المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 27 ربيع الثاني 1426 - الامام الحسن العسكري (ع)
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة : تونس
المساهمة:

الامام الحسن العسكري (عليه السلام)

لا شك أن نظرية الإمامة كنظام حكم مستمد من الشريعة الإسلامية، قد تعرضت إلى حملات عديدة من طرف المناوئين لها من أجل إسقاطها كأداة حكم شرعي ، وصرف المسلمين عن تبني مشروعها الذي يعتبر السبيل الأصلح لإقامة عرى الدين .
ذلك لأن أدوات الحكم التي تعاقبت رقاب المسلمين بعد النبي صلى الله عليه وآله كانت تسعى جاهدة ضرب الإمامة غريمتها في الحكم من ناحيتين :

الناحية الأولى : عملية، وتمثلت في إزاحة الهداة عليهم السلام عن دورهم ومكانتهم في الأمة.

الناحية الثانية: فكرية، وتمثلت منع تداول الروايات والأحاديث التي أشار بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أحقية تلك النظرية ،وامتدادها منه إلى بقية الأجيال الإسلامية، واختلاق مفتريات واهية تصب في خانة البديل الذي احدث مقابل الإمامة الهادية.

كذلك فقد سعت تلك الأنظمة إلى فعل ما في وسعها من أجل محاصرة الأئمة الأطهار عليهم السلام والتضييق عليهم ، وتحين الفرص للقضاء عليهم.

والمتأمل لحياة أئمة أهل البيت عليهم السلام يرى جليا تحامل أعداء الإمامة على أئمة آهل البيت عليهم السلام رغم النصوص الملزمة ،والتي كانت تتراوح بين المودة لقربى النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، وموالاة أئمتهم عليهم السلام ، الذين هم في واقع تلك النصوص أئمة للمسلمين كافة.

لذلك فقد تعرضوا جميعا إلى شتى أنواع الحرب والصد ،فخذل منهم من خذل ، وقتل منهم من قتل غيلة وغدرا بالسيف أو السم ، ونفي منهم من نفي عن بلد جده وموطن آبائه ، وسجن منهم من سجن زيادة في تنفيذ مخطط إبعاد الهداة عن قواعدهم ، وفصلهم من أتباعهم..

الإمام أبي محمد الحسن بن علي الزكي عليه السلام والملقب بابن الرضا والعسكري كما يحلو للبعض تلقيبه به - ولا أرى ذلك لائقا به ولا بأبيه أبي الحسن علي بن محمد الهادي عليهما السلام ،أن ينسبا إلى محلة "عسكر" الغرباء عنها فيلقبون بها، ولو كان ذلك فيه إمكان وإنصاف لنسب الإمام الحسن بن علي المجتبى وعلي بن الحسين زين العابدين ومحمد بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق عليهم السلام الذين دفنوا بالمدينة المنورة، إلى مدينة جدهم التي ولدوا وعاشوا فيها، وهي أعظم وأشرف

هو حادي عشر سلسلة أئمة أهل بيت النبوة الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، تسلم مقاليد الإمامة الإلهية بعد وفاة أبيه علي الهادي عليهما السلام سنة 254 هجرية ، ودامت إمامته إلى سنة 260 هجرية، حينما امتدت أيادي الغدر لتدس السم له فيموت عن عمر يناهز الثماني وعشرين سنة.

وصلت الإمامة على عهد ه عليه السلام إلى مرحلة حساسة وخطيرة، ذلك لأن تسلسلها يكاد يبوح بالإمام الخاتم مهدي الأمة ومنقذها -أرواحنا لمقدمه الفداء- من معاناة الظلم والجور، ومحاولة معرفة الإمام الخاتم عليه الصلاة والسلام من قبل العباسيين، وعلى رأسهم المتوكل المعروف بعدائه الشديد ، وبغضه الذي لم يجد التاريخ بمثله ، فهو الذي بلغ به الحقد على ذرية خاتم المرسلين مبلغا دفع به إلى هدم الحائر الحسيني الشريف، بعد أن أعيته الحيلة في منع الشيعة من زيارته ، وقد قيل في ذلك:

تا الله إن كانت أمية قد أتت ***** قتل ابن بنت نبيها مظلوما
فلـقد أتته بنـوا أبيه بمـثله ***** فـغدا لعمرك قبره مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا ***** في قتله فتتبعوه رميما

ذلك العداء المعلن كان بسبب أحقية الأئمة الأطهار في قيادة الأمة ، وتعدد الانتفاضات التي كانت تسعى إلى الإطاحة بالظالمين ، وشعاراتها كانت دائما الرضا لآل محمد صلى الله عليهم، مما دفع بالعباسيين إلى استقدام الإمامين علي الهادي والحسن الزكي عليهما السلام، إلى عاصمة ملكهم سر من رأى، لوضعهما تحت الرقابة المشددة والدقيقة ،حتى يكون البيت الطاهر تحت الرقابة المستمرة فلا يفوت أمر معرفة الإمام الثاني عشر حين ولادته.

عاصر الإمام أبي محمد الحسن بن علي الزكي عليه السلام ثلاثة من الخلفاء العباسيين هم على التوالي المعتز والمهتدي والمعتمد، وقد لقي منهم من التضييق والمراقبة الشديدة أكثر مما لقيه والده عليه السلام ، فقد أودع السجن مرارا على عهدهم ، في محاولة أخيرة للحد من حركة الإمام عليه السلام ، وقطعه عن المؤمنين بإمامته من الثوار، الذين كلما أطفأ الظالمون ثورة من ثوراتهم إلا واشتعلت أخرى .

لقد كان على الإمام أبي محمد الحسن بن علي الزكي عليه السلام،علاوة على واجباته تجاه الأمة أن يخطط لمرحلة الإمامة الخاتمة ،التي سيباشرها ولده أرواح العالمين له الفداء بعد رحيله ، فبدأ يعد لمرحلة جديدة من عصر الإمامة، تمثلت في تعمده عدم الظهور لشيعته ووكلائه، والاستعاضة عن ذلك بالرسائل التي تحمل توقيعه الشريف ، تهيئة وتحضيرا للمؤمنين لعصر الغيبة الذي سيلي مباشرة بعد رحيل أبي محمد عليه السلام.

وكان أقرب الوكلاء إليه عثمان بن سعيد العمري ، فقد جاء في غيبة الشيخ الطوسي رضوان الله تعالى عليه بسنده عن علي بن عبد الله الحسني قائلا: دخلنا على أبي محمد الحسن عليه السلام بسر من رأى ، وبين يديه جماعة من أوليائه وشيعته ، فدخل عليه بدر خادمه ، وقال يا مولاي بالباب قوم شعث غبر ، فقال له : هؤلاء نفر من شيعتنا باليمن فامض وأتنا بعثمان بن سعيد العمري . فما لبثنا إلا يسيرا حتى دخل عثمان ، فقال له أبو محمد عليه السلام :"امض يا عثمان فإنك الثقة المأمون على مال الله ، واقبض من هؤلاء النفر اليمنيين ما حملوه من المال" . واختصارا للرواية جاء في خاتمتها : فقلنا بأجمعنا : يا سيدنا والله إن عثمان لمن خيار شيعتك ، ولقد زدتنا علما بموضعه من خدمتك وانه وكيلك وثقتك على مال الله تعالى ، فقال:" نعم واشهدوا على أن عثمان بن سعيد وكيلي وان ابنه محمد وكيل ابني مهديكم."

واتجه بالتوازي مع الإعداد لمرحلة الوكالة العامة، وما تقتضيه الغيبة من وجود ممثلين للإمام في مستوى المهمة الجسيمة الملقاة على عاتقهم ،إلى الجماهير المؤمنة بالإمامة الإلهية والنصح لها، وتهيئتها لمرحلة أشد وأقسى من المراحل السابقة ، وهو زمن الغيبة الصغرى الذي تعتبر في حد ذاتها تمهيدا لمرحلة الغيبة الكبرى ، فقد قال عليه السلام في رسالة لابن بابويه: عليك بالصبر وانتظار الفرج ، قال النبي صلى الله عليه وأله :" أفضل أعمال أمتي إنتظار الفرج. ولا يزال شيعتنا في حزن حتى يظهر ولدي الذي بشر به النبي صلى الله عليه وآله يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ، فاصبر يا شيخي يا أبا الحسن علي، وأمر جميع شيعتي بالصبر ، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين."

لقد تابع الإمام أبي محمد الحسن عليه السلام عن قرب الحركة العلمية والتربوية التي كان يقودها والده الإمام علي بن محمد الهادي عليهما السلام أيام كان بمدينة جده خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله ، وكان يدرك أن ذلك العمل الجبار سيأتي بالخير العميم للأمة الإسلامية ، ولما آل إليه أمر الإمامة واصل العمل على نفس النهج ، باذلا مزيدا من النصح والتوجيه للجماهير المؤمنة وقياداتها ، في عصر لا يستطيع فيه المؤمن التحرك إلا في إطار تقية مطلقة.
واستطاع الإمام الحسن بن علي عليه السلام أن يعبر بالإمامة الخاتمة إلى بر الأمان.

كتبت هذه المساهمة في المسابقة العقائدية (11) المختصة بالكتابة حول الإمام الحسن العسكري (عليه السلام).

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة