربوا به الحجر، فضرب به الحجر حتّى انكسر.

وخرج علي بن أبي طالب(عليه السلام) نحو العالية، فلقيه ثابت بن قيس بن شمّاس، فقال ما شأنك يا أبا الحسن؟ فقال: أرادوا أن يحرقوا عليّ بيتي وأبو بكر على المنبر يبايع له، لا يدفع عن ذلك ولا ينكر، فقال له ثابت: ولا تفارق كفّي يدك أبداً حتّى أقتل دونك، فانطلقا جميعاً حتّى عادا إلى المدينة، وفاطمة(عليها السلام) واقفة على بابها، وقد خلت دارها من أحد من القوم، وهي تقول: لا عهد لي بقوم أسوء محضراً منكم، تركتم رسول اللّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) جنازة بين أيدينا، وقطعتم أمركم بينكم، لم تستأمرونا وصنعتم بنا ما صنعتم، ولم تروا لنا حقّاً(1).

وهناك روايات أخرى تدلّ على كشف بيت فاطمة وعلي(عليهما السلام) مدلولها أنّ الأوّل تمنّى أنّه لم يكشف بيت فاطمة(عليها السّلام) ومن ذلك:

____________

1- البحار ج28 ص231 ح17 .


الصفحة 61

ما رواه ابن جرير في تاريخه(1):

بسنده عن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه، أنّه دخل على أبي بكر في مرضه الذي توفي فيه، فأصابه مهتماً ...

إلى أن قال: قال أبو بكر: أجل إنّي لا آسي على شيء من هذه الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتهنّ، وودت أني تركتهن ...

إلى أن قال: فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة(عليها السّلام) عن شيء ...

وروى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة(2):

ثم إن أبا بكر عمل سنتين وشهوراً، ثم مرض مرضه الذي مات فيه، فدخل عليه أناس من أصحاب النبي(صلى اللّه عليه وآله وسلم) فيهم عبد الرحمن ابن عوف، فقال له: كيف أصبحت ... (إلى أن قال أبو بكر فيما قال) ... فأما اللاتي فعلتهن وليتني لم أفعلهن، فليتني تركت بيت عليّ وإن كان أعلن عليَّ الحرب .

وفي شرح النهج للمعتزلي نقلاً عن أستاذه يحيى بن محمد العلوي البصري، قال:

(( فإن قلتم: إنّ بيت فاطمة إنما دُخل، وسترها إنما كشف حفظاً لنظام الإسلام، وكي لا ينتشر الأمر، ويخرج قوم من المسلمين أعناقهم من ربقة

____________

1- تاريخ ابن جرير ج1ص619. وكذلك في العقد الفريد ج4 ص267-269

2- الإمامة والسياسة لابن قتيبه ج1 ص18.


الصفحة 62

الطاعة، ولزوم الجماعة..

قيل لكم: وكذلك ستر عائشة إنما كشف، وهودجها إنما هتك لأنها نشزت حبل الطاعة، وشقّت عصا المسلمين، وأراقت دماء المسلمين.. إلى أن قال:

فكيف صار هتك عائشة من الكبائر التي يجب معها التخليد في النار، والبراءة من فاعله من أوكد عرى الإيمان، وصار كشف بيت فاطمة والدخول عليها منزلها، وجمع حطب ببابها، وتهددها بالتحريق من أوكد عرى الدين، وأثبت للإسلام، ومما أعز الله به المسلمين، وأطفأ به نار الفتنة، والحرمتان واحدة، والستران واحد؟!… إلخ(1).

وفي كتاب فدك في التاريخ للسيد محمد باقر الصدر، قال:

((.. إن عمر الذي هجم عليك في بيتك المكي، الذي أقامه النبي مركزاً لدعوته، قد هجم على آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في دارهم، وأشعل النار فيها أو كاد))(2).

روى في الإيضاح(3):

قال إياس بن قبيصه الأسدي، وكان شهد فتح القادسية يقول: سمعت أبا بكر يقول: ندمت... وأمّا الثلاث اللاتي فعلتهن وليتني لم أفعلهن فكشفي بيت فاطمة

____________

1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: ج2 ص16 و17.

2- فدك في التاريخ: ص26.

3- الإيضاح ص159.


الصفحة 63

(صلوات اللّه وسلامه عليها) (1).

وقال الشافي في مقام نقل كلام المخالف(2):

قال صاحب الكتاب: شبهة لهم أخرى، قالوا: قد روي عن أبي بكر انه قال عند موته: ليتني كنت سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عن ثلاثة، فذكر في أحدها ليتني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر حق، وذلك انه يدل على شكّه في بيعة نفسه، وربّما قالوا قد روي انه قال في مرضه: ليتني كنت تركت بيت فاطمة(عليها السلام) لم أكشفه... إلى آخر كلامه.

وأجابه السيد المرتضى في صفحة 139 بقوله: فأمّا قوله ( أنّا قد بيّنا أنّه لم يكن منه في بيت فاطمة(عليها السلام) ما يوجب أن يتمنّى أن لم يفعله) فقد بينّا فساد ما ظنَّه في هذا الباب، ومضى الكلام فيه مستقصى.

أقول: يتّضح هذا الكلام من السيّد المرتضى (رحمه الله) بمراجعة ما نقلناه عنه في صفحة 42 من كتابنا هذا، حيث ذكر هناك أنّ الرواية بذلك ذكرها غير الشيعة أيضاً، فلا يعتبر بإنكاره، وإنّ دفع الروايات بغير حجّة هو السبب في تكثّر المذاهب المختلفة، فهو لا يجدي بشيء.

ومسك الختام لهذا الكلام من غدير الأميني(3) الّذي لا ينضب حيث الولاء

____________

1- ماذا تقضون ص31.

2- الشافي ج4 ص137 .

3- الغدير ج7 ص77 .


الصفحة 64

الصادق فيقول:

بعدما بصر مقداداً ذلك الرجل العظيم وهو يدافع في صدره، أو نظر إلى الحباب ابن المنذر وهو يحطَّم أنفه، وتُضرب يده، أو إلى اللائذين بدار النبوَّة، مأمن الأُمَّة، وبيت شرفها، بيت فاطمة وعليٍّ ـ سلام اللّه عليهما ـ وقد لحقهم الإرهاب والترعيد(1) وبعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب وقال لهم: إن أبوا فقاتلهم، فأقبل عمر بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت: يا ابن الخطّاب أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم، أو تدخلوا فيما دخل فيه الأُمة(2).

بعد ما رأى هجوم رجال الحزب السياسيِّ دار أهل الوحي وكشف بيت فاطمة(3) وقد علت عقيرة قائدهم بعد ما دعا بالحطب: واللّه لتحرقنَّ عليكم أو لتخرجنَّ إلى البيعة، أو لأحرقنَّها على مَن فيها. فيقال للرجل: إنَّ فيها فاطمة.

____________

1- تاريخ الطبري ج3 ص210 ، وشرح ابن أبي الحديد ج1 ص58 .

2- العقد الفريد ج2 ص250 ، وتاريخ أبي الفداء ج1 ص156 ، وأعلام النساء ج3 ص1207 .

3- الاموال لابي عبيد ص131 ، والامامة والسياسة لابن قتيبة ج1 ص18 ، وتاريخ الطبري ج4 ص52 ، ومروج الذهب ج1 ص414 ، والعقد الفريد ج2 ص254، وتاريخ اليعقوبي ج2 ص105 .


الصفحة 65

فيقول: وإن(1).

بعد قول ابن شحنة: إنَّ عمر جاء إلى بيت عليٍّ ليحرقه على من فيه فلقيته فاطمة فقال: ادخلوا فيما دخلت فيه الأُمَّة.

تاريخ ابن شحنة هامش الكامل ج7ص164 .

بعدما سمع انَّةً وحنّةً من حزينة كئيبة ـ بضعة المصطفى ـ وقد خرجت عن خدرها وهي تبكي وتنادي بأعلى صوتها: يا أبت يا رسول اللّه! ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة(2)!؟.

____________

1- تاريخ الطبري ج3 ص198 ، والامامة والسياسة ج1 ص13 ، شرح ابن أبي الحديد ج1 ص134 وج2 ص19 ، وأعلام النساء ج3 ص1205 .

2- الامامة والسياسة ج1 ص13 ، وأعلام النساء ج3 ص1206، والإمام علي لعبدالفتاح عبد المقصود ج1 ص225 .


الصفحة 66

لقد ضربوها
(عليها السّلام)
فسقط الجنين قتيلاً

لقد ضربوها(عليها السلام) فجاوزوا الحدّ بما لا يكاد العاقل أن يصدّق أنّ بشراً عاش مع نبي الرحمة(صلى اللّه عليه وآله وسلم)، رآه رؤوفاً رحيماً، كيف لم يتأثر به، بل كيف لا يستحي وإن لم يكن له دين أن يتجرأ على ابنته وعزيزته وحبيبته وعِرضه سيّدة نساء العالمين.

بل إن كانوا عرباً كما يزعمون فإنّ العرب ترى من العار الاعتداء على امرأة، وكيف!!! إذا كانت هذه المرأة بنت النبي الّذي أعزهم بعد أن كانوا أذلّة، وعلّمهم بعد أن كانوا جهلة.

ما أقبح تلك اليد وهي ترتفع للطم الصدّيقة الزهراء(عليها السلام)! وما أخبث تلك النفوس الّتي لم تراعِ حرمات الله سبحانه وتعالى! وما أحقد تلك القلوب على بيت الرسالة والطهارة(عليهم الصلاة والسلام)! هل هي ثارات جاهليّة دفينة على رسول الله(صلى اللّه عليه وآله وسلم)؟ هل هي أحقاد بدريّة وحنينيّة وخيبريّة أم حبّ اللاّت والعُزّى وهبل؟ هل هي الشقاوة، وحبّ الرئاسة والدنيا والظلم والتسلّط على رقاب المسلمين؟

وسقط الجنين قتيلاً ... نعم أوّل قتيل لمحمد(صلى اللّه عليه وآله وسلم) من


الصفحة 67

بعد رحيله، ومن قتله؟!! من يدّعون أنّهم من أمّة محمد(صلى اللّه عليه وآله وسلم)!!!

فالويل ثمّ الويل لقاتلك يا ابن النبي، والعذاب كلّ العذاب لمن تجرأ وأراد أن يخفي جريمتهم النكراء، والسعادة كلّ السعادة لمن أحبّك بحب جدّك وأبيك وأمّك وإخوتك، والنّور كلّ النّور للدموع الّتي تنهمر على ظلمك، والحق كلّ الحق أن تنصر في الدنيا بأحبائك، وفي الآخرة الحكم العدل (سبحانه و تعالى) يثأر لك حتى تقرّ عين أمّك المفجوعة بك.

ولقد نقل المؤرّخون وأصحاب السِّيَر والحديث هذه الجريمة النكراء، تاركين لنا البصمات لتلك اليد الأثيمة، وقد تلطخت بدم رسول الله(صلى اللّه عليه وآله وسلم)، حين سقط السبط قتيلاً ليس له نصيب من هذه الدنيا سوى بضع حركات أحسّت بها الأمّ النحيلة، وقبرٍ توسّد فيه التراب الدافئ، ولاحه شيء من النسيم ما بين الرحم والقبر.

صحيحٌ لعلّه لم يدرك ذلك، ولكن تألّم لأجله وأُفجع به جدّه وأبوه وأُمّه صلوات الله عليهم وعلى آلهم الطيبين الطاهرين.

فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، وسيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون والعاقبة للمتّقين.

والآن علينا أن نواسي ونشارك النبي محمّد(صلى اللّه عليه وآله وسلم)، في آلآمه ودموعه وعبراته الّتي تعصر قلبه الشريف، ولو بأن نستمع بكلّ إنصاف إلى ما يحدّثنا به من حمل الأمانة فأدّاها إمّا راغماً أو موالياً.


الصفحة 68

ونقرأ بإمعان ورويّة، ونعيش مع النصوص بكلّ ما نملك من عقل ومشاعر وأحاسيس، لنتعرّف من خلال هذه الروايات والأقوال، مدى مصداقيّة تلك التساؤلات.

روى الشهرستاني في الملل والنحل(1):

قال إبراهيم بن سيّار بن هاني النظام: إنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها وكان يصيح: أحرقوا دارها بمن فيها، وما كان في الدار غير عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين(2).

وذكر الوافي بالوفيات(3):

في ترجمة إبراهيم بن سيّار بن هاني البصري المعتزلي، قال: إنَّ النبي(صلى اللّه عليه وآله وسلم) نصَّ على أنَّ الإمامَ عليٌّ، وعيَّنه وعرفت الصحابة ذلك، ولكن كتمه عمر لأجل أبي بكر، وقال: إنَّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت المحسن من بطنها.

وقال الاسفرائيني في كتابه الفرق بين الفرق(4):

____________

1- الملل والنحل للشهرستاني ج1 ص57 .

2- ماذا تقضون ص433.

3- الوافي بالوفيات للصفدي ج5 ص14 .

4- الفرق بين الفرق لعبد القاهر الاسفرائيني ص107 .


الصفحة 69

عندما تكلّم عن النظام: وطعن في الفاروق عمر، وزعم أنّه شكّ يوم الحديبيّة في دينه، وشك في وفاة النبي(صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وأنّه كان فيمن نفّر بالنبي(صلى اللّه عليه وآله وسلم) ليلة العقبة، وأنّه ضرب فاطمة، ومنع ميراث العترة(1).

وقال ابن حجر في لسان الميزان في حرف الألف(2):

وقال محمد بن أحمد بن حماد الكوفي الحافظ بعد أن أرّخ موته: كان مستقيم الأمر عامّة دهره، ثم في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه: إنّ عمر رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسن(3)...

وذكر ابن أبي الحديد في شرحه للنهج(4):

بعد ذكر قصّة هبّار بن الأسود، وانّ رسول اللّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) أباح دمه يوم فتح مكّة، لأنّه روّع زينب بنت رسول اللّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) بالرّمح وهي في الهودج وكانت حاملاً، فرأت دماً وطرحت ذا بطنها.

قال: قرأت هذا الخبر على النقيب أبي جعفر فقال: إذا كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)

____________

1- الملاحظات ص157 .

2- لسان الميزان لابن حجر ج1 ص268 .

3- ماذا تقضون ص438 ونقله الذهبي أيضاً في ميزان الإعتدال ج1ص139

4- شرح النهج لابن أبي الحديد ج3 ص359 .


الصفحة 70

أباح دم هبّار لأنّه روّع زينب فألقت ذا بطنها، فظاهر الحال أنّه لو كان حيّاً لأباح دم من روّع فاطمة(عليها السّلام) حتّى ألقت ذا بطنها.

فقلت: أروي عنك ما يقوله قوم: إنّ فاطمة(عليها السّلام) روّعت فألقت المحسن؟ فقال: لا تروه عنّي ولا ترو عنّي بطلانه فإنّي متوقف في هذا الموضع لتعارض الأخبار عندي فيه(1).

وأي تعارض هذا ولم يكن في البين ولا رواية واحدة تنفي ذلك، ولو وجدت ـ وفرض المحال ليس بمحال ـ فإنّ مقتضى القاعدة تقديم الأكثر، بل إنّه سلّم أوّلاً وأرسله إرسال المسلّمات، فلمّا قال له: أروي عنك؟ تراجع وقال: لا تروه عنّي، ولعلّ أفضل الوجوه الّتي يحمل عليها هذا الكلام هي التقيّة.

وقال ابن شهراشوب في المناقب:

ولدت الحسن(عليه السلام) ولها اثنتى عشرة سنة وأولادها: الحسن والحسين والمحسن سقط ـ وفي معارف القتيبيِّ أنَّ محسِناً فسد من زخم قنفذ العدوي ـ وزينب وأمُّ كلثوم(2).

وروى سليم بن قيس:

عن عبد الله بن العباس، أنه حدَّثه ـ وكان جابر بن عبد الله إلى جانبه ـ: أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي، بعد خطبة طويلة: إن قريشاً ستظاهر

____________

1- البحار ج28 ص323 .

2- المناقب لابن شهرآشوب ج3 ص407. البحار ج43 ص233 ب9 ح10. والعوالم ج11 ص539.