×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج15 / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٤ فارغة
[image] - مركز الأبحاث العقائدية
٥

الفصل السادس:

عمر وخلافة علي (عليه السلام)

٦
٧

الشورى بنظر علي (عليه السلام):

وقد تحدث أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الشورى في خطبته الشقشقية، فقال:

(فيا لله، وللشورى!! متى اعترض الريب فيّ مع الأول منهم حتى صرت أقرن مع هذه النظائر؟! لكنني أسففت إذ أسفوا، وطرت إذ طاروا، فصغى رجل منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره، مع هن وهن، إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنيه، بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع إلخ..)(١).

ونقول:

١ ـ إننا نريد أن نعالج توهماً قد يراود ذهن بعض الناس، وهو أنه كيف يرضى الإمام (عليه السلام) بأن يمارس الإسفاف؟! فحتى لو أسفّ الآخرون، فالمفروض هو أن ينأى بنفسه عن ذلك..

وهذا وهم باطل، فإن المقصود هو أنه (عليه السلام) اختار مجاراتهم فيما يختارونه من مواقف، حتى لقد رضي الدخول في الشورى، وقرنوه بهذه

١- راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج١ ص٣٠.

٨

النظائر، مع علمهم بأنه لا يقاس به أحد. ورضي هو بذلك حفظاً للدين، ورعاية لمصلحة المسلمين. ولم يبادر لمواجهتهم بما يدخل في دائرة التحدي. والمقصود بالإسفاف هنا إسفاف الطائر، وهو دنوه من الأرض حتى يكاد يضربها برجله.. وليس المراد به الأخذ بالأمور الدنيئة والخسيسة..

٢ ـ قد أظهر (عليه السلام) في كلمته هذه أن القوم قد أتوا ما أتوا وهم على علم بتقدمه عليهم، وعلى يقين بأنهم لا يقاسون به.. وهذا يضع علامة استفهام كبيرة على المحاولات التي تبذل لإعطاء أبي بكر وعمر وسواهما أحجاماً بارزة في مقابله..

ثم هو يدلل على أن ما فعلوه لم يراعوا به طريق الورع والإلتزام بالحدود الشرعية..

٣ ـ إن من عداه كانوا نظائر لبعضهم البعض، ولم يكن يصح أن يقرن هو (عليه السلام) بهم.. وهذا يشير إلى أن ما يدعى لبعضهم من تمييز على من عداه في تقوى أو في علم، أو في سياسة، لم يكن دقيقاً.

٤ ـ إن أسباب ميلهم إلى غير علي (عليه السلام) ليست مقبولة من الناحية الشرعية والعقلية، فإنه لا يجوز لمن يجعل نفسه في موضع الأمين على مصير الأمة، ويوكل إليه اختيار ما يصلحها في دينها ودنياها ـ لا يجوز ـ أن يميل مع أضغانه الجاهلية التي لا يرضاها الله تعالى.. أو أن يميل مع عصبياته العشائرية، فإن ذلك لا يحقق الهدف الذي انتدب إلى تحقيقه. كما أنه ليس له مبرر في العقل والشرع. وقد أوضحنا ذلك في موضع آخر.

٥ ـ وأما بالنسبة لما وصف به عثمان من أنه قام نافجاً حضنيه، بين نثيليه

٩

ومعتلفه، فهو أصدق تعبير عن اهتمامات عثمان وانشغالاته التي ظهر أنها اتجهت بصورة انحدارية حتى بلغت هذا المستوى فأصبح همه بطنه، والتملي من مال الله سبحانه، ثم التخلي للتنفيس عن الكرب الناشئ من التخمة..

مع أن المفروض هو أن يفكر بسياسة الأمة بصورة صحيحة.. توصلها إلى الأهداف السامية التي رسمها الله تعالى لها.

لماذا زويت الخلافة عن أهلها؟!:

ونذكر هنا جانباً من تبريرات عمر، لمواصلة سياساته الرامية للإستمرار في إقصاء الخليفة الشرعي عن موقعه الذي جعله الله تعالى له، فلاحظ ما يلي:

١ ـ عن ابن عباس قال: إني لأماشي عمر في سكة من سكك المدينة، يده في يدي، فقال: يا ابن عباس، ما أظن صاحبك إلا مظلوماً.

فقلت في نفسي: والله لا يسبقني بها. فقلت: يا أمير المؤمنين، فاردد إليه ظلامته.

فانتزع يده من يدي، ثم مرّ يهمهم ساعة، ثم وقف، فلحقته، فقال لي: يا ابن عباس، ما أظن القوم منعهم صاحبك إلا أنهم استصغروه.

فقلت في نفسي: هذه شر من الأولى ـ فقلت: والله، ما استصغره الله حين أمره الله أن يأخذ سورة براءة من أبي بكر.

فأعرض عني وأسرع(١).

١- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٦ ص٤٥ وج١٢ ص٤٦ وعن الرياض النضرة = = ج٢ ص١٧٣ وكتاب الأربعين للشيرازي ص٢٢٦ وحلية الأبرار ج٢ ص٣١٧ وبحار الأنوار ج٤٠ ص١٢٥ عن الموفقيات، ومناقب أهل البيت (عليهم السلام" للشيرواني ص٤٥٠ والمراجعات ص٣٩٦ والسقيفة وفدك للجوهري ص٧٢ والدرجات الرفيعة ص١٠٥ وأبو هريرة للسيد شرف الدين ص١٢٢ وتاريخ مدينة دمشق ج٤٢ ص٣٤٩ وكشف الغمة للإربلي ج٢ ص٤٦ وكشف اليقين ص١٧٥ و ٤٧٠ والتحفة العسجدية ص١٤٥ وغاية المرام ج٦ ص١٢٢ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٢٢ ص٤٢٦ وج٣١ ص٣٧.

١٠

٢ ـ ويقول نص آخر: إن عمر قال لابن عباس، وهو يسير معه في بعض أسفاره: يابن عباس، ما منع علياً من الخروج معنا؟!

قلت: لا أدري.

قال: يا بن عباس، أبوك عم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنت ابن عمه، فما منع قومكم منكم؟!

قلت: لا أدري.

قال: لكني أدري، يكرهون ولايتكم لهم!

قلت: لم، ونحن لهم كالخير؟!

قال: اللهم غفراً، يكرهون أن تجتمع فيكم النبوّة والخلافة، فيكون بجحاً بجحاً، لعلكم تقولون: إن أبا بكر فعل ذلك!! لا والله، ولكن أبا بكر

١١

أتى أحزم ما حضره ولو جعله لكم ما نفعكم مع قربكم(١).

٣ ـ وفي نص آخر: أن عمر قال لابن عباس: أشكو إليك ابن عمك، سألته أن يخرج فلم يفعل، فلم أزل أراه واجداً، فبم تظن موجدته؟!

قلت: يا أمير المؤمنين، إنك لتعلم.

قال: أظنه لا يزال كئيباً لفوت الخلافة.

قلت: هو ذاك، إنه يزعم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أراد الأمر له.

فقال: يا ابن عباس: وأراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) له فكان ماذا، إذا لم يرد الله تعالى ذلك؟! إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أراد ذلك وأراد الله غيره، فنفذ مراد الله، ولم ينفذ مراد رسوله، أو كلما أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان؟!

إنه أراد إسلام عمه ولم يرده الله أن يسلم.

وقد روي معنى هذا الخبر بغير هذا اللفظ وهو قوله: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أراد أن يذكره للأمر في مرضه فصددته عنه خوفاً من الفتنة، وانتشار أمر الإسلام، فعلم رسول الله ما في نفسي وأمسك، وأبى الله إلا إمضاء ما حتم(٢).

١- تاريخ الأمم والملوك (ط مؤسسة الأعلمي) ج٣ ص٢٨٨ وراجع: مواقف الشيعة ج١ ص٢٢٠ وج٢ ص٣٦٣ والإيضاح لابن شاذان ص١٦٦ ـ ١٦٩.

٢- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٢ ص٧٨ و ٧٩ وبحار الأنوار ج٢٩ ص٦٣٩ = = وج٣٠ ص٥٥٥ وغاية المرام ج٦ ص٩٣ ومكاتيب الرسول ج٣ ص٧٠٦.

١٢

٤ ـ ونص رابع يقول: إن عمر قال: يابن عباس، أتدري ما منع قومكم منكم بعد محمد؟!

فكرهتُ أن أجيبه، فقلت: إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يُدريني.

فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوّة والخلافة، فتبجحوا على قومكم بَجَحاً بجَحاً، فاختارت قريش لأنفسها، فأصابت ووُفِّقت.

فقلت: يا أمير المؤمنين، إن تأذن لي في الكلام، وتُمِطْ عني الغضب تكلمت.

فقال: تكلم يا بن عباس.

فقلت: أمّا قولك يا أمير المؤمنين: اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفّقت، فلو أن قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله عزّ وجلّ لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود.

وأما قولك: إنهم كرهوا أن تكون لنا النبوّة والخلافة، فإنّ الله عزّ وجلّ وصف قوماً بالكراهية فقال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}(١).

فقال عمر: هيهات والله يابن عباس! قد كانت تبلغني عنك أشياء، كنت أكره أن أقرك عليها فتزيل منزلتك مني.

فقلت: وما هي يا أمير المؤمنين؟!

١- الآية ٩ من سورة محمد.

١٣

فإن كانت حقاً فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك، وإن كانت باطلاً فمثلي أماط الباطل عن نفسه.

فقال عمر: بلغني أنك تقول: إنما صرفوها عنا حسداً، وبغياً، وظلماً.

فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين ظلماً، فقد تبين للجاهل والحليم.

وأما قولك حسداً، فإن إبليس حسد آدم، فنحن ولده المحسودون.

فقال عمر: هيهات، أبت قلوبكم يا بني هاشم إلا حسداً ما يحول، وضغناً وغشاً ما يزول.

فقلت: مهلاً يا أمير المؤمنين، لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً بالحسد والغش، فإن قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قلوب بني هاشم.

فقال عمر: إليك عني يا ابن عباس.

فقلت: افعل، فلما ذهبت لأقوم استحيا مني، فقال: يا ابن عباس، مكانك الخ..(١).

٥ ـ قال المعتزلي: (وقد روي عن ابن عباس أيضاً، قال: دخلت على عمر يوماً، فقال: يا ابن العباس، لقد أجهد هذا الرجل نفسه في العبادة حتى نحلته، رياء.

١- تاريخ الأمم والملوك ج٤ ص٢٢٣ و (ط مؤسسة الأعلمي) ج٣ ص٢٨٩ والكامل في التاريخ ج٣ ص٦٣ و ٦٤ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٣ ص١٠٧ والمراجعات ص٣٩٤ والسقيفة وفدك للجوهري ص١٣١.

١٤

قلت: من هو؟!

فقال: هذا ابن عمك ـ يعني علياً (عليه السلام) ـ.

قلت: وما يقصد بالرياء يا أمير المؤمنين؟!

قال: يرشح نفسه بين الناس للخلافة.

قلت: وما يصنع بالترشيح؟! قد رشحه لها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فصرفت عنه.

قال: إنه كان شاباً حدثاً، فاستصغرت العرب سنه، وقد كمل الآن. ألم تعلم أن الله تعالى لم يبعث نبياً إلا بعد الأربعين؟!

قلت: يا أمير المؤمنين، أما أهل الحجى والنهى، فإنهم ما زالوا يعدونه كاملاً منذ رفع الله منار الإسلام، ولكنه يعدونه محروماً مجدوداً.

فقال: أما إنه سيليها بعد هياط ومياط(١)، ثم تزل فيها قدمه، ولا يقضي منها أربه إلخ..(٢).

ونقول:

إن لنا ملاحظات على هذه النصوص، نجملها فيما يلي:

١- الهياط: الإقبال، والمياط: الإدبار، كما عن اللحياني، وقال غيره: الهياط: اجتماع الناس للصلح، والمياط: تفرقهم عن ذلك. راجع: لسان العرب.

٢- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٢ ص٨٠ وبحار الأنوار ج٢٩ ص٦٣٧ وج٣١ ص٦٩ والتحفة العسجدية ص١٤٧ وسفينة النجاة للتنكابني ص٢٣٧ ومناقب أهل البيت (عليهم السلام" للشيرواني ص٤٤٨ ومواقف الشيعة ج١ ص١٥٤.

١٥

ألف: ما أظن صاحبك إلا مظلوماً:

١ ـ إن كثرة اسئلة عمر لابن عباس عن علي (عليه السلام)، وعن أسباب استبعاده من الخلافة وغير ذلك من شؤون، يجعلنا نظن أنه كان يعيش هاجس الخوف المستمر من وصول علي (عليه السلام) للخلافة بعده.

٢ ـ إنه يدل على أنه كان باستمرار بصدد جس النبض، ومعرفة الأجواء عن قرب، فابن عباس كان من بني هاشم، وهو ابن عم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) مباشرة.. وهو شاب عاقل، وفهيم، ولبيب. ولعل عمر كان يقربه ليرضي بذلك غروره، فإن صداقة الخليفة، والحصول على الإحترام والتبجيل من قبله أمر تميل إليه النفوس، فكيف بشاب طموح ولبيب، ومثقف مثل ابن عباس!!

٣ ـ لعل قول عمر لابن عباس: ما أظن صاحبك إلا مظلوماً، قد جاء على سبيل الإستدراج له، ليعرف منه إن كان الحديث عن المظلومية متداولاً في بيوت بين هاشم، ليعرف إن كانت النفوس غاضبة والعواطف متشنجة تجاهه هو شخصياً أم لا، حيث إنه كان يعيش عقدة ترقب نتائج أفعاله، فإنه هو الذي تولى مهاجمة أقدس بيت في بني هاشم، وفي جميع البشر على الإطلاق..

٤ ـ ولكن ما نكأ الجرح عنده هو جواب ابن عباس، الذي بيَّن له أن ظلامة علي (عليه السلام) هي عند عمر بالذات.. فأزعجه ذلك.. حتى إذا استعاد السيطرة على نفسه، واستجمع أفكاره طلع بالمخرج الذي لم يزل يردده، وهو أن قوم علي (عليه السلام) استبعدوه لأنهم استصغروه..

١٦

وبذلك يكون قد ألقى تبعة إبعاده على غيره، وتحول هو إلى الظل حيث لا يراه أحد إلا بمزيد من التحديق، والتبصر.

وقد قلنا إن كلا الأمرين غير دقيق، فإن عمر بن الخطاب كان على رأس الذين ابعدوا علياً (عليه السلام).. كما أن صغر السن لم يكن هو السبب في إبعاده كما بيناه.

بل السبب هو الإتفاق المسبق على ذلك، والإعداد له وفق ما بيناه في هذا الكتاب، وفي كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)..

وهذا بالذات هو ما جهر به ابن عباس، حين بين لعمر أن المعيار ليس هو رأي الناس في ذلك، بل المعيار هو الإختيار الإلهي.

ولم يستصغره الله حين عزل أبا بكر، ونصبه هو لتبليغ سورة البراءة.

ويلاحظ: أنه هذه المعادلة الإلهية كانت بين علي (عليه السلام) وبين أبي بكر بالذات، وأبو بكر الذي كان الرقم الأول الذي واجهوا فيه علياً (عليه السلام) في يوم السقيفة.

ب: ما منع علياً (عليه السلام) من الخروج معنا؟!

١ ـ أما النص المتقدم برقم (٢) فقد سجل مؤاخذة لعمر على علي (عليه السلام) مفادها أن علياً (عليه السلام) لم يرض بالخروج مع عمر في سفره ذاك..

مع أن الصحيح هو اعتبار امتناع علي (عليه السلام) عن الخروج مع

١٧

عمر في سفره مؤاخذة لعمر نفسه، من حيث أن هذا الإمتناع يؤذن باستمرار الموانع وبقاء المبررات لموقف التحفظ والإنكار لشرعية السلطة الحاكمة، وعلى رأسها عمر بن الخطاب.

٢ ـ إن على الناس أن يفهموا أن ما يلمحه الناس من انسجام ظاهري وتعامل إيجابي لعلي (عليه السلام) مع السلطة الغاصبة لحقه، فإنما جاء على سبيل العض على الجراح لمصلحة أهم وأغلى، وقد صرح أمير المؤمنين (عليه السلام) بذلك فقال في خطبته المعروفة (بالشقشقية):

(فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا).

٣ ـ إن عمر قد ذكر أن سبب عدم قبول العرب بولاية بني هاشم هو أنهم يكرهون ولايتهم لهم، مع أنه كان قد صرح في عدة موارد بأن الذي منع قومهم منهم أنهم استصغروا سن علي (عليه السلام).

وفي مواضع أخرى يقول: إنهم كرهوا أن تجتمع النبوة، والخلافة في بني هاشم، فيكون بجحاً بجحاً. والبجح هو الفرح.

بل لقد ظهر هذا الإختلاف في الرواية الواحدة، وهي الرواية الثانية، حيث قرر عمر أولاً: أن المانع هو كراهة ولايتهم لهم.

ثم أضرب عن ذلك بقوله: اللهم غفراً، ليقول: إن الذي منعهم هو كراهة اجتماع النبوة والخلافة إلخ..

٤ ـ قد حرص عمر أن يبرئ أبا بكر من أن يكون هو الذي منع من وصول علي أمير المؤمنين (عليه السلام) للخلافة.. ولعل سبب ذلك أنه أراد أن يدفع عن نفسه حيث كان هو المبادر لبيعة أبي بكر يوم السقيفة، وعن أبي

١٨

بكر تهمة التعدي والظلم لأهل البيت، ويجعل ذلك على عاتق جماعات باسرها، حيث تضيع الحقيقة في زحمة الناس.. تماماً كما أرادت قريش قتل النبي (صلى الله عليه وآله) ليلة الهجرة بنحو يضيع دمه بين القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حربها جميعاً. كما أنه أراد أن يجعل استبعاد علي (عليه السلام) قراراً جماهيرياً، ليصوره إنساناً منبوذاً من الناس ومكروها.

ومن الواضح: أنه لو توجه الطعن إلى خلافة أبي بكر، فإن ذلك سيطيح بشرعية خلافة عمر، لأن خلافته رشحت من خلافة أبي بكر، لأنها بوصية منه.

٥ ـ من أين وكيف يستطيع عمر بن الخطاب أن يقنع الناس بأن الخلافة لو جعلت لبني هاشم لم ينفعهم ذلك؟! فإن ذلك يأتي على خلاف ما قرره الله ورسوله، وبلَّغه على أتم وجه، حتى لقد أخذ البيعة لعلي (عليه السلام) في يوم الغدير من الناس جميعاً، بما فيهم أبو بكر وعمر إلى غير ذلك من مواقف وسياسات له (صلى الله عليه وآله) كانت تهدف إلى تكريس هذا الأمر وتأكيده. فلو أن أبا بكر وعمر، ومن تابعهما لم يقدما على ما أقدما عليه، فإن الناس كانوا لا يشكون في أن الأمر صائر إلى علي (عليه السلام)..

٦ ـ ما معنى قول عمر: (ولو جعلها لكم ما نفعكم إلخ..) فإن الضمير بقوله: (جعلها) يعود إلى أبي بكر، فيكون قد نسب إعطاء الخلافة وجعلها إلى أبي بكر، مع أن فاقد الشيء لا يعطيه. فليس لأبي بكر أن يعطي ولا لأحد من الناس ما ليس له..

وقد ذكرنا: أن الله سبحانه قد جعل هذا الأمر لعلي (عليه السلام)،

١٩

فلماذا انتزعه منه أبو بكر..

ج: موجدة علي (عليه السلام):

وأما الحديث الثالث الذي سأل فيه عمر بن الخطاب عن سبب موجدة علي (عليه السلام)، فنلاحظ فيه ما يلي:

١ ـ إن ظهور موجدة علي (عليه السلام) واستمرارها، حتى ليقول عمر: (فلم أزل أراه واجداً)، يدل على أنه (عليه السلام) كان يجمع بين أمرين:

أحدهما: أن يكون له (عليه السلام) حضور وتأثير في محيط الهيئة الحاكمة، ليتسنى له إحقاق الحق، وإبطال الباطل، وإقامة الشريعة، وعدم السماح بتعطيل الحدود والأحكام كما أظهرته الوقائع.. في مختلف الموارد..

الثاني: أن يحفظ لمظلوميته حيويتها، ولقضية الإمامة حضورها في وجدان الأمة، لتتمكن من نقلها إلى الأجيال التالية التي لها الحق في معرفتها كما كان للجيل الأول الحق في ذلك أيضاً.

٢ ـ إن سؤال عمر عن سبب موجدة علي (عليه السلام)، هو سؤال العارف الساعي لاستدراج الطرف الآخر ليقول ما عنده، ولذلك قال ابن عباس: مستخدماً المزيد من المؤكدات: (إنك لتعلم).

فلما جهر عمر بالأمر وافقه عليه ابن عباس.

٣ ـ لكن ما يدعو للدهشة هنا هو لغة أو فقل: نبرة الإستهتار العمري بقرار رسول الله (صلى الله عليه وآله)، زاعماً أن إرادة رسول الله (صلى الله

٢٠