×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الخضوع للدليل وللحق، وإمامة الأئمّة في القرآن

الإسم الكامل: يوسف محمد حبيب بركات
الدولة: العراق
المذهب السابق: سنّي
المساهمة:

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة على طه الأمين وآله الطاهرين

الخضوع للدليل وللحق، وإمامة الأئمّة في القرآن

يا أيّها الأحبّة، يقول الله جلّ جلاله في كتابه العزيز: (إِنَّا عَرَضنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَالجِبَالِ فَأَبَينَ أَن يَحمِلنَهَا وَأَشفَقنَ مِنهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴿الأحزاب: ٧٢﴾).

إنّ التكليف الذي يتحمّله الإنسان في هذه النّشأة لم يأتي بشكل عبثي لا يوافق المؤهّلات التي يتوفر عليها هذا الممكن الضّعيف والمفتقر إلى الغني المطلق، بل إنّ الله سبحانه وتعالى من كرمه علينا أعطانا خصّيصة تجعل سبل التكامل أمام الإنسان مفتوحة ليصبح قادراً على تجاوز مراتب الملائكة المقرّبين، أو ليتسافل فيصل إلى مرتبة كالأنعام أو ربّما يكون أضل منها!

هذه الخصّيصة، خصيصة العقل والإختيار هي ما تجعل الإنسان إنساناً مكلفاً، ولهذا العقل من القدسية والمنزلة بحيث أنّ من يفقده فهو يخرج وتنخلع عنه صفة الإنسانية والتّكليف.

يا أيّها الأعزّة، إنّ الله جلّ جلاله جعل هذا العقل حجّة باطنة علينا لنميّز بين الحقّ والباطل، بين الغث والسمين، بين النّافع والضّار ...إلخ. فهلّا يا أيّها الحبيب أدّيت حقّ هذه النّعمة بالبحث عن الحقّ لإتّباعه، وإيّاك ثمّ إيّاك أن تصبح مثل من حكى الله عنهم: قَالُوا إِنَّا وَجَدنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهتَدُونَ ﴿الزخرف: ٢٢﴾.

دائماً كن باحثاً عن البرهان: وَمَن يَدعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفلِحُ الكَافِرُونَ ﴿المؤمنون: ١١٧﴾.

أحبّتي نشأت في عائلة أفرادها يتّبعون المذهب السنّي، وبسبب الظروف التي مرّ بها العراق فقد إضطررنا للسفر والتجوال في العديد من الدّول العربية بحثاً عن الرزق والحياة الكريمة، وقد ساعد هذا كثيراً على ترسخ المذهب السني في عقيدتي لأنّي لم أكن أعرف شيعياً في تلك البلدان بل كنت أسمع بين الفينة والأخرى من أصدقائي السنّة قصصاً حول الشيعة جعلتني أشعر أنّهم أسوأ خلق الله على هذه الأرض إذا ثبت فعلاً ما يقال حولهم، لكنّ المنطق الذي كنت أفكّر فيه أنّه مستحيل أن يتصرّف الإنسان بعمل معين بدون دليل أو على الأقل شبهة مقنعة بالنسبة له، وهذا ما جعلني أعذر الشيعة نوعاً ما.

الصدمة التي حصلت لي هي عندما وقع بين يدي تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي رحمه الله، ولا أخفي عليكم أحبّتي أنني أعشق القرآن وأعتبره جزءا من روحي، ولي هواية في الإطلاع على التفاسير وآراء المفسرين، على كل حال وقع بين يدي هذا التفسير العظيم وصدمت لسلاسته وقوّة مضامينه، هل يعقل! الشيعة يعتقدون أنّ هذا القرآن الصحيح! ويملكون تفسيراً هو الأفضل بعدما إطّلعت عليه!

أخوتي لن أطيل عليكم الكلام، كثيراً ما تسمعون أنّ الإمامة التي يدّعيها الشيعة ليس لها أصل في القرآن، وأنّها دعوة إبتدعها الشيعة بعد الأئمّة و... و....

سأعرض لكم أبسط دليلين وأوضحهما وأكثرهما صراحة على الإمامة ووجودها في القرآن:
وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ ﴿البقرة: 124﴾

نحن نعتقد أن هذه الآية تدل على أصل الإمامة للأدلة التالية:

- إن البلاء الذي حصل لسيدنا إبراهيم (عليه وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام) إنما حصل له بعدما نال مرتبة النبوة، كما في الآيات في سورة الصافات:
رَبِّ هَب لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿100﴾ فَبَشَّرنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴿101﴾ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذبَحُكَ فَانظُر مَاذَا تَرَى ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افعَل مَا تُؤمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴿102﴾ فَلَمَّا أَسلَمَا وَتَلَّهُ لِلجَبِينِ ﴿103﴾ وَنَادَينَاهُ أَن يَا إِبرَاهِيمُ ﴿104﴾ قَد صَدَّقتَ الرُّؤيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجزِي المُحسِنِينَ ﴿105﴾ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ البَلَاءُ المُبِينُ ﴿106﴾
التي يمكن من خلالها معرفة إحدى هذه الإبتلائات التي إبتلى اللهُ بها سيدنا إبراهيمَ (عليه وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام) فأتمها، وهذه الحادثة كانت بعد النبوة كما هو معروف.

- ثم إن إبراهيم (عليه وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام) دعا ربه أن يجري هذا العهد في بعض ذريته، لكنه في سورة الحجر خاطب سيدنا إبراهيم (عليه وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام) الملائكة كما في هذا الحوار المبارك:
وَنَبِّئهُم عَن ضَيفِ إِبرَاهِيمَ ﴿51﴾ إِذ دَخَلُوا عَلَيهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنكُم وَجِلُونَ ﴿52﴾ قَالُوا لَا تَوجَل إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ﴿53﴾ قَالَ أَبَشَّرتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ﴿54﴾ قَالُوا بَشَّرنَاكَ بِالحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ القَانِطِينَ ﴿55﴾ قَالَ وَمَن يَقنَطُ مِن رَّحمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ﴿56﴾
فسيدنا إبراهيم (عليه وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام) لم يكن ينتظر أن تكون له ذرية أبداً، حتى بعدما بشرته الملائكة بهذا حيث قال: " قَالَ أَبَشَّرتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ"
فهذا يقطع الشك باليقين أن الله جعله إماماً بعدما كان خليلاً ونبياً وهذا يدل على عدة أمور منها أن مرتبة الإمامة أعلى من مرتبة النبوة وأن هذه المرتبة هي بجعل من الله سبحانه وتعالى "قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا".

- ثم علينا أن نشرح معنى الظلم المذكور في الآية، وإختصارا للكلام فإن القرآن يسمي الشرك بالظلم العظيم، من كلمة العظيم يمكننا أن نعرف أن هناك درجات أخرى من الظلم لكنها تختلف في العظمة والشدة، ثم إنّ القرآن يسمي طاعة الشيطان وطاعة الهوى بالعبادة
أَلَم أَعهَد إِلَيكُم يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعبُدُوا الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُم عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴿يس: 60﴾
أَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيهِ وَكِيلًا ﴿الفرقان: 43﴾
فمن عبد الشيطان أو الهوى فهو إنما يشرك بالله سبحانه (وهذا هو ما يعرف بالشرك الخفي)
مما سبق يمكننا الإستدلال بكلمة الظالم، على الإنسان الذي لم يتلبس بأي لحظة من لحظات حياته بالظلم، ووَضَحَ ممّا سبق أن أي معصية هي درجة من درجات الظلم.

- نقطة أخيرة إن هذا العهد الإلهي يجري في ذرية إبراهيم (عليه وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام) هو مستمر إلى يوم القيامة كما هي الآية، فالله سبحانه وتعالى أجرى هذا العهد في ذرية إبراهيم لكنّه نفاه عن الظالمين فقط وقد تقدم معنى الظلم.

لكن ما زال هناك الكثير حتى نعرف خصوصيات هذه الإمامة، لكن أشير إلى بعض الآيات فقط:
وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴿السجدة: 24﴾
الآية السابقة تشير إلى بعض الخصوصيات مثل الهداية التكوينية "يَهدُونَ بِأَمرِنَا" وقد بين الله أمره بكن فيكون، ثم خصوصية الصبر واليقين وهناك تفصيل لا مجال لذكره.

وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا وَأَوحَينَا إِلَيهِم فِعلَ الخَيرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ﴿الأنبياء: 73﴾
وهذه الآية تشير إلى أن فعل الخيرات من الأئمة يكون بتأييد إلهي " وَأَوحَينَا إِلَيهِم فِعلَ الخَيرَاتِ".
ومن اللطيف ملاحظة أن جميع الآيات السابقة قرنت الإمامة بالجعل الإلهي.

أخواني الكلام السابق هو في التعريف القرآني للإمامة، فأنا لا أريد التعرض للمعنى الكلامي للإمامة المحصور بالجانب السياسي فقط (الإمامة السياسية).

الدليل الثاني وهو آية التطهير:
إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيرًا ﴿الأحزاب: ٣٣﴾
وسأناقشها معكم في نقاط:
- الكلمة الأولى في هذا المقطع من الآية الشريفة هو كلمة إنّما، وتفيد هذه الكلمة الحصر أي أنّ التطهير المراد هو إنّما يراد لأهل البيت فقط، وقد يرد في الخاطر تساؤل مفاده أنّ التطهّر مطلوب من جميع المكلفين فما معنى حصر هذه الإرادة بأهل البيت فقط؟ سَيَضِح الجواب من تفسير الإرادة.

-الكلمة الثانية هي يريد، وهنا نسأل هل أنّ الإرادة هنا تشريعية أم تكوينية، ولتوضيح الفرق بين هذين النّوعين من الإرادتين نقول أنّ الإرادة التشريعية هي إرادة الشّخص صدور الفعل من غيره، بإرادته وإختياره، كما في إرادة الله تعالى صدور العبادات والواجبات من عباده، بإختيارهم وإرادتهم لا مجرد صدورها بأعضائهم وأبدانهم بدون تخلل القصد منها.

أمّا الإرادة التكوينية فهي إرادة الشخص صدور الفعل عنه بنفسه، من دون تخلّل إرادة غيره في صدوره، كما في إرادة الله تعالى في خلق الكون، أو إرادتي أنا وأنت في الأكل والشرب...إلخ.

من هذا التعريف نفهم أنّ الإرادة التكوينية لا يمكن أن تتخلف عن المراد، فإنّ الله تعالى يقول:
إِنَّمَا أَمرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴿يس: ٨٢﴾

بعد هذا البيان نعود للآية لنتحقق هل إنّ الإرادة هنا تكوينية (لا تتخلف عن المراد) أم تشريعية(أي يصبح معنى الآية إنّما شرّعنا لكم أهل البيت الأحكام لنذهب عنكم الرجس ونطهّركم).

سنجد أنّ الآية حصرت هذه الإرادة في أهل البيت فقط، لكننا نعلم جميعاً أن التطهر من الرجس المعنوي هو أمر مطلوب من جميع المكلّفين وأهل البيت مشمولين في هذه الإرادة الأولى ولا إختصاص لأهل البيت بها فلا داعي لإستعمال كلمة إنّما، فبالتالي لا يصح كون هذه الإرادة إلّا إرادة تكوينية وتدل على تطهر أهل البيت من الرجس تطهيراً.

ويمكن فهم هذا المعنى، من كون الآية في صدد مدح أهل البيت وتعظيمهم وهي لن تتضمن هذا المعنى إذا كانت لغرض بيان سبب تشريع أحكام معينة لأهل البيت.

ويمكن فهم هذا المعنى من الطريقة التي طبّق فيها نبينا محمد صلى الله عليهم وآله وسلم هذه الآية وجلل أهل البيت (علي فاطمة حسن حسين) عليهم السلام معه في الكساء، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو واحد من أهل البيت، بل هو سيّدهم، ولا معنى لإرادة إذهاب الرجس عن النّبي لأنّه أطهرالموجودات الممكنة (ممكن في مقابل واجب الوجود لأهل الكلام).

وكيف إهتم النّبي صلى الله عليه وآله وسلم في تحديد أهل بيته وتعريف أمّته بهم، وسأورد الروايات لاحقاً.

بعد فهم هذا الأصل نناقش ما هو معنى الرجس في القرآن، سنجد مجموعة آيات:
وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتهُم رِجسًا إِلَى رِجسِهِم وَمَاتُوا وَهُم كَافِرُونَ ﴿التوبة: ١٢٥﴾
وَمَا كَانَ لِنَفسٍ أَن تُؤمِنَ إِلَّا بِإِذنِ اللَّهِ وَيَجعَلُ الرِّجسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعقِلُونَ ﴿يونس: ١٠٠﴾
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمرُ وَالمَيسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزلَامُ رِجسٌ مِّن عَمَلِ الشَّيطَانِ فَاجتَنِبُوهُ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ ﴿المائدة: ٩٠﴾
فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهدِيَهُ يَشرَح صَدرَهُ لِلإِسلَامِ وَمَن يُرِد أَن يُضِلَّهُ يَجعَل صَدرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَٰلِكَ يَجعَلُ اللَّهُ الرِّجسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤمِنُونَ ﴿الأنعام: ١٢٥﴾

وغيرها العديد من الآيات..
مما سبق من الآيات يمكننا أن نفهم أنّ هناك رجسا ماديا بمعنى النّجاسة، وهناك رجساً معنوياً بمعنى الضلال، وقد بيّن الله سبحانه وتعالى أنّ سبب الضلال هو عدم طهارة القلب (بدرجة من الدرجات) كما في الآية:
وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتنَتَهُ فَلَن تَملِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيئًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَم يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُم...(المائدة:٤١)

وواضح للبصير أنّ عدم الطهارة هو بنفس معنى الرجس، ثمّ إنّ الله سبحانه وتعالى يقول في آية أخرى:
وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتهُم رِجسًا إِلَى رِجسِهِم وَمَاتُوا وَهُم كَافِرُونَ ﴿التوبة: ١٢٥﴾

بالتالي يمكننا أن نفهم أن للرجس مراتب عديدة.

وأنقل لكم كلام للزمخشري في تفسيره المعروف "الكشّاف":
((واستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر، لأنّ عرض المقترف للمقبحات يتلوّث بها ويتدنّس، كما يتلوّث بدنه بالأرجاس. وأمّا المحسنات فالعرض معها نقي مصون كالثوب الطاهر.
وفي هذه الإستعارة ما ينفر أولي الألباب عمّا كرهه الله لعباده ونهاهم عنه، ويرغّبهم فيما رضيه لهم وأمرهم به))
الكشّاف ج٣ ص٥٣٨

بعد أن فهمنا معنى الرجس، يبقى أن نعرف من هم أهل البيت الذين قصدتهم الآية، وقبل أن أذكر الروايات العديدة أعلم أنّ العديد منكم سيقفز ليحتج السياق فأقول له:

- إذا كان النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قد بيّن صراحة من هم أهل البيت فهل تبقى حجّة للسياق أمام قول النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

-المتأمّل في الآية يعلم أن الآيات السابقة كانت تخاطب نساء النّبي بصيغة المؤنث (عنكنّ، بيوتكنّ ...إلخ)، أمّا عندما وصلت لأهل البيت فقد خاطبتهم بصيغة المذكر "عنكم" (وهو يستعمل عندما يغلب عدد الذكور علي الإناث في الجمع).

- لقد أخبرت الآيات السابقة علي تعدد بيوت نساء النّبي فقالت"بيوتكنّ" لكنّها عندما وصلت لأهل البيت حصرتهم ببيت واحد وكما معروف أنّ "ال" هي للعهد، فالآية تشير إلى بيت واحد معلوم.

- من البيان السابق أصبح واضحاً أنّ الآية تدل على العصمة ولم يدّعي أحد أنّ نساء النّبي معصومات بل قد صرّح القرآن بعكس ذلك في سورة التحريم.

والباقي أتركه للسنّة النّبوية الشريفة:

عن عائشة:
((خرج النّبي صلى الله عليه وآله وسلم غداة وعليه مرط مرحل، من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء علي فأدخله، ثمّ قال:
إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيرًا))
صحيح مسلم ج٧ ص٣١٠
السنن الكبرى للبيهقي ج٢ ص١٤٩
والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه

عن عطاء بن يسار عن أمّ سلمة رضي الله عنها أنّها قالت:
في بيتي نزلت هذه الآية ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيرًا)) فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى علي وفاطمة والحسن والحسين رضوان الله عليهم أجمعين فقال:
اللهمّ هؤلاء أهل بيتي
قالت أمّ سلمة: يا رسول الله ما أنا من أهل البيت؟؟
قال: إنّك إلى خير وهؤلاء أهل بيتي، اللهم أهلي أحق))
قال الحاكم صحيح علي شرط البخاري ولم يخرجه
ج٢ ص٤١٦

عن شهر بن حوشب عن أمّ سلمة: أنّ النّبي جلل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساءا وقال:
اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامّتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا
فقالت أمّ سلمة: وأنا معهم يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟؟
قال إنّك على خير

قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وهو أحسن شيء روي في هذا الباب
سنن الترمذي ج٥ ص٣٦١

وهذا نموذج فقط ولمن أراد الإستزادة مراجعة تفسير الطبري أو تفسير الدر المنثور....

والسلام عليكم...