×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

تاريخ الحديث النّبوي / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
كتاب تاريخ الحديث النبوي للسّيّد علي الشهرستاني (ص ١ - ص ٢٧)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

مقدمة المؤلف


الكتاب الماثل بين يديك هو مجموعة محاضرات كنت قد القيتها على طلاب الدورة التربوية الأولى لمحقّقي البحوث القرآنية التابعة لمنظمة الاعلام الإسلامي/ مشهد(١)، حول تاريخ الحديث والملابسات التي واكبت السنة النبوية بعد رسول الله مع بياننا لمؤثرات الهوى والموروث الجاهليّ عليه، وقد رجونا في محاضراتنا تلك توضيح آفاق انقسام المسلمين إلى نهجين فكريين:

١- والتي نشرت في مجلّة تراثنا الفصلية الصادرة عن مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام)، الأعداد (٥٣ ـ ٦٠) تحت عنوان (السنة بعد الرسول).

٦
أحدهما: يتّخذ المواقف من خلال الاُصول الإسلاميّة الثابتة.

والآخر: يرسم أصوله من خلال المواقف المتغيرة.

بمعنى: أنّ هناك من كانوا يعدّون كلام الله ورسوله أصلين اساسيين في التشريع، فهؤلاء كانوا يأخذون أحكامهم منهما، ولا يتحركون إلاّ في الاطار الذي رسماه للمسلمين.

وكان هناك في مقابل النهج الأول من يرسم الاُصول من خلال مواقف الاشخاص والظروف المُستجدة عندهم، مُضيفين إلى كتاب اللّه العزيز وسيرة النبيّ المصطفى (صلى الله عليه وآله): سيرة الشيخين والصحابة عامة، واتخاذها أصلاً ثابتاً يحتذى به ـ الى جانب الكتاب والسنّة ـ ويسار على طبقه، مع أن بعض مواقف اولئك كانت متأثرة فكرياً وعملياً بالموروث والموقف المرتجل، وكنا قد سمينا في كتابنا (منع تدوين الحديث) الأول منهما بالمتعبدين، والثاني بالمجتهدين.

والهدف من هذه البحوث هو التركيز على مؤثرات العصور السابقة وما اُسِّس فيها من مبان واُصول فكرية انعكست على الحديث النبويّ والتاريخ الإسلاميّ، ومن ثمّ ظهرت كنصوص حديثية واصول فقهية وعقائد اسلامية بامتداد الزمان، انجرت من العصر الجاهليّ إلى ما بعده ممتزجة مع الحالة الإسلاميّة الجديدة التي خلفها الرسول الاكرم حتّى اصبحت شريحة من المجتمع تعيش حالة ارتباك وتارجح

٧
بين الموروث الجاهليّ والجديد الإسلاميّ المحمديّ.

وقد قدّمنا لدرستنا هذه بعض الشيء عن شبه الجزيرة العربية وحالة العرب قبل الإسلام، وذلك بالمقايسة مع الحضارات المجاورة لها، موضحين خلال البحث كيفية تعامل العرب مع رسول الله والمفاهيم المطروحة من قِبَلِه (صلى الله عليه وآله) في صدر الإسلام. مُركّزين فيه على بيان خلفيات النهج الثاني على وجه الخصوص ـ أي الاصول من المواقف ـ وبهذا فقد جاءت درستنا هذه في بابين:

الباب الأوّل: عصر التأصيل

ونعني به عصر بناء الأُسسُ والمفاهيم عموماً، وفي المرحلة الانتقالية من الجاهليّة إلى آخر عهد الخلافة الراشدة، أو قل إلى إبتداء عصر تدوين الحديث الرسمي، كي نقف على ما اتت به بعض المدونات الإسلاميّة من أحاديث طبقاً للمصالح والاجتهادات.

مشيرين الى وجود مجموعة ممن شهدوا الشهادتين لساناً كانوا لا يؤمنون بما اتى به النبيّ على وجهه الصحيح، وبمكانته الحقة التي منحه الله إياها وأنه لا ينطق عن الهوى، بتخيّلهم انه بشر عادي يقول في الغضب ما لا يقوله في الرضا.

وقد تأثرت هذه الشريحة بأصول عرفوها في الجاهليّة

٨
كالقوميّة العربية والعناية المتزايدة بالشِّعر والمفاخرات واساليب الحرق والهدم والانتقام وغيرها مما جعلهم يتركون الحديث أو يحدّدونه أو يخلطونه بمواقف الآخرين في العصور اللاحقة. يقدّمون بذلك موروثهم القبلي ـ عملا ـ على الاصل الشرعي الثابت، فتراهم في بعض الاحيان قد وضعوا أحاديث على لسان رسول الله تخدم تلك المواقف الموروثة عند بعض الصحابة.

الباب الثاني: عصر التدوين

ونعني به تدوين حديث رسول الله على عهد عمر بن عبدالعزيز ممزوجاً باثار الصحابة وآرائهم ومواقفهم في المصنفات والأسفار، بحيث سنركز على نصوصهم لنؤَكّد على أنّهم هل حملوا حديث رسول الله على وجهه الصحيح، أم جاء وفق الحدس والتخمين؟

وهل أنهم قبلوا الإسلام روحاً ونصاً ام ان مسايرتهم له جاءت لفظاً ومماشاة؟ أو هم مسلمون لفظاً وقبليون سيرةً وعقلا ومواقفاً وكما قال الإمام الحسين عن هذا الصنف في مسيره إلى كربلاء:


إن الناس عبيد الدنيا والدين لعقٌ على ألسنتهم يحوطونه ما درَّت معائشهم فإذا مُحصوا بالبلاء قل الديانون.


هذا، وقد اقتصرنا في هذه البحوث على تقديم بعض

٩
المؤثرات المختلفة في عهد الخليفة الاول أبي بكر كنموذج على ما نصبوا إلى تحقيقه من دراسة تطبيقية شاملة لهذه الفكرة ثمّ سنرفد عملنا لاحقاً ـ إن حالفنا الحظ ـ ببحوث اُخرى عن المؤثرات في عهد عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، مبيّنين بعد ذلك سبب وقوف الإمام عليّ واولاده أمام هذا المسار والاتجاه قولا وعملا.

آملين أن نلتقي مع القراء الكرام في بحث شامل وموسّع في هذا المجال ان شاء الله تعالى.

١٠


تمهـيد




١١
١٢
إنّ السُنّة النبوية المباركة هي المصدر الثاني في التشريع الإسلامي بعد الكتاب العزيز، وبما أنّ عماد السُنّة النبوية هو الحديث النبوي الشريف، فلابد من تناوله بشيء من الايضاح والتفصيل.

فعلم الحديث من العلوم الأساسيّة والمهمّة في فهم الشريعة الإسلاميةّ واستنباط أحكامها.

وقد يتصوّر بعضهم خطأً حينما يسمع بمصطلح "علم الحديث" أو "حديث رسول الله" أنّه يدور حول بيان الفرائض والسنن التي أتى بها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) فقط، لكنّ الحقّ أنّ أمر الحديث هو أسمى بكثير ممّا نتصوّره، ففيه تفسير الكتاب العزيز، وتوضيح لغريب لغة العرب، وفيه الاخبار بالمغيّبات والماورائيّات وما يتعلّق بالكون والحياة، بالاضافة لما فيه من العبر والقصص والأخلاق، والأحكام

١٣
الشرعيّة والاجتماعيّة وغيرها.

فمصطلح "علم الحديث" إذاً عامٌّ وشامل لمجالات شتّى، والبحث عنه يستدعي دراسة عدّة جوانب أساسيّة، هي:

١ ـ تاريخ الحديث.

٢ ـ رواة الحديث.

٣ ـ دراية الحديث.

٤ ـ فقه الحديث.

ونعني بتاريخ الحديث: بيان ما مرّ على حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أدوار، من قبل البعثة إلى تدوينه في العهد المرواني، مع الإشارة إلى جذور منع التدوين، والأفكار السائدة عند العرب في الجاهليّة وصدر الإسلام.

وبرواة الحديث: البحث عن رواة الحديث ورجاله جرحاً وتعديلاً، وهو ما يسمّى اليوم بـ: "علم رجال الحديث".

وبدراية الحديث: البحث عن الحديث ـ كوحدة متكاملة ـ سنداً ومتناً، لمعرفة مكانة الحديث صحّة وسقماً، مع معرفة كيفيّة تحمّل الرواية وآداب نقل الحديث ; أي أنّ البحث عنه يكون كبروياً، لا صغروياً كما في كتب رجال الحديث، ويسمّى هذا عند

١٤
بعضهم بـ: "مصطلح الحديث"، وعند بعضهم الآخر: "أصول الحديث"، وعند ثالث: "علم الحديث".

وبفقه الحديث: البحث عن وجوه التورية والتأويل في كلام الرسول وأئمّة المسلمين، لقول الصادق (عليه السلام): "لا يكون الرجل منكم فقيهاً حتّى يعرف معاريض كلامنا"(١).

ونحن تركنا دراسة الجانبين الثاني والثالث لكثرة ما قيل وكتب فيهما، وبقي علينا أن ندرس الجانبين الأوّل والأخير، فعنايتنا بهما نظراً للحاجة الماسـّة إليهما، وقد قدّمنا البحث عن تاريخ الحديث لأنّه يوضّح لنا الملابسـات التي واكبت السُنّة النبويّة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) ; وذلك نظراً للحاجة لها وجعلناه في بابين:

الباب الاول: عصر التأصيل.

الباب الثاني: عصر التدوين.

ونعني بعصر التأصيل: هو عصر بناء الاُسس والمفاهيم بعد رسول اللّه ; لمعرفتنا بأنّ بعض العرب كان لا يؤمن بما أتى به النبيّ ولا يعتقد بمكانته (صلى الله عليه وآله) وأنّه أرسل من قبل ربّ العالمين، أو

١- معاني الأخبار ٢: ٣.

١٥
يؤمن بذلك إيماناً ناقصاً على غير الوجه الذي أراده الله، فترى هؤلاء يتعاملون مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) ونصوصه من منطلَق أنّه بشر عاديّ يقول في الغضب ما لا يقوله في الرضا!!

وفي المقابل نرى ايمانهم بأُصول عرفوها في الجاهلية، وراحوا يسعون لتحكيمها من خلال بعض المواقف والمفاهيم الحديثيّة، كالقوميّة العربية والعناية المتزايدة بالأنساب وغيرها من أفكار العصر الجاهلي.

والبحث في هذا الباب يستدعي النظر في خمس مراحل، هي:

١ ـ العرب وحديث محمّد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله) قبل البعثة.

٢ ـ حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد البعثة إلى الوفاة (سنة ١١ هـ).

٣ ـ حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) في فترة الخلافة الراشدة.

أ ـ حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) في عهد أبي بكر ١١ ـ ١٣ هـ.

ب ـ حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) في عهد عمر بن الخطّاب ١٣ ـ ٢٣ هـ.

ج ـ حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) في عهد عثمان بن عفّان ٢٣ ـ ٣٥ هـ.

د ـ حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) في عهد عليّ بن أبي طالب ٣٥ ـ ٤٠ هـ.

٤ ـ حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) في العهد الاُموي ٤٠ ـ ٦٣ هـ.

٥ ـ حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) في العهد المرواني ٦٤ ـ ١٣٢ هـ.

ونحن إن شاء الله من بعد بياننا لهذه المراحل الخمسة سنربط بحثنا بعصر

١٦
التدوين وما كتبناه عن منع تدوين الحديث.

ولكنّنا قبل التفصيل في الأمر لابدّ من إلقاء الضوء على حالة شبه الجزيرة العربيّة والعرب قبل الإسلام، وكيفيّة تأصيل المفاهيم عندهم.

كما لابدّ لنا من بيان حدود شبه الجزيرة العربيّة جغرافياً، مع نبذة من تاريخ عرب الجزيرة قبل الاسلام ; إذ أنّ في معرفة الحالة الاجتماعيّة والوقوف على العقائد الموروثة، وما حملته العرب معها إلى العصور اللاحقة من تاريخ المسلمين توضيح الكثير من الحقائق الكامنة، لأنّ كلّ فكر جديد، يدخل على أُمّة من الاُمم أو شعب من الشعوب لا ينفكّ في نهاية المطاف بحال من الأحوال عن التاثّر ـ على صعيد التطبيق الخارجي ـ بما يحمله ذلك الشعب من خلفيّات ثقافيّة وموروث فكري.

فإنّ شرح وتفسير مثل ذلك الموروث يساعدنا على تفهّم جذور حقائق كثيرة في تاريخ الإسلام على نحو العموم، والتشريع الإسلامي على وجه الخصوص.

ومثله الحال بالنسبة إلى المذاهب والعقائد والآراء والاتّجاهات في الأزمان اللاحقة ; فقد أثّرت هي الاُخرى على الحديث.

فالبحث عن هذه الاُمور يساعدنا في فهم العصور اللاحقة ; فقد أثّرت هي الاُخرى على الحديث.

١٧
فالبحث عن هذه الاُمور يساعدنا في فهم مكانة الحديث ودوره أكثر فأكثر ; لأنّ التاريخ باعتقادنا حلقات مترابطة يكمّل بعضها بعضاً، ولا يمكن فهم مواقف اللاحقين إلاّ بعد معرفة أفكارهم وعقائدهم في السابق، وهذا ما نعنيه في ما اصطلحنا عليه من لفظة (عصر التأصيل)، وهو بعينه ما نتوخّاه من بيان هذا الأمر الخطير والمؤثّر في تاريخ الحديث، والملابسات التي واكبت السُنّة النبوية بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإليك مجمل تاريخ شبه الجزيرة.

شبه الجزيرة العربيّة جغرافياً:

سُمّيت شبه الجزيرة العربيّة بهذا الاسم، لإحاطة الماء بها من ثلاث جهات، من الشرق بمياه الخليج، ومن الغرب بالبحر الأحمر، ومن الجنوب بالمحيط الهندي وخليج عدن.

قال محمد حسين هيكل في (حياة محمّد): فشبه جزيرة العرب مستطيل غير متوازي الأضلاع، شماله فلسطين وبادية الشام، وغربه الحيرة ودجلة والفُرات وخليج فارس، وجنوبه المحيط الهندي وخليج عدَنَ، وشرقه بحر القلْزُم (البحر الأحمر).

فهو إذاً حصين بالبحر من غربه وجنوبه، حصين بالصحراء من شماله، وبالصحراء وخليج فارس من غربه، وليست هذه المناعة هي وحدها التي أعفته من الغزو الاستعماري أو الغزو

١٨
الديني، بل أعفاه كذلك ترامي أطرافه، إذ يبلغ طول شبه الجز يرة أكثر من ألف كيلومتر ويبلغ عرضها نحو الألف من الكيلومترات.

وأعفاه أكثر من هذا جدَْبه جدباً صرف عين كل مستعمر عنه. فليس في هذه الناحية الفسيحة من الأرض نهر واحد، وليست لأمطارها فصول معروفة يمكن الاعتماد عليها وتنظيم الصناعة إياها. وفيما خلا اليمن الواقعة جنوب شبه الجزيرة والممتازة بخصب أرضها وكثرة نزول المطر فيها، فسائر بلاد العرب جبال ونجود وأودية غير ذات زرع وطبيعة جرداء لا تيسّر الاستقرار ولا تجلب الحضارة ولا تشجّع على حياة غير الحياة البادية(١).

شبه الجزيرة العربيّة والحضارات المجاورة:

كان السومريّون والأكديّون والبابليّون والآشوريّون من الحضارات القديمة الّتي استقرّت في شمال شبه الجزيرة العربيّة (العراق) ومنذ خمسة آلاف سنة قبل الميلاد.

قال جرجي زيدان عن ثقافة البابليّين:


عثر المنقّبون على قرميدة بابليّة عليها كتابة مسماريّة، فيها قائمة بأسماء ملوك منذ أكثر من ستّين قرناً...


إلى أن يقول:

١- حياة محمّد لمحمّد حسين هيكل: ٣٢.

١٩

ومن جملة أُولئك الملوك ملك اسمه (شرجينيا) كان محبّاً للعلم، راغباً في العمارة، أنشأ مكتبة في "وركاء"... مملوءة بالكتب اللغويّة والفلكيّة والشرعيّة والأدبيّة وغيرها، ثمّ نسخت بعد إنشائها بخمسة عشر قرناً بأمر من أمير آشوري، وحفظت في دار خاصّة بها كما تحفظ المكاتب اليوم، وعثر المنقّبون بالأمس على بقايا هذه المكتبة بين النهرين، ونقلوها إلى المتحف البريطاني في لندن(١)، فهي هناك إلى هذه اللحظة..


وأمّا حضارة بلاد الشام، فكانت هي الاُخرى عريقة ترجع إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، فممّا أسّسته الدولة الفينيقيّة في القرن الخامس والعشرين ق. م مدينة جبيل، كما بنت مدينة بيروت (بيريت) في القرن الثاني والعشرين ق. م.

قال الدكتور محمّد أسعد طلس، في معرض حديثه عن الدولة الفينيقيّة:


وكانت بلادهم ممتدّة ومملكتهم على جانب عظيم من المعرفة والتفوّق في العلوم والآداب والصناعة، أمّا العلوم والآداب فقد ضربوا فيها


١- انظر: تاريخ آداب اللغة العربيّة ـ لجرجي زدان ـ ١/١٧ ـ ١٨.

٢٠