المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 14 رمضان 1426 - نعم لقد تشيعت ..وهذا هو السبب -7-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة :

نعم لقد تشيعت ..وهذا هو السبب
الحلقة السابعة

الكذب على الشيعة هو الذي شيعني

أما محمد ...فقد قال: كنت إمرئ متمنطقا ومتعقلا ، لا أثبت شيئا ولا أنفيه إلا بالدليل الحقيقي والحجة التي تدحض الشك ، وتحوله إلى يقين ، ذلك لم أكن أعتبر نفسي منذ أن دخلت سن التكليف أنني مالكي المذهب ، بل على العكس كنت أرى ذلك ترجيحا بلا مرجح، لأن الانتماء إلى فكرة تحتاج إلى إثباتها علميا وعمليا، وهو أمر غير متوفر في أغلب المتدينين بالوراثة ، وأنا أرفض هذا المنحى وأستهجنه، فكان انتمائي إلى الإسلام بمفهومه العام ، وليس إلى مذهب معين من المذاهب المتداولة بين المسلمين.
وفوق ذلك ألزمت نفسي بأن أدرس التاريخ الإسلامي ، من أي مصدر إسلامي ، لعلني أجد بين طياتها ما يرشدني إلى إتباع الحق، وكان تاريخ الأمم والملوك للطبري وتاريخي ابن الأثير(الكامل - النهاية) ، ومروج الذهب للمسعودي ، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي، باعتبارها أقدم كتب التاريخ التي اعتمد رواياتها القدامى والمتأخرون .
كان اهتمامي منحصر في أحداث القرن الأول من الهجرة المباركة، من بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلى نهاية القرن الأول ، وكانت مسالة الحكومة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنسبة لي محسومة بمبدإ الشورى ،فقد كنت أراها تتماشى وعقلية العصر في التنفر من كل ما يرمز من قريب أو بعيد لمبدإ الوراثة والملك،ولأنني لم أكن مطلعا على النصوص التي وردت في ديننا الإسلامي والتي كانت تخص الوصية والتعين ، وكل ما استقر في ذهني منها مأول تأويلا خاطئا من طرف علماء خط الشورى والخلافة، كحديث منزلة علي عليه السلام من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والتي حصروها في الخلافة في الأهل فقط.

استمررت في دراسة الكتاب إلى أن عثرت على ضالتي ، وكان بحق وثيقة هامة، احتوت في مضمونها على الدليل، الذي جاء منه التزييف والكذب في دين الله تعالى، تقول الوثيقة التي أخرجها الطبري وغيره:
" كتب معاوية بن أبي سفيان إلى عماله عام الجماعة (وأفتح قوسا هنا لأقول سمي ذلك العام بعام الجماعة لاستتباب الأمر إلى بني أمية بعد مقتل الإمام علي عليه السلام ، وخذلان الناس لابنه الحسن عليه السلام إلى درجة أجبرته على الصلح) أن برئت الذمة ممن يروي شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته...ثم كتب إليهم : ألا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة.
ثم كتب إليهم : أن أنظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه ، فأدنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم . ففعلوا ذلك حتى أكثروا من فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلاة.. ثم كتب إليهم : إن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلف الأولين ، ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فان هذا أحب إلي وأقر إلى عيني ، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته ، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله، فقرئت كتبه على الناس ، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها،وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى ، حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر ، وألقي إلى معلمي الكتاتيب ، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن ، وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم ، فلبثوا بذلك ما شاء الله."

الكذب كما نعرف جميعا، أسلوب بذيء قذر وخسيس، حذر منه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وشدد على خطورته ، معتبرا أن المؤمن لا يكذب أبدا ، وإنما هي ظاهرة كامنة في فئة المنافقين، الذين ليس لهم هم يحملونه غير قلب الحقائق، وباعتبار أن المؤمن لا يكذب كما صرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،فقد حكم الكاذب على نفسه بنفسه، ونقلها من حالة الإيمان المرجو، إلى مرض النفاق الذي لا دواء منه.
هالني الأمر وصدمت منه صدمة شديدة ، ليس مما اقترفه معاوية وحزبه من طلقاء بني أمية، فأولئك لا يجهل حالهم إلا من كان مثلهم ، ولكن صدمتي جاءت من الأمة ،التي انساقت وراء باطل صنعه أعداءها ، ومضت على السكوت عليه وقبوله ، وشخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما زال عالقا في أذهان من بقي من الصحابة في ذلك العصر، وصوته المبارك ما زال يتردد صداه في آذانهم و حوافظهم.
فأين هؤلاء في تلك الفترة؟ ولماذا لم يفعلوا مثل ما فعل عمار بن ياسر، عندما قاتل معاوية وهو ابن تسعين سنة، إلى أن استشهد؟ أين أبناءهم الذين يفترض أنهم تربوا على أيد لامست براهين الوحي، وعانقت قيم الدين الحنيف بدون واسطة ؟ أين التابعون لهم الذين عايشوا الظلم والظالمين وركن من ركن منهم إليه وسكت من سكت عنه ؟ لماذا ركنوا إلى زيف معاوية ؟ ولماذا سكتوا على ظلمه ؟ ولماذا نصروا باطله ولم يحاربوه؟ لماذا تزلف منهم متزلف لمعاوية؟ ولماذا وصل الأمر بعبيد الله بن عمر إلى أن قتل في صف الذين أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم بغاة على علي عليه السلام؟ وما قام به عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وسمرة بن جندب، وأبو هريرة،لا يبعد عن ذلك الولاء الأعمى.

ولماذا بلغت هشاشة العقيدة في ذلك العصر وما تلاه، إلى أن يسب علي عليه السلام وأهل بيته على منابر الإسلام ، والساب لعلي عليه السلام كالساب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد احتجت أم المؤمنين أم سلمة على ذلك بقولها لأبي عبد الله الجدلي : أيسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكم؟ قلت معاذ الله أو سبحان الله أو كلمة نحوها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من سب عليا فقد سبني.
ولماذا بلغ الحال بالأمة إلى ذلك المستوى من التنكر لعلي عليه السلام وحال علي عليه السلام من أوضح الواضحات عند من في قلبه مثقال ذرة من إيمان ؟
أسئلة تقاطرت علي من كل جانب ، وألحت في الإجابة ، التي لم تكن بالطبع عند أولئك المؤرخين الذين نقلوا جملة من الأخبار المتراوحة بين الصحيحة والمحرفة ، والواقعة والموهومة ، والثابتة والواهية.
هذا لم يكن همهم غير نقل الروايات التي مثلت انتماءهم الفكري والعقائدي ، وشحن كتبهم بها مهما كانت نسبة صحتها، وقد أساء الطبري إلى نفسه، ومن تبعه في اعتماد رواياته المتعلقة بأحداث ما اصطلح عليه بالردة إلى ما بعد شهادة الإمام علي عليه السلام، فقد كان عمدته في تلك الروايات ،عدد من الكذابين والوضاعين من المشهورين والمجهولين،منهم سيف بن عمر الضبي، الذي أجمع علماء الجرح أنه كذاب .
ثم انتقلت لمزيد من التأكد إلى الكتب الروائية ( البخاري ، مسلم ، الترمذي ، النسائي ، أبو داود ، ابن ماجة ) فحصلت عندي قناعة بعد ذلك ، بأن أركم كل الكتب الروائية التي أنزلت منزلة القداسة ، ووصفت بأنها أصح الكتب بعد كتاب الله ، وقالوا بأن الأمة قد تقبلتها بالرضا والقبول، واتهمها جميعا بنقل التحريف والترويج له ،والكذب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأن ناقل الكذب كقائله ، خاصة المفضوح منه، الذي يمس من مقام الخالق سبحانه وتعالى ، ويحط من منزلة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، ويشين الدين الإسلامي عقيدة وشريعة.

الأمثلة التي تشير بوضوح إلى بصمات تحريف معاوية من جاء بعده من بني أمية ، شجرة التحريف الملعونة في القرآن، كثرية لكنني سأقتصر على البعض منها إثباتا للحجة ، وطلبا للاختصار:
الصحيح: عن ابن عمر قال قال رسول الله (ص) الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما.ابن ماجة كتاب المقدمة
المكذوب: عن أنس قال قال رسول الله (ص) لأبي بكر وعمر هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين. الترمذي كتاب المناقب

الصحيح: عن ابن عباس أن رسول الله (ص) أمر بسد الأبواب إلا باب علي.الترمذي كتاب المناقب.
المكذوب: عن عروة عن عائشة أن النبي (ص) أمر بسد الأبواب إلا باب أبي بكر.الترمذي كتاب المناقب.

الصحيح: عن ابن بريدة عن أبيه قال كان أحب النساء إلى رسول الله (ص) فاطمة ومن الرجال علي .الترمذي كتاب المناقب
المكذوب: عن أنس قال قيل يا رسول الله من أحب الناس إليك قال عائشة قيل من الرجال قال أبوها.الترمذي كتاب المناقب

يضيف محمد...: إن من لم يقرا ما أقدم عليه حزب الطلقاء الذي استولى على زمام الحومة الإسلامية ، بعد تمهيد من أصحاب السقيفة ، من تحريف وكذب وتشويه للدين ، لا يمكنه أن يقف على حقيقة منشئ التحريف، ففي النص الذي نقلته والذي اشترك في اعتماده أغلب المؤرخين تقريبا، نجد أن معاوية من أجل أن يستتب له الأمر،أقدم في مرحلة أولى على إشاعة ظاهرة سب علي عليه السلام وأهل بيته ،والساب لعلي هو ساب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فتم له ذلك ، ثم أقدم على خلط النصوص الصحيحة بالوهم الذي شجع عليه بالأموال، ثم سعى في مرحلة ثالثة إلى منع النصوص الصحيحة التي كانت متعلقة بالإمام علي وأهل بيته عليهم السلام ، وفي مرحلة أخيرة إلى التنكيل بمن ثبت لدى السلطة أنه من أهل بيت الإمام علي عليه السلام أو من شيعته، في عصر لم يكن هناك سوى فريقين يسعيان إلى تحقيق غاياتيهما المتباينتين ، علي وشيعته ومعاوية وشيعته، ولا اعتبار للفريق الثالث الذي لم يكن يمثل شيئا ، ولا وزن له لأن أفراده قلة قليلة أسكنها الخوف واللامبالاة تلة السكوت والانطواء، بل نجد إلى الآن في معسكر الشورى والخلافة، من لا يزال رافعا شعار العن يزيد ولا تزيد ، وهو مستمر في اعتماد معاوية بن أبي سفيان صحابيا جليلا يطلب له من الله الرضا، وهو المحارب والساب والقاتل لقربى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومواليهم .
أثناء بحثي عن الحقيقة، إلتقيت بأحد زملاء الدراسة ، وكان معه كراس دفعني الفضول إلى سؤاله عنه، فقال: هو كتاب قد سحبه أحد الأصدقاء من الانترنيت لأحد الكتاب ، فرجوته رجاء حارا أن يعيرني إياه، ولما رأى اهتمامي وتشبثي بالكراس لم يمانع من ذلك ، على شريطة أن لا أتأخر في قراءته، فوافقته وأخذت منه الكراس شاكرا وانصرفت إلى البيت استعجل الخطى.

وفي البيت بدأت في تصفح الكراس فذهلت للمستوى التعيس الذي وصل إليه الكاتب والناقل من الانترنيت،الكتاب عنوانه" الرافضة أو الإمامية الإثني عشرية أو الجعفرية" ،لم يكن ذا منهجية محددة في تعامله مع أكثر محتويات الكراس ، ولا روعي فيه تثبيت المصادر الواردة فيه ، لأن كل صفحاته قد ذكرت مصادرها من 1 إلى 5 أكثر أو أقل واشتركت تلك الترقيمات في فهرست المصادر، فلم تعد تستطيع تمييز مصدر من غيره. هذا من الناحية الفنية، أما من حيث المحتوى فلم أقرأ في حياتي مهزلة سميت كتابا غير ذلك الكراس.
للكراس سبعة مباحث، ظاهرها يوحي بأن الكاتب وكتابه من أهل الاختصاص ، لكنك عندما تقرأه لا تخرج بانطباع حسن عنهما، لأنك ستكتشف تهافت الكاتب علي إثبات أن عقيدة المسلمين الشيعة، هي إلى اليهود أقرب منها إلى الإسلام ، ومن أجل إضفاء التقوى وخشية الله تعالى على نفسه وعلى كتابه، بث الكاتب عددا من الآيات القرآنية ،التي يستشف القارئ منها بشكل إيحائي أن الكاتب على حق في جميع أقواله، وأن من كتب عنهم على الباطل مطلقا، وكأنهما الآيات القرآنية التي ذكرها لا تعنيهم، أو هي ليست في مصاحفهم.
سعى الكاتب إلى التأثير في محصلة القارئ، وجعلها تنساق معه في قناعاته، التي ظهرت من كلامه أنها لا تتزحزح قيد أنملة، فرأيه المسبق في تكفير المسلمين الشيعة ، لم يكن ليسمح له بأخذ آراء من ينتمون حتى إلى مذهبه الأشعري ، فلا الدكتور طه حسن، ولا الدكتور علي الوردي، ولا الدكتور مصطفى كامل الشيبي ،ولا الدكتور علي النشار، ولا الدكتور حامد حنفي داود ، ولا عبد الله فياض ، أقنعوه برأيهم الذي استقر على أن شخصية عبد الله بن سبأ اليهودي ،لا يمكن أن تكون حقيقية ، وقد اختلقها معاوية وحزب الطلقاء، لتكون أكبر تشنيع على علي عليه السلام وشيعته، وتشبث المتشبثين بها إلى الآن تحكي حالة الغريق الذي يسعى للنجاة بأي شكل ويروم الخلاص بأي طريق.
قلت له : لماذا تأنس في مطالعتك لكاتب مجهول لم يذكر صاحبه اسمه على الكتاب؟
فقال لي : إن الموقع الذي سحب منه الكتاب إسلامي فيه ما يحتاجه المسلم من تفاسير وتلاوات للقرآن ومصادر للسنة النبوية.
قلت له: ومع ذلك فلا بد من أن تأنس إلى مصدرك بمعرفة هوية الكاتب، على الأقل ليطمئن قلبك وتعرف عمن تقرأ.
التفت محمد... إلى نصيحتي فوجدها منطقية فقال: كلامك صحيح مائة بالمائة، أنا لم ألتفت إلى هذه الجزئية رغم أهميتها ، لقد أسهبتني المظاهر الإسلامية التي عليها الموقع على الانترنيت ، فنقلت الكتاب معتقدا أن فيه فائدة.
قلت له: لكنك وقعت من حيث لا تعلم في شبكة من أدعياء العلم ، هدفها نشر الكذب بين أفراد الأمة الإسلامية ، وتعميق الهوة الاعتقادية بينهم ، والتحريض على التكفير ، وأكثر من ذلك فقد صدرت فتاوى تبيح قتل المسلمين الشيعة باعتبارهم كفارا ومشركون.
قال محمد: فبماذا تنصحني يا أخي؟
قلت له: أنصحك وأنصح نفسي، بأن نعطي لهؤلاء الذين اضطهدوا 15 قرنا فرصة ليعبروا عن فكرهم بمنتهى الحرية ، فموائدهم في هذا المجال مفتوحة لكل من يروم الحقيقة،نحن الآن في عصر العلوم والتكنولوجيا ، والقرآن الذي هو دستورنا الأصل يحث على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن وليس بالتي هي أخشن، فلنستمع إليهم، ولنقرأ عن تواريخهم وكتاباتهم من علمائهم، وليس من أعدائهم ، ولنشاهد ما يقدمونه اليوم من أمثلة ونماذج قد تكون النواة لعودة الدين من غربته، لنقول كلمة الحق والعدل فيهم .
وأضفت إليه قائلا: إن الكذب ، والادعاء بالباطل على الشيعة هما اللذان أخذا بيدي إلى التشيع ، ودعاوى الافتراء هذه قد استند عليها أغلب المحاربين لشيعة أهل البيت عليهم السلام ، وهي في مضامينها لا تستند إلى دليل منطقي، ولا تقف بحجة ثابتة ، كل ما تشتمل عليه هي جملة من الأباطيل الواهية ،والظنون التي لا ترقى إلى الحقيقة مهما خلصت، والكذب الذي ينم مختلقه عن نفاق دفين لا علاج له.

لعل أكبر أكاذيب هؤلاء الأدعياء، التي يراد بها صرف المسلمين عن حقيقة التشيع لأهل البيت عليهم السلام ، وإبعادهم نهائيا عن البحث والتساؤل والنظر، في منهج أهل البيت عليهم السلام - والذي كان محل سخط وتبرم ونقمة، من قبل الطغاة والظالمين على مر العصور- كذبتان كبيرتان ، واحدة موجهة إلى صنف قليل الثقافة والعلم ، وترتكز على الادعاء بأن جبريل أخطأ في الوحي ، وعوض أن ينزل على علي نزل على محمد . نعوذ بالله تعالى من هذا البهتان ، ونبرأ إليه من مخترعه الأفاك ولا أخاله إلا شيطانا إنسيا مقربا من إبليس لعنه الله، جاء بهذه الفرية لينفر الناس من موالاة أهل البيت عليهم السلام والتشيع لهم.
أما الأخرى فهي موجهة إلى الذين لهم ثقافة وعلم ، وتقول : إن عبد الله بن سبا اليهودي هو الذي اخترع التشيع عقيدة ، وفي عصر الإمام علي عليه السلام.
والظاهر أن أصحاب هذه الأكاذيب من يقف معه فيها ، ليس له دين ولا عقل، لأن الذي دفع الإمام علي عليه السلام إلى حمل السلاح، والوقوف في وجه ثلاث فرق بطم طميمها، هو التحريف الذي بدأ يدب في جسد الإسلام، وينتقل إلى عقول المسلمين بكل خبث ودهاء ، فالناكثون وهم طلحة والزبير، الذين بايعوا عليا عليه السلام، ثم نكثوا بيعتهم، واصطحبوا معهم في خروجهم على الإمام عليه السلام، عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،ليوهموا الناس بأنهم على الحق، وقد استطاعوا أن يخدعوا كثيرا من الأعراب، ويستميلوهم إلى صفهم في حربهم القذرة، من أجل الاستيلاء على السلطة ، والقاسطون وهم أصحاب معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومروان بن الحكم وحزبهم لعنهم الله الذين قلبوا الحقائق ، واستبدلوا الفضائل الحقيقة للصفوة الطاهرة من أهل البيت عليهم السلام ، بفضائل زائفة لبعض الصحابة ، ليلبسوا على الناس دينهم فلا يهتدون سبيلا، والمارقون هم أصحاب ذي الثدية من الخوارج، الذين رأوا رأيا في الحكومة لم يكن صائبا، ثم حملوه عليا عليه السلام وانقلبوا وحاسبوه عليه، ليسوا أكثر جرما من عبد الله بن سبا ،الذي ادعى مختلقوه أنه دعا إلى عقيدة هي خليط من اليهودية والمجوسية ، على أساس أنها الدين الحق ، على مرأى ومسمع من علي عليه السلام ، ولو كان ذلك الرجل الأسطورة موجودا لاشتد في طلبه الإمام علي عليه السلام ،

ولقد قرأت بعد ذلك كتاب عبد الله بن سبا، للباحث والمحقق السيد الجليل مرتضى العسكري ، فأثلج صدري بتحقيقه وبراهينه واستدلالاته، وأتى على تلك الأسطورة فجعلها خاوية على عروشها . والكتاب متوفر ومتداول بين الناس اليوم.
أما ما قيل من أن الشيعة يسبون الصحابة ، فهو مهزلة كمهزلة إخوة يوسف عليه السلام، عندما جاؤوا أباهم بقميص أخيهم وعليه دم كذب زاعمين أن الذئب قد أكله،أو كالذين رفعوا قميص الخليفة الثالث طالبين القصاص من قتلته ،وهم من حرض عليه ، وسكت عن نصرته إلى أن قضى.
واني أعجب من الذين يقرؤون القرآن آناء الليل وأطراف النهار، فيمرون بعديد الآيات التي تفضح حال الكثير من الصحابة، ولا يقولون أن القرآن يسب عددا من صحابة.
وأزداد عجبا من الذين يمرون على أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم المتعلقة بالحوض ، والتي جاء في بعضها أن عددا كبيرا من الصحابة سيكون مآلهم النار يوم القيامة، ولا يقولون إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسب الصحابة ويضع من مقامهم.
وأكثر من ذلك أقول لهؤلاء الذين جاؤوا بهذه الفرية والصقوها بالشيعة ، أيهما أعظم جرما ، وأكبر ذنبا، سب صحابي أم سب النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
طبعا سيقولون لك سب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعظم ، لكنك عندما تذكرهم بان عليا سب على منابر المساجد الإسلامية دهرا طويلا، بتخطيط وتنفيذ من عدد ممن يسمونهم صحابة، وسب علي عليه السلام ، هو سب للنبي بلا فرق حسب النص الذي ذكرته، والساب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، خارج عن ملة الإسلام بلا شك، فلماذا تتهمون الشيعة بسب الصحابة ، وانتم تأوون وتباركون وتقدسون وتطلبون الرضا من الله إلى البارزين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته بالسب والحرب؟
وإذا الذين أرادوا بالشيعة كيدا ، قد ردت مكائدهم إلى نحورهم ، وخابت جميع مساعيهم الباطلة ، كالزبد الذي يذهب دائما جفاء ، وأما علي وشيعته فيمكثون في الأرض رواسي ينحدر عنها السيل ولا يرقى إليها الطير، جيلا بعد جيل، وعصرا بعد عصر، يثبتون للناس مقامات العزة والشرف والتضحية والإباء، تأصيلا للقيم الإسلامية العليا، وتحقيقا لأمر الله تعالى في الثلة المؤمنة ،التي ستبقى دوما ظاهرة إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.
أبدى صديقي رغبة في اقتفاء اثري في البحث عن الحقيقة ، وأعجب بالأدلة التي عرضتها عليه ، فزودته بكتاب الفصول المهمة في تأليف الأمة ليكون منطلقا له في معرفة الحقيقة ، والحمد لله رب العالمين أولا وأخيرا.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة