×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مهدي الامم (عجل الله تعالى فرجه) / الصفحات: ١ - ٢٠

١

اللهمّ كُن لوليّك الحجّة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كلّ ساعة ولياً وحافظاً، وقائداً وناصراً، ودليلاً وعيناً حتّى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتّعه فيها طويلاً.

اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا صلواتك عليه وآله وغيبة ولينا، وكثرة عدونا، وقلة عددنا، وشدة الفتن بنا، وتظاهر الزمان علينا، وصل على محمد واله، وأعنا على ذلك بفتح منك تعجله، وبضر تكشفه، ونصر تعزه، وسلطان حق تظهره، ورحمة منك تجللناها، وعافية منك تلبسناها، برحمتك يا أرحم الراحمين.

٢

٣

إليك أيها المرتجى لإزالة الجور والعدوان، والمدخر لتجديد الفرائض والسنن.

إليك يا صاحب يوم الفتح، وناشر راية الهدى.. ومؤلف شمل الصلاح والرضا.. والطالب بدم المقتول بكربلاء.

إليك أيها الإمام المنتظر المصلح الذي تملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.

إليك سيدي هذا المجهود القليل..أهدي هذا الكتاب فعسى أن ينال رضاك.

{يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ} ٨٨ سورة يوسف

أهدي لمجلسه الكريم وإنما

أهدي له ماحزتُ من نعمائه

كالبحر يمطره السحابُ ومــالهُ

منٌّ عليه لأنـــــه من مـــــائه

٤

٥

مقدمة الكتاب

الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين, واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

إلى الحشر حتى يبعث اللهُ قائماً

يفرج عنّا الهم والكرباتِ

إن الحديث حول الإمام المهدي المنتظر عليه السلام مما تتوق إليه النفس، فهو الذي سوف يتحقق على يديه العدل، وتبديد الجور والظلم، وبه يفرّج الله تعالى عن المؤمنين، فهو أمل المستضعفين والمحرومين، وهو الذي سوف ينعم في دولته الأنام، وبفضله يعمّ الأمن والسلام.

وكم نحن بأمس الحاجة في أن نتعرف على هذا التأريخ المشرق، ونتزود من هذا النور الذي ستضيء به الدنيا في نهاية المطاف بعد صراع دام طويلاً بين الحق والباطل، فلابد أن تأتي شمس العدل والحرية لتشرق على آفاق هذه الأرض التي عانت ما عانت من ظلم وجور.

وهذا الكتاب أخي الكريم يستهدف التعريف على نحو الإجمال للسيرة

٦
العطرة لمولانا الإمام المهدي المنتظر عليه السلام، من خلال ما جاء فيه من الأخبار والأحاديث الشريفة، ومايرتبط بخصائصه وخصاله، وماحباه الله تعالى من كرامات ونفحات، وما يتعلق بغيبته وظهوره الشريف، وتأريخ سفرائه وأصحابه، وخصائص دولته المباركة.. وحقوقه على الأمة.

ونشير هنا إلى أن هذا الكتاب قد صدر في عام ١٤٢٦ باسم (المختصر في حياة الإمام المنتظر عليه السلام) وكان عدد صفحاته في حدود ٢٢٠ صفحة، وقد وزّع منه نسخ محدودة إلى أن اطلع عليه سماحة العلامة الأستاذ الشيخ محسن المعلم أيده الله تعالى، والذي لايزال يرفدنا بتوجيهاته النافعة جزاه الله تعالى خير جزاء المحسنين، فاقترح علينا إضافة بعض البحوث المهمة إلى هذا الكتاب ليخرج بصورة أكمل مما كان عليه سابقاً، وأكثر نفعاً للقارئ، فحفزني دام فضله على الإسراع في إنجاز هذا الكتاب، فالفضل يعود إليه، فقمت بعون الله تعالى وتوفيقه ممتثلاً لهذا الواجب الولائي.

ويتلخص عملي الجديد في هذا الكتاب في مايلي:

١- قمت بتنسيق الكتاب من جديد، مع إضافة بعض البحوث المهمة، منها: الإمامة والإمام المهدي عليه السلام عند الشيعة الإمامية، وسرد بعض الأدلة على إمامة أهل البيت عليهم السلام بنحو الإجمال، والإشارة إلى بعض مصادر الإمامية التي تناولت موضوع الإمامة وأدلتها.

٢- تناولت ملامح من عقيدة السنة حول الإمام المهدي عليه السلام، مع ذكر بعض الجهات المشتركة بيننا وبينهم في ذلك، والإشارة إلى جملة من مصادرهم التي روت أخبار ظهور الإمام المهدي عليه السلام، ليرى الباحث الكم الهائل المتنوع عند الفرق الإسلامية في هذا الأمر، كما أشرنا أيضاً إلى جملة من حفاظهم ومحدثيهم الذين دونوا أحاديث المهدي عليه السلام وأثبتوها في مصنفاتهم، وذكرنا أيضاً جملة ممن نصّ منهم على صحتها وتواترها، كما ذكرنا أيضاً ردود بعض أعلام السنة على من أنكر أو ضعّف أخبار المهدي عليه السلام.

٣

٧
- ذكرت جملة من حقوق الإمام المهدي عليه السلام علينا، وما ينبغي علينا تجاهه، وفضل انتظار الفرج في زمن الغيبة، كما ذكرت بعض الأدعية المروية عن الإمام عليه السلام.

وأخيراً أرجو أن يكون هذا الكتاب قد ساهم في إثراء المكتبة الإسلامية في مايرتبط بتأريخ وحياة مولانا الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، وأنَّى لنا أن نفي بحقه، أو نعرّفه بأكثر مما أفصحت به الأحاديث الشريفة التي جاءت من المنبع الصافي، والنمير الذي لاينضب، فنحن قاصرون في بيان ذلك.

فيمَ الكلام لسابقٍ في غايةٍ

والناس بين مقصّر ومبلدِ

إن الذي يجري ليدرك شأوه

يُنمى بغير مسودٍ ومسدّدِ

بل كيف يدرك نور بدر ساطع

خير الأنام وفرع آل محمدِ(١)

وأسأل الله العلي القدير أن ينفع بهذا الكتاب إخواني المؤمنين، وأخص بالذكر أيضاً طلاب الحقيقة الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يتقبل مني هذا المجهود القليل في حقِّ مولانا صاحب العصر والزمان أرواحنا له الفداء إنه سميع الدعاء، والحمد لله ربِّ العالمين.

عبد الله حسن آل درويش

حُرر في مدينة مشهد المقدسة

الجمعة ١١ شعبان المعظم سنة ١٤٣١

١- الأبيات لذكوان مولى الإمام الحسين عليه السلام قالها فيه.

٨

٩

الفصل الأول الإمامة والإمام المهدي في عقيدة الشيعة الإمامية

١٠

١١
الإمامة في الأدلة العقلية والشرعية

الأول: الدليل العقلي (ضرورة وجود إمام في كل زمان)

تستدل الشيعة الإمامية على وجوب تنصيب الإمام بعد النبي صلى الله عليه وآله، وعدم خلو الزمان منه، بالأدلة العقلية والشرعية.

أما الأدلة العقلية، فمنها مايسمى بقاعدة اللطف الإلهي(١)، ولبيان هذه القاعدة، نقول:

تقتضي قاعدة اللطف إعلام العباد بما فيه صلاحهم وما فيه فسادهم لطفاً بهم، فكلُّ شيء يترتب عليه صلاحهم يرشدهم إليه، وكلُّ شيء فيه فسادهم ينهاهم عنه، ومن هنا اقتضت قاعدة اللطف بعث الرسل والأنبياء ليتم البلاغ على أيديهم، فيبشرون الناس وينذرونهم، ويبلغون لهم الأحكام، فوجود الأنبياء في الأرض يمثل اللطف الإلهي، فعلى هذا يكون كلُّ لطف واجباً فعله.

وبنفس هذا المناط أيضاً نقول: بعد الأنبياء لايمكن أن تخلو الأرض من حجة لله تعالى في كلّ زمان، ومما لانقاش فيه أن صلاح البشر يتوقف على وجود

١- راجع أيضاً فيما يرتبط بالأدلة العقلية على وجوب الإمامة كتاب الألفين للعلامة الحلي رحمه الله تعالى فقد سرد فيه أكثر من ألف دليل من الأدلة العقلية وغيرها على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام.

١٢
إمام يرعاهم في كلّ زمان، عالم بأمورهم، خبير بما يصلحهم وما يفسدهم، ومايقرّبهم إلى الله تعالى، فيتمّ بوجود الإمام نظم أمور الناس، وصلاح شأنهم في الدين والدنيا، فمن هنا قالوا: إن وجود الإمام بين الناس من اللطف الإلهي، فوجوده إذن أمر ضروري، وهذا ماتقتضيه قاعدة اللطف.

وأما كون الإمامة من اللطف الواجب فلا إشكال فيه، لأن الإمام يقرِّب الناس إلى طاعة الله، ويبعدهم عن معصيته بلا إلجاء، ويقيم عليهم الحجة، ويعرفهم التكاليف الشرعية، وهذا مايفعله الله تعالى بعباده من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وقد اعترف بهذه القاعدة أيضاً الرازي، فقد قال: إن كلّ ما في مقدور الله تعالى من الألطاف في حقّ الكل فقد فعله.. وفعل اللطف واجب..(١).

مزيد بيان وتوضيح

ولتوضيح استدلال الشيعة الإمامية بقاعدة اللطف الإلهي على ضرورة نصب الإمام بعد النبي صلى الله عليه وآله لا بأس أن نورد هنا بعض كلمات الأعلام في بيان هذه القاعدة المهمة وحدودها ومواردها ليقف القارئ الكريم على حقيقة هذه القاعدة.

قال الشيخ المفيد رحمه الله تعالى: اللطف هو ما يقرّب المكلف معه من الطاعة ويبعده عن المعصية، ولاحظ له في التمكين ولم يبلغ الإلجاء، فإن قيل: ما الدليل على أن اللطف واجب في الحكمة؟ فالجواب: الدليل على وجوبه توقف غرض المكلف عليه، فيكون واجباً في الحكمة، وهو المطلوب(٢).

وقال أيضاً في مبحث الإمامة: فإن قيل: حكمة الله تعالى تقتضي نصب الإمام وتوجبه أم لا؟ فالجواب: الحكمة تقتضي ذلك وتوجبه، فإن قيل: ما حد

١- راجع التفسير الكبير، الرازي: ٤/ ١١٠، والمحصول، الرازي: ٤/ ١٠٢ – ١٠٣.

٢- النكت الاعتقادية، الشيخ المفيد: ٣٥.

١٣
الإمام؟ فالجواب: الإمام هو الإنسان الذي له رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي عليه السلام.

فإن قيل: ما الدليل على أن الإمامة واجبة في الحكمة؟ فالجواب: الدليل على ذلك أنها لطف، واللطف واجب في الحكمة على الله تعالى فالإمامة واجبة في الحكمة(١).

اللطف قسمان:

على ضوء تعريف الشيخ المفيد رحمه الله تعالى السابق للطف نلاحظ أمراً مهماً في التعريف هو: أن شرط اللطف أن لا يبلغ حدّ الإلجاء، لأنه خلاف التكليف.

ويقول الشيخ الميرزا أبو الحسن الشعراني في بيان هذه المسألة: إن كلَّ مقرب إلى الطاعة ومبعد عن المعصية يجب على الله تعالى إن لم يوجب الجبر والقهر(٢).

وقال الشيخ محمد صالح المازندراني: واعتقادنا أن التكليف من الشارع حسن، إذ خلق الشهوة والميل إلى القبيح، والتكليف زاجر عنه، وكلُّ شيء يقرّب العبد إلى ارتكاب المحاسن ويبعده عن المكاره كبعث الأنبياء، وتأييدهم بالمعجزات، والأمر والنهي، والتخويف من العقاب، والترغيب في الثواب لطف، كما قيل: التكاليف الشرعية ألطاف في الواجبات العقلية.

واعتقادنا أن اللطف واجب في حكمته ورحمته كما قال: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}(٣) وشرط اللطف أن لا يبلغ الإلجاء بأن يسبب الأسباب بحيث لا

١- نفس المصدر: ٣٩.

٢- راجع: شرح أصول الكافي، محمد صالح المازندراني: ج ٥ هامش: ص ٢٢٦ - ٢٢٩.

٣- سورة الأنعام، الآية: ٥٤.

١٤
يتمكن العبد من المعصية، مثلاً لا يجب على الله أن لا يخلق الخمر حتى لا يشربها أحد، أو لا يخلق فيه الشهوة حتى لا يزني، فإن ذلك وإن كان يقرب العبد إلى الطاعة لكن يبلغ حدّ الإلجاء، وهو ينافي التكليف كما قال: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا}(١) يعني بالإلجاء، لكن خيّرهم ولم يجبرهم، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}(٢).

ويجب أيضاً عليه إقدار العبد وتمكينه من الفعل المكلف به، وهذا شرط التكليف، ولا يسمى لطفاً، فإن قيل: نرى كثيراً مما يقرب العبد إلى الطاعة يقيناً لم يحصل، مثلاً لو رأى الفاسق في كلّ يوم معجزة من وليٍّ ربما يرتدع، ولو ابتلى كلُّ فاسق ببلاء بعد عمله ربما انزجر، وأمثال ذلك.

قلنا: جميع ما يتوهم من ذلك، إما أمور غير ممكنة في حكمة الله تعالى، وإما يصير إلى حدّ الإلجاء، وإن لم نعلم تفصيله..(٣).

وقال ابن جبر أيضاً في بيان حدّ اللطف في جهة أخرى غير ماذكر: إن اللطف واجب على الله تعالى من حيث الحكمة وعدله يقتضي ذلك، ولا يماري في ذلك من يقول بالعدل، ولأن اللطف أيضاً لطفان: لطف يؤدي تركه إلى فساد، وذلك يجب فعله على الله تعالى كنصب النبيِّ أو الإمام للخلق يهتدون به، ولطف لا يؤدي تركه إلى فساد، كترك زيد أن يدخله الله الجنة تفضلاً منه وتلطفاً بزيد(٤).

ويقول الشيخ الأميني رحمه الله تعالى في بيان هذه القاعدة، وعقيدتنا في الإمامة: الذي نرتأيه في الخلافة أنها إمرة إلهية كالنبوة، وإن كان الرسول خص بالتشريع والوحي الإلهي، وشأن الخليفة التبليغ والبيان، وتفصيل المجمل،

١- سورة يونس، الآية: ٩٩.

٢- سورة الأنفال، الآية: ٤٢.

٣- نفس المصدر السابق: ١/ ١٢.

٤- نهج الإيمان، ابن جبر: ٣٧.

١٥
وتفسير المعضل، وتطبيق الكلمات بمصاديقها، والقتال دون التأويل كما يقاتل النبيُّ دون التنزيل، وإظهار ما لم يتسن للنبيِّ الإشادة به إما لتأخر ظرفه، أو لعدم تهيأ النفوس له، أو لغير ذلك من العلل، فكل منهما داخل في اللطف الإلهي الواجب عليه، بمعنى تقريب العباد إلى الطاعة وتبعيدهم عن المعصية، ولذلك خلقهم واستعبدهم وعلّمهم ما لم يعلموا، فلم يدع البشر كالبهائم ليأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل، ولكن خلقهم ليعرفوه، وليمكنهم من الحصول على مرضاته، وسهّل لهم الطريق إلى ذلك ببعث الرسل، وإنزال الكتب، وتواصل الوحي في الفينة بعد الفينة، وبما أن أيّ نبيّ لم ينط عمره بمنصرم الدنيا، ولا قدّر له البقاء مع الأبد، وللشرايع ظروف مديدة، كما أن للشريعة الخاتمة أمداً لا منتهى له، فإذا مات الرسول ولشريعته إحدى المدتين وفي كلّ منهما نفوس لم تكمل بعد، وأحكام لم تبلغ وإن كانت مشرعة، وأخرى لم تأت ظروفها، ومواليد قدر تأخير تكوينها، ليس من المعقول بعد أن تترك الأمة سدى والحالة هذه، والناس كلهم في شمول ذلك اللطف، والواجب عليه سبحانه شرع سواء، فيجب عليه جلّت عظمته أن يقيض لهم من يكمل الشريعة ببيانه، ويزيح شبه الملحدين ببرهانه، ويجلو ظلم الجهل بعرفانه، ويدرء عن الدين عادية أعدائه بسيفه وسنانه، ويقيم الأمت والعوج بيده ولسانه.

ومهما كان للمولى جلّت مننه عناية بعبيده، وقد ألزم نفسه بإسداء البر إليهم، وأن لا يوليهم إلا الخير والسعادة، فعليه أن يختار لهم من ينوء بذلك العبأ الثقيل، ويمثل مخلفه الرسول في الوظايف كلها، فينص عليه بلسان ذلك النبيّ المبعوث، ولا يجوز أن يخلي سربهم، ويتركهم سدى، ألا ترى أن عبد الله بن عمر قال لأبيه: إن الناس يتحدثون أنك غير مستخلف، ولو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاء وترك رعيته رأيت أن قد فرّط - لرأيت أن قد ضيّع - ورعاية الناس أشد من رعاية الإبل والغنم، ماذا تقول لله عزَّ وجلَّ إذا لقيته ولم تستخلف على عباده؟!(١).

١- صحيح مسلم: ٦/ ٥، السنن الكبرى، البيهقي: ٨/ ١٤٩، سيرة عمر، ابن الجوزي: ١٩٠، المصنف، الصنعاني: ٥/ ٤٤٩، فتح الباري، ابن حجر: ١٣/ ١٧٧.

١٦
وقالت عائشة لابن عمر: يا بني أبلغ عمر سلامي وقل له: لا تدع أمة محمد بلا راعٍ، استخلف عليهم، ولا تدعهم بعدك هملاً، فإني أخشى عليهم الفتنة(١).

فترك الناس مهملين فيه خشية الفتنة عليهم، وقال عبد الله بن عمر لأبيه: لو استخلفت؟ قال: من؟ قال: تجتهد فإنك لست لهم برب، تجتهد، أرأيت لو أنك بعثت إلى قيّم أرضك ألم تكن تحب أن يستخلف مكانه حتى يرجع إلى الأرض؟ قال: بلى. قال: أرأيت لو بعثت إلى راعي غنمك ألم تكن تحب أن يستخلف رجلاً حتى يرجع؟(٢).

وهذا معاوية بن أبي سفيان يتمسك بهذا الحكم العقلي المسلم في استخلاف يزيد، ويقول: إني أرهب أن أدع أمة محمد بعدي كالضأن لا راعي لها!(٣).

ليت شعري هذا الدليل العقلي المتسالم عليه لِمَ أهملته الأمة في استخلاف النبيّ الأعظم واتهمته بالصفح عنه؟ أنا لا أدري، ولا يجوز أيضاً توكيل الأمر إلى أفراد الأمة، أو إلى أهل الحل والعقد منهم، لأن مما أوجبه العقل السليم أن يكون الإمام مكتنفاً بشرايط بعضها من النفسيات الخفية، والملكات التي لا يعلمها إلا العالم بالسرائر كالعصمة والقداسة الروحية، والنزاهة النفسية لتبعده عن الأهواء والشهوات، والعلم الذي لا يضل معه في شيء من الأحكام إلى كثير من الأوصاف التي تقوم بها النفس، ولا يظهر في الخارج منها إلا جزئيات من المستصعب الحكم باستقرائها على ثبوت كلياتها، {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ

١- الإمامة والسياسة، ابن قتيبة: ١/ ٢٨.

٢- الطبقات الكبرى، ابن سعد: ٣ / ٣٤٣، المعجم الأوسط، الطبراني: ٢/ ٨٤.

٣- تاريخ الطبري: ٤/ ٢٢٦، الإمامة والسياسة، ابن قتيبة: ١/ ١٥٩.

١٧
صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ}(١) والله يعلم حيث يجعل رسالته(٢).

إذن فمن هذا المنطلق تحكم الضرورة العقلية بعدم جواز إهمال أمر الإمامة عند الشارع المقدس، فإن الشريعة التي بينت الكثير من المستحبات والآداب، وهي أمور دون الواجبات، وكذلك بينت الكثير من المكروهات وهي دون المحرمات، إذن لايمكن أن تغفل أهم بند من بنود الشريعة، والتي يتوقف عليه نظام البشر وصلاحهم، وهي الإمامة، كما تبانت على ذلك أيضاً سيرة العقلاء المستمرة إلى يومنا هذا في جميع أمورهم الضرورية، فقد دأبوا في سيرتهم على تنصيب من يتولى الأمور عنهم في حال غيابهم حفظاً لها من الضياع والإهمال.

الثاني: الدليل الشرعي (الإمامة في القرآن والسنة الشريفة)

تناول القرآن الكريم موضوع الإمامة في عدة من الآيات الشريفة، وقد أشبع علماء الطائفة البحث فيها وبينوا دلالتها على إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بما لا مزيد عليه، فراجع على سبيل المثال: كتاب الشافي للشريف المرتضى، وكتاب نهج الحق وكشف الصدق للعلامة الحلي، وكتاب المراجعات للسيد شرف الدين العاملي، وكتاب دلائل الصدق للشيخ المظفر، وكتاب إحقاق الحق وملحقاته للسيد المرعشي، وغيرها الكثير جداً.

وأما السنة الشريفة فقد بينت بما لا مزيد عليه، وقد تضافرت في ذلك النصوص الشريفة في مواطن عديدة أن النبيّ صلى الله عليه وآله لم يمت حتى نصّ على الخليفة من بعده، وهو علي أمير المؤمنين عليه السلام إماماً للأمة من بعده(٣) في عدة مواطن، ابتداءً من يوم الدار لما نزل قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}(٤)...

١- سورة القصص، الآية: ٦٩.

٢- الغدير، الشيخ الأميني: ٧ / ١٣١ – ١٣٣.

٣- راجع: نفس المصادر التي ذكرناها آنفاً.

٤- سورة الشعراء، الآية: ٢١٤. وممن روى ذلك تاريخ الطبري: ٢/ ٦٢ – ٦٣، بالإسناد عن عبد الله بن عباس، عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} دعاني رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فقال لي: يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين إلى أن ذكر دعوته لبني عبد المطلب وهم أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب.. وساق الحديث إلى أن قال: ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فقال: يا بني عبد المطلب، إني والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه فأيكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت وإني لأحدثهم سناً، وأرمصهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي ثم قال: إن هذا أخي ووصيي، وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا، قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع.

١٨
ومروراً بيوم خروجه إلى تبوك(١) ويوم الغدير بعد حجة الوداع حينما خطب فيهم في مكان يقال له: غدير خمّ(٢) وقال لهم وقد أخذ بيد أمير المؤمنين عليه السلام: من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله(٣)، وانتهاءً بأيام مرضه في

١- وذلك حينما قال له صلى الله عليه وآله: >ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي<. راجع: صحيح البخاري: ٥/ ١٢٩، صحيح مسلم: ٧/ ١٢٠-١٢١، وجاء في رواية الحاكم مثله بزيادة.. فإن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. راجع: المستدرك، الحاكم: ٢/ ٣٣٧ و٣ / ١٠٩ و١٣٣.

٢- راجع: كتاب الغدير للعلامة الأميني فقد أشبع البحث في حديث الغدير سنداً ودلالة من طرق جمهور المسلمين، كما تناول شعراء الغدير من القرن الأول حتى نهاية القرن الثاني عشر.

٣- راجع: مسند أحمد بن حنبل: ١/ ١١٨- ١١٩، المعجم الكبير، الطبراني: ٤/ ١٧، و٥/ ١٩٢، المستدرك، الحاكم النيسابوري: ٣/ ١٠٩، ذكره مختصراً وصححه، وص١١٦، تأريخ مدينة دمشق، ابن عساكر: ٤٢/ ٢٠٧- ٢١٢، مجمع الزوائد، الهيثمي: ٩/ ١٠٤، شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني: ١/ ٢٠١ ح٢١١.

١٩
آخر أيام حياته، وهو لايزال يذكّرهم بخليفته عليهم، قائلاً لهم: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً..(١).

فأراد للأمة أن يعصمها من الضلال إلى الأبد بهذا الكتاب ليكون دستوراً شرعياً لجميع الأمة، وللأجيال القادمة وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولكن جرى ما لم يكن في الحسبان (رزية يوم الخميس) كما يسميها ابن عباس، نعم رزية خلّفت في قلب النبي صلى الله عليه وآله أسى وكمداً على هذه الأمة التي يريد لها خير الدنيا والآخرة، ولكن عارضه بعضهم فحال بينه وبين كتابة الكتاب، بطريقته الخاصة، واختصر ذلك كله بعبارة واحدة.. (إنه يهجر) وهي كفيلة لأن تغيِّر مجرى التأريخ كله، وبذلك يكونون قد قرَّروا مصير أمة كاملة، وبجميع أجيالها السابقة واللاحقة، فرسموا لها خطة تسير عليها أحقاب الزمان، شعارها >حسبنا كتاب الله< أفترى بعد هذا المجلس يوصيهم بوصية، وقد قالوا ما قالوا حتى رفضوا كتابة الكتاب!!

ومن هنا أصبح ابن عباس يتأسف ويتأوه لذلك حتى بلّت دموعه الحصى، قائلاً: الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم(٢).

فالعجب كلّ العجب حينما يهمُّ النبيُّ صلى الله عليه وآله بالوصية بالخلفاء من بعده، يحصل مايحصل من النزاع والاختلاف بمحضره الشريف حتى تتعالى الأصوات بين يديه، وقد نهاهم القرآن عن ذلك، وقد حكم بحبط عمل من يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وآله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا

١- صحيح البخاري: ٤/ ٣١، و٥ / ١٣٧.

٢- صحيح البخاري: ٧/ ٩، و٨/ ١٦١.

٢٠