×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج17 / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٤ فارغة
[image] - مركز الأبحاث العقائدية
٥

الفصل الثالث:

محاولة نفي عمار..

٦
٧

هل ضرب عمار مرة أخرى؟!:

ذكر الثقفي في تاريخه، عن سالم بن أبي الجعد، قال: خطب عثمان الناس، فقال: والله لأوثرن بني أمية، ولو كان بيدي مفاتيح الجنة لأدخلنهم إياها، ولكني سأعطيهم من هذا المال على رغم أنف من رغم.

فقال عمار بن ياسر: أنفي والله ترغم من ذلك.

قال عثمان: فأرغم الله أنفك.

فقال عمار: وأنف أبي بكر وعمر ترغم.

قال: وإنك لهناك يا بن سمية.. ثم نزل إليه فوطئه، فاستخرج من تحته وقد غشي عليه، وفتقه(١).

وبالإسناد من طريق أبي مخنف قال: كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حلي وجوهر، فأخذ منه عثمان، ما حلى به بعض أهله، فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك، وكلموه فيه بكلام شديد حتى أغضبوه، فخطب فقال: لنأخذن حاجتنا من هذا الفيء وإن رغمت أنوف أقوام.

١- بحار الأنوار ج٣١ ص ٢٧٩ و ٢٨٠ والغدير ج٩ ص١٨ عن العقد الفريد ج٢ ص٢٧٢ وتقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص٢٧٣.

٨

فقال له علي: إذاً تمنع من ذلك، ويحال بينك وبينه.

وقال عمار بن ياسر: أشهد الله أن أنفي أول راغم من ذلك.

فقال عثمان: أعلي يا ابن المتكاء تجترئ؟ خذوه.

فأخذ، ودخل عثمان ودعا به فضربه حتى غشي عليه، ثم أخرج فحمل حتى أتي به منزل أم سلمة زوج رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلم يصل الظهر والعصر والمغرب، فلما أفاق توضأ وصلى وقال: الحمد لله، ليس هذا أول يوم أوذينا فيه في الله.

وقام هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي ـ وكان عمار حليفاً لبني مخزوم ـ فقال: يا عثمان، أما علي فاتقيته وبني أبيه، وأما نحن فاجترأت علينا، وضربت أخانا حتى أشفيت به على التلف، أما والله لئن مات لأقتلن به رجلاً من بني أمية عظيم السرة.

فقال عثمان: وإنك لهاهنا يا ابن القسرية؟

قال: فإنهما قسريتان. وكانت أمه وجدته قسريتين من بجيلة.

فشتمه عثمان، وأمر به فأخرج، فأتى أم سلمة فإذا هي قد غضبت لعمار، وبلغ عائشة ما صنع بعمار، فغضبت وأخرجت شعرا من شعر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وثوباً من ثيابه، ونعلاً من نعاله ثم قالت: ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم، وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد.

فغضب عثمان غضباً شديداً حتى ما درى ما يقول، فالتج المسجد (أي ارتفعت الأصوات) وقال الناس: سبحان الله، سبحان الله.

وكان عمرو بن العاص واجداً على عثمان، لعزله إياه عن مصر، وتوليته

٩

إياها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فجعل يكثر التعجب والتسبيح.

وبلغ عثمان مصير هشام بن الوليد، ومن مشى معه من بني مخزوم إلى أم سلمة، وغضبها لعمار، فأرسل إليها: ما هذا الجمع؟

فأرسلت إليه: دع ذا عنك يا عثمان! ولا تحمل الناس في أمرك على ما يكرهون(١).

ونقول:

أولاً: صحيح أن ثمة روايات عديدة تضمنت أن عثمان قد ضرب عماراً حتى أصابه الفتق، ولكنها قد اختلفت فيما بينها في تحديد سبب ذلك..

ويبدو أن عثمان قد ضرب عماراً أكثر من مرة، لكن بالنسبة للفتق الذي أصابه، يحتمل أمران:

أحدهما: أن يكون قد أصابه الفتق أكثر من مرة..

الثاني: أن يكون قد ضرب عماراً أكثر من مرة، وأصيب عمار بالفتق مرة واحدة، لكن لم يستطع الرواة تحديد المناسبة التي حصل فيها ذلك بدقة فاختلفت أقوالهم فيه..

١- راجع: أنساب الأشراف ج٥ ص٤٨ وراجع ص٨٨ وبحار الأنوار ج٣١ ص١٩٣ والغدير ج٨ ص٢٨٥ وج٩ ص١٥ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٣ ص٤٩ والدرجات الرفيعة ص٢٦٢ والشافي في الإمامة ج٤ ص٢٨٩ وسفينة النجاة للتنكابني ص٢٤٦.

١٠

ثانياً: إننا لا نجد مبرراً لهذا الخطاب الناري العثماني إلا إرادة قمع إرادات الناس، والتحدي لأولئك الناصحين أو المنتقدين له..

وإلا، فإن بني أمية لا يستحقون هذا الإيثار من عثمان، إن لم نقل إنهم يستحقون الحرمان.. فإن الصالحين فيهم كانوا أقل منهم في غيرهم من الفئات والقبائل..

ثالثاً: إن عماراً قد عرض لعثمان بأن ما يفعله مخالف لسيرة أبي بكر وعمر، وقد اشترط عليه ابن عوف حين خصه بالخلافة: أن يعمل بسيرة الشيخين وسنتهما..

وهذا كلام صحيح، فلما يغضب منه عثمان؟! فإن التعريض بهذا الأمر لا يستوجب هذا الغضب العثماني الهائل.. بل هو تحذير له من أن يتخذ ذلك مناوئوه ذريعة للإقدام على خلعه، بحجة أنه خالف الشرط الذي أخذ عليه عند تخصيصه بالخلافة..

لماذا لم يدافع علي (عليه السلام) عن عمار؟!:

إن عثمان قد تصرف بطريقة لا تسمح بتدخل علي (عليه السلام) لمنع عثمان من ضرب عمار، فإن عثمان أمرهم بأخذ عمار، فأخذ وانقطع الإتصال به، ثم دخل عثمان البيت ودعا به، واعتدى عليه بالضرب.. فتم الأمر بسرعة، وبالخفاء، ولم يفسح المجال لإنقاذه إلا بطريقة من شأنها إثارة معركة قد تؤدي إلى سقوط قتلى لم يكن من المصلحة أن يسقطوا في هذا الوقت على الأقل.

١١

عثمان يحاول نفي عمار بن ياسر:

وذكر ابن أعثم والبلاذري وغيرهما ـ والنص لابن أعثم ـ: أنه لما مات أبو ذر بالربذة بلغ ذلك عثمان، فقال: رحم الله أبا ذر!

فقال عمار بن ياسر: فرحم الله أبا ذر من كل قلوبنا!

قال: فغضب عثمان ثم قال: يا كذا وكذا (يا عاض أير أبيه، كما ذكره البلاذري) أتظن أني ندمت على تسييره إلى ربذة؟

قال عمار: لا والله ما أرى ذلك!

قال عثمان: ادفعوا في قفاه، وأنت فالحق بالمكان الذي كان فيه أبو ذر ولا تبرحه أبدا ما بقيت وأنا حي.

فقال عمار: والله إن جوار السباع لاحب إلي من جوارك، ثم قام عمار فخرج من عنده.

قال: وعزم عثمان على نفي عمار، (فلما تهيأ للخروج) أقبلت بنو مخزوم إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقالوا: إنه يا أبا الحسن قد علمت بأنا أخوال أبيك أبي طالب، وهذا عثمان بن عفان قد أمر بتسيير عمار بن ياسر، وقد أحببنا أن نلقاه فنكلمه في ذلك، ونسأله أن يكف عنه، ولا يؤذينا فيه، فقد وثب عليه مرة ففعل به ما فعل، وهذه ثانية، ونخاف أن يخرج معه إلى أمر يندم ونندم نحن عليه.

فقال: أفعل ذلك، فلا تعجلوا، فوالله! لو لم تأتوني في هذا لكان ذلك من الحق الذي لا يسعني تركه، ولا عذر لي فيه.

١٢

قال: ثم أقبل علي (عليه السلام) حتى دخل على عثمان فسلم وجلس فقال: اتق الله أيها الرجل، وكف عن عمار وغير عمار من الصحابة، فإنك قد سيرت رجلا من صلحاء المسلمين، وخيار المهاجرين الأولين حتى هلك في تسييرك إياه غريبا، ثم إنك الآن تريد أن تنفي نظيره من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)!

فقال عثمان: لانت أحق بالمسير منه، فو الله ما أفسد علي عمارا وغيره سواك!

فقال علي (عليه السلام): والله يا عثمان! ما أنت بقادر على ذلك، ولا إليه بواصل، فرم ذلك إن شئت.

وأما قولك: إني أفسدهم عليك، فوالله ما يفسدهم عليك إلا نفسك، لأنهم يرون ما ينكروه (كذا)، فلا يسعهم إلا تغيير ما يرون.

قال: ثم وثب علي (عليه السلام) فخرج.

(زاد ابن أعثم قوله): واستقبله الناس فقالوا له: ما صنعت يا أبا الحسن؟

فقال: صنعت!! إنه قال لي كذا وكذا، وقلت له كذا.

فقالوا له: أحسنت والله وأصبت يا أبا الحسن!

فو الله لئن كان هذا شأن عثمان ورأيه فينا، كلما غضب على رجل منا نفاه إلى بلد غير بلده، فلا يموت أحد منا إلا غريبا في غير أهل ولا عشيرة، وإلى من يوصي الرجل عند موته، وبمن يستعين فيما ينوبه؟!

والله! لئن نموت في رحالنا خير لنا من حياة الأبد بالمكان الذي مات

١٣

فيه أبو ذر (رحمه الله تعالى).

قال: ثم أقبل علي (عليه السلام) على عمار بن ياسر فقال له: اجلس في بيتك، ولا تبرح منه. فإن الله تبارك وتعالى مانعك من عثمان وغير عثمان، وهؤلاء المسلمون معك.

فقالت بنو مخزوم: والله يا أبا الحسن! لئن نصرتنا وكنت معنا لا وصل إلينا عثمان بشيء نكرهه أبدا.

وبلغ ذلك عثمان، فكف عن عمار، وندم على ما كان منه(١).

ونقول:

إن لنا مع النص المتقدم وقفات، نذكر منها ما يلي:

الألفاظ الفاحشة:

أولاً: إن التفوه بالألفاظ الفاحشة محظور من الناحية الشرعية، وكان من صفات رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً(٢).

١- الفتوح لابن أعثم ج٢ ص١٦٢ ـ ١٦٤ و (ط دار الأضواء) ج٢ ص٣٧٨ والغدير ج٨ ص٢٩٤ و ٣٧٢ وج٩ ص١٨ وراجع: نهج السعادة ج١ ص١٧٣ و (ط مؤسسة الأعلمي) ج١ ص١٦١ وأنساب الأشراف ج٥ ص٥٤ وعن تاريخ اليعقوبي ج٢ ص١٥٠ والأمالي للشيخ المفيد ص٧٢ وحياة الإمام الحسين (عليه السلام" للقرشي ج١ ص٣٦٦.

٢- راجع: الشمائل المحمدية ص١٨٧ والتواضع والخمـول لابن أبي الدنيـا ص٢٢٣ = = وكتاب الصمت وآداب اللسان ص١٧٧ والعهود المحمدية ص٤٦٢ و ٦٦٦ و ٨٣٢ ومسند أحمد ج٢ ص١٦١ و ١٨٩ و ١٩٣ وج٢ ص٣٢٨ و ٤٤٨ وج٦ ص١٧٤ و ٢٣٦ و ٢٤٦ وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج٤ ص١٦٦ و ٢١٨ وج٧ ص٨١ و ٨٢ وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج٧ ص٧٨ وسنن الترمذي ج٣ ص٢٤٩ والسنن الكبرى للبيهقي ج١٠ ص١٩٢ وشرح مسلم للنووي ج١٦ ص١٥٢ وفتح الباري ج٦ ص٤١٩ وعمدة القاري ج١٦ ص١١١ ومسند أبي داود ص٢١٤ و ٢٩٧ و ٣٠٥ والمصنف لابن أبي شيبة ج٦ ص٨٨ و ٨٩ والكرم والجود للبرجلاني ص٣٢ و ٣٣ ومسند ابن راهويه ج٣ ص٩٢٠ والأدب المفرد للبخاري ص٦٧ وحديث خيثمة ص١٨٦ وصحيح ابن حبان ج١٤ ص٣٥٤ ورياض الصالحين ص٣٢٣ ونظم درر السمطين ص٥٨ و ٥٩ وكنز العمال ج٧ ص١٦٢ و ٢٢٠ و ٢٢٢ وتفسير البغوي ج٢ ص٢٢٤ وج٤ ص٣٧٦ والدر المنثور ج٢ ص٧٤ والطبقات الكبرى لابن سعد ج١ ص٣٦٥ و ٣٧٧ و ٤١٤ والكامل لابن عدي ج٤ ص٥٦ وتاريخ بغداد ج٦ ص١٥٦ وتاريخ مدينة دمشق ج٣ ص٢٦٨ و ٢٦٩ و ٣٧٢ و ٣٨٠ و ٣٨١ و ٣٨٢ وج١٦ ص٢٨٦ وج٥٤ ص١١٨ وميزان الإعتدال ج٢ ص٣٠٤ وتاريخ المدينة لابن شبة ج٢ ص٦٠٧ و ٦٣٧ وذكر أخبار إصبهان ج٢ ص٢١٢ والبداية والنهاية ج٦ ص٤١ وإمتاع الأسماع ج٢ ص٢٠٠ و ٢٠١ وعيون الأثر ج٢ ص٤٢٣ وسبل الهدى والرشاد ج١ ص٤٨٢ وج٩ ص٧٠ وج١٠ ص٤٣٥ وج١١ ص١٤٧.

١٤

فالمفروض بمن يجعل نفسه في موقع خلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن

١٥

يكون كذلك أيضاً..

ثانياً: وعدا ذلك، فإن هذا الأمر مما لا يليق صدوره من الخليفة، والقدوة والمربي، بل هو لا يليق بأي إنسان يحترم نفسه، ولذلك فنحن لا نرى صحة نسبة شيء من ذلك إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، أو إلى خلفائه من الأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين..

ثالثاً: روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله: من يحقر عماراً يحقره الله، ومن يسب عماراً يسبه الله، ومن ينتقص عماراً ينتقصه الله، ومن يعاد عماراً يعاده الله(١).

١- راجع: غوالي اللآلي ج١ ص١١٣ وخلاصة عبقات الأنوار ج٣ ص٢٣ ومجمع الزوائد ج٩ ص٢٩٤ وفضائل الصحابة للنسائي ص٥٠ والمعجم الكبير للطبراني ج٤ ص١١٣ والسنن الكبرى للنسائي ج٥ ص٧٤ وتاريخ مدينة دمشق ج٤٣ ص٤٠٠ والغدير ج١ ص٣٣١ وج٩ ص٢٧ و ٢٨ وكنز العمال ج٦ ص١٨٥ وج٧ ص٧١ ـ ٧٥ و (ط مؤسسة الرسالة) ج١١ ص٧٢٦ وج١٣ ص٥٣٤ ومسند أحمد ج٤ ص٩٠ والمستدرك للحاكم ج٣ ص٣٩٠ ـ ٣٩١ وتاريخ بغداد ج١ ص١٦٣ والإستيعاب (ط دار الجيل) ج٣ ص١١٣٨ وأسد الغابة ج٤ ص٤٥ والبداية والنهاية ج٧ ص٣١١ و (ط دار إحياء التراث العربي) ج٧ ص٣٤٥ والإصابة ج٢ ص٥١٢ و (ط دار الكتب العلمية) ج٤ ص٤٧٤ وتفسير الثعلبي ج٣ ص٣٣٥ وأسباب نزول الآيات ص١٠٦ وتفسير القرآن العظيم ج١ ص٥٣٠ وتهذيب الكمال ج٢٥ ص٣٦٦ و ٦٥٢ وطرح التثريب ج١ ص٨٨.

١٦

حتى نبرات الصوت:

١ ـ لقد غضب عثمان لمجرد أن عمار بن ياسر كرر نفس كلماته، وصادق عليها بقوة، فقال: فرحم الله أبا ذر من كل قلوبنا..

فما الذي أزعج عثمان من ذلك؟

هل أزعجه تصريح عمار بالترحم على أبي ذر؟!

أم أزعجته إضافة كلمة: (من كل قلوبنا)، فاعتبر ذلك تعريضاً به، بأنه لا يترحم عليه من كل قلبه، بل هو يتظاهر بذلك ليغطي على ما صنعه به؟! فهو كالذي يقتل القتيل ثم يمشي في جنازته؟

أم أن الذي أزعجه هو نبرات صوت عمار المشيرة إلى أن موت أبي ذر غريباً قد كان بسبب عثمان نفسه..

كل ذلك محتمل.. وكله ليس في صالح عثمان..

٢ ـ إن نبرات صوت عمار قد دفعت عثمان إلى أن يفضح نفسه، ويري الناس أنه ليس نادماً عل ما فرط منه في حق أبي ذر، وذلك يدل على أن ترحمه عليه ما كان إلا لذر الرماد بالعيون، بالإعلان عن تخلصه من إحدى المشكلات التي كانت تواجهه، وتقض مضجعه..

ما الذي جناه عمار؟!:

١ ـ إن استعراض ما جرى يعطي: أن كلام عمار مع عثمان لم يتضمن أي شيء من التصعيد، أو التحدي، بل اقتصر على مجرد إظهار الموافقة على كلام عثمان، أو إعادته وترديده..

١٧

فعثمان قد قال أولاً: رحم الله أبا ذر..

فكرر عمار كلامه قائلاً: فرحم الله أبا ذر من كل قلوبنا..

ثم قال عثمان بعد أن شتم عماراً: أتظن أني ندمت على تسييره إلى ربذة؟..

فقال عمار: لا والله ما أرى ذلك.. وهو جواب يتضمن الموافقة على ما يرمي إليه، فلماذا يشتمه على ترديده لكلامه.. ثم يأمرهم بأن يدفعوا في قفاه، ثم يعلن قرار نفيه إلى نفس الموضع الذي نفى إليه أبا ذر، ووافته المنية فيه؟!

٢ ـ وقد يبدو أن رد فعل عمار على قرار عثمان بنفيه كان قاسياً في ظاهره، ولكنه أيضاً كان عين الواقع والحقيقة، حين قال له: جوار السباع أحب إلى من جوارك.. فعثمان يبطش بكل من تناله يده، ولا يراعي حرمات الناس، وهو يفعل ذلك مع علمه بأنه محظور عليه شرعاً، ومنافر للفطرة الإنسانية.. أما السباع، فإنها حين تبطش بفريستها، تنسجم بذلك مع فطرتها، وذلك هو مقتضى طبعها..

فجوار السباع يحتم التحرز منها، من دون أن يكون هناك أي عذاب روحي، أو جرح للمشاعر فيما عدا ما ينتاب الإنسان من خوف منها، فإذا أمكن للإنسان أن يتحرز منها زال خوفه، وعادت حياته إلى طبيعتها.. ولتصبح من ثم حياة رضية وهادئة وهانئة..

بخلاف جواز من يفعل ما يخالف فطرته، وما يناقض ما يحكم به عقله، وضد ما يرتضيه وجدانه وضميره.

١٨

وهذا بالذات هو ما يريد عمار أن يقوله لنا، ولم نضف إليه شيئاً من عند أنفسنا.

تهديد هشام بن الوليد لا قيمة له:

بالنسبة لتهديد هشام بن الوليد بن المغيرة وبني مخزوم بقتل شيخ عظيم من بني أمية نقول:

أولاً: ربما يقال: إن هذا التهديد لم يكن لأجل الإنتصار للحق وللمظلوم، بل هو للإلتزام العشائري، أو لأجل الحلف، أي أن بني المغيرة غضبوا لعمار لكونه حليفهم، كما أن بني مخزوم لم ينتصروا لعمار إلا لأنه من قبيلتهم..

ثانياً: إن عثمان لم يكترث بتهديدات هشام بن الوليد، بل هو قد تحداه بقوله: لست هناك.. ربما لأنه أدرك أن قومه الأمويين هم الأقوى، وأنه خليفة يملك السلاح والرجال، ويستطيع أن يحشد ما شاء من ذلك.

بنو مخزوم أخوال أبي طالب:

وقد صرحت النصوص بأن بني مخزوم قبيلة عمار بن ياسر لجأوا إلى علي ليحل المشكلة، وقد تقربوا إليه بخؤولتهم لأبيه أبي طالب، وما ذلك إلا لعلمهم بما يراه (عليه السلام) لأبي طالب من حق عليه، حتى إنه لا يرد سائلاً يتوسل إليه به..

إستجابة علي (عليه السلام) عملاً بالواجب:

ولكن علياً قد صرح لبني مخزوم بأنه مصمم على حسم هذه القضية،

١٩

لا لأجل أن بني مخزوم طلبوا منه ذلك، ويريد أن يلبي طلبهم استجلاباً لرضاهم، ولا لأجل علاقته الشخصية بأبي طالب، من حيث أنه أبوه، بل لأن ذلك من الحق الذي لا يسعه تركه، ولا عذر له فيه، على حد تعبيره.. فهو لم يتحرك إستجابة لمشاعره القبلية.. ولا تلبية لرغبة شخصية في أن يكون له فضل ومنَّة على بني مخزوم..

بل تحرك امتثالاً منه للواجب الإلهي، والتكليف الشرعي..

وهذا يعطي للناس درساً في العمل الرسالي، والطاعة لله تعالى، بروح صافية، ونية صالحة، وبدافع خالص من أية شائبة غير إلهية..

الحق مع عمار:

وقد يقول قائل: ما الذي يمنع من أن يكون عمار هو المتعدي على عثمان؟!

ونجيب: بأن النبي (صلى الله عليه وآله) أخبرنا بخلاف ذلك.

فأولاً: قد رووا: أن رجلاً جاء إلى ابن مسعود، فقال: أرأيت إذا نزلت فتنة، كيف أصنع؟!

فقال: عليك بكتاب الله..

قال: أرأيت: إن جاء قوم كلهم يدعون إلى كتاب الله؟!

فقال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إذا اختلف

٢٠