المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 25 ربيع الثاني 1428 - مقامات علوية (7) -لو لم يكن علي لما كان لفاطمة ند-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

مقامات علوية
الحلقة السابعة
لو لم يكن علي لما كان لفاطمة ند

ما إن انتهت غزوة بدر،وانصرف المسلمون إلى المدينة،وقتل من قتل من الأسرى،بسبب تطاولهم على النبي صلى الله عليه وآله،وفدي من فدي منهم،وأطلق سراح من أطلق،وقسمت الغنائم، حتى جاء موعد لم يكن منتظرا، كأنما هو الجزاء الذي أراد المولى سبحانه وتعالى أن يكافئ به عليا عليه السلام، بعد الإنجاز العظيم الذي حققه في بدر،فمناصفته وحده لقتلى المشركين،في أول مواجهة واسعة بين الإسلام والشرك،عمل لم يكن متاحا إلا لأولياء الله المخلصين،وصفوته المقربين،وهاهي فاطمة الزهراء عليها السلام قد  بلغت من السن ما أهلها للزواج،وأدار رقاب الطامعين في مصاهرة النبي صلى الله عليه وآله إليها،والفوز بقربه،لكل مطمحه وأمله،وقد تقدم لخطبتها عدد كبير من الصحابة،منهم أبو بكر وعمر وعبد الرحمان بن عوف،وغيرهم مما لا يسع المجال لذكرهم والإتيان عليهم، وكان النبي صلى الله عليه وآله في كل مرة يرد الخاطب ردا جميلا بقوله:" لم يأتني أمر الله فيها بعد."

حتى إذا استوفى الطامعون عددهم،وانقطعت آمالهم في الظفر بالمصاهرة المرجوة،والتي كان كل واحد  من أولئك الطامعين،يريد من ورائها الوصول إلى غايته وتحقيق مبتغاه،التفتوا إلى أن هناك شخص هو الأقرب للنبي صلى الله عليه وآله صلى الله عليه وآله،ومع ذلك لم يجار الطامعين في مساعيهم ،فبقي بعيدا عن الطلب،هادئا غير ملتفت إلى ما يصله من أخبار تعدد خطّاب الزهراء عليها السلام،ولم يصدر منه حديث إلى أحد بذلك الخصوص.

وسط كل تلك المحاولات،ظل علي عليه السلام صامتا،لا يحرك ساكنا،ولا يبدي شعورا بالامتعاض من أحد من الخاطبين،كأنما هو متأكد بأن أحدا غيره لا يمكنه أن يفوز بقلب الزهراء عليها السلام.
إذا لم يبق هناك غير علي عليه السلام لم يتقدم خاطبا،فذهب إليه بعضهم ليتحسس رغبته، ليدفعوه إلى طلب يد فاطمة الزهراء عليها السلام من النبي صلى الله عليه وآله، أملا منهم في رده كما رجعوا، لذلك فإننا لما نقف على حقيقة دفائن الذين غصبوا حق أمير المؤمنين في قيادة الأمة،ندرك جيدا أن غايتهم في تحريضه وحثه على طلب يد فاطمة عليها السلام ، لم تكن حبا في علي عليه السلام، ولا لأنهم رأوه أكفأهم بها، إنما كانوا يأملون بدفعه لطلب الزهراء عليها السلام زوجة له،أن يرده النبي صلى الله عليه وآله كما ردهم ،فيحيا أملهم من جديد.
وعلي عليه السلام على الرغم من مكانة الصديقة الطاهرة عنده، لم يكن ذا فكرة في الزواج،فقد شغله وملك عليه عقله وقلبه ووقته،العمل في بناء الدولة والمجتمع المسلمين،وكانت فكرته مُنصبة على ما يخص ذلك التوجه.
وما إن عرضت عليه مسألة الزواج،حتى تغير وجهه حياء،لكنه أجاب بأنه لا يملك من حطام الدنيا ما يؤهله لكي يفتح بيتا،فردوا عليه بقولهم:ما ضرك لو سألت النبي صلى الله عليه وآله، وطلبت منه ابنته؟
ومع إلحاحهم،ونزولا عند إصرارهم،لم يجد علي عليه السلام بدا من التوجه إلى النبي صلى الله عليه وآله، مترددا خجلا.

دخل علي عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله،على غير عادته،مترددا لا يدري ماذا سيقول،وبأي كلام يبدأ،واستقبله النبي صلى الله عليه وآله كعادته،كلما دخل عليه بالترحاب والإكبار،ولما أجلسه وبقي صامتا،ابتدره النبي صلى الله عليه وآله بالحديث،مشجعا إياه على الإفصاح عما جاء من أجله،ورسول الله أعرف بما يريد علي عليه السلام،وقال أخيرا للنبي صلى الله عليه وآله:أتزوجني إبنتك فاطمة يا رسول الله؟فقال له النبي صلى الله عليه وآله:مرحبا وأهلا.
ثم إنه صلى الله عليه وآله دخل على ابنته فاطمة عليها السلام، وقال لها:إن علي بن أبي طالب ممن قد عرفت فضله في الإسلام،وإني سألت ربي أن يزوجك خير خلقه وأحبهم إليه، وقد ذكر من أمرك شيئا فما ترين؟ فسكتت، فخرج النبي صلى الله عليه وآله وهو يقول: الله أكبر سكوتها إقرارها.أعيان الشيعة ج1ص309 نقلا عن البحار 

رجع النبي صلى الله عليه وآله، فأعلمه بموافقة فاطمة للزواج به، وسأله عما معه، فقال علي عليه السلام معي فرسي ودرعي، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: أما فرسك فلا بد لك منها، وأما درعك فبعها.   السيرة الحلبية ج2ص206

خرج علي عليه السلام من عند رسول الله بوسام جديد وخاصية اجتهد الصحابة على بلوغها فلم يفلحوا. 
ولقد عاتبه بعض ممن كان رفضت خطبتهم،على إيثاره عليا عليهم فأجابهم:"ما أنا منعتكم وزوجته، بل الله منعكم وزوجه." أعيان الشيعة ج1ض 311 نقلا عن الصدوق في عيون أخبار الرضا.
 وقد ذكر ابن عبد البر في ترجمة علي عليه السلام :وقال النبي صلى الله عليه وآله لفاطمة عليها السلام: لقد زوجتك سيدا في الدنيا والآخرة،وإنه لأول أصحابي إسلاما،وأكثرهم علما،وأعظمهم حلما .أعيان الشيعة ج1ص 311نقلا عن الاستيعاب

 فرح النبي صلى الله عليه وآله بطلب علي عليه السلام يد فاطمة الزهراء عليها السلام، وتهللت أساريره، وكان جوابه غير منتظر بالمرة،فقد وقع على أسماع المبغضين كالصاعقة،ولم يزدهم إلا إركاسا في رجسهم ،وبغضا وضغينة إلى بغضهم، وجاء الخبر إلى أسماع علي عليه السلام مثلجا لصدره،ومفرحا لقلبه،ولم يزده إلا إيمانا وتثبيتا،وطاعة وتسليما.
لقد قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام:"إن الله تعالى أوحى إلي،إنني قد زوجت فاطمة من علي في السماء،فزوجهما في الأرض."

قبل النبي صلى الله عليه وآله بعلي عليه السلام زوجا لمهجته،وروحه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين،امتثالا لأمر الله تعالى في إنشاء بيت يختلف عن بقية البيوت،من حيث جمعه لخصائص اجتمعت فيه كاملة فلم تغب عنها مكرمة ، فاستحق أن يكون مثلا بين المسلمين في الزهد والتقوى،والقرب من الله تعالى، وزاده الخالق من فيضه وعنايته،ما أوفى به إلى منتهى الكمال البشري، وكانت آية التطهير مسك الختام في إبراز حقيقة ومقام بيت علي وفاطمة عليهما السلام، قال تعالى:"..إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا." 
وكان مهرها 500 درهم وهو المهر الذي عليه مدار السنة في المهور، ليكون متضعا ومستطاعا لمن لا قدرة له على الغلاء.
جمع علي مهر فاطمة بعد أن باع درعه، وجاء بالدراهم إلى النبي صلى الله عليه وآله، ووضعها بين يديه، فأمر أن ينفق ثلثها في الطيب ، والثلث الثاني في ثياب العروس.

أخرج ابن حجر عن انس قال:ثم دعاني النبي صلى الله عليه وآله بعد أيام فقال: أدع أبا بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمان وعدة من الأنصار. فلما اجتمعوا وأخذوا مجالسهم ، وكان علي غائبا، قال صلى الله عليه وآله:  الحمد  لله المحمود بنعمته ،المعبود بقدرته ، المطاع بسلطانه، المرهوب من عذابه وسطوته، النافذ  أمره في سمائه وأرضه، الذي خلق الخلق بقدرته، وميزهم بأحكامه ،وأعزهم بدينه وأكرمهم بنبيه محمد صلى الله عليه وآله، إن الله تبارك  اسمه ،وتعالت عظمته،جعل المصاهرة سببا لاحقا،وأمرا مفترضا،أوشج به الأرحام - أي ألف بينهما - ،وجعلها مختلطة مشتبكة - ،  والزمها الأنام،فقال عز من قائل:"وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا." فأمر الله تعالى يجري إلى قضائه ، وقضاؤه يجري إلى قدره ولكل قضاء وقدر، ولكل قدر أجل، ولكل أجل كتاب:" يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب" ثم إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي بن أبي طالب ،فاشهدوا أني قد زوجته على أربعمائة مثقال فضة إن رضي بذلك علي." ثم دعا بطبق من بسر ، ثم قال:انتهبوا.
فانتهبنا، ودخل علي فتبسم النبي صلى الله عليه وآله في وجهه ، ثم قال: إن الله عز وجل أمرني أن أزوجك فاطمة على( خمسمائة درهم) أرضيت بذلك؟" قال علي: قد رضيت يا رسول الله.
فقال صلى الله عليه وآله:" جمع الله شملكما ،وأعز جدكما، وبارك عليكما، وأخرج منكما كثيرا طيبا."
قال  أنس: فوالله لقد أخرج منهما الكثير الطيب.الصواعق المحرقة ج2ص419 الحقائق من الصواعق ص95/96
نعم تحققت دعوة النبي صلى الله عليه وآله، في النسل الكثر الطيب، من ذرية فاطمة الزهراء عليها السلام، وصدقت افادة أنس وهو الذي عاش الى أن راى فريقا من أولئك الأطائب،وللذي لا يعرف تفسير سورة الكوثر نقول: لما شنئ العاص بن  وائل - والد عمرو بن العاص- النبي صلى الله عليه وآله بأنه أبتر، اغتم لذلك ، فنزل جبريل عليه السلام مواسيا له قائلا:"إنا أعطيناك الكوثر" والمقصود بالكوثر فاطمة الزهراء عليها السلام،التي جعل الله تعالى نسل النبي صلى الله عليه وآله منها، ذكر ذلك من المخالفين القرطبي في تفسيره وغيره مما لا يسع المجال لاستقصائه.

ثم إن النبي صلى الله عليه وآله أمر عليا عليه السلام أن يخطب لنفسه،فقام علي عليه السلام خطيبا أمام رسول الله في جمع ممن حضر من الصحابة وقال:
"الحمد لله الذي قرب حامديه ،ودنا من سائليه، ووعد الجنة من يتّقيه ، وأنذر بالنار من يعصيه ،نحمده على قديم إحسانه وأياديه، حمد من يعلم أنه خالقه وباريه، ومميته ومحييه، وسائله عن مساويه، ونستعينه ونستهديه، ونؤمن به ونستكفيه، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تبلغه وترضيه، وأن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله تزلفه وتحضيه، وترفعه وتصطفيه، وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله، زوجني ابنته فاطمة على خمسمائة درهم فاسألوه واشهدوا. قال رسول صلى الله عليه وآله:قد زوجتك ابنتي فاطمة ،على ما زوجك الرحمان ، وقد رضيت بما رضي الله، فنعم الختن أنت، ونعم الصاحب أنت ، وكفاك برضى الله رضى ثم آمر النبي بطبق تمر....أعيان الشيعة ج1ص 311
والظاهر في الرواية،أن النبي صلى الله عليه وآله سمى عددا من الصحابة، وأمره بدعوتهم ، لسبب أن هؤلاء كانوا متنافسين في الفوز بالزهراء عليها السلام ، فأراد إحضارهم لإعلامهم  بأنه  كان صادقا في قوله:"لم يأتني أمر الله فيها بعد"،وان أمر الله جرى في اختيار علي عليه السلام دونهم.

لم تمر فضيلة ولا خاصية اختص بها علي عليه السلام، دون غيره من الصحابة بلا إحن وضغائن، ما فتئت توغر صدور قوم، أحلوا الضغينة والكره،محل الحب والمودة لعلي عليه السلام، وقد أمروا بحبه، ومن لا يملك في قلبه حبا لعلي عليه السلام، فقد إتخذ مسلكا إلى النفاق، لقول النبي صلى الله عليه وآله لعي: لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق." وكان الصلحاء من الصحابة يختبرون أبناءهم بحب علي ، ويميزون المؤمن من المنافق بما يظهر عليه من حب أو بغض لعلي عليه السلام.

كان جهاز فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين عليها السلام، ومراسم زفافها من علي عليه السلام، وبيتها الذي استقرت فيه بجانب بيت والدها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، في منتهى البساطة، فهي من بيت تعود على بساطة العيش، وبساطة المتاع الذي يستعملونه،ليقينهم بان هذه الدنيا في حلالها حساب وفي حرامها عقاب، وهم فيها على سفر قريب، لم يلتفتوا إليها إلا نزرا، ولم أخذوا منها إلا دون حاجتهم،فهم من نزل فيهم القرآن "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة"  ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا"وسيرتهم على كل لسان معروفة ومشهورة، منها تعلم المسلمون التقوى والزهد.

لما حلت ليلة الزفاف طلب النبي صلى الله عليه وآله بغلته الشهباء فجيئ له بها،وثني عليها بقطيفة ، ثم دعا فاطمة الزهراء عليها السلام فأركبها عليها، وأمر سلمان أن يقود بها، ومشى صلى الله عليه وآله خلفها ومعه حمزة وعقيلا وبني هاشم شاهرين سيوفهم ونساء النبي صلى الله عليه وآله وبني هاشم أمام الجميع يرجزن ويكبرن ويحمدن. أعيان الشيعة ج1ص380

انقلبت المدينة كلها إلى النبي صلى الله عليه وآله نساء ورجالا،صغارا وكبارا لمشاركته فرحته الكبرى، وهي تزويج حبيبته وقرة عينه فاطمة الزهراء عليها السلام، فلم يتخلف إلا من كان مريضا لا يقدر على الحضور لعلة تعيقه عن مواكبة مراسم الزفاف المبارك، ولا شك  أن من كان في صدره إحنة أو ضغينة لعلي عليه السلام، قد غيب نفسه عن مشهد لا يثلج صدورهم بالمرة.
أما البقية فقد كان حضورهم طلبا للقربة إلى الله تعالى وتحسسا للبركة،  ليقينهم أنهم في حضرة قدسية قد لا يعيدها الزمن مرة أخرى، فصاحب العرس خاتم الأنبياء والمرسلين حبيب الرحمان وأفضل مخلوق جاد به الزمان، والعروس سيدة نساء العالمين، وأم أبيها ومهجته وروحه التي بين جنبيه، وذراه العظيمة من سيدة النساء خديجة، والعريس ابن عمه وأول من صدق به وأبلى وضحى، أخاه في بداية الدعوة امتثالا لأمر الله تعالى، ولم يعدل به غيره، ثم زوجه ابنته بأمر من الله أيضا،فانفرد عنة غيره بخصائص، وفاقهم بكمالات ،  يستحي أمامها المن له ذرة من إيمان أن يقيسه بمن هم دونه علما وعملا وقربا ومكانة. 

وصل الموكب إلى البيت الذي استأجره علي ليقيم فيه أيام عرسه، فناداه النبي صلى الله عليه وآله بعدما أنزل فاطمة من على بغلته،فجعل عليا عن يمينه وفاطمة عن شماله ثم ضمّهما  إليه وقبل بين أعينهما، ثم أخذ بيد فاطمة ووضعها في يد علي عليه السلام، واتجه إليه قائلا:  بارك الله لك في ابنة رسول الله .وأردف:نعم الزوجة زوجتك.ثم إلتفت إلى فاطمة عليها السلام وقال لها: يا فاطمة نعم البعل بعلك. واختتم حديثه لهما بالقول:إذهبا إلى بيتكما جمع الله بينكما وأصلح بالكما. وسايرهما إلى أن أدخلهما البيت.:
وانتهت مراسم الزواج، وكانت المدينة بأسرها على موعد مع عرس أراده الله تعالى ليكون النموذج والمثال، لينحو نحوه كل مؤمن ومؤمنة،وإذا كانت صفوة الله تعالى وخلص أولياؤه قد أقاموا زواجهم بهذه الطريقة، فحري بالذين غرقوا في ذنوبهم وآثامهم أن ينسجوا على منوالهم ويعتبروا بهم،قاطعين الطريق على الدنيا وزينتها الفانية.

ذكر الرواة والمؤرخون أن جهاز فاطمة عليها السلام كان في غاية من البساطة،وقد عد كالآتي:
قميص وخمار، قطيفة سوداء خيبرية، سرير مزمّل بشريط،فراشان من خيش مصر، حشو أحدهما ليف نخل،وحشو الآخر صوف غنم، أربع مرافق أدم الطائف،ستر رقيق من صوف، حصير، ورحى مخضب من نحاس، سقاء من جلد، قدح ،وشن للماء،مطهرة،جرة خضراء، كيزان خزف ونطع من الجلد، عباءة قطوانية، قربة ماء.
وجيء به إلى النبي صلى الله عليه وآله فجعل يتأمله ويقلبه بيديه المباركتين تسللت الدموع من عينيه،، ثم رفع رأسه ويديه متجها إلى الله تعالى وقال: اللهم بارك لقوم جل آنيتهم من الخزف.
من ضمن المفتريات التي نقلها الحلبي في سيرته التي تخص زواج علي  من فاطمة عليهما السلام، نقلا عن السيوطي: أن عثمان رأى درع علي عليه السلام تباع بأربعمائة درهم ليلة عرسه على فاطمة، فقال عثمان هذا درع فارس الإسلام لا يباع أبدا.فدفع لغلام علي أربعمائة درهم وأقسم أن لا يخبره بذلك ورد الدرع معه فلما أصبح عثمان، وجد في داره أربعمائة كيس في كيس أربعمائة درهم مكتوب على كل درهم،هذا ضرب الرحمان لعثمان بن عفان، فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وآله ، فقال له : هنيئا لك يا عثمان.السيرة الحلبية ج2ص206

لقد باع علي عليه السلام درعه بنفسه ولم يسلمه لأحد وقبض الثمن وحده، وجاء به إلى النبي صلى الله عليه وآله وحده، وقد تقدم قبل ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال له: أعندك شيء قلت فرسي ودرعي،قال:أما فرسك فلا بد لك منها وأما درعك فبعها، قال فبعتها بأربعمائة وثمانين درهم، فجئته (ص)   بها فوضعها في حجره... السيرة الحلبية ج2ص206
وتخير النبي صلى الله عليه وآله بيع الدرع دون الفرس، نابع من معرفته الحقة بعلي عليه السلام ،وهو الذي لا يثنه فقد الدرع عن منازلة الأعداء، بل لعل فقدها يزيده ارتماء في أتون المعارك طلبا للشهادة، وإن كان الإمام عليه السلام فوق الشهادة التي يبحث عنها غيره.

روايات النواصب والكذابين وأحبار اليهود، لم يخل منها كتاب من كتب هؤلاء الذين يقدسون ذلك الأموي الذي كان سببا من الأسباب المباشرة في فتنة الأمة الإسلامية،وان كنا في غنى عن تدنيس هذه الصفحات بترهات لا يقبلها حتى المجانين،فإننا بذلك نريد أن نوقف المسلمين على حقيقة المقامات الزائفة التي صنعت بالكذب والتقرب الكاذب من النبي صلى الله عليه وآله.
بهذا الأسلوب،وبأساليب أخرى حاول المحرفون تمييع المقامات الحقيقية لآل الرسول صلى الله عليه وآله بالزيف والبهتان،الذين لا ينطليان إلا على جاهل أو زنديق أو شيطان.
وبقي بيت علي عليه السلام على بساطته،حتى بعد وفاة الزهراء عليها السلام،ففي أيام حكمه دخل عليه أحدهم في بيته فلم يجد ما كان يراه عند الخلفاء الأوائل،من بسط وفرش ومتاع، فسأل عليا عليه السلام عن ذلك فقال: لقد نقلنا متعنا إلى دار أخرى. يقصد بذلك الدار الآخرة.
تلك إذا هي البيوت التي ذكرها الباري تعالى في محكم كتابه،وأثنى عليها لما حوته من تقوى وعمل صالح، لا يتخلله شيء من عمل الشيطان:"في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو الآصال* رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار* ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب. الآيات 36/37/38 سورة النور

ذلك البيت العظيم الطاهر، تطاول عليه المتطاولون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله،فجمع على بابه الحطب ليحرق، وأقتحم لإخراج صاحبه للبيعة،التي قال عنها مؤسسها أنها فلتة،وفي محضر بضعة النبي صلى الله عليه وآله،وعلى مرأى ومسمع منها،حتى أنها كانت ضحية تلك الممارسات،التي لا تمت للدين بصلة، فضربت ورضّت بالباب عندما فتح عنوة،وهي التي كانت تعتقد أنه بوقوفها أمام المعتدين،ستذكرهم أباها صلى الله عليه وآله،لكن العمى ليس عمى العين،بل هو عمى القلب،فمرضت لذلك وماتت بعد تلك الأحداث المفجعة بيسير، ودفنت ليلا،وصية منها حتى لا يحضر جنازتها من آذاها وتجرأ عليها، فتأمل كيف أن المدينة في وجود أبيها صلى الله عليه وآله قد هبت كلها للاحتفال بزواجها ومشاركة النبي صلى الله عليه وآله فرحته الكبرى،وكيف دفنت عليها السلام عند موتها في هزيع من الليل، لم يؤذن إلا لقلة لم تتجاوز أصابع اليد الواحدة، من الذين ظلوا أوفياء للبيت النبوي، وبين الحضور والغياب كانت السياسة الظالمة هي التي صنعت الفارق،وقلبت الحقائق إلى درجة أصبح معها المعروف منكراًَ.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة