المستبصرون » مساهمات المستبصرين

عصام - المغرب - 11 شوال 1425 - العالم الإسلامي : خيار التنمية الشاملة في أفق الممانعة الحضارية

الاسم : عصام
الدولة :المغرب
المساهمة :

العالم الإسلامي : خيار التنمية الشاملة في أفق الممانعة الحضارية

- مدخل عام :
الحديث عن التنمية هو حديث يختزن في ذاته سؤال المستقبل وموقع الذات ضمن التحولات الموضوعية , وهو أيضا حديث ينطوي على أهمية بالغة من جهة حيازته لراهن التفكير العالمي المعاصر لدرجة تحوّل فيها الحديث عن التنمية إلى ما يشبه القلق و الهاجس في الفكر الإنساني المعاصر ..
والدخول في معترك الفكر التنموي يدخلنا بالدرجة الأولى إلى مجال الحراك الإيديولوجي و العقدي بما يمثله من أطر ناظمة لأسس الهوية الحضارية وحركتها المتجددة ..لذلك لابد من تسليط الضوء على تلك العلاقة الجدلية العميقة بين الهوية و التنمية , لتتبدّى لنا قيمة الأفكار و الرؤى في صياغة مشهد تنموي متحرك و متطور ..
وحديثنا في الحقيقة يتناول نموذجا لمشروع التنمية , واقعها المعاصر , إكراهاتها المختلفة , استحقاقاتها المستقبلية ..ألا وهو مشروع التنمية في العالم الإسلامي , لكن مع وضع هذا المشروع ضمن سياقاته الذاتية والموضوعية , حيث نسلط الضوء على بنية النظام الاجتماعي في العالم الإسلامي , وطبيعة العلاقة بين النظام العام للعالم الإسلامي و الدوائر الخارجية وخاصة الدوائر الغربية بوصفها دوائر فاعلة ومؤثرة في صياغة وتحديد وجهة العالم و العالم الإسلامي على وجه التحديد ..
كلّ ذلك يجعل من خصوصية العلاقة بين المسلمين و الغرب حلقة مهمة من حلقات التصور العام لآليات البناء التنموي , فلا بد لنا والحال كذلك أن ندرس خيار التنمية في ارتباط عميق بتلك الحلقة , والتي يمكن اعتبارها باختصار شديد حلقة الممانعة الحضارية, ورفض العالم الإسلامي على الأقل في مستوياته الشعبية العريضة الانخراط في مشاريع الاستتباع و الإلحاق بمركز الحضارة العالمية المعاصرة , حيث يتطلع المسلمون متسلحين برصيد ثقافي وحضاري كبيرين , نحو إعادة أمجادهم والعودة لأداء أدوار ريادية في المستوى الحضاري للإنسانية جمعاء , وهو يتصادم مع الرؤية العولمية الهادفة إلى قولبة العالم وفق نمط جاهز ومحدّد لا يستجيب لطموحات و آمال العالم الإسلامي في بلوغ مراتب عالية من الإنتاج الحضاري ..
وأخيرا , لابد من الإشارة إلى طبيعة الرؤية الإسلامية لمسألة التنمية , وبيان مرتكزاتها الجوهرية ومنطلقاتها الحضارية , ويمكن القول باختصار أن الإسلام هو بحد ذاته رسالة تنموية , لكن وفق منظور شمولي لعملية التنمية , حيث تنطلق من بعد مركزي وهو بعد " الإنسان " بوصفه البعد الأساسي و المحرّك لتنمية الموارد الطبيعية و تحويلها لغرض الاستثمار في سبيل حياة أفضل ..

هذه جملة من القضايا نرغب في إثارتها معكم ضمن هذه الورقة الموجزة التي لا يمكن بأي الحال من الأحوال أن توفي الموضوع حقه من التحليل و الدراسة , لكن يشفع لنا في هذا المقام هدفنا الذي يقف من وراء هذه الورقة وهو : إثارة السؤال في أفق إيجاد دراسات عميقة ومشاريع عملية لتجسيد المشروع الإسلامي لمسألة التنمية الشاملة .

1-النظام العولمي الجديد : منطلقاته و مساراته :
بعد سقوط المنظومة السوفياتية , شهد العالم حالة من اللاّتوازن و اللاّاستقرار في العلاقات الدولية , حيث سجّل اختلال كبير في موازين القوى العالمية لصالح دول المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ..
وقد كانت ولا تزال شريحة كبيرة من النخبة المثقفة في العالمين العربي و الإسلامي , تفترض أن تساهم هيمنة الفكر الليبرالي على العالم في خلق مناخ ملائم لدعم الحريات العامة وحقوق الإنسان , غير أن الأحداث و المعطيات الموضوعية أبانت بما لا شكّ فيه أن الجانب الرّسمي في العالم الغربي يتعامل بازدواجية كبيرة مع هذا الملف , حيث أن الديموقراطية وحقوق الإنسان تعني في الجهاز المفاهيمي الرسمي للغرب , خروج دوائر كبيرة من العالم و العالم الإسلامي على وجه التحديد من مستوى السيطرة و التحكم .
وذلك بسبب الحالة العدائية الكبيرة بين أنظمة استكبارية غربية و شعوب العالم الإسلامي تحديدا , مما يجعل المصالح الأجنبية عرضة لمخاطر جمّة ..
فالغرب ظل يتعامل مع العرب من خلال سياسة حذرة ومترقبة في بعض الأحيان وعنيفة في أحايين أخرى , وذلك خوفا من أن يتحول الفكر و الممارسة الديموقراطيين في العالم العربي إلى أداة أساسية لصنع التحول الاستراتيجي العربي , والذي قد يبتعد عن حسابات ومصالح الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية .
فمجموعة من الملفات لا تزال عالقة , ولا تدعو الغرب على الارتياح و الاطمئنان على مستقبله السياسي و الاقتصادي مثل : القضية الفلسطينية التي لم تحلّ بعد , وفشل في السيطرة على العراق بشكل نهائي واتجاه الأحداث اليومية نحو التصعيد في الموقف ونزوع جماهيري نحو الفعل المقاوم بمختلف صوره وأشكاله , سواء العسكرية منها أو السياسية .
وأيضا تعتبر ظاهرة " الإسلام السياسي " أو " الحركة الإسلامية " أكبر مشكلة تواجه الغرب اليوم , حيث تحولّ قسم كبير منها من مواجهة العدو الإيديولوجي السوفياتي إلى مواجهة مفتوحة مع دول غربية تتزعمها الولايات المتحدة ..

وأخيرا , مادام الوضع الداخلي في العالمين العربي و الإسلامي يشهد حالة متفاقمة من التشرذم و الانقسام , فإن ذلك سيسمح لا محالة باستمرار مسلسل استنزاف الثروات و الخيرات لحساب الدول الاستكبارية , وعلى رأس ذلك الثروة النفطية في الخليج و المائية في الشرق الأوسط و الحيوانية في دول شمال إفريقيا ..
إن النظام العالمي الجديد , الذي يعني في أجلى مضامينه : هيمنة قوة وحيدة على العالم , ألا وهي الولايات المتحدة الأمريكية , يمثل حالة غير طبيعية بكل المعايير و المقاييس , فالتوازن العالمي هو الذي يحمي الخصوصيات , ويجعل القوة تتعقلن وتسير في خط الرشد السياسي .
ومن هذا المنطلق يمكننا أن نؤكد أن المسار التاريخي للأمم و الشعوب وموازين القوى دائما يأبى حالة اللاّتوازن , حيث أن عملية الفرز من داخل القوة المنتصرة أو من خارجها تنتهي إلى صياغة مشهد ثنائي أو متعدد الأقطاب , وهذا ما تؤكده النظريات في مجال علم النفس الاجتماعي خاصة ما تسمى " دينامية الجماعات " وبناء على مقدمات في النظرية الفيزيائية لدراسة قانون المادة وحركة الأجسام .
وتبرز في هذه السياق وفي أفق الاستباق نحو مركز القيادة العالمي عدة محاور ورؤى استراتيجية تهدف إلى إعادة صياغة المشهد العالمي بالشكل الذي لا يكون فيه أسير قوة وحيدة عظمى , لكن هذه المبادرات تندرج بشكل عام تحت عنوانين رئيسيين وهما : مشروع الشراكة الأورو-متوسطية ومشروع الشرق الأوسط الكبير , ونتوقع حدوث تعارض كبير بين المشروعين المذكورين مما قد يفضي في نهاية المطاف إلى تشكل ثنائية قطبية جديدة إن لم نقل عالما متعدد الأقطاب مع احتمال دخول العنصر الآسيوي في معادلات الصراع العالمي بقيادة الصين وليس اليابان لأسباب ثقافية وسياسية سنأتي على ذكرها لاحقا ..
ويمكننا القول أن القاسم المشترك بين هذين المشروعين هو التفكير بخلفية نفعية محضة تتجاوز الحدود الأخلاقية و الإنسانية في التعامل الحضاري مع باقي الدول والشعوب , حيث الحرص الأكيد و المتزايد نحو مراكمة الثروة وتحقيق التنمية السريعة و المتطورة في العالم المتحضر , في مقابل إبقاء القاعدة العريضة من شعوب العالم خارج دوائر التنمية و الاستقلال الحضاري .
لذلك , يمكننا القول أن النظام العولمي الجديد بمختلف تعبيراته الجهوية و الإقليمية لا يعبر إلا عن ذهنية استعمارية قديمة بصيغ جديدة , تتخذ من شعار التنمية مبررا للهيمنة , كما كان مشروع الإعمار شعار حركة الاستعمار القديم لتمرير مخططه الهيمني على العالم ..

2- الإسلام و الغرب : أية علاقة وأي مستقبل ؟ :
الحديث عن طبيعة العلاقة التاريخية بين المكون الإسلامي و الغرب في العلاقات الدولية هو حديث يتسم في عمومه بحالة من المد و الجزر , ومن التوتر و المصالحة , وقد كان الإسلام يعبر عن منظور حضاري يريد أن يحكم العالم لكن وفق تصور يراعي الخصوصيات الثقافية و الاجتماعية بل وحتى السياسية للشعوب , أما الغرب فقد كانت تحكمه في الغالب رغبة أكيدة نحو التوسع و الهيمنة ومحاولة الإدماج القسري للأمم ضمن البوتقة الفكرية و السلوكية للغرب ..
وليست العلاقة التاريخية بين الإسلام و الغرب هي محور اهتمامنا وبحثنا , وإنما ينصب تركيزنا على العلاقة الحالية بين الإسلام والغرب على ضوء المستوى التّنظيري الاستراتيجي في الغرب ..
لقد كان الفكر الاستراتيجي ولمدة طويلة يرتكز في تفسيره للمشاكل العالمية والصراعات الدولية على نظرية الصراع بين الشرق و الغرب , إلا أن التحولات الجذرية التي طرأت على العالم أدت إلى بروز أزمة فكرية استراتيجية , سميت من طرف العديد من الباحثين الغربيين ب"أزمة المقروئية " , ويقصد بذلك : " أزمة غياب مرجعية فكرية لقراءة الأحداث و المشاكل العالمية " ..فانطلقت الدعوة إلى ضرورة التفكير و التأمل في طبيعة الصراع من خلال المرحلة المقبلة , اعتمادا على المنهج الاستقرائي القائم على رصد الظواهر والأحداث المعاصرة , من أجل استخلاص جوهر أو عمق محوري رابط بين كل هذه القضايا ..فظهرت كتابات , يمكن تلخيصها في ثلاث نظريات وهي :

1-"نظرية الصراع شمال / جنوب" :
وترجع هذه المقولة إلى المفكر الأمريكي " كريستوفير روفين " ومؤداها : أن العالم يتجه خلال المرحلة القادمة نحو رسم خط أفقي يفصل شمال الكرة الأرضية عن جنوبها , وهو خط وهمي يعزل أمريكا الشمالية عن أمريكا الجنوبية , وأوروبا عن إفريقيا وشمال آسيا عن جنوبها , إلى درجة أن هذا الخط الوهمي يفصل الشمال الياباني المتطور و الغني عن جنوبه الفقير ..
وما من شك أن المعيار الأساسي الذي اعتمدته هذه المرجعية الفكرية , هو ذلك البعد الاقتصادي لا غير , حيث الصراع يتبدى من هذه الرؤية صراعا ذو جوهر اقتصادي , نشأ بشكل طبيعي عند دخول النظام الرأسمالي مرحلة جديدة من مراحل تطوره , ستنعكس سلبا على الدول الفقيرة غير القادرة على مواجهة تضخم النظام الرأسمالي واحتكاريته ..

2-"نظرية صراع الحضارات" :
وينسبها جل الباحثين والمهتمين بهذا الحقل من حقول الفكر إلى الكاتب الأمريكي " صموئيل هنتغتون " ..وإن كنا لا نعتقد ذلك , إذ نعتقد أن أول من تطرق إلى هذا الموضوع , واعتبر أن المرحلة المقبلة ستندرج تحت عنوان " الصراع الحضاري " هو الخبير الدولي في علم المستقبليات د . المهدي المنجرة من خلال كتابه " الحرب الحضارية الأولى" والذي سبق نشر مقالة صموئيل هنتغتون في" الواشنطن بوسط " ..
بل إننا نستطيع أن نقول بأن الحركات الإسلامية منذ الحرب الباردة سطرت ضمن أدبياتها ووثائقها بأن طبيعة الصراع العالمي هو صراع حضاري شامل , سيفتح الاجتماع البشري على صعيد المستقبل على لحظة انتصار المشروع الحضاري الإسلامي ..
وعموما , ترى أطروحة " صراع الحضارات " أن المرحلة القادمة سوف تشهد صراعات تتحرك من خلال كل أبعاد الهوية , بما فيها : الثقافية , الدينية , القومية , العرقية ..
وترصد هذه النظرية ظاهرة صعود الحركات الدينية الإسلامية أو المسيحية أو غيرها , وكذا الحركات القومية و العرقية المختلفة في العالم ..

3-نظرية " نهاية التاريخ " :
وهي نظرية الباحث الياباني الأصل , الأمريكي الجنسية , الموظف في وزارة الخارجية الأمريكية : " فرانسيس فوكوياما " , وقد صاغها صاحبها في البداية على شكل مقال سنة 1989 م بمجلة " ناشيونال انترست " , غير أنه بعد حدوث التحولات عالمية التي سارت في اتجاه دعم أطروحته كسقوط الاتحاد السوفياتي , أعاد صياغة أطروحته بشكل موسع في إطار كتاب حمل عنوان : " نهاية التاريخ ..والإنسان الأخير " ..
وتدعي هذه الأطروحة أن العالم انتهى إلى صيغة نهائية لتشكل المجتمع والدولة , كما ترى أن المحرك الإيديولوجي للصراع القديم بين الشرق و الغرب , قد توقف عن الاشتغال بسبب بطلان مفعول الإيديولوجيا ذاتها .
ولذلك , فإن فرانسيس فوكوياما يعبر عن" نهاية الإيديولوجيا " ب " نهاية التاريخ " , على اعتبار أن التاريخ هو مسرح لحراك الأفكار وسجالاتها النقدية , غير أن هذا الصراع قد توقف عند بديل كامل ومتكامل ..

ويعتقد فوكوياما أن هذا البديل هو البديل الليبرالي في السياسة و الثقافة و الرأسمالي في الاقتصاد .
ويمكن القول بأن هناك أساس نظري واحد للعلاقة بين العالم الإسلامي و الغرب : نظرية الصراع بين البعد الحضاري الإسلامي و البعد الآخر الغربي الليبرالي , و إلغاء الآخر الإسلامي لما يمثله من مخاطر حقيقية للوجود الغربي وهيمنته العالمية , وهو ما أشار إليه في شكل توجسات و قلق فكري كل من صموئيل هنتغتون و فرانسيس فوكوياما ..
ولذلك فإن التنظير الإستراتيجي الغربي يتجه نحو بلورة رؤية دمجية قسرية للعالم الإسلامي وفق البنية الحضارية الغربية , وهو ما سمي في الأدبيات وفي الإعلام بمشروع " العولمة " .
وقد يقول قائل بأن الإسلام أيضا كان يريد أن يحكم العالم ويخضعه للمنهج الإلهي في الحياة , لكننا ننبه إلى خطورة عدم التدقيق في جهازنا المفاهيمي كي لا يحصل تشويش على منظومتنا القيمية و الحضارية ..
فالحرص على أن يكون المدى العام لحركة الأفكار بمستوى وحجم العالم لا يعبّر عنه بكونه مشروعا عولميا , إنما هو حالة عالمية ترنو إليها حركية الأفكار وتطلعاتها نحو التجسيد الفعلي و العملاني في الواقع .
فالعولمة هي من حيث بنيتها اللفظية وجذورها الاشتقاقية تعبر عن عملية قسر و إدماج عنيف في مسلسل الصهر الثقافي وصياغة معالم الهوية , وهي حالة قولبة وتنميط تأباها طبيعة الأشياء و إرادة الحرية و التنوع في إطار الوحدة الطبيعية .
وإن كنا نتحدث اليوم عن وجود حالة تصادمية وصراعية بين المشروع الإسلامي والمشروع الغربي , فما ذلك إلا توصيف لحالة واقعية كائنة , وليست تطلعا نحو ذلك الأفق ضمن حالة مستقبلية ينبغي أن تكون ..وهنا يكمن الفارق بين من يتطلع لواقع الحوار و التعايش و التدافع الحضاري بالتي هي أحسن غير أنه يعيش حالة من الهجوم العنيف على مقوماته الحضارية من قبل الآخر , ومن يتطلع لأفق الصراع و التنافر ويلوح بمشروع الحرب في مقابل السلام , وبمشروع الموت في مقابل الحياة , وبمشروع التفقير في مقابل التنمية , و بالاحتلال في مقابل الاستقلال الحضاري ..

3- "بناء الإنسان وتحرير الوعي مقدمة جوهرية في مشروع التنمية الشاملة ":
لقد فشلت كل مشاريع التنمية في العالم الإسلامي وفي مقابل ذلك نجحت مشاريع تنموية في تطوير صرح البناء الحضاري الغربي , واشتدت حدة المواجهة الحضارية بين الغرب والعالم الإسلامي في محاولة من الغرب لاستتباع العالم الإسلامي و إخضاعه لمنطق القوة لا لقوة المنطق , وبدأ الحديث داخل الأوساط الثقافية المهزومة و الأقلام المأجورة و أصحاب النفوس الضعيفة , عن عدم جدوائية الممانعة الحضارية وضرورة الإندماج في مشاريع إلحاق غربية لأجل تحقيق التنمية المنشودة ..
وهكذا عادت جدلية العلاقة بين التنمية و البعد الحضاري الإنساني , لترسم من جديد مدى التشابك و التداخل الحاصل بين البعدين ..
ويمكننا أن نقول بعجالة أن خيار الممانعة الحضارية في ظل عملية السطو الممنهجة على التاريخ و الحضارة و في ظل عملية الغزو الفكري يبقى خيارا مشروعا لا يحتاج إلى تأسيس بياني من داخل المدرسة الإسلامية , لأن رد العدوان و المقاومة خيار إنساني فطري وجداني , لا يحتاج منا إلى كثير من العناء في سبيل تأصيله كخيار ..فالمحدد الأساسي في هذا الاختيار الحضاري الممانع إنما تفرضه طبيعة الأشياء وظروفها الموضوعية الخارجية , ومتى خضعت هذه الظروف لعملية تبدل و تغيير فإنها حتما ستؤثر على طبيعة الخيار الحضاري الذاتي , وقد يتحول الموقف من حالة ممانعة شاملة إلى ممانعة جزئية أو إلى حالة طبيعية من الحوار و التفاعل الحضاري الذي لا يمكن أن يقوم إلا على قاعدة الحوار و الثقة المتبادلة و احترام الآخر واستقلاله وسيادته ..

لكن المسألة التي تثار في هذا الصدد هي : كيف يمكننا أن نربح رهان التنمية في ظل حالة الممانعة الحضارية ؟! فإذا كان واقع الانفتاح على الآخر لم يفرز في نهاية المطاف إلا واقعا بئيسا مجردا من كل معاني التنمية الحقيقية وبعيدا عن مفردات الاستقلال الحضاري للأمة .. فكيف يحقق خيار الممانعة بما يعنيه من انغلاق ولو في دوائر محدودة إمكانية تجسيد عملي لتنمية شاملة متوازنة ؟!
وجوابا عن هذه الإشكالية , نقول بأن الفكر الإسلامي انطلق من مسألة جوهرية تمثل عمق مشروع وحركة التنمية للموارد الطبيعية الخارجية , تلك المسألة هي مسألة " بناء الإنسان " وتنميته داخليا بوصفه المحرك لعملية التنمية الخارجية , فالله تعالى يقول " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " فتغيير المحتوى الداخلي للإنسان كفيل بتغيير وضعه الخارجي وموقعه في قيادة العالم ورفده بعناصر طليعية في المشروع الحضاري الإسلامي ..
وبمعنى آخر , تشير الآية القرآنية إلى أولوية تنمية الإنسان وبنائه الداخلي روحيا وفكريا و منهجيا لتحقيق النهضة الحضارية المرجوة , وهو في الحقيقة الدور الذي من أجله سارت وتناغمت حركة الأنبياء و المرسلين و الأئمة و الصالحين , ونستوحي ذلك من قول ربنا عز وجل " ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين " , ففي التزكية إشارة للبناء الروحي و في تعليم الكتاب إشارة للبناء الفكري و في الحكمة إشارة إلى البناء المنهجي , لأن الحكمة كما يقال هي " وضع الشيء في موضعه"
وفي ذلك إشارة إلى جنبة منهجية في آلية التعاطي و التنزيل الواقعي لحركة الأفكار و المبادئ .
ونستطيع أن نقول أيضا , أن أولوية بناء الإنسان في المرحلة الراهنة من مراحل التشكل الحضاري العالمي , يجد ما يدعمه من معطيات واقعية ميدانية , حيث نسجل في هذا الصدد ظهور اهتمام عالمي متزايد في البلدان المتقدمة بعلم تنمية الموارد البشرية , والحرص الكبير على دعم البحث العلمي حتى في مجالات العلوم الإنسانية ..
ونسجل أيضا في هذا المضمار صعود متزايد للتجربة الآسيوية واتجاه بلدان كالصين- والتي كان يعتبر العامل البشري فيها أكبر معيق لحركية التنمية بسبب الانفجار الديموغرافي الكبير الذي تعرفه – نحو تحقيق تحول نوعي في المسار التنموي بعيدا عن حالة التدخل الخارجي و في ظل ممانعة حضارية شاملة ..وقد أصبح البعد الديموغرافي أزمة الأمس أساس قوة اليوم بسبب مركزية البعد الإنساني في عملية النهوض الحضاري ..
والإسلام ثورة ثقافية وروحية وسلوكية قادر على بعث الإنسان من جديد وتحويله من عثرة من عثرات حركة التاريخ إلى قوة دفع حضارية ترتقي بالتاريخ نحو مقامات الشموخ و التأسيس لبديل حضاري إنساني بديع .

خلاصة عامة :
مما لا شك فيه أن أي مشروع تنموي لا ينفصل عن خلفياته العقدية و الفكرية , ومما لاشك فيه أيضا أن تلك الخلفيات هي التي تعمل على صياغة الأهداف و الآفاق العليا لذلك المشروع ..وأيضا نحن ندرك تماما حقيقة ثابتة وهي كون الحركة الواعية والراشدة هي التي تمتلك أهدافا واضحة ومحددة , يمثل النضال من أجل تجسيدها البرنامج العقدي لتلك الحركة أو الكيان ..غير أن هناك فروقا جوهرية بين الأهداف العليا و الأهداف الدنيا , الأهداف الاستراتيجية والأهداف المرحلية ..

فمن هنا انطلقت المشاريع الفكرية ذات الأصول الغربية من قوالب نظرية ذات أهداف دنيا , من قبيل إقامة المجتمع الحر الليبرالي في الفكر والثقافة والسياسة والاجتماع , وجعل الاقتصاد قائما على أسس حرية المبادرة والقيمة الكمية للرأسمال باعتباره المحرك الفاعل للاقتصاد ..ويرجع اعتبارنا لهذه الأهداف بكونها أهداف دنيا لأجل كون تلك الأهداف محددة بحدود الواقع المادي الملموس , وبالإمكان تحققها في حالة توفر شروط ذاتية وموضوعية , لذلك فإن حركة التاريخ ستكون حتما محكومة بانسداد الآفاق وانحسار الأهداف , مما سيعرض الحركة التاريخية إلى التحول نحو الثبات والسكون , ومن ثم خلق حالة من الفراغ الفكري الذي يدفع بالفرد و المجتمع نحو الانحطاط الخلقي واليأس النفسي , فيتحول الواقع إلى مستوى التآكل الداخلي والانهيار التام ..
ونحن نجد أن المشروع الإسلامي في جانبه النظري يتعلق بأهداف عليا سامية لا يتحقق بلوغها بشكل فعلي إلا ضمن العالم الآخر , فسعي الإسلام للارتقاء بالإنسان نحو عالم المطلق وعالم الكمال , يجعل من تلك الحركة الإنسانية في خط الله حركة دائمة متجددة ومستمرة , مما يعطي لفلسفة التاريخ من المنظور الإسلامي حركية أكبر وحيوية منقطعة النظير , فيتم بذلك استثمار كل الطاقات الفردية والجماعية وتوجيهها نحو خوض المعركة الرسالية التي لا تحدها حدود زمانية أو مكانية , بل هي معركة متجددة , متعالية عن كل تقييد زماني أو مكاني , منفتحة على آفاق واسعة ورحبة , فالله تعالى يقول " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " (سورة العنكبوت , آية 69 ) .
وبناء على ذلك , فإن الإسلام لا يقبل أن يتم تحويل الأهداف الدنيا إلى أهداف عليا , وأن يتم تحويل الأهداف المرحلية إلى أهداف استراتيجية , والأهداف النسبية إلى أهداف مطلقة , لضمان ديمومة الحركة و سيرها الارتقائي نحو عالم الكمال .
وأيضا يمكن القول , بأن التجربة العملية والوقائع المادية الملموسة , كشفت بما لا شك فيه عن حقيقة لا لبس فيها وهي كون مشروع التنمية كخيار لا ينفصل عن شرطه الإنساني والبشري , ذلك لأن تنمية الموارد البشرية هو بمثابة الرأسمال الأساسي في رصيد العمل التنموي .
ولابد للمشاريع التنموية أن تستوعب العنصر البشري من خلال توظيف نزعاته الفكرية والنفسية التي تمثل عنصر القابلية لإعلان انطلاقة تنموية حقيقية , وقد لاحظنا كيف أن الطروحات الغربية في المسألة الاقتصادية استطاعت أن تحرز تقدما هائلا في مجال التنمية ,
وذلك لأنها قامت على نفس المرتكزات الشعورية والفكرية للإنسان الغربي , والتي تتلخص في السعي الدائم نحو المادة , والتعلق بالأرض بمعزل عن السماء .
وعموما , لا يمكن تأطير الوعي العام و الشعور الداخلي للفرد والمجتمع في العالم الإسلامي , إلا من خلال مرجعية وأطروحة تحمل في طيّاتها وسماتها عناصر الغيب والارتباط بالسماء , على أنه ينبغي للحركة التجديدية القائمة على أساس الإسلام كمنطلق وكمنهج في الحياة أن تمارس دورها التوعوي لأجل وضع الغيب في موضعه الطبيعي , وعدم جعل فهم خاطئ له عائقا لمسيرة الاستخلاف التي تقضي بضرورة المساهمة في تنمية الثروة وإعمار الكون , دون الانحراف نحو هيمنة الدنيا بمطالبها المادية على الإنسان المسلم , إذ يقول تعالى : " الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و آتوا الزّكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور " وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة