×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

بنور القرآن إهتديت / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٧ فارغة
كتاب بنور القرآن إهتديت للسيّد يحيى طالب (ص ١ - ص ٢٨)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

الإهداء

إلى آدم صفوة الله، وإلى نوح نبي الله، وإلى إبراهيم خليل الله، وإلى موسى كليم الله، وإلى عيسى روح الله، وإلى محمد حبيب الله، إلى الذرية الطاهرة التي بعضها من بعض، إلى المختارين من قبل الله عزّ وجلّ في كل مكان وزمان، إلى البقية الباقية من الذرية الطاهرة، وأتباعهم المخلصين لهم المُسلّمين لهم تسليماً، أهدي هذا الجهد المتواضع؛ ليكون ذلك لي شهادة عندهم يوم القيامة، بأني بهم مؤمن، ولهم مسلّم ولأمرهم متّبع، وأني حرب لمن حاربهم، وسلم لمن سالمهم، أسأل الله عزّ وجلّ أن يتقبل ذلك مني بأحسن القبول، إنه على كل شيء قدير.


يحيى     

٨
٩

المقدمة

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وآله الطاهرين، وصحبه المنتجبين.

أمّا بعد.

إنّ كل ظاهرة ظهرت في هذا الكون سلبية كانت، أم إيجابية لابدّ أن يكون لها علّة أو سبب أوجدها في الخارج.

وكلّ من أراد أن يقدّم علاجاً لظاهرة سلبية، لا بدَّ له من معرفة أسبابها، وجذورها وعلَلِها الأساسية التي أوجدتها، كي يتسنّى له معالجة تلك الظاهرة السلبية معالجةً صحيحة وكاملةً.

ويتّضح ذلك عندما نشاهد الطبيب الماهر، وهو يعالج مريضه، فهو لا يبادر إلى معالجة العوارض الخارجية للمرض من قبيل اصفرار الوجه، أو ارتفاع درجة الحرارة، بل يتخذ تلك العوارض الظاهرية وسيلة لاكتشاف المرض المصاب به ذلك المريض، وعند اكتشاف ذلك الطبيب لذلك المرض بصورة صحيحة وكاملة، عندها

١٠
يستطيع تقديم العلاج الكامل، والشافي للمريض، ويستطيع أن يزيل المرض، وكل عوارضه عن المريض.

وهذه المسألة متسالمٌ عليها بين العقلاء؛ إذ لا يمكن معالجة أيّ ظاهرة سلبية قبل تحديد هويتها، و معرفة جذورها، وعللها وأسبابها، ومصدر نشوئها.

كذلك القاضي الحاذق حينما تقدم له قضية معيّنة، فهو يحاول أن يكتشف من خلال ما يسمعه من الدعاوى، السرّ الكامن وراء ذلك الاختلاف، وما هو المحور الحقيقي الذي يدور حوله النزاع، وتقوم عليه رحى الاختلاف، حتى يتسنّى له معرفة الحق وإنصاف المظلوم.

وهذا الكتاب يكشف للقارئ السرّ الكامن وراء الاختلاف بين الفرق، وباكتشاف السرّ الكامن وراء الاختلاف، والتفرق يمكن للباحث معرفة الحقيقة بسرعة، ويمكن أيضاً للامة معالجة هذه المشكلة الخطيرة، وهي ظاهرة الاختلاف، والتفرّق والتمزّق، التي أنهكت المسلمين وطعنتهم من الداخل، وجعلتهم من أضعف الأمم في مواجهة أعدائهم، وأدّت إلى انحراف الملايين من شباب الإسلام، وعدم إقبال الملايين على الإسلام، هذه الظاهرة الخطيرة، التي لو كُتب عن سلبياتها وأضرارها المجلدات، لَمَا تيسّر حصرها، وقد حذّّر القرآن الكريم منها، ونهى عنها، فقال تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ الله جَمِيعًا

١١
وَلاَ تَفَرَّقُواْ}(١) الآية، والقرآن الكريم لم ينه عنها فحسب، بل بيَّن سلبياتها وأضرارها كقوله تعالى: { وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}(٢)، وأشار إلى خطورتها، فقال: {... أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ...}(٣) الآية، وهذه الآية الكريمة تشير إلى أنّ الله عزّ وجلّ جعل التفرّق، والاختلاف نوعاً من أنواع عذابه، وكذلك كشف القرآن الكريم سرّ الاختلاف، والتفرق ولم يتوقف عند العوارض الظاهرية لذلك المرض؛ حيث يقول: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ * بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفًا مُّنَشَّرَةً}(٤)، وهناك آيات كثيرة تكشف لنا سرّ هذا المرض، وتبيّنه بصورة واضحة، وتعرض لنا العلاج؛ إما من خلال سرد القصص، أو غير ذلك.


يحيى طالب الشريف 
ربيع الثاني /١٤٢٥هـ

(١) آل عمران: ١٠٣.

(٢) الأنفال: ٤٦.

(٣) الأنعام: ٦٥.

(٤) المدّثر: ٤٩، ٥٠، ٥١، ٥٢.

١٢
١٣

جذور الاختلاف


إنّ كثرة الاختلافات العقائدية، وكثرة المسائل المختلف عليها بين الطوائف والمذاهب الإسلامية ; أصبحت اليوم من أكبر العقبات، التي تواجه الشاب المتديّن الذي يريد أن يكون خادماً لدينه وعقيدته.

فهو يرى أنّ المسائل المختلف عليها قد كثرت بشكل غريب! بحيث يصعب عليه في بعض الأوقات ذكر وحصر عناوينها، فضلاً عن مناقشتها وبحثها، وحلّ الشبه التي طرحت حولها قديماً وحديثاً ; خاصة، ونحن نعيش في عصر تكاثرت فيه الأعمال والأشغال، وكما يسمّونه عصر السرعة.

لذا لابدّ من كشف السرّ الكامن وراء هذا الضباب الذي يحول بين الحق وطالبيه، ومن أجل ذلك نريد أن نبحث في هذه الأسطر حول هذا السؤال:

هل تفرّق المسلمون من أجل الاختلافات العقائدية، أم اختلفوا عقائدياً من أجل شيءٍ آخر، وجدت الاختلافات العقائدية على إثره؟

١٤
من يتأمّل قليلاً، وينظر إلى التاريخ بدقّة، سيجد الأمر واضحاً جداً، فالرسول (صلّى الله عليه وآله) ترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، والصحابة لم يكن بينهم أي اختلاف عقائدي، إذن فما هو السبب الذي أدّى إلى الاختلاف فيما بينهم؟!!

ومن يقول إنّهم ـ أي الصحابة ـ لم يختلفوا، فهو إمّا جاهل، لم يطّلع على تاريخ الإسلام، أو معاند لا يزيده العلم إلاّ جهلاً.

فمن الواضح أنّ الاختلاف وقع بين الصحابة بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) مباشرة، ثم تطوّر إلى حدّ كبير؛ حتى نفي وطرد بعض الصحابة، كما حصل لأبي ذر، وقتل الخليفة الثالث، وقامت حرب الجمل، وصفين والنهروان، وغير ذلك.

فالاختلاف كان موجوداً بينهم، وثبوته واضح، وهو من بديهيات التاريخ.

وكما قلنا إنّ تفرّق الصحابة لم يكن من أجل الاختلافات العقائدية المطروحة، كما نراها اليوم، بل هناك أمر خفيٌّ وخطير، لم يلتفت له إلاّ القليل.

وهذا ما سنوضّحه في الأبحاث القادمة من هذا الكتاب بإذن الله عزّ وجلّ.

١٥

سر الاختلاف والافتراق


وقبل أن أذكر ذلك السرّ الخطير، أضيف أيضاً، أنّ هذا السرّ لم يكن هو السبب في اختلاف، وتفرّق المسلمين فحسب، بل كان هو السبب في اختلاف، وتفرّق الأمم السابقة أيضاً، وهو السبب الذي جعل قريشاً تحارب الرسول (صلّى الله عليه وآله) بكلّ ما أُوتيت من قوة، وكذلك كان هو السبب الذي جعل اليهود يحاربون الإسلام، ويواجهونه ويلجأون إلى تحريف كتبهم، ونبذها وراء ظهورهم.

وأمّا ذلك السرّ الخطير فهو: (تكبر إبليس ومن سار على نهجه من الكفار واليهود وأكابر المجرمين، وعدم خضوعهم، وتسليمهم للمختارين للاستخلاف في هذه الأرض من قبل الله عزّ وجلّ، فإن أولئك الأبالسة يرون أن الخضوع لأصفياء الله عزّ وجلّ سيسحب من تحتهم البساط، ولن يبقى لهم جاه ولا مقام؛ ولذا حاربوا الصفوة من الخلق تحت كلّ عنوان يقبله الناس).

ومن أجل هذا الأمر قامت الدنيا ولم تقعد، وتفرّقت الأمم وتشتت، وتشكّلت المذاهب وتشعّبت.

وقد يزعم البعض أن هذا الأمر ليس هو السبب فيما جرى بين

١٦
الأمم، من تفرّق واختلاف؛ لذلك كان لابدّ لنا أن نسرد بعض القصص القرآنية التي وردت فيها آيات تثبت ما نقوله، وتؤكّده وتجعله السبب الرئيس لكلّ نزاع دار بين العباد على وجه الأرض.

وهذا السبب إمّا أن يكون مباشراً، كما جرى بين آدم (عليه السلام) وإبليس ـ لعنـه اللهـ، أو غير مباشر، كما هو النزاع الموجود بين طوائف المسلمين في هذا العصر، فالنزاع الموجود اليوم ناشئ عن الاختلافات العقائدية، والاختلافات العقائدية ناشئة على إثر الاختلافات التي جرت بين الصحابة، الذين تركهم الرسول (صلّى الله عليه وآله) على المحجة البيضاء، التي ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلاّ هالك.

١٧

آدم (عليه السلام) وإبليس في القرآن


لقد ذكر القرآن الكريم قصة آدم (عليه السلام) وإبليس في مواضع عديدة؛ لتكون تلك القصة عبرة للعالمين، وبالأخص للمسلمين، فِذكْر القرآن الكريم لتلك القصة، كان من أجل أن نعرف كيف نشأ النزاع والاختلاف، ومن أجل أن نعرف أيضاً أسباب التفرّق وجذوره.

إنَّ في تلك القصة دروساً عظيمة جداً، منها على سبيل المثال مسألة الاصطفاء والاختيار، ومنها أيضاً مسألة الخضوع والتسليم للحكم الإلهي ـ وهذا التسليم الذي تمثّل في دور الملائكة ـ ومنها أيضاً مسألة العناد للاختيار، والاصطفاء الإلهي ـ وكان هذا العناد متمثّلاً في دور إبليس لعنه الله ـ ومنها مسألة مظلومية المنتخب والمصطفى وهو آدم (عليه السلام).

ثم إنّ الآيات القرآنية بيّنت لنا سرّ العناد الشيطاني، وقبل أن نشرع في ذكر القصة نريد أن نتعرّف قليلاً على شخصية إبليس قبل الضلال، وما هو دوره قبل خلق آدم (عليه السلام).

إبليس قبل الضلال

لقد ذكر القرآن الكريم إبليس مع الملائكة مراراً كثيرة، وذِكْره له

١٨
مع الملائكة يدلّ على أنّه كان صاحب مقام كبير عند الله، ومن أجل ذلك المقام رفعه الله سبحانه، وجعله في درجة الملائكة، وكانت تُعرض له مسائل من علم الغيب، وما هو مقدر في المستقبل، وبالتالي كان لإبليس مقام عالٍ جداً عند الله عزّ وجلّ.

وقد ذكرت النصوص أن إبليس كان له مقام عبادي كبير، فقد ورد في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وهو يصف إبليس ويأمرنا بالاعتبار، قوله (عليه السلام): " فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس إذ أحبط عمله الطويل وجهده الجهيد وكان عَبَدَ الله ستة آلاف سنة، لا يدرى أمن سنيّ الدنيا أم من سنيّ الآخرة، عن كبر ساعة واحدة. فمن ذا بعد إبليس يسلم على الله بمثل معصيته؟. كلا، ما كان الله سبحانه ليدخل الجنّة بشراً بأمر أخرج به منها ملكاً. إنّ حكمه في أهل السماء وأهل الأرض لواحد. وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حِمًى حرّمه على العالمين"(١).

وهناك نصوص كثيرة تبيّن مقام إبليس قبل الضلال، لسنا في صدد جمعها.

ومما تقدّم تتضح لنا مسألة مهمة جداً: وهي السبب في ضلال كثير من الناس، وذلك أننا حينما نرى عبداً من عباد الله قد قدم

(١) نهج البلاغة: ٣٨٦، بتعليق صبحي الصالح، دار الأسرة للطباعة والنشر.

١٩
أعمالاً صالحة كثيرة، نحاول أن نعطيه نوعاً من القداسة؛ بحيث نتصور أنه لا يمكن أن ينحرف عن الصراط المستقيم وهذا تصوّر خاطئ جداً، ولأجل إزالة هذا التصور، ذكرت لنا النصوص القرآنية والحديثية مقام إبليس قبل الانحراف، كي نعتبر ونعرف أنّ مجرد مدح الله سبحانه لبعض خلقه، أو تفضيله لهم لا يعني ذلك أنهم معصومون عن الانحراف، فقد ينحرفون فيما بعد، إلاّ من زكّاه الله ـ تعــالى ـ وعصمه، وذكر لنا ذلك في كتابه، أو بيّنه من خلال ما جاء على لسان رسوله (صلّى الله عليه وآله).

فها هو إبليس خير مثال، قد عبد الله ستـة آلاف سنـة ـ فإذا كانت من سنين الآخرة، فإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدّون ـ لم تنفعه عبادته بعد أن خالف الله سبحانه وعصاه، وهؤلاء بنو إسرائيل قد فضّلهم الله على العالمين، ثمّ لمّا انحرفوا ضربت عليهم الذلّة والمسكنة، وباؤوا بغضب على غضب، وللكافرين عذاب مهين.

فيجب أن لا نغترّ بأحد أبداً، ولا نتبع إلاّ من أمرنا الله عزّ وجلّ بالالتزام بأمره، وأوجب علينا اتباعه، وطمأننا من عدم انحرافه كقوله تعالى: { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ الله الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ الله...}(١).

(١) آل عمران: ٧٩.

٢٠