المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 10 جمادى الاولى 1428 - مقامات علوية (12) -ومن دخله كان آمنا-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

مقامات علوية
الحلقة الثانية عشرة
ومن دخله كان آمنا

انطلقت مسيرة الدولة الإسلامية الفتية بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله،ومنذ البداية إتجه رسول الله صلى الله عليه وآله،إلى تركيز مسجده الذي أسس على التقوى،وجعل بيته وبيت علي وفاطمة عليهما السلام قبلة المسجد،تماما كما حصل للنبيين موسى وأخاه هارون عليهما السلام عندما خاطبهما المولى سبحانه وتعالى بقوله:"وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين."يونس الآية 87
فكان اتجاه القبلة لبيوت الصفوة ميزة اختصوا بها،وإشارة لطيفة وواضحة إلى أن تلك البيوت ليست ككل البيوت،وجعلها وأبوابها قبلة،علامة توجه القاصدين إليهم،ودلالة على أن بيوتهم التي باركها الله سبحانه وتعالى،هي الملاذ والملجأ لكل من يروم إتباع صراط الله المستقيم،وسبيله القويم.

قال تعالى:"في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو الآصال* رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار*ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب." سورة النور الآيات36/37/38
وبني من بنى من الصحابة بيوتهم،في بقية الاتجاهات،ومنها أشرعوا أبوابهم المطلة على المسجد،وقد تم كل ذلك دون إشارة مخالفة من الوحي،واستمر المر على تلك الحال مدة ليست بالطويلة.

في تلك الأثناء،كان لعلي عليه السلام طريقان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله،طريق بالنهار يشارك فيه بقية الناس،ويمتاز فيه عليهم بإقدامه على السؤال،وتهيب أغلب الناس من ذلك،بسبب أن عليا عليه السلام كان على درجة كبيرة من الوعي والفهم،بحيث حفظ ما لم يتسنى لغيره إدراكه وفهمه،والناس على درجات متفاوتة في الفهم والإدراك،وطريق بالليل اختص به دون غيره،فلم يشاركه فيه أحد.
وتردد علي عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله آناء الليل وأطراف النهار لم يكن إلا إعدادا له لمرحلة ما بعد النبوة،وللدلالة على مقام علي عليه السلام، كان النبي صلى الله عليه وآله - في تلك الفترة - يأتي إلى بيت علي وفاطمة عليهما السلام فينادي للصلاة،وذلك بعدما نزلت الآية:" وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها."  سورة طه الآية 132
  
عن أبي الحمراء قال:حفظت من رسول الله صلى الله عليه وآله ثمانية أشهر بالمدينة،ليس من مرة يخرج إلى صلاة الغداة إلا أتى إلى باب علي،فوضع يده على جنبتي الباب،ثم قال:الصلاة"إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا."

وعن ابن عباس قال:شهدنا رسول الله صلى الله عليه وآله تسعة أشهر،يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب عند وقت كل صلاة،فيقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت،:"إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا" الصلاة رحمكم الله. كل يوم خمس مرات.أخرجه ابن جرير،والسيوطي،وأحمد،والترمذي،والحاكم،وابن أبي شيبة،والطبراني،وابن مردويه،وغيرهم. أعيان الشيعة ج1ص309.

الظاهر أن المراد من فعل النبي صلى الله عليه وآله مع صفوة أهل بيته عليهم السلام،ليس المقصد منه إيقاظ علي وفاطمة عليهما السلام من النوم لأداء الصلاة،لأن المتتبع لسيرة هؤلاء الأطهار يقف على حقيقة أنهم بالليل قليلا ما يهجعون،وهما معا تربية وتأسيسا من أفضل المخلوقات وأقربهم إلى الله تعالى،وأرواحهم جميعا تكاد تنطلق إلى باريها،لولا الآجال التي قضاها لهم.

مرت إشارة النبي صلى الله عليه وآله إلى البيت الذي كان ينادي عند بابه للصلاة،دون فهم إلا من قلة قليلة ممن اتبع عليا عليه السلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله،وكان من الضروري أن يستعاض عن تلك الإشارة بتوضيح أكبر.
وإعداد النبي صلى الله عليه وآله لمن يقوم مقامه على رأس قيادة أمته،عمل ضروري تحتمه المرحلة التي تلت حياته الشريفة،نظرا للفراغ الهائل الذي سيتركه رحيله،ولا يمكن أن يملأه أحد إلا إذا كانت إمكانياته قريبة من التي اختص بها النبي صلى الله عليه وآله، وله من المؤهلات والعلوم ما يمكنه من دفع كل شبهة ورفع كل إشكال، ودحض كل مقالة مخالفة لروح الدين وجوهره، فكان علي عليه السلام هو الرجل الذي المؤهل لأداء ذلك الدور، ولم يكن اختيار النبي له لمجرد كونه ابن عمه وأخا له بالمؤاخاة، وزوجا لبنته فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين عليها السلام، بل لأن الاستعدادات التي اكتشفها النبي صلى الله عليه وآله فيه لم تتوفر بكامل خصائصها في غيره، مما دفع بالوحي إلى التأكيد عليه في كل مرة. 

ومع إعداده صلى الله عليه وآله لذلك الرجل الفذ،كان من حين لآخر يدلل عليه تلميحا،ويشير إليه توضيحا، وينادي باسمه تصريحا،مبينا خصاله ومقامه،وبقدر ما كانت إفادات النبي صلى الله عليه وآله شافية وافية،لمن ألقى السمع وهو شهيد،بقدر ما كانت ثقيلة على أسماع الكثيرين ممن كان طمع السلطة والحكم يراود عقولهم،ويمنون الأنفس الظفر بهما،فلم يكن يعجبهم صدور أي شيء من ذلك القبيل،يكون بعيدا عنهم،وفي غير مرمى آمالهم.
في هذه المرة،أقدم النبي صلى الله عليه وآله على فعل شيء لم يكن منتظرا،ونزل كالصاعقة على رؤوس الطامعين،والمستشرفين للسلطة والحكم بغير وجه حق،مما أثار حفيظة ذلك الطابور، فأقام الدنيا تذمرا واحتجاجا،وقد دلت ردة فعلهم على الفهم الذي حصل لديهم من خلال ذلك الأمر، وهو حصر الزعامة والرئاسة والقيادة والوجاهة في النبي صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام،وطي الصفحة عما دونهما.

وقد يذهب البعض،إلى أن الحادثة لا تعدو أن تكون عملا رمزيا بسيطا،لا يتعدى معناه الظاهر، وهو طهارة المسجد،لكنه في واقع الأمر،دليل هام آخر يضاف إلى خانة أحقية علي عليه السلام،وسمو مقامه عن بقية الصحابة.     
لم تحدد كل الروايات أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بسد الأبواب المشرعة على المسجد،ما عدا باب علي عليه السلام،ما عدا روايتان استشف منهما أن التوقيت في الفترة التي أعقبت بناء المسجد، فحسم أمر الأبواب منذ البداية حتى لا يتفاقم أمرها.
وجود حمزة عم النبي في تلك الروايات تؤكد على أن الأمر كان في أول استقرار الني صلى الله عليه وآله بالمدينة وبعد بنائه مسجده المبارك.
 فكان الأمر بسد الأبواب المشرعة على المسجد كلها،باستثناء باب النبي صلى الله عليه وآله،وباب علي عليه السلام،كدلالة أكثر وضوحا،وإشارة لا تقبل التأويل إلى أن صاحب الباب الذي بقي مع باب النبي صلى الله عليه وآله- واستثني دون غيره من الأبواب- هو من سيكون له الدور والمكانة والقيادة والسلطة بعد وفاته صلى الله عليه وآله.
وأحاديث سد الأبواب،لم تمر دون تحريف،فقد علم أعداء الإمامة الإلهية أن تركها تمر سالمة،قد يؤدي إلى الوقوف على أحقية الإمام علي عليه السلام في قيادة الأمة،للمنزلة التي اختص بها حقيقة دون غيره ممن عاصره من الصحابة،فاختلقت روايات تقول بخلاف السد الحقيقي،ونحن إذ نستعرض روايات الحادثة الصحيحة،نرى لزاما علينا أن نعرّج على الروايات المفتعلة،لنزداد يقينا بأن كل بناء باطل،لا بد أن يكون بنيانه على شفا جرف هار.

عن علي عليه السلام قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بسد الأبواب التي في المسجد، خرج حمزة يجر قطيفة حمراء،وعيناه تذرفان يبكي،فقال صلى الله عليه وآله:ما أنا أخرجتك وما أنا أسكنته،ولكن الله أسكنه. الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء باب فضائل الصحابة/البزار في مسنده ج2ص318 ح750 /السيوطي في جمع الجوامع كما صرح به صاحب كنز العمال ج13 ص175 ح36522  الحلبي في سيرته ج3ص374 الهيثمي في مجمع الزوائد ج9ص115
ووجود حمزة بن عبد المطلب رضوان الله تعالى عليه وقت الحادثة،دل على أنها وقعت قبل شهادته في أحد،وقد يكون أمر النبي صلى الله عليه وآله بسد الأبواب،قد وقع بعد زمن يسير من إتمام بناء المسجد،ودخول عدد من الصحابة إليه وهم على جنابة بحثا عن الماء،مرورا منه وليس لهم طريق غيره،عمل غير مقبول،وتنجيس معنوي لبيت الله الأول الذي أسس على التقوى،فاقتضت إرادة الباري تعالى تطهير المسجد من تلك الأدناس الظاهرية،فأخرج من ليس فيه خاصية الطهارة الدائمية،واستثنى عليا عليه السلام،لأنه وأهل بيته قد أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
ولعل في الحديث الذي رواه ابن عباس،دليل على هذا المعنى،وترجيح للسبب الذي دعا إلى عملية سد  الأبواب المشرعة على المسجد:
أخرجه النسائي كما ذكره السيوطي في جامع الأحاديث ج16ص274 ح7934

إن الذين أشرعوا أبوابهم على المسجد كانوا من كبار القوم،وأعيان الصحابة، لذلك لم يعجبهم أمر إغلاق أبوابهم المفتوحة على المسجد لاستعمالها طريقا إليه،فتكلم منهم من تكلم اعتراضا على أمر النبي صلى الله عليه وآله وامتعاضا واستنكارا منه،مما حدا بالنبي صلى الله عليه وآله إلى زيادة توضيح موقفه،رحمة منه وسماحة ولطفا.
عن زيد بن أرقم قال كان لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبواب شارعة في المسجد قال فقال يوما سدوا هذه الأبواب إلا باب علي قال فتكلم في ذلك الناس قال فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإني أمرت بسد هذه الأبواب إلا باب علي وقال فيه قائلكم وإني والله ما سددت شيئا ولا فتحته ولكني أمرت بشيء فاتبعته .أحمد مسند الكوفيين ح18484 البزار في مسنده ج2ص144 ح506 وج2ص318ح750

عن عبد الله بن عباس قال:لما أخرج أهل المسجد وترك عليا ،قال الناس في ذلك فبلغ النبي فقال: ما أنا أخرجتكم من قبل نفسي ولا أنا تركته،ولكن الله أخرجكم وتركه،إنما أنا عبد مأمور،ما أمرت به فعلت،إن أتبع إلا ما يوحى إلي. الطبراني في معجمه الكبير ج12ص114 ح12722 /الهيثمي في مجمعه ج9ص115 /الحلبي في سيرته ج3ص346

وكعادة المتسترين على المعتدين على مقام النبي صلى الله عليه وآله،لم يذكر الرواة ولا الحفاظ أسماء هؤلاء الذين اعترضوا على أمر النبي صلى الله عليه وآله بسد أبوابهم،واستعاضوا عن ذلك "قال الناس في ذلك"أي طعن هؤلاء في الأمر وتكلموا فيه،ولم يسلموا أمرهم إلى النبي صلى الله عليه وآله
قال تعالى:"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما"سورة النساء الآية 65
والتنمر على النبي صلى الله عليه وآله والطعن على علي عليه السلام عادة درجت بين الصحابة، حتى لا تكاد تجد موقفا إلا ولهم فيه مقام مذموم.

وفي الروايتين الأولى التي نقلت عن زيد بن أرقم،والثانية التي نقلت عن ابن عباس،إشارة إلى إسمين من أسماء المعترضين على سد الأبواب،وقد جاء استرجاعهما تلطيفا من الراوي،لخطورة الإعتراض الصادر منهما،وكان حري بهما الإمتثال للأمر منذ الوهلة الأولى.قال تعالى:"وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد  ضل ضلالا مبينا." سورة الأحزاب الآية 36

عن ابن عباس قال:قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام:إن موسى سأل ربه أن يطهر مسجده لهارون وذريته،وإني سألت الله أن يطهر لك ولذريتك من بعدك.ثم أرسل إلى أبي بكر :أن سد  بابك فاسترجع وقال:سمعا وطاعة،فسد بابه،ثم أرسل إلى عمر كذلك،ثم صعد المنبر فقال:ما أنا سددت أبوابكم،ولا فتحت باب علي،ولكن الله سد أبوابكم وفتح باب علي.
الترمذي كتاب المناقب ح3665/أحمد مسند بني هاشم  2903 النسائي في خصائصه ص64 ح43 /ابن حجر في فتح الباري ج7ص15 /القسطلاني في إرشاد الساري ج8ص167 /الحاكم في المستدرك ج3ص125 /السيوطي في جمع الجوامع /كنز العمال للمتقي الهندي ج6ص152-157/ البزار في مسنده ج2ص144ح506

الاحتجاج الذي صدر عن الصحابة المعنيين بغلق أبوابهم،لم يكن مدفوعا بحاجتهم إلى تلك الأبواب للمرور منها إلى المسجد،بل كان نابعا عن عدم رضاهم ببقاء باب علي عليه السلام مفتوحا،ولو أمر النبي بسد كافة الأبواب بما في ذلك باب علي عليه السلام،لما صدر منهم أي رد فعل ولا احتجاج على ذلك.
إذا فالمشكلة عند هؤلاء،هي بقاء باب علي عليه السلام مفتوحا،وما سيترتب عليه من أفضلية ظاهرة جلية،لا تحتاج إلى تأويل يذهب بالقصد من غلق ما دون باب علي عليه السلام.
أما جعل بيت وباب علي عليه السلام قبلة،فان فيهما دلالة على مقصد المسلمين الذي يجب ان يتجهوا نحوه،باعتبارهما المرجعية المعدة من النبي للأمة،وصمام الأمان من الضلالة والانحراف،وسفينة النجاة التي لا ينجو من تخلف عنها من طوفان التحريف.   
وجاء زمن حكم علي عليه السلام،فتسلم الحكم وهو في حال يرثى لها من تعطيل الأحكام والمحاباة والاستئثار ببيت مال المسلمين وحصر خراج البلاد المفتوحة على حفنة من طلقاء بني أمية.

وبعودة الدر إلى معدنه بدأ المسلمون يتحسسون شخصية علي عليه السلام ومكانته وخصائصه، وفي المقابل كان أمير المؤمنين يقيم الدليل ويظهر الحجة تلو الأخرى على أحقيته في الإمامة بعد النبي صلى الله عليه وآله، وفي هذا الإطار أخرج أحمد في مسنده:
 عن عبد الله بن الرقيم الكناني قال خرجنا إلى المدينة زمن الجمل فلقينا سعد بن مالك(أبو سعيد الخدري) بها فقال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي .أحمد مسند العشرة ح1429
أخرج الحفاظ أحاديث سد الأبواب بطرق عديدة عن:الإمام علي عليه السلام1 وزيد بن أرقم 2وعبد الله بن عمر3 وعبد الله بن عباس4 والبراء بن عازب5 وعمر بن الخطاب6 وسعد بن مالك(أبو سعيد الخدري)7 وسعد  بن أبي وقاص8 وجابر بن سمرة9 وأبو حازم الأشجعي10 وأنس بن مالك11 وبريدة الأسلمي12.
تعدد طرق سد أبواب الصحابة المشرعة على المسجد باستثناء باب علي عليه السلام، قطعت طريق الريبة والشك في وقوع الحادثة،على من أراد أن يطعن في صحة طريق من طرقه،زد على ذلك قطع كل من ابن حجر والقسطلاني بصحتها،فقد قالا: إن كل طريق منها صالح للاحتجاج،فضلا عن مجموعها. فتح الباري ج7ص15 /إرشاد الساري ج8ص167 . 
 
ومقابل هذه الطرق المتعددة جاء المفتونون برواية معارضة فيها أمر بسد الأبواب ما عدا باب أبي بكر،ولست أدري الغاية من ذلك الأمر؟
نعم يرجح أن يكون لزمن بني أمية علاقة بوضع هذه الروايات ونحوها،سعيا محموما لإبطال آثار علي عليه السلام،كما صرح به غير واحد من المؤرخين والعلماء،الذين لم يكن همهم غير إظهار الحقيقة.
عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بسد الأبواب إلا باب أبي بكر .الترمذي ح3611
عن عائشة قالت قال النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه:صبوا علي سبع قرب من سبع آبار شتى، حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم. قالت فأقعدناه في مخضب لحفصة،فصببنا عليه الماء صبا أو شننا عليه شنا، الشك من قبل محمد بن إسحق،فوجد راحة فخرج فصعد المنبر،فحمد الله وأثنى عليه، واستغفر للشهداء من أصحاب أحد ودعا لهم،ثم قال أما بعد فإن الأنصار عيبتي التي أويت إليها، فأكرموا كريمهم وتجاوزوا عن مسيئهم إلا في حد،ألا إن عبدا من عباد الله قد خير بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله. فبكى أبو بكر وظن أنه يعني نفسه،فقال النبي صلى الله عليه وسلم على رسلك يا أبا بكر سدوا هذه الأبواب الشوارع إلى المسجد إلا باب أبي بكر،فإني لا أعلم امرأ أفضل عندي يدا في الصحبة من أبي بكر.الدارمي المقدمة ح81

عن أبي سعيد الخدري قال:خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال:إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله.فبكى أبو بكر فقلت في نفسي:ما يبكي هذا الشيخ إن يكن الله خير عبدا بين الدنيا،وبين ما عنده فاختار ما عند الله، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العبد،وكان أبو بكر أعلمنا،قال:يا أبا بكر لا تبك،إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر،ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر،ولكن أخوة الإسلام ومودته،لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر .البخاري كتاب الصلاة ح446
نحن وإن كنا في غنى عن تدنيس ورقاتنا بهذه التفاهات،فإنه من الضروري الإشارة إليها بإيجاز، لكي لا يتشبث جاهل بوهن لا يستوي مع الحقائق الدامغة.

إن مؤاخاة النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام وحده دون غيره من الصحابة،في مكة والمدينة لا تترك مجالا لأخوة النبي صلى الله عليه وآله المزعومة،وخلته الموهومة لابن أبي قحافة،ولو كانت هناك أفضلية حقيقية للرجل لقدمه على علي عليه السلام وآخاه،ولو كانت هناك إمكانية ليكون خليله، لمكنه منها لأن النبي صلى الله عليه وآله حبيب الرحمان،وخليله إبراهيم عليه السلام، فلا مانع يحول دون تحقق الخلة لو كانت نية النبي صلى الله عليه وآله فعلا أن يكون الرجل خليله،لكن واقع عدم التكافؤ بين النبي صلى الله عليه وآله وصاحبه،وحماقة الوضّاعين لمرويات يشتمّ منها القارئ رائحة الكذب الرديء.

أما المال فان الرجل من أفقر أهل مكة،والنبي صلى الله عليه وآله إن لم يكن موسرا،فإن زوجته خديجة كانت كذلك، وقد مكنته من مالها يفعل به ما يريد،وقد رفض أن يستلم الرواحل في هجرته من صاحبه إلا بالثمن.

أما اليد التي هي على النبي صلى الله عليه وآله في الصحبة،فلست أدري ما قدمت للنبي صلى الله عليه وآله؟ولماذا لم تظهر في مواطن كان النبي صلى الله عليه وآله في أمس الحاجة إلى يد أخرى غير يد علي تعينهما في مواطن البأس؟ فترى هؤلاء الغوغاء يؤثرون الأيدي الفارغة،على الأيدي التي أبلت بلاء،لو اجتمع له الإنس والجن على أن يظاهوه،لما قدروا أن يأتوا يمثله.

أما ما يسترعي الانتباه في الرواية الأولى المنسوبة إلى عائشة فتوقيت وقوعها وهو أواخر أيام حياة النبي صلى الله عليه وآله،في مرضه الذي مات فيه،وبطريقة أدق لم يمهله المرض أكثر من عشرة أيام على أقصى التقديرات،وأبو بكر في الحال تلك في جيش أسامة من المفترض أن يكون خارج المدينة ،فتكون الرواية من بين الروايات التي اختلقها أتباع السقيفة ليجدوا لصاحبهم فضيلة تداري عنهم عشرات الأدلة الوافية والبراهين الشافية في أحقية علي عليه السلام في قيادة الأمة الإسلامية بعد النبي صلى الله عليه وآله.

أما الراحة التي وجدها النبي صلى الله عليه وآله وتحدثت عنها الرواية،فلا أقل من الخفة التي وجدها في الرواية الأخرى،وقد جاء صلى الله عليه وآله يهادى بين رجلين أحدهما العباس(البخاري كتاب الآذان ح646) وأما الرجل الثاني الذي سكتت عنه عائشة،فهو علي عليه السلام،لأنها كانت لا تطيق ذكر اسمه.

وفي خاتمة الرد على الروايتين نقول انه ليس هناك سبب ولا مبرر يدعو إلى استثناء باب ابن أبي قحافة من السد،ولو كانت الرواية قد وقعت حقيقة،لما أغفلها أصحاب السقيفة ولجعلوها حجة بالغة على أحقية صاحبهم في السلطة،إذ ليس هناك أوضح من صاحب باب بيت استثناه النبي صلى الله عليه وآله مع بابه. 
     
ولم يكن قصد الوحي من ترك باب علي عليه السلام مفتوحا إشارة إلى طهارة أصحابه،فقط بل كان المراد منه أنه الباب الذي لا بد للمسلم من أن يأتي إليه رغبة فيما بداخله من أحكام دين وعناصر هداية،فمن لم يأت باب علي بعد النبي فقد أتى البيت النبوي من ظهره، من جاءه بتلك الطريقة الخاطئة لم يصب شيئا.   
قال تعالى:"وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى واتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون." البقرة 189
لقد أصفقت الأمة إلا الشاذ،أن عليا أعلم الناس بالدين بعد النبي،فلم يشكك في تلك الثابتة غير المنافقين، الذين لا يعجبهم أن يظهر شيء لعلي عليه السلام يزيد في تأجيج نيران أحقادهم ويسهم في تحريك ضغائنهم عليه.

وقد اعترف عدد من الصحابة بأعلمية علي عليه  السلام،فهذه عائشة قد  قالت:علي أعلم الناس بالسنة. تاريخ الخلفاء للسيوطي ص115 الاستيعاب لابن عبد البر القسم الثالث 1104 رقم 1855 الحاكم في المستدرك ج3ص137ح4637 تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج11ص48ح5728

وسئل ابن عباس عن علم ابن عمه عليا عليه السلام فقال:والله لقد أعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وأيم الله لقد شارككم في العشر العاشر.الاستيعاب لابن عبد البرج3ص40 الرياض النضرة ج3ص141 مطالب السؤول ص30
وفي رواية أخرى عندما سئل ابن عباس:أين علمك من علم ابن عمك فقال: كقطرة الماء في البحر المحيط.
ولم يؤثر عن أحد قال:"سلوني قبل أن تفقدوني."غير علي عليه السلام.
وكان يمثل المرجعية الحقيقية عند مغتصبي الحكومة الإسلامية وجيل الصحابة، وقد طفحت كتب التاريخ والأعلام،بإقرار الخليفة الثاني عند كل معضلة لا يحلها إلا علي عليه السلام،فكم من مرة قال: "لولا علي لهلك عمر".و"لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن" و"لولاك لافتضحنا."
علم علي عليه السلام وفقهه وقضاءه،لا يرده راد كما لا يشك فيه شاك،فكم من مرة يتحير الناس في مسألة،أو يعلنون عجزهم في حل قضية،فلا يجدون غير علي عليه السلام،لفك رموزها وحل غامض باطنها،والروايات في هذا المجال أكثر من أن تعد،فلا نحتاج إلى الإطالة في هذه الخصوصية التي امتاز بها علي عليه السلام.

عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وآله:" أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأتي الباب."أخرجه بطرق وألفاظ متعددة كل من:البغوي في مصابيح السنة ج4ص174ح4772  أبو نعيم في حلية الأولياء ج1ص64 كنز العمال للمتقي الهندي ج11ص614ح32981 الصواعق المحرقة لابن حجر ص122
ونص على صحة الحديث كل من يحي بن معين،ذكره الخطيب البغدادي والمزي وابن حجر في صواعقه ص122 وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار ص105ح173 والحاكم النسابوري في المستدرك على الصحيحينج3ص137ح4637/4638 السيوطي في جمع الجوامع المتقي الهندي في كنز العمال ج13ص148ح36463/36464 ...
 وقال صلى الله عليه وآله:" أنا دار الحكمة وعلي بابها."أخرجه الترمذي في جامعه ج5 ص596ح3732 حلية الأولياء لأبي نعيم ج1ص64 مصابيح السنة للبغوي ج4ص174ح4772
ويتفق الحديثان مع ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من بيان وتوضيح بشأن علي عليه السلام
ينسجمان تماما من حيث المعنى في ما سبق قوله صلى الله عليه وآله،فقد قال لفاطمة الزهراء عليها السلام وهو يحدثها عن علي عليه السلام: إنه أقدم أمتي سلما وأكثرهم علما وأعظمهم حلما."
أخرجه أحمد  في مسنده ج5ص662ح19796
وقوله صلى الله عليه وآله:" أعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب."
المتقي الهندي في كنز العمال ج11614ح32977
وقوله صلى الله عليه وآله:" أقضى أمتي علي بن أبي طالب." مصابيح السنة للبغوي ج4ص180ح4787 ابن حجر في فتح الباري ج8ص167

ولو جمعنا الفضائل التي مرت لعلي عليه السلام من بين براثن أعدائه،والفضائل المفتعلة لأولياء ألئك الأعداء،لكفينا مئونة البحث والتدقيق،لأن خصائص الإمام علي عليه السلام،واضحة كالشمس،متفقة مع سيرته العطرة،كفلقة قمر في ليلة داجية،مقابل زبد كاذب يذهب جفاء،كلما هبت عليه رياح الحقيقة.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة