×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

قصة الاستبصار القسم ٢ من ٤ (مقتطفات من كتاب "العودة الى الاصل")

الإسم الكامل: غسان نعمان ماهر السامرائي
الدولة: العراق
المذهب السابق: سني
المساهمة:

قصة استبصار
السيد غسان نعمان ماهر السامرائي
القسم 1 من 4
(مقتطفات من كتاب "العودة إلى الإصل" الجزء 1)

إشـارات
هذا الفصل يتعرض إلى المرحلة القصيرة ما بين سنة 1977 وسنة 1979، حيث شهدت هاتان السنتان الإشارات الأولى إلى دور أهل البيت(ع) وذلك من خلال شخصين، الأول هو والدي والثاني هو عمي، أخ والدي الأصغر.
ففي هذا الصيف سنة 1977 حيث تخرجت من الجامعة وكنت أستعد لدخول الخدمة العسكرية، وأنا لا أدري ما الذي سيحصل لأني كنت أريد الإعفاء منها بسبب مشاكلي الصحية ولكن لم أستطع أن أحقق ذلك عن طريق اللجنة الطبية عندما كنت لا أزال في السنة الأخيرة من الدراسة الجامعية، ولذلك كان القرار أن أبدأ بالخدمة العسكرية وأعرض نفسي من خلالها على اللجنة الطبية مرة أخرى. إلى ذلك الحين كان نشاطي الديني، إن صح التعبير، في إقامة الفروض وصلاة الجمعة بشكل أساسي في جامع مصطفى العمري (وفي العراق نسمي جميع المساجد والجوامع بإسم جامع حتى لو كانت مساجد صغيرة)، الواقع في شارع أبي طالب الذي يمثل الحد الشرقي من منطقتنا، وذلك بإمامة المرحوم الشيخ محمود الحاجم السامرائي، وفي بعض الأحيان القليلة في جامع الدهان، الواقع في شارع الإمام الأعظم الذي يمثل الحد الغربي من المنطقة.
يكون النشاط العبادي أكثر في شهر رمضان كما هو معلوم حيث صلاة التراويح وبعض الدعاء، والذي وجدته فيما بعد أقل بكثير كمّاً وأقل تفصيلاً وعمقاً مما وصل إلى يد الشيعة من أئمتهم(ع)، ما يقرأونه في رمضان وغيره.
على أية حال، في تلك السنة كان هناك مما أذكره هو أني قمت بعدة ختمات من القرآن الكريم في شهر رمضان، والذي حصل أنه في بعض الأحيان كانت ترد في ذهني آية ليست من الآيات التي أحفظها مثلاً أو أرددها ثم عندما أعود وأقرأ فإذا بي أقرأ هذه الآية في تلك الساعة مثلاً. ومن هذه التي بقيت عالقة في ذهني، والتي ربما تشير إلى ما سيحصل لي كما أظن، هو أنني كنت واقفاً في الشارع الرئيسي في منطقة الكمب حيث السوق وكانت والدتي في داخل محل الحلويات على ما أذكر وأنا كنت واقفاً إلى جانب السيارة أنتظرها وأنظر إلى الأفق من بعيد وإذا بالآية الكريمة ﴿وَاعبُد رَبَّكَ حَتَّى يَأتِيَكَ اليَقِينُ﴾ (الحجر:99) تقفز إلى ذهني، وعندما عدنا وبدأت أقرأ في تلك الختمة فإذا بهذه الآية هي الآية الأخيرة في ما كنت قد قررت قراءته. تكرر هذا الأمر أكثر من مرة مما أعطاني شيئاً من الراحة الروحية والفرح الداخلي من هذا القدح في الذهن الذي يتوافق مع القراءة فيما بعده مباشرة.

في المدرسة الخالصية
في هذه الأجواء صحبت والدي إلى المدرسة الخالصية في منطقة الكاظمية بمناسبة الاحتفال الذي يقيمونه بمناسبة جرح الإمام علي(ع) والذي يصادف في إحدى ليالي القدر من شهر رمضان المبارك كما هو معلوم.
أما والدي فهو:
نعمان بن ماهر بن حُمّادي بن الحسن بن خليل بن ابراهيم بن علي بن كنعان بن الخضر بن الشريف عباس (الجد الأعلى لعشيرتي ألبو عباس وألبو نيسان في سامراء) بن جمعة بن عبد اللّه بن علي بن الحسن بن رضاء الدين بن محمد بن عمر بن عبد اللطيف بن مرتضى بن محمد الأمين بن حُميضة (أمير مكة) بن محمد أبو نُميّ بن الحسن بن علي الأكبر بن قتادة بن إدريس بن مُطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن الحسين بن سليمان بن علي بن عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه الأكبر بن محمد الأكبر بن موسى الثاني بن عبد اللّه الشيخ الصالح بن موسى الجون بن عبد اللّه المحض بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن السبط بن الإمام علي بن أبي طالب(ع).
نعمان ماهر الكنعاني يوصف دائماً بالشاعر الضابط القومي حيث عرف عنه أنه أحد الضباط القوميين الذين شاركوا في معارك الجيش العراقي في ثورة 1941 ضد الانجليز، ثم في حرب فلسطين، ثم في التخطيط للإطاحة بالنظام الملكي الذي تم فعلاً في 14 تموز 1958؛ كما كان الشاعر المعروف، بل من أحد أشهر الشعراء العراقيين الذين ظلوا ملتزمين بالشعر العمودي منذ بداياته الشعرية في الثلاثينيات وحتى وفاته في صيف 2010.

كنا في السيارة أبي وأنا وأخي يقظان (أستاذ ومفتش دروس الفنون في وزارة التربية، يكبرني بأقل من ست سنوات)، وفي الطريق كان أبي يتحدث وإذا به يتحدث عن الإمام علي سلام اللّه عليه وبعض ما تعرّض له من مشاكل أثناء خلافته بالخصوص، ثم اندفع يتحدث، بشكل شكّل صدمة لي، عن عائشة قائلاً ما نصه: "أنتِ أرملة محمد، ما أنتِ وإشعال الحروب والخروج على الإمام علي الخليفة المبايَع الذي يعرف الناس جميعاً دورَه وحقه؟!"
بالنسبة لأي سنيّ هذا الكلام يشكّل صدمة ومفاجأة لأن عند أهل السنّة الباب مقفول تماماً أمام مناقشة أي شيء جرى في ذلك العهد الذي صوّر لنا بأنه كان عهداً وردياً جميلاً، وكما قلت في الفصل الأول يعطي الإنطباع وكأن الناس الذين كانوا في ذلك الزمان من صحابة وتابعين كالملائكة لا يخرج منهم إلا كل خير وإذا خرج منهم شيء فهو من قبيل الاجتهاد الذي يُثابون عليه وبالتالي يجب أن لا نتحدث ولا ننبسّ ببنت شفة في نقدٍ أو تساهل حتى. أما بخصوص عائشة فالأمر أشد وأشد.
في احتفال المدرسة الخالصية (وهي مدرسة أسسها الشيخ مهدي الخالصي أحد قادة الجهاد العراقي في ثورة العشرين، واستمرت مع ولده الشيخ محمد الخالصي الذي عُرف بموقفه القوي من الشيوعيين في أثناء ما سمّي بالمدّ الشيوعي عام 1959، ثم آلت المشيخة إلى ولده الشيخ مهدي الخالصي). في الاحتفال كان هناك، بالإضافة إلى كلمة الشيخ الخالصي، قصيدتان إحداهما لشاعر لا أذكر اسمه والثانية لوالدي. قصيدة والدي كانت قصيدة قوية مطلعها:

أبا الحُسينِ وَحَسبُ المَرءِ ذِكرُكُما ***** أباً يَشُقُّ الذّرى وَابناً أَبى الذّاما

قصيدة قوية نالت استحسان الحضور الذين كانوا يطالبون بإعادة الكثير من أبياتها.

وبعد القصيدة بدأت الأدعية، وإذا بهم في أحد الأدعية يرفعون نسخاً من القرآن الكريم على الرؤوس في منظر غريب بالنسبة لي لم أشاهده من قبل وبدأوا بالدعاء والتوسل والبكاء بالنحو المعروف لدى الشيعة عموماً وممن شارك وحضر في مثل هذه الأجواء الروحانية في ليالي القدر خصوصاً. أذكر أني جلست أستمع، يعني لم أضع القرآن على رأسي ولم أدر ماذا أقول، كنت جالساً إلى أن انتهى الاحتفال ونحن ضيوف شرف الاحتفال في صدر المجلس عند الشيخ الخالصي، الذي كان على الرغم من أنه أصغر من والدي بكثير ولكنه كان من أصدقائه القريبين وبينهما زيارات بين الحين والآخر.

بعد ليلة المدرسة الخالصية جرت دردشة بيني وبين والدي، كنا نتحدث عن تلك الليلة وكان يثني على كلمة أو خطبة الشيخ الخالصي وأنه كان متمكناً من الكلام وغير ذلك. وهنا سألته بأني انتبهت إلى أنه يذهب في كثير من الأحيان ربما مسافة ثلاثة أو أربعة أضعاف المسافة إلى المدرسة الخالصية ليصلي الجمعة خلف الشيخ الخالصي ولا يذهب إلى مسجد قريب من مساجد أهل السنّة قرب بيته في منطقة الصرّافية التي هي عند جسر الصرافية، فقال لي أنه لا يجد أنه يحصل على شيء من خطب الجمعة في هذه المساجد وذلك لأن علماء الشيعة طرحهم أعمق وأهم، وقال ما نصّه:
"لو كان الأمر مهماً عندي لتشيّعت ولأعلنت ذلك!" هذا كلامه بنصه.
كان هذا شيئًا يبعث على التساؤل والتفكر.

على أنه ينبغي القول بأن من الجوانب القوية جداً في شخصية والدي هي تلك النزعة العربية القومية، كما قلت، والتي تمتزج مع الشعور بالفخر والاعتداد بنسبه العلوي مما يجعله، حسبما أظن، لا يجد معنى لاتّباع غير هؤلاء الأجداد أصحاب المذهب المعتد به ويذهب إلى اتباع مذاهب أخرى ولاسيما تلك المذاهب التي أسّست من غير العرب من الفقهاء، (مع أن أهالي سامراء يتبعون المذهب الشافعي لمحمد بن إدريس الشافعي الذي ينتسب إلى هاشم ولا يتبعون المذهب الحنفي الذي هو المذهب الرسمي في العراق المنسوب إلى الإمام أبي حنيفة النعمان الذي هو من أصل فارسي كما هو معروف).

مع عمّي الأصغر
في تلك السنة بدأت علاقتي أيضاً بعمي الأصغر تتوطد ولو بشكل أقل مما حصل بعد ذلك بسنة.
عمي هو عبد القادر ماهر (أصغر أشقاء والدي)، وكان قد تقاعد من آخر عمل له في الشرطة العراقية وهو مدير شرطة الأعظمية. الأمر الذي تميز به عن والدي وأعمامي الآخرين هو أنه دخل في الإلتزام الديني عن طريق التصوّف وذلك في إحدى المراحل التي كان فيها معاوناً لشرطة سامراء حيث تنقّل في أماكن مختلفة من العراق. وكما هو معروف من المتصوفين أنهم يقولون بأن طريقتهم تمتد من شيخ إلى آخر ومن المريد إلى الشيخ إلى شيخه حتى تصل إلى الإمام علي بن أبي طالب(ع)، وأنهم يميلون ميلاً واضحاً نحو أهل البيت وإن كان انتماء هذه الطرق الصوفية إلى المذاهب السنّية المختلفة. (وفي العراق هناك الطرق المختلفة الرفاعية والجيلانية، وفي سامراء التكايا الرفاعية بشكل خاص والتي يقومون فيها بمجالس الذكر المعروفة وحسب طرقهم.)

عمي هذا كان حلو المعشر جداً ومحببًا إلى النفس وسريع البديهة، ولكونه خدم عشرات السنين في سلك الشرطة فهو يعرف من الناس وعن الناس وعن المناطق وعن الأحداث ما لا يعرفه غيره في المهن الأخرى. وكان يتردد بين بغداد وسامراء حيث بستانه في قرية العباسية، المسماة على إسم عشيرتنا، شمال مدينة سامراء بحوالي 14 كم، ويحب الخلوات هناك، ولا ينقطع طبعاً كحال أهل سامراء عن زيارة الإمامين الهاديين العسكريين اللذين يشكّلان، ولاسيما الإمام الهادي(ع)، الشخصية التي تأتي بالنسبة إليه بعد النبي(ص).

بهذا، كان في عمي هذه الصفات الثلاث: الجانب الصوفي الذي يميل إلى أهل البيت(ع)، ويميل إلى الإمام الهادي بالخصوص وإلى باقي الأئمة بشكل أقل، وشخصيته المرحة المنفتحة التي لها أثر جميل عند من يحضر عنده. هذه الصفات التي امتزجت في هذه الشخصية جعلتني أميل إلى ما يقوله والذي كان في أغلبه ينحى المنحى الصوفي في العلاقة باللّه والأفكار والأوراد وقصص الأولياء وبعض من شيوخه، ولاسيما الشيخ الأول وهو السيد يحيى الأعرجي من السادة الأعرجية في الموصل والذين هم فرع من السادة الأعرجية في النجف وفي الكاظمية، والسيد خضر السامرائي وكان شرطياً تحت إمرة عمي في معاونية شرطة سامراء ولكنه في التصوّف كان شيخه. هذا إضافة إلى القصص الأخرى عن كبار المتصوفين في سامراء سواء الذين كانوا من المعاصرين أو من أسلافهم.

بعد أن دخلت في الخدمة العسكرية الإلزامية في عام 1977 ثم أُعفيت منها لأسباب صحية في ربيع عام 1978 وقرّرت أن أسافر إلى إنكلترا لإكمال الدراسة أو للعمل أو للإثنين جميعاً صادف أن كان عمي قرر الذهاب للعلاج حيث شُخّص بمرض سرطان الرئة، الذي نتج - فيما يبدو - عن التدخين لمدة ثلاثين سنة، فصحبته إلى هناك وكنا في معظم المدة في فندق واحد فلا شك أن العلاقة صارت أقوى، نقضي ساعات سوية كل يوم في حديثه الشيّق عن قصص المتصوفة وعن الأفكار والأوراد، وبدأ يأمل في أن أكون أنا الذي أتبعه في ذلك وبدأ يعطيني أوراداً يومية لأقوم بها مع ملاحظات وإرشادات وغير ذلك.

في ذلك الوقت عندما كان يتحدث وكأي صوفي تجد أن الحديث يأتي إلى ذكر الإمام علي أو الإمام الحسن أو الإمام الحسين، أو بالنسبة إليه كسامرائي إلى الإمام الهادي، وأئمة العراق أو المدفونين في العراق الكاظم والجواد، وليس هناك من ذكر للصحابةالذين عُلّمنا ونُشّئنا ودُرّسنا على أنهم مقدّمون على عليّ وأولاده، حيث القناعة والإيمان في المذهب السنيّ أن أفضل الناس بعد رسول الله(ص) هو أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم يأتي علي رابعاً. كذلك فإنه ليس هناك من ذكرٍ لخلافة الإمام الحسن السبط(ع) وكأنها لم تكن حيث تعتبر الخلافة قد انتقلت من الخلافة الراشدة إلى الدولة الأموية وثم إلى الدولة العباسية وهكذا. وأما هؤلاء الأئمة، الذين نسمع عنهم في العراق بالتأكيد ويذهب إليهم الناس من سنّة وشيعة للنَّذر وطلب الحاجات، فهم أفراد كانوا على درجة عظمى من التقوى ومن القرب من الله تعالى وكفى، بمعنى ليس هناك إشارة أو ربط بينهم وبين مذهب فقهي. وحتى عندما يقال عن الشيعة أنهم أتباع المذهب الجعفري فإننا كنا نفهم أن المذهب الجعفري أسسه جعفر الصادق أسوةً برؤساء المذاهب الأخرى، مع فارق هو أن هذه المذاهب الأخرى تُتّبع ومذهب جعفر الصادق لا يُتّبع بالنسبة إلى أهل السنّة والجماعة.
هذا الأمر أصبح يزداد وضوحاً عندي في حديث عمي بين الكلام عن هذه المنازل العظيمة لأهل البيت وعدم ذكر الصحابة ولاسيما الخلفاء الثلاثة: أبو بكر وعمر وعثمان وبين الحال المختلف بالنسبة إلى المذهب السنيّ الذي يتّبعه هو نفسه من تقديم هؤلاء الصحابة الثلاثة على أهل البيت وعدم اتّباع المذهب الجعفري الذي يُنسب إلى أحد عظماء أهل البيت.

بدأتُ أسأل عمي عن هذا وأنه كيف يكون ذلك وألحّ في السؤال وهل أن هناك تفسيراً لذلك على أساس أنه لا يمكن الجمع بين هذه المتناقضات، ألحُّ عليه في السؤال وهو يقول بأنه لا يتحدث في هذه المواضيع، وأزداد إلحاحاً وهو يجيبني بنفس الجواب.
وهكذا كان عمي رحمه اللّه تعالى لا يريد أن يفصح عن رأيه في قضية الخلافة وذلك من منطلق التزام لا أدري إن كان قطعه على نفسه مع اللّه تعالى أو مع شيخه من ذلك الطريق بأن لا يتكلم في هذه الأمور. ولكني لم أتركه إلى أن استطعت أن أنتزع منه رأيه الصريح.
ففي أحد الأيام ألححتُ عليه حيث قلتُ بأننا أمام مفترق طرق: إذا كان ما يقوله الشيعة صحيحاً فإن علياً هو المقدم بعد النبي(ص)، وإذا كان ما كان يقوله السنّة صحيحاً فإن الأمر على ما جرت عليه الخلافة بحسب الشائع عند أهل السنّة؟
أجاب: أنظر! سأقول لك رأيي بإختصار ولكن على أن لا تسألني بعد ذلك أبداً!
قلت له بلهفة: نعم، قُل رأيك؟
فقال لي ما نصّه: إبن أَخُوي نِهبُوهَه!
قلتُ له: ما هي؟ ما نهبوا؟!
قال لي: الخلافة، نهبوها من أمير المؤمنين!
طبعاً كان هذا قبل أن أقرأ كلمة أمير المؤمنين(ع) في نهج البلاغة في الخطبة الشهيرة بالشقشقية التي يقول فيها ‹‹أرى تُراثِي نَهباً››.
وجدت نفسي أسأله مباشرة: إننا هنا أمام مفترق طرق، لأننا إما أن نتولّى صاحب الحق الشرعي ونتخذ موقفاً من الذين نهبوا حقّه وإما أننا نستمر فيما نحن عليه فنتّبع من نهبوا الحق ونترك صاحب الحق على ترتيبه الرابع، فما تقول؟
قال: قلتُ لك بأن هذا جوابي ولن أكلمك في الموضوع مطلقاً.
قلتُ له: إذاً هناك سؤال لا بد من أن نفكّر فيه، وهو أنه إن كان علياً(ع) هو صاحب الحق في الخلافة وإن كان هو وأولاده كما أنت يا عمي ومن مثلك من أهل السنّة التفضيليين، وأيضاً من الشيعة، يقولون أن هؤلاء وصلوا الغاية في التقوى والعلم فعلى هذا يكون المذهب الذي عليه الشيعة والذي يُسمّى المذهب الجعفري هو المذهب الأحق بالاتباع من غيره؟
فأجابني بجواب لا يسمن ولا يغني، قال: نعم، هؤلاء هم المقدّمون على غيرهم، ولكن الشيعة لا يتّبعون أئمة أهل البيت بالشكل الصحيح.
قلتُ: إذاً هذا يعني أن هؤلاء الأئمة قد انتهوا وانتهى معهم علمهم لأن لا السنّة يتبعونهم ولا الشيعة يتبعونهم، فنكون نحن أمام حقيقة مُرّة وهي أن الأفراد الذين أخذوا العلم من رسول اللّه(ص) ووصلوا القمّة في العلم والتقوى باتفاق الفريقين إذا بهم ينتهون ومعهم علمهم إلى زوايا النسيان ولا يعود هناك من يتبعهم، أي ما من أحد يتبع إسلامهم الأكثر صحة!

بقي هذا سؤالاً مفتوحاً بيني وبينه، ولكن هذا السؤال لم يستمر طويلاً حتى بدأت الإجابات عليه تأتي بشكل تدريجي عندما بدأتُ أطلع وأبحث في ما كتبه الشيعة لإثبات رجوع مذهبهم إلى الأئمة(ع).
أخلص إلى القول في هذا الفصل بأن فترة السنتين هذه كانت فترة بداية التحوّل ليس في المعرفة بقدر ما في الإهتمام بهذا الأمر الذي ليس هناك ما هو أهم منه، ويعود الفضل في ذلك إلى اللّه تعالى طبعاً، ولكن من الأسباب هذه الإشارات من والدي ولكن بدرجة أكبر إلى عمي رحمه اللّه تعالى.