×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج08 / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٤ فارغة
[image] - مركز الأبحاث العقائدية
٥

الفصل الثاني:

علم.. وقضاء..

٦
٧

قضاء علي.. وقضاء الشيخين:

روى جمع من العامة، عن مصعب بن سلام التميمي، ومن طرق الخاصة بسندهم عن الصادق (عليه السلام) وغيره، أنه قال: ثور قتل حماراً على عهد النبي (صلى الله عليه وآله)، فرفع ذلك إليه، وهو في أناس من أصحابه، منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): يا أبا بكر، إقض بينهما.

فقال: يا رسول الله، بهيمة قتلت بهيمة، ما عليها شيء.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله) لعمر: اقض بينهما.

فقال كقول أبي بكر صاحبه.

فالتفت النبي (صلى الله عليه وآله) إلى علي (عليه السلام) وقال له: يا علي، اقض بينهما.

فقال: حباً وكرامة، إن كان الثور دخل على الحمار فقتله في مستراحه ضمن أصحاب الثور دية الحمار، وإن كان الحمار دخل على الثور في مستراحه فلا ضمان على صاحب الثور.

فرفع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يده إلى السماء وقال: الحمد لله

٨

الذي منَّ على العباد بمن يقضي قضاء النبيين(١).

ونقول:

في هذه الرواية إشارات عديدة، نجملها في ما يلي:

١ ـ إنه (صلى الله عليه وآله) اكتفى بقضاء أبي بكر وعمر، ولم يطلب ذلك من عثمان، ربما لأنهما هما الأساس في الخلاف على أمير المؤمنين، فإذا ظهر حالهما في القضاء، وسقط اعتبارهما فيه، لم تصل النوبة إلى الآخرين.

٢ ـ يلاحظ: أنه (صلى الله عليه وآله) قد انتدب أبا بكر للقضاء أولاً، وسماه باسمه، ليظهر أنه هو المقصود في هذا الأمر، فلم يعد له مناص منه.

ثم نص على عمر، فكان الأمر كذلك.

١- الأربعين لأبي الفوارس ص١٣ وينابيع المودة ص٧٦ وراجع الفصول المهمة ص٣٤ وإرشاد المفيد ص١٨٥ الفصل ٧٥ من الباب ٢، وكذا في مناقب آل أبي طالب ج٢ ص٢٥٤ وبحار الأنوار ج٤٠ ص٢٤٦ وشرح إحقاق الحق ج٨ ص٤٨ وراجع: الكافي ج٧ ص٣٥٢ وخصائص الأئمة ص٨١ وتهذيب الأحكام ج١٠ ص٢٢٩ و الفضائل لشاذان ص١٦٧ وعوالي اللآلي ج٣ ص٦٢٦ وجامع أحاديث الشيعة ج٢٦ ص٣٥٤ وعجائب أحكام أمير المؤمنين للسيد محسن الأمين ص٤٦ وغاية المرام ج٥ ص٢٥٥ وينابيع المودة ج١ ص٢٢٨ ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج٢٩ ص٢٥٦ و (ط دار الإسلامية) ج١٩ ص١٩١ ومستدرك الوسائل ج١٨ ص٣٢١ والروضة في فضائل أمير المؤمنين لشاذان ص٢٠٨ .

٩

ولم يطلب من الحاضرين أن يقضوا في القضية، بأن يقول: اقضوا في هذه القضية، فيتقدم كل واحد منهم فيدلي بدلوه، إذ قد لا يتقدم هذان الرجلان لذلك، ليصونا بذلك أنفسهما عن التعرض للمزالق..

٣ ـ يلاحظ: أنه (صلى الله عليه وآله) لم يعلق على قضاء أبي بكر ولا على قضاء عمر بنفي أو إثبات، إذ لو صوَّب أو خطَّأ قضاء أبي بكر، أو قضاء عمر، لاتخذ الذي يأتي بعد هذا أو ذاك منحى آخر، يفرضه عليه ما يقوله النبي (صلى الله عليه وآله). ولأجل ذلك أبقى (صلى الله عليه وآله) الأمر في دائرة الابهام والإحتمال.

٤ ـ والغريب في الأمر ذلك التعليل الذي انقدح في ذهن أبي بكر، فبنى عليه حكمه في المورد، حيث قال: (بهيمة قتلت بهيمة، ما عليها من شيء..) ثم وافقه عمر على ذلك.

وكأنهما ظنا: أن المطلوب هو مجازاة البهيمة القاتلة بالقتل، أو بالسجن، أو بتغريمها ثمن البهيمة المقتولة مع أن الكلام إنما هو في تغريم صاحب البهيمة القاتلة ثمن البهيمة المقتولة لصاحبها.

والنزاع لم يكن بين الثور وأقارب الحمار.. بل كان بين صاحب الثور وصاحب الحمار، الذي يطالبه بثمن حماره، أو تهيئة مثله له.

وكان على عمر وأبي بكر أن يفهما مرجع الضمير في قوله (صلى الله عليه وآله): اقض بينهما، وأنه يرجع إلى الرجلين، لا إلى الثور والحمار!!.

٥ ـ والأغرب من هذا وذاك هو هذه العفوية التي ساقها أبو بكر وعمر للتدليل على بداهة حكم المسألة، ووضوحه الذي لا يقاوم، والذي

١٠

يغني المتخاصمين عن الترافع، بل وعن التنازع.

٦ ـ وعلينا أن نتأمل كثيراً، ونتوقف طويلاً عند قول رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإنه وإن كان قد أعرض عن الحديث عن قضاء عمر وأبي بكر, ولكنه ذكر قضاء علي (عليه السلام) بصورة اهتز لها الطامحون والطامعون والمناوئون له من الأعماق.. حيث إنه جعل قضاءه (عليه السلام) قضاء النبيين, ليدلل على أنه (عليه السلام) هو وارثهم, والأحق بمقامهم, والقادر على مواصلة نهجهم, وتحقيق أهدافهم.

٧ ـ إنه (صلى الله عليه وآله) جعل نفس وجود علي (عليه السلام) من منن الله تعالى على العباد التي لا بد أن يحمد عليها..

وهذا يشير إلى أن على العباد أن يتعاملوا مع علي (عليه السلام) بما يتوافق مع هذا العطاء الإلهي لهم..

وهو يعني: أن وجود علي (عليه السلام) له أعظم الأثر على العباد, وليس كوجود أي كان من الناس. فكيف ولماذا يقاس بغيره.


فأين الثريا من الثرى؟! وأين معاوية من علي؟!

٨ ـ ونعود إلى التذكير بأنه (صلى الله عليه وآله) قد جسد للناس عدم أهلية غير علي (عليه السلام) للمقامات التي يطمحون إليها، وأن وجودهم بالنسبة للعباد لا يختلف عن وجود غيرهم من سائر الناس, فقد يكون نافعاً لهم, وقد لا يكون, بل قد يكون بالغ الضرر لهم.

وجسد لهم أيضاً أهلية علي (عليه السلام) بصورة عملية في فعل علي (عليه السلام), وفي رفع يديه (صلى الله عليه وآله) لحمد الله, والثناء عليه.

١١

وجسده أيضاً: بالكلمة القوية التي أطلقها في حق علي (عليه السلام)، لتضمنها تصويب قضائه. والإرتفاع بهذا القضاء إلى مستوى قضاء النبيين, ثم اعتبار نفس وجود علي (عليه السلام) من المنن الإلهية التي لا بد أن يحمد على عليها.

القرعة لكل أمر مشكل:

عن حريز، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) باليمن في قوم انهدمت عليهم دار لهم، فبقي صبيان: أحدهما مملوك، والآخر حر، فأسهم بينهما، فخرج السهم على أحدهما، فجعل المال له وأعتق الآخر(١).

ونقول:

إن القرعة لكل أمر مشكل, وهي هنا وإن كانت قد حلت مشكلة المال، فصار لأحدهما دون الآخر. لكن موضوع الرقية والعبودية لا يستخرج بالقرعة, لأن الإنسان يمكن أن يُعطى المال وأن يؤخذ منه, وقد يعطيه الإنسان لغيره, وقد يحتفظ به لنفسه. لكن ليس لأحد الحق في أن

١- قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام" ص١٦٣ عن الكافي، وتهذيب الأحكام، وعن الإرشاد للمفيد. والكافي ج٧ ص١٣٧ وتهذيب الأحكام ج٦ ص٢٣٩ وج٩ ص٣٦٢ و ٣٦٣ ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج٢٦ ص٣١١ وج٢٧ ص٢٥٩ و (ط دار الإسلامية) ج١٧ ص٥٩٢ وج١٨ ص١٧٩ وجامع أحاديث الشيعة ج٢٥ ص٨٥.

١٢

يتنازل عن حريته, ويجعل نفسه مملوكاً,كما أنه ليس من حق أحد أن يستعبد من جعله الله حراً، لا بواسطة القرعة، ولا بغيرها.

وإعطاء المال لمن خرجت القرعة باسمه لا يجعله حراً، ولا الطفل الآخر عبداً. ولكن احتمال أن يكون الطرف الآخر عبداً يبقى قائماً. وقد يقوى في ذهن العوام، بل في ذهن الذي أخذ المال أن الشخص الآخر عبد.

وقد حصل التخلص من هذا المحذور كان بمبادرته (عليه السلام) إلى إعتاق الطفل الآخر لإزالة أي احتمال في حقه.

حدث في الجاهلية وقضاء في الإسلام:

عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قضى علي (عليه السلام) في ثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد، وذلك في الجاهلية قبل أن يظهر الإسلام، فأقرع بينهم، فجعل الولد لمن (للذي ـ ئل) قرع له، وجعل عليه ثلثي الدية للآخرين.

فضحك رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى بدت نواجذه.

قال: وقال: ما أعلم فيها شيئاً إلا ما قضى علي (عليه السلام)(١).

١- قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام" ص١٦٢ عن الشيخ، وعن المفيد، والكليني مع اختلاف. وعن مناقب آل أبي طالب عن أبي داود، وابن ماجة في سننهما، وابن بطة، وابن حنبل في فضائله، وابن مردويه بطرق كثيرة عن زيد بن أرقم. والحدائق الناضرة ج٢٥ ص٢٥ ورياض المسائل ج١٠ ص٤٩٩= = وعوائد الأيام ص٦٤٩ وجواهر الكلام ج٢٩ ص٢٦٢ ونيل الأوطار ج٧ ص٧٨ والسنن الكبرى للبيهقي ج١٠ ص٢٦٦ وغاية المرام ج٥ ص٢٥٦ وسنن ابن ماجة ج٢ ص٧٨٦ وسنن أبي داود ج١ ص٥٠٦ وسنن النسائي ج٦ ص١٨٢ والمستدرك للحاكم ج٢ ص٢٠٧ وج٣ ص١٣٥ والسنن الكبرى للبيهقي ج١٠ ص٢٦٧ والمصنف لابن أبي شيبة ج٧ ص٣٨٦ والسنن الكبرى للنسائي ج٣ ص٣٧٩ و ٤٩٦ وشرح معاني الآثار ج٤ ص٣٨٢ والمعجم الكبير للطبراني ج٥ ص١٧٣ ونصب الراية ج٤ ص٤٩ وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج٥ ص٨٤١ والدراية في تخريج أحاديث الهداية ج٢ ص٨٩ والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج٥ ص١٢٤ والسيرة النبوية لابن كثير ج٤ ص٢٠٨ و ٢٠٩ وينابيع المودة ج١ ص٢٢٧ وتخريج الأحاديث والآثار ج٣ ص١٥ ومعرفة السنن والآثار ج٧ ص٤٧٥ والإستبصار للطوسي ج٣ ص٣٦٨ وتهذيب الأحكام ج٨ ص١٦٩ ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج٢١ ص١٧١ و (ط دار الإسلامية) ج١٤ ص٥٦٦ وجامع أحاديث الشيعة ج٢١ ص١١٦ وج٢٥ ص٩٠.

١٣

ونقول:

١ ـ إن القرعة قد عينت من يأخذ الولد, ويكون له.. ويبدو أن الثلاثة قد واقعوا جارية كان يملك كل منهم ثلثها.

فأعطاه (عليه السلام) الولد وأسقط عنه حصته وهي الثلث, وضمَّنه الثلثين لرفيقيه المشاركين له في ملكية الجارية, فإن لكل واحد منهما ثلثها

١٤

أيضاً.

٢ ـ لعله (عليه السلام) قد أسقط الحد عنهم, لأنهم إنما فعلوا ذلك, وحملت بالولد في أيام جاهليتهم وكفرهم, ثم ولدته بعد إسلامهم.. والإسلام يجب ما قبله، فلا يقام الحد بعد الإسلام على من زنى قبل الإسلام.

٣ ـ لقد ضحك رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى بدت نواجذه، إعجاباً وفرحاً بقضاء علي (عليه السلام) المصيب للواقع..

القارصة والقامصة والواقصة:

روي: أن جارية حملت جارية أخرى على عاتقها عبثاً ولعباً، فجاءت جارية ثالثة، أخرى فقرصت الحاملة، فقفزت لقرصتها، فوقعت الراكبة، فاندقت عنقها وهلكت.

فقضى (عليه السلام) على القارصة بثلث الدية، وعلى القامصة بثلثها، وأسقط الثلث الباقي بقموص الراكبة لركوب الواقصة عبثاً القامصة.

وبلغ الخبر بذلك إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فأمضاه وشهد له بالصواب به(١).

١- قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام" ص٣٧ والإرشاد للمفيد ص١٠٥ و (ط دار المفيد) ج١ ص١٩٦ والمقنعة ص١١٧ ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج٢٩ ص٢٤٠ و٢٤١ و (ط دار الإسلامية) ج١٩ ص١٧٩ = = وجواهر الكلام ج٤٣ ص٧٥ وجامع المدارك ج٦ ص١٩٦ وبحار الأنوار ج٤٠ ص٢٤٥ وجامع أحاديث الشيعة ج٢٦ ص٣٦٠ وعجائب أحكام أمير المؤمنين للسيد محسن الأمين ص٤٠.

١٥

قال التستري:

وأما ما رواه الصدوق والشيخ عن الأصبغ قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في جارية ركبت جارية، فنخستها جارية أخرى، فقمصت المركوبة، فصرعت الراكبة فماتت، فقضى بديتها نصفين بين الناخسة والمنخوسة(١).. فمن روايات محمد بن أحمد بن يحيى عن أبي عبد الله، عن محمد بن عبد الله بن مهران، وقد استثنى ابن الوليد وابن بابويه وابن نوح روايته عنهما. وقررهم على ذلك الشيخ والنجاشي.

وفي طريقه أيضاً: أبو جميلة، وهو المفضل بن صالح، وحكم النجاشي بضعفه، وصرح ابن الغضائري بوضعه الحديث.

ورواية المفيد وإن كانت مرسلة إلا أن إرسال مثله معتبر، وقد ذكره في

١- قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام" ص٣٧ ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج٢٩ ص٢٤٠ و (ط دار الإسلامية) ج١٩ ص١٧٩ وتهذيب الأحكام ج١٠ ص٢٤١ ومن لا يحضره الفقيه ج٤ ص١٢٥ و (ط مركز النشر الإسلامي) ج٤ ص١٧٠ والنهاية للطوسي ص٧٦٣ والسرائر لابن إدريس ج٣ ص٣٧٣ ومختلف الشيعة ج٩ ص٣٣٧ ومستدرك الوسائل ج١٨ ص٣١٦ و ٣١٧.

١٦

الإرشاد والمقنعة.

فإن قيل: خبر التنصيف من روايات الخاصة، والأصل في التثليث العامة، بدليل أن صاحب المناقب رواه عن أبي عبيدة في غريب الحديث، وابن مهدي في نزهة الأبصار، عن الأصبغ هكذا: قضى (عليه السلام) في القارصة والقامصة والواقصة، وهن ثلاث جوار كن يلعبن، فركبت إحداهن صاحبتها، فقرصتها الثالثة، فقمصت المركوبة، فوقعت الراكبة فوقصت عنقها، فقضى بالدية أثلاثاً، وأسقط حصة الراكبة لما أعانت على نفسها، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله)، فاستصوبه.

قلنا: على تسليم استناد المفيد إلى تلك الرواية، يكون هي أولى بموافقته للإعتبار الصحيح، مع ضعف سند الأول بمن تقدم، وبسعد بن طريف عند الأكثر(١).

ملاحظة:

قرص لحمه: أخذه ولوى عليه بإصبعه فآلمه.

قمصت الدابة: أي وثبت ونفرت.

وقص عنقه: كسرها ودقها.

والمراد بالواقصة هنا: (التي هي اسم فاعل) معنى اسم المفعول.

١- قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام" ص٣٨.

١٧

الرسول (صلى الله عليه وآله) يمتحن أصحابه:

وروي: جابر وابن عباس: أن أبي بن كعب قرأ عند النبي: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}(١). فقال النبي (صلى الله عليه وآله) لقوم عنده، وفيهم: أبو بكر، وأبو عبيدة، وعمر، وعثمان، وعبد الرحمن: قولوا الآن: ما أول نعمة غرسكم الله بها، وبلاكم بها.

فخاضوا في المعاش والرياش، والذرية والأزواج، فلما أمسكوا قال: يا أبا الحسن، قل.

فقال (عليه السلام): إن الله خلقني ولم أك شيئاً مذكوراً، وأن أحسن بي فجعلني حياً لا مواتاً، وأن أنشأني ـ فله الحمد ـ في أحسن صورة، وأعدل تركيب، وأن جعلني متفكراً واعياً لا أبله ساهياً، وأن جعل لي شواعر أدرك بها ما ابتغيت، وجعل فيَّ سراجاً منيراً، وأن هداني لدينه، ولن يضلني عن سبيله، وأن جعل لي مراداً في حياة لا انقطاع لها، وأن جعلني ملكاً مالكاً لا مملوكاً، وأن سخر لي سمائه وأرضه وما فيهما وما بينهما من خلقه، وأن جعلنا ذكراناً قواماً على حلائلنا لا إناثاً.

وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول في كل كلمة: صدقت.

ثم قال: فما بعد هذا؟!

فقال علي (عليه السلام): {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا}(٢).

١- الآية ٢٠ من سورة لقمان.

٢- الآية ٢٠ من سورة لقمان.

١٨

فتبسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: ليهنئك الحكمة، ليهنئك العلم يا أبا الحسن، أنت وارث علمي، والمبين لأمتي ما اختلفت فيه من بعدي، الخبر(١).

ونقول:

لا بأس بالإشارة هنا إلى ما يلي:

قولوا الآن:

إنه (صلى الله عليه وآله) حين سأل القوم الذين عنده، حدَّد لهم وقتاً معيناً للإجابة، وزمناً خاصاً، فقال لهم: (قولوا الآن).

فلم يعطهم مهلة، يمكنهم فيها البحث عن إجابة لدى غيرهم. كما أنه ألزمهم بالبقاء في أمكنتهم.. لأن حصر زمان الإجابة بأن تكون (الآن) يجعل الإنتقال إلى مكان آخر، إما غير ذي جدوى، وإما غير مسموح به..

وارث علمي، والمبين لأمتي:

وقد أنتج هذا الإمتحان إعلان حقيقة: أن علم النبي (صلى الله عليه وآله) موجود عند علي (عليه السلام) أيضاً، وأن غيره ممن سوف يسعى لاستلاب مقامه (عليه السلام) فاقد لهذا العلم، الذي يحتاج إليه من يخلفه

١- قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام" ص٩٨ و٩٩ ومناقب آل أبي طالب ج٢ ص١٧٧ و ١٧٨ وأعيان الشيعة ج١ ص٤١٥ وعجائب أحكام أمير المؤمنين ص١٧٣.

١٩

(صلى الله عليه وآله) في المرجعية للأمة، حين الإختلاف، وفي كل حين.. لا سيما حين تهجم عليها اللوابس..

ثم إنه (صلى الله عليه وآله) حصر المرجعية للأمة كلها بعلي (عليه السلام). في كل موارد الإختلاف.

وأعظم مورد اختلاف وخلاف حصل في الأمة هو مقام الخلافة بعده (صلى الله عليه وآله).. وهم ليس فقط لم يرجعوا إلى علي (عليه السلام) فيه، بل قهروه على التخلي عنه..

لماذا يمتحنهم؟!:

لا شك في أنه (صلى الله عليه وآله) كان عالماً بحال أصحابه، وبما عندهم من العلم، ولا يحتاج إلى أن يمتحنهم بهذا السؤال الذي وجهه إليهم، ويكلفهم الخوض في أمور لم يكن لهم أن يخوضوا فيها، لعدم أهليتهم لذلك.

ولكنه (صلى الله عليه وآله) أراد بامتحانهم هذا: أن يعرفوا هم، ويعرف الناس عنهم الأمور التالية:

١ ـ إن الذين خاضوا فيما خاضوا فيه بمحضر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إنما اقتحموا أموراً لم يكن ينبغي لهم أن يقتحموها. بل كان يجب عليهم الإقرار بعدم المعرفة، والتورع عن القول بغير علم، فإن الظن لا يغني من الحق شيئاً.. لا سيما وأن السؤال هو عن معنى آية قرآنية.. وقد نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن تفسير القرآن بالرأي..

٢٠