الاسئلة و الأجوبة » أصول الفقه » المراد من علم الأُصول


حسن / قطر
السؤال: المراد من علم الأُصول
ما هو علم الأُصول؟
الجواب:

الاخ حسن المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
علم الأُصول بحسب التعريف المشهور، هو: علم يبحث فيه عن قواعد تقع نتيجتها في طرق استنباط الحكم الشرعي.
مثاله: إنّ الصلاة واجبة في الشريعة الإسلامية، وقد دلّ على وجوبها من القرآن الكريم قوله تعالى: (( وَأَن أَقِيمُوا الصَّلاَةَ )) (الانعام:72)، (( إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَت عَلَى المُؤمِنِينَ كِتَاباً مَوقُوتاً )) (النساء:103).
ولكن دلالة الآية الأولى متوقّفة على ظهور صيغة الأمر - نحو: (أقيموا) هنا - في الوجوب، ومتوقّفة أيضاً على أنّ ظهور القرآن حجّة يصحّ الاستدلال به.. وهاتان المسألتان يتكفّل ببيانهما علم الأُصول(1).
ودمتم في رعاية الله

(1) انظر: أُصول الفقه للمظفر 1: 49 المدخل، تعريف علم الأُصول.

الاسئلة و الأجوبة » أصول الفقه » المقارنة بين مصادر التشريع عند الإمامية وأهل السُنّة


ضحى / استراليا
السؤال: المقارنة بين مصادر التشريع عند الإمامية وأهل السُنّة

نشر أحد المخالفين موضوعاً في منتدياتهم بعنوان: سؤال لمخالفينا: كيف تعرفون أحكام الشريعة؟
وكان هذا صلب الموضوع:

*************************

عرف أهل السُنّة دينهم وأطاعوا الله تعالى به.. وساروا على نهج نبيّه صلّى الله عليه وسلم.. بأربعة أركان.. تسمّى: مصادر التشريع..
1- كتاب ربّنــا سبحانه وتعالى.. وهو لدينا محفوظ مصون, وحيّ أنزل إلى نبيّنا عليه الصلاة والسلام..
2- سُنّة سيّدنا محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم).. فلقد تصدّر لها علماؤنا، فميّزوا السقيم والصحيح والمكذوب.. فمن صحّ عملنا به، وما علّ تركناه ـ..
3- الإجماع.. إجماع علماؤنا - رحم الله حيّهم وميّتهم - المستند إلى كتاب الله تعالى وسُنّة نبيّه.
4- القياس.. إلحاق فرع من فروع الدين لم ينصّ الشرع بحكمه بأصل في حكمه الشرعي, لـعلّة جامعة بينهما..
((أمّا مصادركم..)):
1- القرآن.. وقد حرّف وبدّل وهو ناقص.
2- السُنّة.. تتفاخرون بأنّ لا كتاب لديكم يجمع الأحاديث الصحيحة فقط.
3- الإجـماع.. على ماذا يستند أهل العلم لديكم؟
4- العقــل.. وكيف لعقل يستنير ولا كتاب ولا سُنّة يحكم بها ويرجع إليها؟!!
فكيف لكم معرفة أحكام الدين, وشرع ربّ العالمين؟

*************************

كيف تردّون على ذلك لأستفيد منكم وأردّ على هذه السلفية.

الجواب:

الأخت ضحى المحترمة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نحن لا نقول بتحريف القرآن, وهذه تصريحات علماؤنا بذلك, قد فصّلناها في الموقع, فنحن لا نختلف في القرآن إلاّ بمقدار الاختلاف في فهمه.

وأمّا السُنّة, فنحن نقول أنّ الذي حفظ سُنّة نبيّ الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هم الأئمّة المعصومون(عليهم السلام), وأنّ ما حفظ الصحابة هو بعض حديث رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم), وقد أختلط الحقّ فيه بالباطل، والحجّة في السُنّة هي: الخبر المعتبر، ولا يشترط في ثبوت الحجّية جمع الأخبار المعتبرة في كتاب واحد.
وأمّا الإجماع, فنحن نشترط دخول المعصوم فيه, فلا يكون حجّة إلاّ بدخول المعصوم.
وأمّا الدليل العقلي, فيجري في موارد محدّدة توصل إلى القطع بالحكم الشرعي، والقطع حجّيته ذاتية.

ولدينا من الأدلّة والروايات الكثيرة عن المعصومين التي تنهى عن العمل بالقياس, وأنّه لا يصلح كدليل للحكم الشرعي؛ لـ(أنّ دين الله لا يصاب بالعقول)(1)، و(أنّ السُنّة إذا قيست محق الدين)(2).
ودمتم في رعاية الله

(1) كمال الدين وتمام النعمة: 324 الباب (31) حديث (9).
(2) المحاسن 1: 214 كتاب مصابيح الظلم الباب (7) حديث (97)، الكافي 1: 57 كتاب فضل العلم، باب (البدع والرأي والمقاييس) حديث (15)، و 7: 300 كتاب الديات، باب (المرأة في النفس والجراحات) حديث (6).

الاسئلة و الأجوبة » أصول الفقه » كيفية وصول الأُصوليين والأخباريين إلى الحكم الشرعي


امين عبد الزهرة / العراق
السؤال: كيفية وصول الأُصوليين والأخباريين إلى الحكم الشرعي
إذا ظهرت مسألة فقهية جديدة لا يوجد فيها رواية أو نصّ صريح في الكتاب والسُنّة فكيف يتصرّف المرجع الديني معها؟
وهل يتوقّف الأخبارية عند المسائل من هذا النوع ولا يفتون بها؟
الجواب:

الأخ امين المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يرجع الفقيه عند فقدان الأمارات إلى الأُصول العملية، وهي: الاستصحاب، والبراءة، والاحتياط، والتخيير، وهذه الأُصول مقرّرة لبيان الوظيفة العملية للمكلّف عند فقد الدليل الشرعي، والدليل الشرعي المعتبر هو الكتاب والسُنّة والإجماع والعقل، وعند فقد هذه الأربعة بالإضافة إلى القطع بالحكم الشرعي تصل النوبة إلى الأُصول العملية.

أمّا الأخبارية فإنّهم يدعون إلى التوقّف أو الاحتياط إلى أن يتبيّن لهم النصّ الوارد عن النبيّ والأئمّة(عليهم السلام)، ولا يجيزون الرجوع إلى غير المعصوم في الأحكام الشرعية، ولا يصحّ عندهم الوصول إلى الحكم الشرعي من وراء الدليل العقلي حتّى لو كان على شكل ملازمات عقلية، وأنّهم وإن كانوا يعملون ببعض الأُصول، مثل: البراءة، والتخيير، والاحتياط، إلاّ أنّهم يعملونها في نطاق ضيّق وفق ما يفهمون ذلك من النصوص الواردة عنهم(عليهم السلام).

فإنّ الأخباريون بعد عدم وجود نصّ من الكتاب أو السُنّة لا يرجعون إلى الدليل العقلي ولا إلى الإجماع، ولكن يرجعون إلى الأُصول العملية، ولكن وفق فهم خاصّ يختلف عن فهم الأُصوليين، فهناك اختلاف في إجراء تلك الأُصول، مثلاً: هم لا يُجرون البراءة في الشبهات الحكمية التحريمية، على خلاف الأُصوليين.
ودمتم في رعاية الله


الاسئلة و الأجوبة » أصول الفقه » إنكار العقل والإجماع في استنباط الحكم الشرعي


موالي / الكويت
السؤال: إنكار العقل والإجماع في استنباط الحكم الشرعي
كيف نردّ على الذين ينكرون العقل والإجماع في استنباط الحكم الشرعي؟
الجواب:

الأخ موالي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ البحث في هذا المجال ومن ثمّ الحكم فيه يحتاج إلى دراسة مفصّلة لمقطع من علم الأُصول ولا يسعنا التطرّق إليه في هذا المختصر.
ولكن مع هذا نشير إلى نقاط ذات صلة في الجواب:
أوّلاً: لا يرى العلماء حجّية العقل في استنباط الحكم الشرعي حجّية مطلقة، بل إنّ العقل عندهم حجّة في فهم الحكم والدليل وفي المستقلات العقليّة..
وأمّا الإجماع - في نظر المحقّقين من الأُصوليين - فليس حجيّته من جهة نفسه، بل حجيّته تأتي من اشتماله على قول المعصوم(عليه السلام)، فإن كان فهو، وإلاّ ليس الإجماع على الإطلاق حجّة.
وفي الواقع إنّ الإجماع المعتمد عند الأُصولي المحقّق، مرجعه إلى السُنّة والروايات ليس إلاّ.
وأمّا الدليل على كلام الأُصولي لحجّية العقل في المجالين المذكورين، فهو: استقلال العقل في الدلالة على المطلب، وعدم ردع الشارع عنه، وهذا آية ارتضائه لهذه السيرة العقلائية.

ثانياً: أمّا الآيات والروايات الواردة في المنع عن الاعتماد على العقل، فكلّها تنصبّ في مجرى اتّباع العقل بصورة ناقصة، مثلاً: في باب المنع عن القياس أو الاستحسان؛ إذ لا يعقل أن يمنع من إجراء العقل بتاتاً فإنّه يفضي إلى عدم حجّية النواهي في هذه النصوص المذكورة أيضاً.
هذا ما تيسّر لنا توضيحه، وللمزيد من المعلومات ينبغي الرجوع إلى مظانّها في مباحث علم الأُصول وعلى الخصوص إلى كتاب (فرائد الأُصول) الذي يطلق عليه (الرسائل) للشيخ الأنصاري(ره).
ودمتم في رعاية الله


الاسئلة و الأجوبة » أصول الفقه » دور العقل في التشريع


مطوّع إبراهيم
السؤال: دور العقل في التشريع
السلام عليكم
نحن نقوم بأداء الأعمال على أساس أنّها أمر العقل بها، أو أن تكون تعبّدية لا دور للعقل فيها إلاّ أنّها من سُنّة وأحاديث وروايات أهل البيت(عليهم السلام)، وذلك كما أشار سيّد الشهداء(عليه السلام): (شيعتي أصبر منّا، نحن نصبر على ما نعلم، وشيعتنا يصبرون على ما لا يعلمون).
عندما أعلم بأضرار السمّ القتال فإنّي ببساطة أتجنّبه، ولكن عندما تغيب الحكمة عنّي فإنّي آخذه على أساس الحكم الظاهري، واختلاف المراجع دليل واضح.
مضمون من مقالة للشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء(رحمه الله): ((عند خروج الإمام(عليه السلام) سوف تعلم حكمة الصلاة معنىً وتوقيتاً و عدداً، إلاّ أنّها الآن تؤدّى امتثالاً)).
أُمور كثيرة كانت سابقاً تحمل صيغة التعبّد فقط، واليوم أصبحت ذات معنى وهدف واضح، وحكمة ظاهرة.
السؤال: هل لنا أن ننتظر خروج الإمام المهدي(عليه السلام) حتّى نعلم بكلّ ما تعنيه الأُمور التعبدية من معنى؟
ولماذا لم تكن ذات رؤية واضحة كي يتسنّى للكلّ العبادة، وأن تكون العبادة متقبّلة من قبل الكلّ، وبصورة سليمة عن قناعة وإدراك؟
الجواب:

الأخ مطوع المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نقول: السؤال غير واضح بشكل دقيق ومحدّد, وإن فهمنا المراد منه بصورة مجملة؛ فإنّ في عباراته عدّة أُمور مختلطة.
ولكي نرفع الغموض وتداخل المسائل في ذهن السائل لا بدّ أن نقدّم عدّة مقدّمات:

المقدّمة الأولى: إنّ الشريعة، أيّ شريعة، تنقسم إلى قسمين: قسم واجب الاعتقاد به، وهي: الاعتقاديات، ويبحث عنها في أُصول الدين. وقسم لا بدّ من العمل بها، وهي: العمليات، التي تسمّى: الفقهيات، ويُصطلح عليها بـ(فروع الدين).

والقسم الأوّل: فيه أركان لا بدّ من العلم والاعتقاد بها عن طريق العقل - أو لا بدّ من الجزم بها على الاختلاف - ولا يكفي الالتزام بها بتقليد الآخرين، وإن كانت جملة من تفاصيلها غير مطلوب العلم بها عقلاً، وهذه الأركان مثل: أصل التوحيد والنبوّة والعدل والإمامة والمعاد، وبعض ما يدخل فيها.

أمّا القسم الثاني: وهي الأحكام التشريعية، فيجوز بها التقليد والأخذ من الآخرين، على أن يكون الآخذ مستنداً إلى حجّة قطعية ثابتة.
وهذه الأحكام تنقسم إلى الأقسام الخمسة: من الواجب والمستحبّ والمباح والمكروه والحرام, وهي يجب أن نأخذ حكمها من الشارع المقدّس, وإن ترك لنا الخيار في قسم المباح، فيمكن للعقل، أو العرف، أو قانون تنظيم الجماعات من التدخّل فيه، على أن لا يخرجه من المباح الشرعي، وإن أصبح واجباً عقلياً أو عرفياً... الخ.
ونعتقد أنّ سؤال السائل عندما قال: ((نقوم بأداء الأعمال على أساس أنّها أمر العقل بها))، يشمل هذا القسم، الذي يدخل فيه مثلاً: اختيار المهنة، أو أُسلوب الحياة، أو الوطن، وغيرها.
نعم، يمكن أن تدخل هذه الأُمور في الأقسام الأُخرى بعناوين وجهات أُخرى.

المقدّمة الثانية: قسّم العلماء العقل إلى قسمين، بالنسبة إلى ما يتعلّق به:
فالعقل النظري: يتعلّق بما يجب أن يَعلم، مثل: اجتماع النقيضين محال.
والعقل العملي: يتعلّق بما يجب أن يعمل، مثل: العدل حسن والظلم قبيح، فالأوّل يجب أن يفعل، والثاني يجب أن يترك.
وقد بحث علماء الأُصول عن دور العقل وحجّيته في استنباط الأحكام, ثمّ عدّه من الأدلّة في الأحكام أو لا، واختلفوا في ذلك!
وما عليه جمهور علماء الإمامية الأُصوليون: اعتبار العقل حجّة شرعاً، وأنّه أحد الأدلّة. ولكن ليس العقل بكلا قسميه، فإنّهم أنكّروا الملازمة بين حكم العقل النظري وحكم الشارع، وذلك لقصور العقل النظري عن إدراك العلل الواقعية للأشياء، والإحاطة بكلّ تفاصيلها وجزئياتها إلاّ لخالق الأشياء. ولكنّهم التزموا بذلك في العقل العملي، وبحثوه في البحث المعنون بـ(التحسين والتقبيح العقليين في علم الكلام).

وأمّا دور العقل في الاستنباط، فقد بحثه علماء الأُصول ضمن عنوان (الملازمات العقلية)، التي هي قسمين: المستقلاّت العقلية، وغير المستقلاّت العقلية. واختصّت المستقلاّت بمسألة التحسين والتقبيح العقليين؛ إذ قالوا: بأنّه يمكن للعقلاء، بما هم عقلاء، أن يحكموا على بعض الأفعال بأنّها: حسنة، يجب أن تُعمل، كالعدل. وأنّها: قبيحة، يجب أن تُترك، كالظلم. وأنّ الشارع المقدّس بما أنّه أعقل العقلاء فإنّه يحكم بما حكموا أيضاً، ولذا يمكن أخذ الحكم الشرعي فيما لو حكم العقل بذلك من هذه الجهة, والتفصيل ليس محلّه هنا!

وأمّا غير المستقلاّت، فهي التي تعتمد على مقدّمة عقلية، تثبت من ملازمة عقلية، ومقدّمة أُخرى شرعية، حتّى يؤلّف منها قياس أرسطي، لينتج نتيجة تدخل في الاستنباط الفقهي، كما في: هل مقدّمة الواجب واجبة شرعاً بعد أن ثبتت عقلاً أو لا؟ وغيرها.
والبحوث في القسمين طويلة الذيل في كتب أُصول الفقه، خلاصتها: إثبات حجّية العقل في استنباط الحكم الشرعي في بعض الموارد، أو عدم الحجّية في موارد أُخرى.. وهل يكون العقل أحد الأدلّة الشرعية مقابل القرآن والسُنّة والإجماع أو لا؟
ويجب أنّ نلاحظ أنّ علماء الإمامية يأخذون بالقياس الأرسطي هنا فقط، ولا يعتبرون قياس التمثيل، المعني عند علماء العامّة بـ(القياس)؛ فإنّ قياس العامّة ليس حجّة عندنا؛ لأنّا نُهينا عنه شرعاً.
 
المقدّمة الثالثة: تنقسم الأحكام إلى قسمين: أحكام واقعية، وأحكام ظاهرية.
والواقعية: هي الحكم الواقعي الصادر من الشارع، والتي يخبر بها الرسول(صلّى الله عليه وآله) والأئمّة(عليهم السلام).
والظاهرية: هي التي يستنبطها الفقيه من الأدلّة الشرعية الثابتة بالحجّة القطعية.

وأمّا ما هو الفرق بين الواقعية والظاهرية, فإنّه بعد تمادي الزمان بين صدور الحكم الشرعي من قبل رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والائمّة(عليهم السلام) وبيننا، أدّى ذلك إلى وصول أكثر الأحكام الشرعية إلينا بطرق ظنّية، من الخبر الواحد وظواهر القرآن والسُنّة، أو ما يصطلح عليه أهل الأُصول بـ(الأمارات والأُصول العملية)؛ فإنّ الفقيه يبذل جهده في هذه الأمارات والأُصول التي ثبتت حجّيتها، كطريق للوصول إلى الحكم الشرعي عبر قواعد مقرّرة في علم الأُصول؛ فإنّه يفتي عبر هذه القواعد، وتكون فتواه كحكم ظاهري.

ففي الواقع إنّ لكلّ مسألة حكمين: حكم واقعي، نحن لا نعلمه بالقطع؛ لانقطاعنا عن أصل التشريع. وحكم ظاهري، مستخرج عبر هذه القواعد، ومعتمد على الأدلّة الفقهية. وقد يكون الحكم الظاهري موافقاً للواقع أو مخالفاً، وعلى كلّ فهو حجّة ما لم ينكشف الخلاف.
وهذا لا يعني أنّه لا توجد أحكام واقعية معروفة الآن|؛ فإنّ وجوب أصل الصلاة والصوم والحجّ قطعي ثابت في أصل الإسلام، وهو حكم واقعي، أمّا ما يتضمّن فيها من فروع ومسائل ففيها أحكام ظاهرية، وهي مورد الخلاف بين العلماء.

المقدّمة الرابعة: إنّ الشيعة الإمامية يعتقدون أنّ للأحكام الشرعية مصالح وملاكات يعلمها الشارع المقدّس، وأنّ لكلّ حكم مصلحته وملاكه الخاص به الذي يحثّ المولى العبد على فعله من أجله.
وهذه المصالح لا يمكن للعقل البشري أن يدركها بتمامها ويحيط بها؛ لعدم قدرة العقل على الإحاطة بكلّ الجزئيات والتفاصيل، وإنّما من يحيط بها هو خالق الإنسان وأفعاله؛ لأنّ علم الله محيط به وبها.
وبالتالي لا يمكن للإنسان أن يطّلع على العلّة الحقيقية للأحكام الشرعية.. نعم، يمكن أن يطّلع على جزء العلّة أو أحد نواحيها، ونسمّيها: الحكمة، ولكنّها غير كافية لإسناد الحكم الشرعي إليها، ولذلك أبطلنا القياس التمثّلي المعتمد عند أهل السُنّة، والمعروف بـ(قياس أبي حنيفة)، لأنّه يعتمد على التشابه بين الفروع، ولا يمكن أن يكون التشابه علّةً للحكم الشرعي، وهناك روايات واستدلالات من الأئمّة(عليهم السلام) في إبطاله.
ومن هنا قلنا: أنّه لا يثبت التلازم بين مدركات العقل النظري والحكم الشرعي.

نعم، ندّعي أنّه في بعض الأفعال - التي هي مورد لحكم العقل العملي - يكون حكم العقلاء هو العلّة التامّة للحكم، فيوافقه الشرع، كما في حسن العدل؛ فلاحظ! وتفصيل الاستدلال عليه في محلّه.
فإذاً لم يبق أمام الإنسان الذي ثبت له بالقطع وجود الله وإرساله الرسل بتشريعات غايتها تنظيم حياة الإنسان وإيصاله إلى الكمال من جهة, وأنّ عقله لا يستطيع أن يدرك العلل التامّة لهذه التشريعات من جهة أُخرى، لم يبق أمامه إلاّ أن يأخذ هذه التشريعات من مصدرها المشرّع لها عن طريق الرسل، ويتعبّد بما يأمرونه به عن الله، وهو ما نسمّيه بـ(التعبّد). الذي هو حقيقة التسليم، بعد أن ثبت للعقل بصورة قطعية حجّيته.
فليس التسليم والتعبّد هكذا بدون دليل، وإنّما بعد أن ثبت أنّ خالق الكون أعلم بمصالح العبد ومتطلّباته، وأنّ العقل قاصر عن إدراكها مستقلاًّ.
وبعد أن توضّحت هذا المقدّمات، يتّضح أنّه لا صحّة للقول: بأنّ هناك أُموراً تعبّدية لا دور للعقل فيها!

نعم، علّة تشريع هذه العبادات بانفرادها لا دور للعقل فيها, وأمّا استناد التسليم على حجّج عقلية ثابتة لا يمكن إنكاره.
وأصبح من الواضح أنّ ما يكشفه تطوّر العقل البشري والعلوم بالتبع لا يكفي للحكم الشرعي؛ لأنّه لا يتعدّى الحكمة، وليس العلل الحقيقية للأحكام الشرعية.

نعم، هناك علل نصّ عليها الشارع المقدّس، كما في علّية السُكر للحرمة، فهي يمكن أن تستخدم كدليل لأخذ الحكم الشرعي, كما أصبح واضحاً إمكانية معرفة الحكم الواقعي عند ظهور الحجّة(عجّل الله فرجه).
وأصبح واضحاً أيضاً عدم إمكانية إحاطة العقل البشري بالعلّة الحقيقية للأحكام، حتّى تصبح ((الرؤية واضحة ويتسنّى للكلّ العبادة، وتكون متقبّلة من الكلّ بصورة سليمة وعن قناعة))؛ فالقصور ذاتي في البشر، مع أنّ الله تعالى لم يغلق الباب على الإنسان في طريق الكمال حتّى يصل إلى العقل الكامل، كما في رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولكن ليس للكلّ مثل هذه القدرة، فلا بدّ من اللطف بهم من قبل خالقهم، فيرسل لهم رسول كواسطة من أجل صلاحهم.

ولا بدّ من التنبيه على شيء مهم، وهو: أنّ العلم التجريبي في حال تطوّر مستمر، ولا يمكن لأيّ أحد أن يقطع بنتائجه على أنّها حقيقة ثابتة لا تتبدّل، وإنّما أكثر ما متداول هو نظريات قامت على نظريات أخر اندثرت، وسوف تأتي فوقها نظريات أخر، وهكذا.. ولذا لا يمكن الجزم بصحّة ما وصل إليه العلم بجزئية معيّنة على أنّه العلّة الحقيقية التامّة مثلاً اعتماداً على تفسير نظرية معيّنة، أو تجربة معيّنة أو استقراء ناقص كذلك..

فمثلاً لا يمكن للعقل أن يحكم بأنّ علّة تحريم لبس الذهب على الرجال هو أنّه يفكّك بعض الكريات الدموية لديهم.. نعم، له أن يحتمل ذلك، أو يعتقد لا أقل بأنّها جزء العلّة، والتي تسمّى بالفقه: الحكمة، ولذلك نقول: لعلّ سبب التحريم هو ما كشفه العلم، ولا يمكن القطع بذلك.

وإنّما العقل يحكم بوجوب الالتزام بهذا التشريع من جهة أُخرى، وهي: ثبوت مقدّمات قطعية، من إثبات التوحيد والربوبية لله، وأنّه العالم بمصالح البشر، ولطفه بهم بإرساله الرسول بالتشريعات حتّى يصل الإنسان إلى كماله, وأحد جزئيات هذه التشريعات الصادرة من الحكيم الواجب طاعته، هو: حرمة لبس الذهب، وأنّ العقل يحكم أنّ بعصيان هذا الأمر يستحقّ المكلّف العقاب.

وبجواب ثانٍ بعبارة أبسط:
قسّم العلماء الشريعة إلى قسمين: (أُصول الدين، أو الاعتقادات): والمطلوب فيها الاعتقاد والمعرفة عن طريق العقل، أو الجزم، ولا يكفي التقليد، و(فروع الدين، أو العمليات): وهي الوظائف الشرعية العملية للمكلّف، والتي لا يجب فيها المعرفة العقلية وإنّما يكفي فيها التقليد.
ونعتقد أنّ سؤالك ينصبّ على القسم الثاني, وقبل أن ندخل في الجواب لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الحديث الذي ذكرت عن سيّد الشهداء(عليه السلام) لا علاقة له بالمقام، وإنّما له معنى آخر ليس هنا محلّه!

ولنبدأ بالكلام من حيث المثال الذي ضربت:
نعم، إنّي إذا عرفت أنّ هذا سمّ وأنّ السمّ قاتل فإنّي سأتجنّبه قطعاً, ولكن لا بدّ أن أُلاحظ أنّي لا أعرف كلّ السموم، ولا أعرف التمييز بين ما هو سمّ وغيره، بل لا أعرف ما هو مضرّ وغير مضرّ، وقد ميّز بين السموم، وذلك لقلّة باعي في مثل هذا التخصّص، أو لعدم القدرة العقلية لديّ، أو لأنّ الأمر يحتاج إلى وقت طويل من الدراسة لعدّة سنوات حتّى أتعرّف على كلّ السموم وأحصرها، بل لأنّ الأمر يحتاج إلى تراكم خبرات أجيال عديدة، كما هو الواقع. هذا لو أمكن فعلاً حصر كلّ السموم. (وهذا يوضّح لك كيفية ومدى قدرة العقل على المعرفة).

والآن إذا شخّصنا جوانب الموضوع, فلو أبتليتُ بعمل، أو مكان، لا بدّ فيه من التعامل بالسموم مثلاً، وأنا على جهلي بها، وكان هناك غيري مشفق علَيَّ يريد صلاحي ونجاتي، وهو عالم عارف محيط بالسموم، موثوق منه، قد دلّت الأدلّة على صدقه وعلمه من شهادة الشهود والتجربة والآثار التي تركها, بحيث أصبح عندي يقين بأنّه لا يوردني مورد التهلكة، بل هو حقّاً وصدقاً مشفق علَيَّ رحيم بِي, فإنّ عقلي لا بدّ أن يقول لي أن تأخذ بكلامه وتتبعه في ما يقول ويرشدني إليه في كيفية التحرك والتصرّف, بل إنّ كلّ العقلاء سيوافقوني عليه، بل يحثّوني على اتّباعه، بل هم أيضاً سيفعلون فعلي لو كانوا مكاني, ولا يرد إلى ذهن أيّ منهم الإشكال والتردّد في هذا الاتّباع لهذا العالم، وهذا التسليم والتعبّد بأوامره وإرشاداته, بعد أن شخّصوا الموضوع كما شخّصت.. (هذا يوضّح لك معنى التعبّد ولماذا).

ثمّ إنّ هذا الشخص سوف يعطيك التشخيص الصحيح والواقعي لكلّ سمّ، أو دواء، وأنت تأخذه من فمه مباشرة، أو عن طريق تلميذه المأمون؛ لأنّك ملازم لهذا التلميذ تستطيع الوصول إليه، وهو مأمون ثقة لا تشكّ فيه, ولكن الأمر لا ينحصر فيك؛ فإنّ هناك آخرين أيضاً سيبتلون بلائك نفسه (وبالأصحّ: نعمتك)، وهم غير معاصرين لهذا العالم، أو لتلميذه، بل سيأتون بعده بسنوات، وهم لا يعرفون أراء وعلم هذا العالم إلاّ عن طريق الكتب وإخبار المخبرين، ومن الطبيعي أنّه سينال هذه الأخبار الكثير من عدم الدقّة أو الإجمال أو الإرباك، نتيجة انتقالها من فم إلى فم عبر السنين الطوال. وقد كان هذا العالم مدركاً لهذا الأمر، وهو من رحمته ولطفه لا يستطيع أن يحرم هؤلاء الناس من هذا العلم والفائدة، فأخذ التدابير اللازمة لوصول علمه وتعاليمه إليهم، ووضع قواعد عامّة جعلها كطريقة لهؤلاء الناس القادمين عبر الزمن، من أجل أن يصلوا إلى علمه وتعاليمه التي تصبّ في مصلحتهم، وهذه القواعد تقلّل إلى الحدّ الممكن الطبيعي من نسبة الخطأ في وصول هذه التعاليم عبر السنين، وقال: إنّكم لو اتّبعتموها فإنّها ستوصلكم إلى تعاليمي بنسبة 80% مثلاً، وفي المحصلة الكلّية الشاملة سوف لا تخرجون عن المنهج الشامل الذي رسمت، وما أخطأتم فيه فإنّه لا يؤثّر ولا يضرّكم وأنتم معذورون فيه.

وجاء الناس بعد مئات السنين فقالوا: لنسمّي ما وصلنا من هذا الحكيم بالقطع واليقين: (الحكم الواقعي)، ولنسمّي ما يصلنا من خلال هذه القواعد: (الحكم الظاهري)، وأنّه لا بدّ أن يأتي يوم سيظهر تلميذ موثوق أمين صادق من تلاميذ هذا الحكيم، قد ادّخره لنا الحكيم لنجاتنا وإخبارنا بالتعاليم الحقيقية لهذا الحكيم بتمامها 100%.

نعم، إنّ هؤلاء الناس قد درسوا علم السموم عبر هذه السنين الطوال، ووصلوا إلى تشخيص بعضها، أو النزر القليل منها، ولو طال بهم الزمن أكثر لوصلوا إلى أكثر من ذلك, ولكن لا يمكن لهذه الأجيال التي مضت، أو التي ستأتي، أن تبقى تنتظر حتّى ذلك اليوم الذي ستتوصّل فيه البشرية إلى معرفة كلّ السموم، ولعلّ هذا اليوم سيطول كثيراً, وأمامها طريق مفتوح يوصل للحقيقة بنسبة 80% إذا كانوا غير معاصري للعالم، أو 100% إذا كانوا معاصرين لذلك العالم أو تلميذه, فإنّ العقل يحكم، ولا حريجة في حكمه، أنّ: التعبّد والتسليم لأقوال الحكيم وتلميذه، وتلميذ تلميذه، وهكذا، هو أنجح الطرق وأسلمها.
هذا المثل يا أخي! قرّبناه لك، فاستفد منه وقس عليه ما أشكل عليك.

وقبل الختام لا بدّ من الإشارة إلى بعض الأُمور تتمّة للجواب:
1- إنّ ما تطلق عليه: تعبّداً وتسليماً، ناظر إلى أخذنا بهذه الجزئيات وسلوكنا لها كلّ بانفرادها, أمّا لو أردنا الدقّة وأخذنا سلوكنا والتزامنا بهذه الجزئيات ككلّ شامل وبناء متكامل، فإنّه جاء عن طريق الدليل العقلي القاطع بثبوت وجود الخالق، وأنّه رؤوف بعباده، أرسل لهم من يعلّمهم ويهديهم، وأنّ النجاة باتّباعه في ما يفعل ويأمر، وهذا لا يمتّ إلى التعبّد بشيء، بل هو عين حكم العقل.

2- إنّ العلماء قسّموا العقل بحسب ما يتعلّق به إلى قسمين:
العقل النظري: وهو الحاكم في القضايا التي يجب أن تُعلم، مثل: اجتماع النقيضين محال.
والعقل العملي: وهو الحاكم في ما يجب أن يعمل، وأنّ فاعله يُمدح ويستحقّ الثواب، مثل: العدل حسن، والظلم قبيح.
وقالوا: إنّه لا قدرة للعقل النظري على الإحاطة بكلّ ما يتعلّق بالأشياء ويعرف عللها، والمصالح التي تدور عليها، بينما يمكن للعقل العملي أن يأمر بحسن فعل بعض الأفعال، وأنّ حكم الشارع سيوافق حكم العقل العملي؛ لأنّ مدار حكم العقل العملي هو: اتّفاق العقلاء، كاتّفاقهم بأنّ الإحسان حسن، والشارع من العقلاء، بل هو أعقلهم، فلا يخرج عنهم.

3- إنّ علماءنا أجمعوا على أنّ للأحكام الشرعية مصالح وملاكات هي المناط في حكم الحاكم, ولكن هذه المصالح لا يعلمها إلاّ من أحاط علمه بها، وهو: الخالق لكلّ شيء وخالقها, فلذا لا يمكن للإنسان بعقله النظري أن يعلم تمام العلل والمصالح للأحكام الشرعية حتّى يحكم بها، بل يتّبع ويتعبّد بما أمر به من أحكام من قبل العارف بمصالحها. نعم، يمكن له أن يعرف بعض العلّة والمصلحة (جزء العلّة)، وتسمّى: الحكمة، ولكنّها غير كافية للحكم الشرعي على طبقها, إلاّ إذا جاء خبر من العالم بعلل ومصالح الأحكام، بأن يقول: أنّ علّة الحكم الفلاني هذا الأمر، فيمكن أن نحكم بالحكم كلّما جاءت العلّة، كما في: ((الخمر حرام؛ لأنّه مسكر))، فنعرف بأنّ علّة حرمة الخمر هي إسكاره، فنحكم بحرمة كلّ شيء يسكر. نعم، يمكن أن نستفيد من أحكام العقل البديهية، أو النظرية القطعية، سواء في العقل النظري، أو العملي، في طريق استنباط الحكم الشرعي، وذلك لأنّ حكم العقل القطعي حجّة لا يمكن العمل على خلافه, والبحث في كلّ ذلك مفصلاً في كتب أُصول الفقه.

وفي الختام نرجو أن نكون قد استطعنا أن نوصل الجواب بأبسط فكرة وعبارة.
ودمتم في رعاية الله


الاسئلة و الأجوبة » أصول الفقه » الأصل الديني للّغات


ابو محمد / لبنان
السؤال: الأصل الديني للّغات
هل يوجد تفسير ديني لتعدّد اللغات واختلاف الألوان والأشكال مع أنّ الأب واحد والأُمّ واحدة، وهما آدم وحواء؟
الجواب:

الأخ أبا محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
القريب جدّاً في تفسير تعدّد اللغات دينياً هو: (أنّ الله تعالى قد ساعد الإنسان في مبدأ الخلقة فألهمه البيان، كما أودع فيه ملكته)، مع مجموعة من الألفاظ التي تفي بأغراضه فتكلّم بها بطبعه من دون أن تكون مسبوقة بالوضع، وجرى عليها حتّى تكوّنت اللغة الأولى.

ثمّ خضعت بعد ذلك لنظام التطوير والتغيير والتبديل تبعاً لتجدّد الحاجة وتشعّبها، كما هو الحال في سائر شؤون حياته. وربّما تشعّبت اللغات منها، كما ربّما يكون تعدّد اللغات بفيض منه تعالى دفعي إعجازي، كحدوث اللغة الأولى، كما قد يظهر من بعض الأخبار، ولعلّ هذا هو مراد من يقول إنّ الواضع هو الله تعالى.
ودمتم في رعاية الله


الاسئلة و الأجوبة » أصول الفقه » الفرق بين الحكم الظاهري والواقعي


عقيل / الكويت
السؤال: الفرق بين الحكم الظاهري والواقعي
ما هو الحكم الظاهري، وما هو الحكم الواقعي، وما الفرق بينهما، وأيّهما مكلّف به المسلم؟
وهل المرجع حينما يفتي، يفتي حكماً ظاهرياً أم واقعياً؟ وهل ما يفتي به كلّ مرجع (مع العلم أنّ فتاويه تختلف عن مرجع آخر) هو شرعي ومقبول عند الله تعالى؟ وما الدليل على ذلك؟
الجواب:

الأخ عقيل المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحكم الواقعي: هو الحكم الشرعي المطابق للواقع ونفس الأمر, أي أنّه مطابق لما هو مسطور في اللوح المحفوظ.

أمّا الحكم الظاهري: فهو الحكم الذي يصل إليه المجتهد عبر الأدلّة الظنّية المعتبرة، كالأمارات، ومنها: أخبار الآحاد المنقولة عن المعصومين صلوات الله عليهم, ومنها الأُصول العملية في حال الشكّ في الحكم الواقعي, كالاستصحاب، والبراءة، والاحتياط.

والفرق بينهما: أنّ الحكم الواقعي ثابت لا يختلف باختلاف الفقهاء، بينما الحكم الظاهري قد يختلف بحسب الأدلّة التي تتيسّر للفقيه، أو التي يؤدّي إليها اجتهاده..
والمسلم مكلّف بالأصالة بالحكم الواقعي, ولكن نتيجة لبعد الزمان عن المعصوم(عليه السلام) صار مكلّفاً بالحكم الظاهري الذي يأخذه عن المجتهد، وهو القادر على عملية الاستنباط، ونتيجة لاختلاف الأدلّة التي يصير إليها المجتهدون تختلف الأحكام الظاهرية من مجتهد لآخر.
وبهذا يتّضح أنّ المجتهد حينما يفتي فإنّه يفتي حكماً ظاهرياً لا واقعياً, وهذا الحكم منجّز على المكلّفين المقلّدين للمجتهد، أي يجب أن يلتزموا به، وهو معذّر لهم عن المؤاخذة في حال كان خلاف الواقع.

أمّا الدليل فيمكن تحصيله من خلال الرجوع إلى كتب أُصول الفقه، وفيها تفصيل الأدلّة والقواعد التي يستخدمها المجتهد لاستنباط الأحكام الشرعية الظاهرية.
ودمتم في رعاية الله


الاسئلة و الأجوبة » أصول الفقه » حجّية أخبار الآحاد


حيدر / العراق
السؤال: حجّية أخبار الآحاد
ما هو الدليل على حجّية أخبار الآحاد؟
الجواب:

الأخ حيدر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الدليل المهم على حجّية أخبار الآحاد هو: سيرة العقلاء الممضاة عند الشارع.

وتوضيحه: إنّ من المعلوم أنّ العقلاء استقر بناءهم في سيرتهم العملية، على اختلاف أذواقهم، على الأخذ بخبر من يثقون بقوله، ويطمئنّون إلى صدقه، ويأمنون كذبه، وهذه السيرة جارية حتّى في الأوامر الصادرة من ملوكهم وذوي الأمر منهم.
وإذا ثبتت سيرة العقلاء من الناس على الأخذ بخبر الواحد الثقة، فإنّ الشارع يكون متّخذاً لهذه الطريقة العقلائية ما دام أنّه لم يثبت لنا أنّ له في تبليغ الأحكام طريقاً خاصّاً مخترعاً منه غير طريق العقلاء.

وهذا الدليل مركّب من مقدّمتين:
1- ثبوت بناء العقلاء على الاعتماد على خبر الثقة.
2- كشف هذا البناء منهم عن موافقة الشارع لهم.
وهناك أدلّة أُخرى كثيرة من القرآن والسُنّة لإثبات حجّيّة الخبر الواحد(1).
ودمتم برعاية الله

(1) راجع: مصباح الأُصول 2: 196 - 197 حجّية خبر الواحد، أُصول الفقه للمظفر 3: 75 - 100 الباب الثاني (السُنّة) أدلّة حجّية خبر الواحد.

الاسئلة و الأجوبة » أصول الفقه » التسامح في أدلّة السُنن


سيف الدولة الحمداني / سوريا
السؤال: التسامح في أدلّة السُنن
ما هي أدلّة التسامح في السُنن؟
وماذا عن الأدعية والزيارات وأحاديث فضائل الأعمال التي رويت بأسانيد ضعيفة، أو قد يفهم من بعضها أنّها تخالف العقيدة، هل نأخذ بها؟ كما ورد مثلاً في زيارة الحجّة: (ومقاماتك التي لاتعطيل لها، لا فرق بينك وبينها إلاّ أنّهم عبادك، فتقها ورتقها بيدك)؟
الجواب:

الأخ سيف الدولة المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قاعدة التسامح في أدلّة السُنن هي: قاعدة استفادها بعض الفقهاء من الروايات التي ورد فيها عبارة: (من بلَغه ثواب كذا...)، ومضمون هذه الروايات: ((أنّ من بلغه ثواب على عمل فعمله فله ذلك الثواب))، وهذه القاعدة ليست ثابتة عند مشهور الفقهاء؛ لعدم الآخذ بها في استنباط الأحكام الشرعية، ويبقى استفادة الحكم باستحباب هذه الأعمال وعدمه خاضع لرأي الفقيه واستنباطه.

وبخصوص الأدعية والزيارات والروايات التي ذكرت بأسانيد ضعيفة، سواء ورد فيها فضائل الأعمال أو لم يرد، لا ينبغي أن تطرح وتنكر؛ فقد قيل: إنّ أوهن الطرق طريق من حصر وجه ردّ الأخبار وقبولها على ضعف رجال السند ووثاقتهم؛ لأنّه يؤدّي بالبديهية إلى طرح طائفة من الأخبار التي نقطع بأنّ فيها مضمون ما ورد عن المعصومين(عليهم السلام) قطعاً وجزماً.

وقولك أنّه قد يفهم من بعضها أنّها تخالف العقيدة، ومثّلت لذلك بما ورد عن الحجّة القائم(عجّل الله فرجه) في دعاء كلّ يوم من شهر رجب: (ومقاماتك التي لا تعطيل لها في كلّ مكان، يعرفك بها من عرفك، لا فرق بينك وبينها إلاّ أنّهم عبادك وخلقك، فتقها ورتقها بيدك)(1).

يردّ عليه: أنّ مناط موافقتها للعقيدة، أو مخالفتها لها، ليس ما نفهمه نحن وأنت من مدلولاتها ومعانيها، بل المناط هو: ما يفهمه أهل العلم، فلا ينبغي المسارعة إلى رفض هذه الأخبار وإنكارها لمجرّد عدم فهمنا، أو ظنّنا بكونها قادحة في العقيدة، ولعلّها ليست كذلك في الواقع، فما دام لتلك الأخبار وجوهاً من المعنى غير الظاهر، فإنّ ردّها بناء على ذلك جمود على النصّ, وأنت تعلم أنّ حديث آل محمّد صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ نبيّ مرسل، أو ملك مقرب، أو عبد ممتحن، كما ورد في طائفة من الأخبار(2)..
وأنّ حديثهم ينصرف على سبعين وجهاً، لهم من كلّها المخرج، كما في طائفة أُخرى من الأخبار(3)..
وما ينصح به العلماء هو: التسليم والتوقّف عن الردّ أو القبول حتّى تتبيّن بعض وجوه المعنى المشار إليها.

نعم، لو خالف الخبر ضرورة من ضرورات الدين أو الواقع، فإنّه يرفض، فأمّا ضرورات الدين فهي: أُصول الاعتقاد من التوحيد والعدل والنبوّة والإمامة والمعاد، بشرط أن لا يحتمل الحديث أيّ وجه من الوجوه الممكنة، وأمّا ضرورات الواقع: فكأن يلزم منه التناقض، من قبيل أن يقول: إنّ الليل نهار والنهار ليل.

وأمّا حديث الحجّة الذي ضربته مثلاً: فلا يقدح في العقيدة، وقد تصدّى لشرحه ثلّة من العلماء، ولكنّك حاولت فهمه ظاهرياً وغفلت عن مضامينه العالية التي تبيّن مقامات أهل البيت(عليهم السلام) وولايتهم التكوينية، فارجع إلى الشروح واغتنم(4).

ولأجل أن يتمّ المطلب وتحيط به إحاطة كاملة نعطيك ها هنا ضابطة تنفعك في التعامل مع هذا النمط من الأحاديث، فقد ورد بأسناد صحيح عن الحذّاء، قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول في حديث له: (إنّ أسوأهم - أي أصحابي - عندي حالاً وأمقتهم إليَّ الذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا ويروى عنّا فلم يعقله ولم يقبله قلبه اشمأزّ منه وجحده، وكفر بمَن دان به، ولا يدري لعلّ الحديث من عندنا خرج، وإلينا أُسند، فيكون بذلك خارجاً من ولايتنا)(5).
ودمتم في رعاية الله

(1) مصباح المتهجّد: 803 أعمال شهر رجب حديث(866).
(2) بصائر الدرجات: 40 الجزء الأوّل، الباب (11) حديث (1 - 21)، الكافي 1: 401 كتاب الحجّة باب (في ما جاء أنّ حديثهم مستصعب).
(3) بصائر الدرجات: 349 الجزء السابع، الباب (9) حديث (1ــ 15).
(4) لاحظ: صراط النجاة 3: 420 سؤال (1227)، وغيره.
(5) بصائر الدرجات: 557 الجزء العاشر، الباب (22) حديث (1)، وقريب منه في الكافي 2: 223 كتاب الإيمان والكفر، باب الكتمان حديث (7).

الاسئلة و الأجوبة » أصول الفقه » الإجماع لدى الإمامية


احمد ناجي / النرويج
السؤال: الإجماع لدى الإمامية

أرجو الردّ على هذه الشبهة الوهابية:

*************************

من عجائب الشيعة أنّه إذا اختلفوا في مسألة، وكان أحد القولين يُعرف قائله، والآخر لا يُعرف قائله, فالصواب عندهم هو القول الذي لا يُعرف قائله!
إنّهم يزعمون أنّه قد يكون قول الإمام المعصوم! حتّى انتقدهم شيخهم الحرّ العاملي وتعجّب قائلاً: ((وقولهم باشتراط دخول مجهول النسب فيهم أعجب وأغرب، وأيّ دليل عليه؟ وكيف يحصل مع ذلك العلم بكونه هو المعصوم أو الظنّ به)) عن: مقتبس الأثر (3/63).
يا سبحان الله! يأخذون بالمجهول، ولا يعلمون ما هو يمكن كذّاب، أو الصحيح أنّ دينهم كذب والعياذ بالله عند قراءتي لكتب الفقه وخاصّة الكتب الأربعة: (الاستبصار)، و(مَن لا يحضره الفقيه)، و(الفروع من الكافي)، و(التهذيب) عند الشيعة، وجدت الطامات والتناقضات لا حدّ لها في ما ذكره أخونا الفاضل في موضوعه!!!
المعصوم عندهم له عدّة أحاديث في الباب الواحد عدّة تناقضات عجيبة وغربية!!
حتّى أنّ شيخهم الطوسي والصدوق في شرحهما لتناقضات المعصوم لا يعرفون كيف المخرج من هذه الورطة!!
ولا يعرفون كيف الخروج منها؟!!
فأكثر أقوالهم كالآتي:
1- تارة يحملون الرواية على التقيّة؟!!
2- وتارة يطعنون في الراوي!!
3- وتارة أنّ المعصوم أفتى على مذهب الشافعي، أو المالكي، أو أبو حنيفة، أو إمام أحمد!!!
وأمثال هذا الكلام وجدت كثيراً ودونتها عندي!!!

*************************

أشكركم على ما تبذلونه لخدمة الدين والمذهب.

الجواب:

الأخ أحمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
واحد من الأدلّة الأربعة هو: الإجماع، والإجماع عند الإمامية لا يتحقّق إلاّ بدخول الإمام المعصوم ضمن المجمعين، فالحجّة هي لدخول المعصوم لا لإجماع جماعة معيّنين! وعند خروج شخص من إجماع معيّن وكان ذلك الشخص معلوم النسب، يقول الفقهاء: إنّ هذا الخروج لا يضرّ بالإجماع على بعض الأقوال؛ لأنّ الخارج معلوم النسب وهو غير الإمام، أمّا مع حصول الإجماع وعلم دخول المعصوم ضمن المجمعين عندها يكون هذا الإجماع حجّة، فليس بمجرّد دخول شخص مجهول النسب مع المجمعين يكون الإجماع حجّة!
بل لو لم يعلم دخول الإمام فلا يكون ذلك الإجماع حجّة، فالإجماع بما هو إجماع لا قيمة علمية له عند الإمامية ما لم يكشف عن قول المعصوم، فيكون الإجماع منزلته منزلة الخبر المتواتر الكاشف بنحو القطع عن قول المعصوم!
وإذا كان الإجماع حجّة من جهة كشفه عن قول المعصوم، فلا يجب فيه اتّفاق الجميع بغير استثناء، كما هو مصطلح أهل السُنّة على مبناهم، بل يكفي كلّ ما يستكشف من اتّفاقهم قول المعصوم، كثروا أم قلّوا، إذا كان العلم باتّفاقهم يستلزم العلم بقول المعصوم.
نعم، على بعض المسائل في الإجماع لا بدّ من إحراز اتّفاق الجميع.

أمّا كيف يستكشف من الإجماع على سبيل القطع قول المعصوم؟ قد ذكروا لذلك طرقاً، منها:
الأوّل: طريق الحسّ: وبها يسمّى الإجماع: (الإجماع الدخولي)، وحاصل هذه الطريقة أن يعلم بدخول الإمام في ضمن المجمعين على سبيل القطع من دون أن يعرف بشخصه من بينهم.
وهذه الطريقة إنّما تُتصوّر إذا استقصى الشخص المحصّل للإجماع بنفسه، وتتبّع أقوال العلماء فعرف اتّفاقهم، ووجد من بينها أقوالاً متميّزة معلومة لأشخاص مجهولين حتّى حصل له العلم بأنّ الإمام من جملة أولئك المتّفقين، أو يتواتر لديه النقل عن أهل بلد أو عصر، فعلم أنّ الإمام كان من جملتهم، ولم يعلم قوله بعينه من بينهم، فيكون من نوع الإجماع المنقول بالتواتر.
وقد ذكروا أنّه لا يضرّ في حجّية الإجماع على هذه الطريقة مخالفة معلوم النسب، وإن كثروا ممّن يعلم أنّه غير الإمام, بخلاف مجهول النسب على وجه أنّه الإمام, فإنّه في هذه الصورة لا يتحقّق العلم بدخول الإمام في المجمعين.

الثاني: طريقة قاعدة اللّطف، وهي: أن يستكشف عقلاً رأي المعصوم من اتّفاق من عداه من العلماء والموجودين في عصره خاصّة، أو في العصور المتأخّرة، مع عدم ظهور ردع من قبله لهم بأحد وجوه الردع الممكنة, خفيّةً أو ظاهرة؛ فإنّ قاعدة اللطف كما اقتضت نصب الإمام وعصمته تقتضي أيضاً أن يظهر الإمام الحقّ في المسألة التي يتّفق المفتون فيها على خلاف الحقّ وإلاّ لزم سقوط التكليف بذلك الحكم، أو إخلال الإمام بأعظم ما وجب عليه، ونصب لأجله، وهو: تبليغ الأحكام المنزلة.
ولازم هذه الطريقة عدم قدح المخالفة مطلقاً، سواء كان من معلوم النسب أو مجهوله، مع العلم بعدم كونه الإمام، ولم يكن معه برهان يدلّ على صحّة فتواه.

الثالث: طريقة الحدس: وهي أن يقطع بكون ما اتّفق عليه الفقهاء الإمامية وصل إليهم من رئيسهم وإمامهم يداً بيد؛ فإنّ اتّفاقهم مع كثرة اختلافهم في أكثر المسائل يعلم منه أنّ الاتّفاق كان مستنداً إلى رأي إمامهم.
ولازمها: أنّ الاتّفاق ينبغي أن يقع في جميع العصور من عصر الأئمّة إلى العصر الذي نحن فيه؛ لأنّ اتّفاق أهل عصر واحد مع مخالفة من تقدّم يقدح في حصول القطع، بل يقدح فيه مخالفة معلوم النسب ممّن يعتدّ بقوله، فضلاً عن مجهول النسب.
وهذه أهمّ الطرق التي ذكرت لتحقّق الإجماع، وقد ظهر منها: إنّ الإجماع إنّما يكون حجّة عند دخول المعصوم مع المجمعين, ويكشف هذا الدخول بالطرق المتقدّمة(1).

أمّا التناقضات التي يقولها بين الروايات, فهي تبدو للوهلة الأولى تناقضات! لكن الفقيه يستطيع الجمع بينها، وردّ ما لم يثبت صحّته، فصاحب الشبهة بنظره القاصر يراها تناقضات، فأيّ تناقض بين رواية صحيحة السند ورواية ضعيفة لا يُعتدّ بها؟! وأيّ تناقض بين كلام صدر من الإمام تقيّة، وبين كلام صدر بلا تقيّة؟!

وأخيراً قد ظهر ممّا دوّنا: أنّ هذا المستشكل لم يفهم من البداية قول علمائنا، سواء الأُصوليين منهم بخصوص الإجماع، أم الفقهاء بخصوص التعارض بين الروايات!! فتطفّل على أمر لا علم له به كشف به عن جهله، وما أكثر ابتلائنا بهؤلاء الجهّال.
ودمتم في رعاية الله

(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 192 المقصد الثاني (الظنّ)، المقام الثاني (الإجماع المنقول).

الاسئلة و الأجوبة » أصول الفقه » حجّية الإجماع، بدخول المعصوم


مهتاب / ايران
السؤال: حجّية الإجماع، بدخول المعصوم

ما نظركم في كلام ابن تيمية في (منهاج السُنّة):
(( وقد رأيت طائفة من شيوخ الرافضة، كابن العود الحلّي، يقول: إذا اختلفت الإمامية على قولين: أحدهما يعرف قائله، والآخر لا يعرف قائله، كان القول الذي لا يعرف قائله هو القول الحقّ الذي يجب اتّباعه؛ لأنّ المنتظر المعصوم في تلك الطائفة، وهذا غاية الجهل والضلال... ))(1)؟

(1) منهاج السُنّة 1: 21.
الجواب:
الأخ مهتاب المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
المراد من كلام الحلّي، على ما هو الظاهر والذي لم نتابعه من مصدره، أنّه: يريد الإشارة إلى مبنى أُصولي عند طائفة من علمائنا، وهو: إنّ الإجماع إذا كان داخل فيه الإمام المعصوم يصلح للحجّية دون الذي لا يدخل فيه الإمام المعصوم؛ فإن أجمعت الأمّة على قولين لا ثالث لهما، فلا يجوز إحداث قول ثالث، وهو ما يسمّى بـ(الإجماع المركّب).
ولمّا كان أفراد القول الأوّل - مثلاً - معلومة النسب، فإنّ معنى ذلك عدم دخول المعصوم بينهم، بخلاف الثاني.
ولكن ابن تيمية لم يفهم ما قاله ابن العود، أو لم ينقله بتمامه، كما هو دأب كافّة معاندي أهل البيت(عليهم السلام).
ودمتم في رعاية الله

الاسئلة و الأجوبة » أصول الفقه » المراد بـ(الاستحسان)


جواد / المغرب
السؤال: المراد بـ(الاستحسان)
أريد معرفة: مفهوم الاستحسان، وعلاقته بالقياس?
الجواب:

الأخ جواد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تعاريف الاستحسان مختلفة جدّاً، وقد ذكر السرخسي جملة منها، وإليك هذه النماذج منها:
1- الاستحسان: ترك القياس والأخذ بما هو أوفق للناس.
2- الاستحسان: طلب السهولة في الأحكام فيما يبتلى به الخاص والعام.
3- الاستحسان: الأخذ بالسعة وابتغاء الدعة.
4- الاستحسان: الأخذ بالسماحة وانتقاء ما فيه الراحة(1).

قال السيّد محمّد تقي الحكيم في (الأُصول العامّة للفقه المقارن) عن هذه التعاريف: ومثل هذه التعاريف لا تستحقّ أن يُطال فيها الكلام؛ لعدم انتهائها إلى أُمور محدّدة يمكن إخضاعها للحديث عن الحجّية وعدمها. والذي يقتضي الوقوف عنده من تعاريفها، التي تكاد تكون من حيث كونها ذات مفاهيم محدّدة، ما ذكره كلّ من:
1- البزدوي من الأحناف من أنّه - أي الاستحسان -: ((العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه، أو هو: تخصيص قياس بدليل أقوى منه)).
2- الشاطبي: ((أنّه العمل بأقوى الدليلين))... إلى آخر التعاريف(2).

وأمّا علاقته بالقياس، فهو يعد عند العامّة أصلاً مقابل القياس، ولكنّنا وجدنا - كما تقدّم عن البزدوي - بأنّه تقديم قياس أقوى على قياس، وهذا لا وجه له بعد عدّهم الاستحسان دليلاً مستقلاً كالقياس(3).
ودمتم في رعاية الله

(1) المبسوط 10: 145 كتاب (الاستحسان).
(2) انظر: الأُصول العامّة للفقه المقارن: 361 القسم السادس الاستحسان.
(3) راجع المصدر المتقدّم.

الاسئلة و الأجوبة » أصول الفقه » المرجع الأُصول العملية عند عدم الدليل الظنّي المعتبر


ميثم التمار / العراق
السؤال: المرجع الأُصول العملية عند عدم الدليل الظنّي المعتبر
إذا جاء حدث معيّن أو شيء جديد، لم يرد فيه حكم، لا في كتاب الله، ولا في سُنّة نبيّنا(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولا في أحاديث أئمّتنا(عليهم السلام)، ماذا نعمل به؟
صحيح نحن نرجع فيه إلى علمائنا وفقهائنا، لكنّي استفسر: كيف يفتون به؟ وإلى ماذا يرجعون فيه؟ أم أنّه مباح لهم، كما قال مولانا الصادق(عليه السلام): (كلّ شيء لك مباح ما لم يرد فيه آية أو حديث أم تعمل به على الظنّ)؟
الجواب:

الأخ ميثم المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ الفقهاء - أعزّهم الله - عندما لا يجدوا دليلاً لفظاً من كتاب أو سُنّة، أو دليل معتبر من الأمارات يفتون به بلحاظ واقعة ما، أو حدث معيّن، يكون المرجع عندهم حينئذٍ: الأُصول العملية, التي قامت الأدلّة الشرعية على الرجوع إليها في موضع الشكّ وعدم الدليل (وإثبات هذه الأدلّة التي تسمّى: أمارات، في أُصول الفقه).

وهذه الأُصول تختلف بحسب اختلاف مورد الشكّ, فإن كان الشكّ في التكليف, أي: في أصل التكليف, كمن يشكّ في حرمة التدخين، أو: يشكّ في وجوب أمر ما من عدم وجوبه؛ فهنا يكون المورد مجرىً لأصالة البراءة.
وإن كان الشكّ في المكلّف به, كأن يكون الشكّ في أيّ الصلاتين واجبة في زمن الغيبة، هل هي صلاة الجمعة أم صلاة الظهر؟ مع التسليم بوجود وجوب ما لأحدى هاتين الصلاتين؛ فيكون هذا المورد مجرىً لأصالة الاحتياط أو الاشتغال.
وأحياناً يدور الشكّ بين المحذورين، كالوجوب والحرمة؛ فيكون المورد مجرى لأصالة التخيير... وهكذا.
والبحث في هذه الأُصول طويل الذيل مفصّلاً في أُصول الفقه، وهي لها تطبيقات دقيقة واسعة ذكرها الفقهاء في كتب استنباط الحكم الشرعي.

وأمّا ما أوردته على أنّه قول الإمام الصادق(عليه السلام)، فلم يرد هكذا نصّ عنه (عليه السلام).
نعم، ورد عنه (عليه السلام) قوله: (كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي)(1)، وقوله (عليه السلام): (كلّ شيء يكون فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتّى تعرف الحرام منه بعينه، فتدعه)(2).
ودمتم في رعاية الله

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 317 حديث (937).
(2) من لا يحضره الفقيه 3: 341 حديث (4208).

الاسئلة و الأجوبة » أصول الفقه » الاستصحاب عند الإمامية


حميد / العراق
السؤال: الاستصحاب عند الإمامية
ما هو تعريف الاستصحاب؟
الجواب:
الاخ حميد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عَدّ الحكم أو الموضوع المتيقّن باقياً بعد الشكّ فيه.. كما لو علمنا بعدالة زيد، ثمّ رأينا منه ما لم نتيقّن بكونه على وجه يوجب الفسق، فتعدّ عدالته باقية. أو كنّا على يقين من الوضوء، ثمّ شككنا بانتقاضه، فنبني على بقاء الطهارة.
ودمتم في رعاية الله

الاسئلة و الأجوبة » أصول الفقه » مخالفة العامّة أحد المرجّحات


اياد الموالي / العراق
السؤال: مخالفة العامّة أحد المرجّحات
سؤالي: (إذا جاءكم حديث ضعيف السند مخالف للعامّة، وحديث صحيح السند موافق للعامّة) عليكم بالحديث المخالف للعامّة.
ما مدى صدقية الحديث والقاعدة؟
الجواب:

الأخ أياد  المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مخالفة العامّة تذكر كأحد المرجّحات للخبرين المتخالفين؛ ففي رواية في (الكافي)، قال الشيخ الكليني: ((محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحلّ ذلك؟
قال: من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً، وإن كان حقّاً ثابتاً له؛ لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى: (( ُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَد أُمِرُوا أَن يَكفُرُوا بِهِ )) (النساء:60).
قلت: فكيف يصنعان؟
قال: ينظران [إلى] من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً؛ فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً؛ فإذا حكم بحكمنا، فلم يقبله منه، فإنّما استخفّ بحكم الله، وعلينا ردّ، والرادّ علينا الراد على الله، وهو على حدّ الشرك بالله.
قلت: فإن كان كلّ رجل اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما، واختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم؟
قال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر.
قال: قلت: فإنّهما عدلان مرضيان عند أصحابنا، لا يفضل واحد منهما على الآخر؟
قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك؛ فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه، وإنّما الأُمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتّبع، وأمر بيّن غيّه فيجتنب، وأمر مشكل يُردّ علمه إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله): حلال بيّن، وحرام بيّن، وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات، وهلك من حيث لا يعلم.
قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟
قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسُنّة وخالف العامّة، فيؤخذ به، ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسُنّة ووافق العامّة.
قلت: جعلت فداك! أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسُنّة، ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامّة، والآخر مخالفاً لهم، بأيّ الخبرين يؤخذ؟
قال: ما خالف العامّة؛ ففيه الرشاد.
فقلت: جعلت فداك! فإن وافقهما الخبران جميعاً.
قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل حكّامهم وقضاتهم، فيترك، ويؤخذ بالآخر.
قلت: فإن وافق حكّامهم الخبرين جميعاً؟
قال: إذا كان ذلك فارجه حتّى تلقى إمامك؛ فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات))(1).
ودمتم في رعاية الله

(1) الكافي 1: 67 - 68 كتاب فضل العلم، باب (اختلاف الحديث) حديث (10).

سامي / سوريا
تعليق على الجواب (1)

هذا الحديث الذي ذكرتموه غريب كل الغرابة، فما درجة صحته عن الإمام الحسين عليه السلام؟ وقد أشكل علي في عدة أمور منها:
أولاً: جاء في نص الحديث "فإذا حكم بحكمنا، فلم يقبله منه، فإنّما استخفّ بحكم الله، وعلينا ردّ، والرادّ علينا الراد على الله، وهو على حدّ الشرك بالله." ماذا يقصد الإمام بالرد هل هو الاعتراض كما فهمته؟ وأياً كان معناه فما علاقته بالشرك؟ فالشرك هو إشراك آلهة أخرى مع الله، على خلاف الكفر الذي هو إنكار لوجود الذات الإلهية أو إنكار لأحكام الله، فلماذا استعمل الإمام هنا كلمة الشرك ولم يستعمل كلمة الكفر؟ وهل أفهم من هذه الجملة أن الراد لكلام الأئمة الاثني عشر حكمه شرعاً "مشرك"؟ أي أن العامة مشركين حسب هذا الحديث؟

ثانياً: استعمل الإمام لفظ: "العامة" للدلالة على أتباع المذهب السني في ذلك الوقت، فمتى ظهر هذا المصطلح ومن أول من أطلقه عليهم؟

ثالثاً: جاء في الحديث أيضاً: "ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسُنّة وخالف العامّة، فيؤخذ به، ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسُنّة ووافق العامّة" وهذه العبارة أغرب ما ورد فيه. فما حاجتي بالعامة إذا كان الحكم موجوداًَ في الكتاب والسنة؟ أقصد إن وافق حكمه حكم الكتاب والسنة فلا حاجة للنظر في رأي أي شخص أو جماعة، وكذلك إن خالف حكمه الكتاب والسنة فلا يحلله رأي البشرية جمعاء وليس العامة فقط! فما الداعي لإدراج عبارة: "وخالف العامة، ووافق العامة" هنا!!! هل عند الشيعة كتاب وسنة غير التي عند العامة؟ نعم السنة مختلفة ولكن الكتاب واحد حسب ما قرأت في موقعكم فما هذه الجملة الغريبة في هذا الحديث؟

رابعاً: في آخر الحديث يؤكد الإمام على مخالفة العامة ومخالفة قضاتهم حتى نهاية الحديث، فما هي فلسفة الرشاد في المخالفة؟ لماذا يكون الرشاد في المخالفة؟ وفي أي الأشياء تكون المخالفة؟ أقصد أن الرجل السائل للإمام كان يعرض عليه مسألة في الدَين والميراث، فهل قول الإمام: "ما خالف العامة ففيه الرشاد" يقصد به ما خالفهم في هذا الشأن حصراً أي المواريث والديون أم تعممون ذلك على أشياء أخرى؟ وما هو الضابط في تحديد ذلك؟ أقصد لا يمكن أن يكون الرشاد في مخالفة العامة في كل شيء لأن هنالك أصول مشتركة بين الفريقين على حسب علمي، إذن إما أن قصد الإمام في أمر الميراث والمعاملات المالية حصراً أو تعمم هذه العبارة على أشياء أخرى يكمن الرشاد في مخالفتها فمن الذي يحدد ما هي تلك الأشياء؟

الجواب:

الأخ سامي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله
أولاً: الحديث رواه عمر بن حنظلة عن الامام ابي عبد الله الصادق (عليه السلام) وليس المقصود من العبارة الامام الحسين (عليه السلام) كما هو واضح .

ثانياً: المراد بالرد في الرواية هو عدم قبول الحكم الذي اتى به الراوي والذي نقله عن الامام المعصوم وما دام رادا على الامام فهو رادة على الله تعالى والمراد بالشرك هنا هو ما يقابل الاسلام حيث ان المسلم من شأنه ان يكون عنده كامل التسليم والانقياد لله تعالى بخلاف المشرك فانه ليس عنده تسليم وانقياد لذا الامام (عليه السلام) وصفه بالمشرك واما انه لم لم تستخدم كلمة الكفر فلان هذه الكلمة تشير الى عدم التصديق القلبي والانكار القلبي الذي يحصل غالبا مع الاعتقادات لا الاحكام الذي هو مورد الرواية .

ثالثاً: قد يصعب الحصول على نص يحدد زمن استخدام لفظة العامة على اهل السنة ولكن يمكن القول ان هذه اللفظة استخدمت في مقابل لفظة الخاصة التي تدل على اتباع الامام امير المؤمنين (عليه السلام) والائمة من بعده لذا فمن الراجح ان تكون بداية اطلاق لفظة العامة منذ زمن الامام امير المؤمنين (عليه السلام) والمسألة تحتاج الى تتبع وتحقيق .

رابعاً: ان الظاهر بدوا من ان الخبر يكون موافقا للكتاب هو مطابقة مفاد احد الخبرين لكتاب الله عز وجل الا ان هذا الظهور يزول بمجرد الالتفات الى ان القران الكريم لم يتصد لبيان كثير من تفاصيل الاحكام الشرعية واوكل ذلك للسنة الشريفة فلو كان المراد من الموافقة هو المطابقة لكانت فائدة هذا المرجح محدودة جدا ومن هنا لا يستبعد ان يكون المراد من الموافقة هو عدم المنافاة لكتاب الله عز وجل وذلك في مقابل الخبر المنافي لكتاب الله وحينئذ يلاحظ الخبران فان كان احدهما مخالفا للكتاب والاخر غير مناف له فان الترجيح يكون للخبر غير المنافي للكتاب . ولو لم يقبل هذا الاستظهار فان الموافقة لا تعني التطابق التام بين مفاد الكتاب العزيز ومفاد احد الخبرين بل يكفي دخوله تحت عمومات او اطلاقات الكتاب المجيد وحينئذ يلاحظ الخبران فلو كان مؤدى احدهما مشمولا عمومات او اطلاقات الكتاب وكان مؤدى الاخر منافيا او غير موافق فان الترجيح يكون للاول .

خامساً: ان الترجيح بمخالفة العامة يأتي في مرحلة متاخرة عن الترجيح بالموافقة للكتاب المجيد والسنة القطعية فالترجيح بمخالفة العامة انما هو في حالة عدم موافقة ومخالفة كلا الخبرين للكتاب المجيد كان لم يكن الكتاب المجيد متصديا لحكم المسألة المشتمل عليها الخبران المتعارضان وعندئذ يلاحظ الموافق لمذهب العامة فيكون مرجوحا .
والمراد من الترجيح بمخالفة العامة (الترجيح بالتقية) هو انه لو تعارضت روايتان تعارضا مستحكما موجبا للعلم بمنافاة احدهما للواقع وكانت كلتا الروايتين واجدتين لشرائط الحجية بقطع النظر عن التعارض فانه يلاحظ مفاد كلا الروايتين فان كانت احدهما موافقة لروايات العامة والاخرى مخالفة او غير موافقة فان الموافقة لروايات العامة تسقط عن الحجية بسبب التعارض .

سادساً: اما قوله (عليه السلام) (ما خالف العامة ففيه الرشاد) فليس المقصود في المخالفة في خصوص المواريث او المنازعات بل يعم غيره من الاحكام كما هو واضح .
ودمتم في رعاية الله


الاسئلة و الأجوبة » أصول الفقه » دور المنطق في الاستنباط الشرعي


حيدر / سويسرا
السؤال: دور المنطق في الاستنباط الشرعي
لماذا قواعدنا تعتمد على المنطق في الأحكام؟
الجواب:

الأخ حيدر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الإنسان منطقي بطبعه، فلا ضير من استخدام المنطق باعتباره واسطة منهجية في استنباط الأحكام الشرعية من مظانّها، وهي: الكتاب والسُنّة والإجماع والعقل، فالمنطق، كما قال ارسطو: هو آلة لجميع العلوم، وما هو إلاّ مجموعة قواعد يرجع إليها الإنسان لعصمة ذهنه من الخطأ، وهذه غاية يسعى إليها جميع الناس، فضلاً عن العلماء.

ويؤثّر عن الشيخ أبي حامد الغزّالي في كتابه (المستصفى) أنّه قال: ((من لا معرفة له بالمنطق فلا ثقة بعلمه))، ولذلك فقد جعل لمقدّمة كتابه المشار إليه، وهو كتاب في أُصول الفقه، باباً موسّعاً في المنطق.
وعلم أُصول الفقه يعتمد كثيراً على القياس المنطقي، لا سيّما في باب الملازمات العقلية، وباب حجّية العقل، واعتماده بالدرجة الأساس على: القياس، وإن كان يستبعد كلاًّ من الاستقراء والتمثيل الذي هو (القياس) باصطلاح فقهاء العامّة، ومعنى ذلك: أنّ المنطق ليس كلّه بجميع أبوابه مستعمل في استنباط الأحكام، بل خصوص ما يفيد اليقين، وما تلزم نتيجته بالضرورة عن مقدّماته، وليس هو إلاّ القياس المنطقي.

ونحن لا نرى أيّ ضير في اعتماد علم أُصول الفقه على بعض قواعد المنطق في عملية استنباط الأحكام الشرعية. وإن كان ذلك يُعدّ عندكم معيباً؛ بسبب تقدّم العلوم الإنسانية المعاصرة، ولكن يجب التنبيه على أنّ المنطق ليس له عندنا أيّة قدّسية، وإنّما هو مجرّد وسيلة، بالرغم من أنّ المنطق ليس هو الوحيد المستعمل من بين سائر العلوم عند المتشرّعة من فقهاء وأُصوليين، فالنحو والرياضيات وحساب الاحتمال أيضاً يستفاد منها في بعض أبواب الفقه، أمّا النحو، فلإحكام وإتقان العبارة الفقهية والأُصولية، وأمّا الرياضيات، فلاستعماله في باب المواريث من الفقه، وأمّا حساب الاحتمال، فقد استعمل في بعض النظريات الحديثة في علمي أُصول الفقه والعقائد.

ونحن نقول: لو ثبت لدينا صوابية بعض المناهج الحديثة وفائدتها في تطوير طرق استنباط الأحكام الشرعية لَما تردّدنا في اعتماده، ولكن لم يثبت لدينا ذلك، على الأقل حتّى وقتنا الراهن.
ودمتم في رعاية الله


الاسئلة و الأجوبة » أصول الفقه » ما تدل عليه عبارة انكسار القلم التي الذكرها الاخوند الخراساني في الكفاية وجملة من الاعترضات عليها


عباس / البحرين
السؤال: ما تدل عليه عبارة انكسار القلم التي الذكرها الاخوند الخراساني في الكفاية وجملة من الاعترضات عليها
كيف يمكن لى ان اتصور ان عالما محققا مثل الاخوند الخراسانى يقول بالسعادة والشقاوة الداتيه كما جاء في كتابه كفاية الاصول وهو من اتباع اهل البيت (عليهم السلام)...... اهو المنهج المتبع ام التأ ثر بمدارس اخرى
الجواب:

الأخ عباس المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يشير الآخوند بعبارة انكسار القلم التي ذكرها في الكفاية إلى موضوع (الشقاوة والسعادة) طبقا لما ورد في الحديث: (الشقي شقي في بطن امه والسعيد سعيد في بطن أمه).
تقرير رأي الآخوند في المسألة: إن الثواب والعقاب من الأمور المتولدة من المعصية والطاعة، وهما بدورهما وليدا الشقاوة والسعادة الذاتيتين، لذلك فلا مجال للسؤال: لم صار الشقي شقيا والسعيد سعيدا؟ لأن الشقاوة من لوازم الذات وكذلك السعادة، وكل منهما لا يقبل التعليل لأن الذاتي لا يعلل ولا يسأل عن علته فلا يسأل مثلا: لمَ كان الإنسان ناطقا لأن النطق ذاتي للإنسان؟ وحين بلغ صاحب الكفاية إلى هنا قال: إن القلم حين وصل هنا انكسر، كدليل على أن الأذهان لا يمكنها أن تتجاوز هذا المكان.
وقد تمت مناقشة ما طرحه الآخوند في الكفاية من قبل أكابر الأصوليين بعده، ذلك أن رايه في هذا الموضوع قد يترتب عليه الاعتقاد بمحذور الجبر.

ومن جملة الاعتراضات على الآخوند ما أورده الشيخ النائيني، من أن ما وقع فيه صاحب الكفاية من شبهة الجبر إنما كان نتيجة مترتبة على قوله باتحاد الطلب والإرادة، فقال: إنه لو كانت الأفعال معلولة للإرادة وكانت الإرادة معلولة لمباديها السابقة ولم يكن بعد الإرادة فعل من النفس وقصد نفساني لكانت شبهة الجبر مما لا دافع لها، ولقد وقع في الجبر من وقع مع أنه لم يكن من أهله (يقصد بذلك الآخوند)، وليس ذلك الا لإنكار التغاير بين الطلب والإرادة، وحسبان أنه ليس وراء الإرادة شيء هو المناط في اختيارية الفعل (فوائد الأصول ج1 ص 132).

وعلق السيد حسين البروجردي على صاحب الكفاية قائلاً: إن ما ذكره قدس سره من أن السعادة والشقاوة ذاتيان للإنسان في غير محله، وذلك لان في خلقة الإنسان وطينته جهتين وحيثيتين كما تدل عليه الآيات والأخبار، مثل الآية المباركة : (( إِنَّا خَلَقنَا الإِنسَانَ مِن نُطفَةٍ أَمشَاجٍ نَبتَلِيهِ )) (الإنسان:2) ... وهاتان الجهتان: جهة نورانية وجهة ظلمانية وبذلك يتردد ويتفكر في مقام اختيار الإطاعة والعصيان فيختار أحدهما بالإرادة والاختيار. (حاشية على كفاية الأصول: تقريرات بحث بحث البروجردي للحجتي ج1 ص170).

ومنهم السيد الخوئي الذي يرى أن الإنسان في بطن أمه لا يملك أكثر مما يملكه ذاتياً حيوان آخر، وبعد ذلك تنشأ فيه الصفات النفسانية، أي أن السيد الخوئي قد انكر أن يكون للإنسان القابلية ولو اقتضاءً للسعادة أو الشقاوة (محاضرات في أصول الفقهج2 ص 113).

ومنهم السيد محمد تقي الحكيم الذي قال: (السعيد سعيد في بطن أمه والشقي شقي في بطن أمه) فربما استدل له على الجبر، ولكن الظاهر أن المراد منه: هو (علم الله) تعالى بحالة الإنسان في المستقبل، فإنه تعالى يعلم والجنين في بطن أمه إنه سيكون شقيا أو سعيدا، سيصدر منه الأفعال المنحرفة أو الصالحة، لعلمه المحيط بالغيب، ولكن علمه لا يؤثر في الخلق والإيجاد، وإنما المؤثر فيه إشاءته وإرادته، والله تعالى وإن كان واحدا في ذاته و صفاته، وصفاته عين ذاته، ولكنه لا يعمل إلا وفق الصفة المناسبة لفعله، فالله تعالى لا يؤثر في الخلق والإيجاد بعلمه بل بمشيئته وإرادته، فيعلم تعالى من الأزل بأن هذا الفعل المنحرف أو الصالح سيصدر من هذا الشخص باختياره وإرادته، فإذا صدر من دون إرادة الإنسان واختياره، فإنه سيصدر على خلاف علمه تعالى (الطلب والإرادة ص41).

وثمة آراء ومناقشات اخرى مطولة لا مجال لذكرها. وفيما ذكرناه كافِ إن شاء الله لدفع هذا المحذور الذي يترتب على تلك العبارة، وقد ذكر العلامة المروّج الشوشتري في (منتهى الدراية) - بعد أن اعترض على صاحب الكفاية بسبب كلام آخر له يشم منه رائحة الجبر ذكره في بحث التجري- ثم قال المروج ما حاصله: وقد سمعت غير مرة من بعض أعاظم تلامذة الماتن (يعني الآخوند): أن ما ذكره هنا وفي مبحث الطلب والإرادة كان جرياً على مذاق الفلاسفة، وبعد أن طبعت الكفاية أظهر المصنف التأثر من طبع هذين الموضعين. (منتهى الدراية ج4 ص 54).
ودمتم في رعاية الله


الاسئلة و الأجوبة » أصول الفقه » علة الحكم والحكمة


منتظر / امريكا
السؤال: علة الحكم والحكمة
ما هو الفرق بين علة الحكم وحكمة الحكم
الجواب:

الأخ منتظر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في كتاب الأصول العامة للفقه المقارن للسيد محمد تقي الحكيم ص 308 قال: وقد فضل بعض الأصوليين ان يعرف العلة بقوله : هي ( الوصف الظاهر المنضبط الذي جعله الشارع علامة على الحكم مع مناسبته له ) . وقد انتزعوا من هذا التعريف أمورا أسماها خلاف بالشرائط المتفق عليها, والأنسب تسميتها بالأركان لأنها جماع ما أخذ في تعريف العلة وتحديدها, وهي :
1- ان تكون وصفا ظاهرا, أي مدركا بحاسة من الحواس الظاهرة ليمكن اكتشافه في الفرع .
2- أن يكون وصفا منضبطا, أي محددا بحدود معينة يمكن التحقق من وجودها في الفرع .
3- أن يكون وصفا مناسبا, ومعنى مناسبته أن يكون مظنة لتحقيق حكمة الحكم . وأضافوا إلى ذلك أمرا رابعا, وهو :
4- أن لا يكون الوصف قاصرا على الأصل, وهذا الأخير كان موضعا لخلاف بينهم, ومن رأي خلاف - والحق معه - أنه لا ينبغي أن يكون موضعا لخلاف ( لأنه لا تكون العلة أساسا للقياس إلا إذا كانت متعدية ) .

وبهذه الشروط المنتزعة من التعريف, حاولوا إقصاء العبادات عن كونها مجرى للقياس, لأنها مما لا تدرك عللها بالعقل كعدد ركعات كل صلاة, وعدد أيام الصيام, وغيرهما من العبادات, كما ألحقوا بها العقوبات المقدرة كعدد الجلد في الزنا, وقذف المحصنات, وهكذا... وسيتضح فيما بعد أن قسما من هذه القيود إنما اتخذ على ألسنة المتأخرين منعا عن الوقوع في مفارقات السابقين عندما توسعوا في التماس العلل حتى في العبادات وغيرها .
ولزيادة تحديد المراد من العلة, نعرض لما عرضوا لذكره من التفرقة بينها وبين السبب والحكمة والشرط, وهي ألفاظ شائعة الاستعمال على ألسنة الأصوليين, ويتضح الفرق بينها إذا عرضنا لكل منها بشئ من التحديد .

تعريف السبب : و ( هو معنى ظاهر منضبط, جعله الشارع إمارة للحكم ) وهو بهذا المعنى أعم من العلة لعدم أخذ المناسبة من تعريفه, وقيد بعضهم السبب بما ليس بينه وبين المسبب مناسبة ظاهرة, فيكون مباينا للعلة, وقيل : انهما مترادفان, يقول خلاف : ( وبعض الأصوليين فرقوا بين علة الحكم وسببه بأن الامر الظاهر - الذي ربط الحكم به لان من شأن ربطه به تحقيق حكمة الحكم - إن كان يعقل وجه كونه مظنة لتحقيق الحكمة يسمى علة الحكم, وإن كان لا يعقل وجه هذا الارتباط يسمى سبب الحكم, فشهود شهر رمضان سبب لايجاب صومه لا علة له, لان العقل لا يدرك وجه كون هذا الشهر دون سواه مظنة لتحقيق الحكمة لايجاب الصوم, ودلوك الشمس أي زوالها أو غروبها, سبب لايجاب إقامة الصلاة لا علة له, لان العقل لا يدرك وجه كون هذا الوقت دون غيره مظنة لتحقيق الحكمة من إيجاب إقامة الصلاة, فكل علة سبب وليس كل سبب علة, وبعض الأصوليين لم يفرقوا بين لفظي العلة والسبب ), وهذه التفرقة التي ذكرها بين السبب والعلة تنتهي إلى التباين بينهما, فتفريعه بعد ذلك عليها بقوله : ( فكل علة سبب, وليس كل سبب علة ) أي بكون النسبة بينهما هي العموم المطلق لا يتضح له وجه .

تعريف الحكمة : و ( هي المصلحة المقصودة للشارع من تشريع الحكم ) أي ( ما قصد إليه الشارع من جلب نفع ودفع ضرر ) والفارق بينها وبين العلة أن العلة أخذ فيها قيد الانضباط, والحكمة لم يؤخذ فيها ذلك القيد, ولذا لم يجعلها الشارع إمارة على حكمه, ولم يدر الحكم معها وجودا وعدما بخلاف العلة والسبب في حدود تعريفيهما السابقين .
ودمتم في رعاية الله


الاسئلة و الأجوبة » أصول الفقه » مقولة اللفظ ومقولة المعنى


السعودية
السؤال: مقولة اللفظ ومقولة المعنى
ما هو تعريف كل من مقولة اللفظ ومقولة المعنى مع ذكر أمثلة؟
مقولة البيع هل هي مقولة لفظ أم مقولة معنى؟
الجواب:
الأخ المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
المراد من مقولة اللفظ: كل ما ينشأ باللفظ ولا حقيقة له وراء اللفظ كألفاظ الايقاعات فكل ما ليس بازاءه شئ في الخارج فهو من مقولة اللفظ ان تم التلفظ به والا فهو من مقولة المعنى,أي ماله ازاء بالخارج او في النفس بناءا على ان الامور النفسية هي فرع الخارجية أي لها حقائق بغض النظر عن اللفظ،ولذا اختلف في (البيع) هل هو من مقولة اللفظ او المعنى والذي اختاره جملة من المحققين انه من مقولة المعنى اذ ليس البيع هو مجرد الايجاب والقبول حتى يقال انه من مقولة اللفظ بل الامر الخارجي المتولد عنهما، نعم ينشأ البيع بلفظ ولكنه ليس هو البيع المتحقق بل الآلة لتحققه .
ودمتم في رعاية الله

الاسئلة و الأجوبة » أصول الفقه » الاستدلال بالسيرة العقلائية


حسن الخلخالي / العراق
السؤال: الاستدلال بالسيرة العقلائية
ما الموارد التي يستدل لها بسيرة العقلاء في علم الاصول ؟ وما وجه الاستدلال ؟
وهل سيرة العقلاء تدخل ضمن العقل العملي ام لا؟
الجواب:

الأخ حسن المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الموارد التي يستدل عليها بالسيرة العقلائية في علم الاصول متعددة من قبيل الواحد وحجية الظهور وموارد الجمع العرفي ونحوها. واما وجه الاستدلال فلاجل انها تكشف عن فعل المعصوم وامضائه ولذا قيمتها انما هو بالامضاء المذكور ويتم ذلك فيما اذا تحقق امران :
الامر الاول :اثبات معاصرة السيرة للمعصوم (عليه السلام)
الامر الثاني : عدم ردع المعصوم عنها الكاشف عن امضائه لمضمونها.

اما معاصرة السيرة لوجود المعصوم فانه تذكر لاثباتها عدة طرق نعرض لبعضها بايجاز دون اخذ ورد وتمامها في محلها من علم الاصول.
الطريق الاول: ان تطابق العمل على السيرة بالفعل مع كون موضوعها عام البلوى بحيث لا محاله ينعقد فيه تطابق عملي يكون دليلا على انها ذات جذور عقلائية قديمة تصل الى عهد المعصومين (عليهم السلام) .
الطريق الثاني :اثبات معاصرة السيرة ووجودها في زمن المعصوم (عليه السلام) بالنقل والشهادة وهذا النقل اذا تظافر واستفاض بنحو يورث القطع فلا اشكال وان فرض فيه النقل بخبر ثقة فهو يجدي فيما لو ثبتت حجية خبر الثقة في المرتبة السابقة بدليل اخر غير السيرة.

واما الامر الثاني:
اعني عدم ردع المعصوم فيكون من خلال قضيتين :
اولهما : انه لو لم يكن الشارع راضيا عن السيرة لردع عنها، اما من جهة ان غرض المعصوم تبليغ الشريعة وبيان حلالها وحرامها فاذا لم يردع عن ما يكون مخالفا للشريعة يكون قد نقض غرضه وهو محال. واما من جهة انه امر بالمعروف وناه عن المنكر.
ثانهما : انه لو كان قد ردع عنها لوصل الينا ولو برواية ضعيفة فاذا لم يصل فهذا يعني انه لم يردع فيكشف عن امضاءه.
واما انها من العقل العملي فلا لانه يفترض باحكام العقل العملي ان تكون قطعية وحجيتها ذاتية بخلاف السيرة حيث ان حجيتها منوطة بامضائها،
ودمتم في رعاية الله

This page downloaded from http://www.aqaed.com/faq/