×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التشيع والوسطية الإسلامية / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٧ فارغة
كتاب التشيع والوسطية الإسلامية لـ أكرم عبد الكريم ذياب (ص ١ - ص ٢٨)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

مقدمة

اما بعد:

فقد طالعتنا مجلّة «الوطن العربي» في عددها المرقّم ١٠٢٨، الصادر فـي ١٥/١١/١٩٩٦ ص ٢٢ ـ ٢٣، بحوار تحت عنوان: رأي «الوسطية الاِسلامية» في الفكر الشيعي، للدكتور محمّـد عمـارة؛ الذي ـ ولاَوّل وهلة ـ يحسب القارىَ له أنّه يحمل في طيّاته فكراً جديداً من شأنه المساعدة في تحقيق مفهوم الوحدة الاِسلامية التي يرمي إليها العالم الاِسلامي المعاصر.

ولكن للاَسف! وجدنا الدكتور المذكور يحوّل الوسطيّة الاِسلاميّة المدّعاة من قبله إلى انتقادات لاذعة، وتصورات لا أساس لها في الواقع سوى أنّها جاءت كالسهام تطال جسد الاَُمّة الاِسلاميّة التي كانت ولا تزال تعاني من التشرذم.

٨
وإذا به بدلاً من السعي لترميم واقعها تراه يصف الشيعة بالغلوّ لفكرةٍ أو عقيدةٍ اعتقدوا بها وأسّسوا لها أبحاثاً قد لا يكون الدكتور تفحّص في محتوياتها، أو تفحّص فيها بلا عمق ودقّة، جاعلاً الوسطيّـة عنواناً لطريقة اختارها في ذمّ الشيعة والقدح في اجتهاداتهم.

ولا نظنّ أنّ توحيد الصفّ و«صيانة الوحدة وتماسك النسيـج» يمرّ عبر نعت الشيعة بأنّهم «يخلخلون وحدة المذهب ويصنعون القلق الطائفي» تحت حجّة أنّ الشيعة لم يلتزموا الوسطيّـة..

ثمّ نراه يتعرّض لطرح الاِشكاليات والانتقادات المردودة، مع ما للشيعة من أقلام تدافع عن الوحدة الاِسلامية إلاّ أنّها لا تقبل بتاتاً المسّ بمقدّساتها والطعن في اجتهاداتها بـلا مبرّرات موضوعية لها، وليس ذلك سوى جهلاً أو تجاهلاً للحقيقة.

وإنّنا أمام تلك الشبهات المطروحة نجد أنفسنا مضطرّين للدفاع عن تلك المعتقدات، منتقدين وجهة النظر التي صبّت الشيعة في خانة المتطرّفين والمزعزعين لوحدة الصفّ التي ينظر من خلالها أمثال الدكتور إلى التشيّع نظرة سلبيّة ومحدودة، ولكن هذه المرّة تحت عناوين برّاقة: كالوسطيّة والوحدة وغيرهما...

والحقّ أنّ الحوار لا يخلو من التناقضات الواضحة إذ إنّه تارة يطالعنا بقوله: «علينا أن نحاور بالفكر» وأُخرى يقول لنا: «من حقّ التشيّع أن يحتفظ بفكره» و«تعصّب الشيعة لاَئمّتهم جعلهم يشقّون صفّ الاَُمّة».. إلى آخره من الاتّهامات المدفوعة والحجج الموهومة التي لا واقع لها، خصوصاً لمن استقرأ التشيّع وعرفه حقّـاً.

وأمام هذه الهجمة الشرسة على الشيعة، التي لا تخدم سوى أعداء

٩
الاِسلام، نتناول بعضاً ممّا ذكره الدكتور، مفنّدين تلك الادعاءات، ومستهلّين البحث بما استهلّ به حديثه فنقول، وبالله نستعين ـ كما قال هو ـ:

«عندما نتحدّث عن قضية الفكر الشيعي يحسن أن نضبط هذه القضيّة سواءً في واقعها التاريخي أو في واقعها المعاصر..».

والحقّ أن المتحدّث لم يستطع ظبط حقيقة هذه القضية كما ادّعى من جهة، ولا أنّه أحسن في ضبط رأيه تجاهها من جهة أُخرى..

وليس كلامنا ـ عزيزي القارىَ ـ جناية عليه، وإنّما مَن دقّـق وتمعّـن في محتوى ما ذكره الدكتور في مستهلّ حديثه، وقارنه بما استأنف به كلامه حول القضايا المختلفة، يستنتج ـ بلا شكّ أو ريب ـ ما استنتجناه.

وللوقوف على تلك الحقيقة يحسن استعراض بعضها إجمالاً ليتبيّن لك الحقّ من الباطل:

أوّلاً: تناقضٌ في الحوار:

إنّ في كلام الدكتور تناقضاً واضحاً، إذ إنّه في بداية الحوار ذكر « أن فرقاً من الغلاة الشيعة وهؤلاء أغلبهم قد انقرض...» .

وقال: «أنّ التيّار الشيعي الذي وقف بين بين، أي ليس غلوّاً وليس زيدياً في اقترابه من الفكر السُنّي يمثّل الآن أغلب الشيعة المعاصرين».

ثمّ ينعطف فيقول: «لكنّ المصريّين تعاطفوا... دون أن يتحوّل هذا التعاطف إلى الغلوّ الذي يجعلهم معصومين أو الذي يجعلهم يحتكرون الاِمامة والخلافة والسلطة دون الاَُمّة»!

ولا شكّ ـ عزيزي القارىَ ـ أنّ هذا هو التهافت بعينه، إذ كيف يدّعي

١٠
تارة أنّ الشيعة المعاصرين ليسوا غلاةً ويعود فيتّهمهم بالغلوّ لتمسّكهم بالعصمة وإمامة الاَئمّة عليهم السلام، مع العلم أنّ هذا هو مذهب أغلب المعاصرين من الشيعة إذا صحّ التعبير.

ثانياً: غياب المصطلح:

لعلّه غاب عن ذهن الدكتور معنى الغلوّ، المصطلح عليه في علم الكلام وفي الملل والنحل، حتّى راح ينسبه للشيعة دون أدنى تعمق منه بعقائدهم، معتَقداً بأنّ العصمة للاَئمّة غلوّاً، وهذا باطل كما سيتبيّن.

ثالثاً: زورٌ وبهتان:

لا يخفى أنّ عدّ الغلاة من الشيعة زورٌ وبهتانٌ وإن قالوا ـ أي الغلاة ـ بألوهيّة الاَئمّة عليهم السلام، إذ كيف يصحّ نسبة تلك الفرق إلى الشيعة وهم ليسوا بمسلمين؟!

وهل يؤخذ البريء بجرم المعتدي؟!

ناهيك عن الموقف الواضح لاَئمّتنا من الغلاة إذ إنّهم لعنوهم وطردوهم وحذّروا شيعتهم منهم، فكانوا يقولون: «لعنهم الله (الغلاة) إنّا لا نخلو من كذّاب يكذب علينا، أو عاجز الرأي، كفانا الله مؤنة كلّ كذّاب، وأذاقهم الله حرّ الحديد».

كما أخرج الكشّي عن أبي بصير، قال: قال لي أبو عبدالله: «يا أبا محمّد! إبرأ ممّن يزعم أنّا أرباب».

قلت: «برىَ الله منه».

فقال: «إبرأ ممّن يزعم أنّا أنبياء».

١١
قلت: «برىَ الله منه»(١) .

هذا، ولدينا أدلّة على أنّ هذه الفرق بمعظمها ـ إن لم نقل كلّها ـ من افتِعال السلطات الجائرة وأعداء أهل البيت عليهم السلام.

رابعاً: قلّة الدراية بعقائد الفرق:

قال: «لاَنّ الزيديّين لا يكادون يختلفون عن الفكر السُنّي، وهم في الاَُصول قريبون من المعتزلة...».

والصحيح أنّ الزيديّة في الاَُصول هم أقرب إلى الاثني عشرية من أهل السُنّة وإن اختلفوا في التفصيل والتفريع.

وللتحقيق نذكر ما يلي:

أ ـ مفارقة واضحة:

إنّ ما صنّفه الدكتور احتكاراً للسلطة وغلوّاً في الشيعة ـ كما مرَّ بك ـ يعتقد به الزيديّة، وليس عليك إلاّ مراجعة كتبهم الدالّة على ذلك ومنها العقد الثمين في معرفة ربّ العالمين تأليف: الاَمير الحسين بن بدرالدين محمّـد (٥٨٢ ـ ٦٦٢ هـ) في فصل «الاِمامة بعد الحسنين» قال:

«فإن قيل: لمن الاِمامة بعدهما؟

فقل: هي محصورة في السبطين ومحظورة على ما عدا السبطين... وقد انعقد إجماع المسلمين على جوازها في أولاد فاطمة عليها السلام ولا دليل على جوازها في غيرهم، فيبقى من عداهم لا يصلح».

(١) رجال الكشّي: ٢٩٧ ح ٥٢٩، عنه بحار الاَنوار ٢٥/٢٩٧ ح ٦٠.

١٢

ب ـ عقائد الزيديّـة:

قال: «الزيدية شيعة لكنّهم لم يجعلوا الاِمامة أصلاً من أُصول الاعتقاد..».

والواقع أنّ هذا ليس صحيحاً، لاَنّ من راجع كتبهم ومصادرهم يتبيّن له الحقّ كما في المصدر المذكور سابقاً، حيث عقد المؤلّف لها بحثاً منفرداً في فصول متعدّدة جاعلاً منها أصلاً من الاَُصول الخمسة التي تقول بها الاِمامية، مبتدئاً بقوله:

«فإن قيل: من أوّل الاَئمّة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأوْلى الاَُمة بالخلافة بعده بلا فصل؟

فقل: ذلك أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين علي بن أبي طالب.

فإن قيل: هذه دعوى، فما برهانك؟

فقل: الكتاب، والسُنّة، وإجماع العترة».

وفي كتاب الاَحكام للاِمام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم (٢٤٥ ـ ٢٩٨ هـ)، قال:

«فإذا فهم ذلك، ولاية أمير المؤمنين وإمام المتّقين عليّ بن أبي طالب رحمة الله عليه واجبة على جميع المسلمين فرض من الله ربّ العالمين، ولا ينجو أحد من عذاب الرحمن، ولا يتمّ اسم الاِيمان حتّى يعتقد بذلك بأيقن الاِيقان، لاَنّ الله سبحانه يقول: (إنّما وليّكم...) »(١) .

كما يمكن للدكتور عمارة مراجعة كتاب الاَساس لعقائد الاَكياس في

(١) الاَحكام ـ طبعة ١٤١٠ هـ ـ ١/٣٦.

١٣
معرفة ربّ العالمين وعدله في المخلوقين للاِمام المنصور بالله القاسم بن يحيى بن علي الزيدي (ت ١٠٢٩ هـ)، منشورات دار التراث الاِسلامي صعدة اليمن، ١٩٩٤، ص١٥٠ ـ ١٥١.

* * *

القضايا التي يختلف فيها الشيعة عن السُنّة

ابتداءً نتعرّض لقضية ادّعى الدكتور فيها أنّ «الفتوى التي صدرت من المرحوم الاِمام الاَكبر الشيخ شلتوت عن أنّ المذهب الشيعي مذهب إسلامي... كانت خاصّة بالمذهب الجعفري، وليست خاصّة بنظرية الاِمامة عند الشيعة، ولكن بعض الناس خلطوا هذين الاَمرين...».

والمفهوم من كلامه أمران:

الاَوّل: أنّ الاِقرار بأنّ المذهب الشيعي مذهب إسلامي لا يتعدّى الجانب الفقهي، وبمعنىً آخر أنّ الفتوى لا تبيح الجانب الاعتقادي للشيعة، وأنّ نظرية الاِمامة ليست مذهباً إسلامياً يُتعبّد به.

والحاصل عند الدكتور ـ اعتماداً على رأيه الذي سنوافيك به ـ تكفير الشيعة بلا محالة بحسب الاَُصول الفقهية، لاَنّ الاِمامة تصبح بنظره بدعة وغلوّاً، لاَنّه إدخال في الدين ما ليس منه وإنْ صرّح خلافه.

الثاني: أنّه يرى إمكانيّة الفصل بين «الفقه» و«العقيدة» فيما لو أُريد الاتّباع.

ونجيب على حاصل المفهوم فنقول:

١٤
أوّلاً: إنّ هذا يتنافى مع قناعته التي تفضّل بها عندما قال: «أنا لا أميل إلى استخدام أساليب التكفير في داخل الاَُمّة الاِسلامية» وصرّح بما يفيد أنّ الشيعة جزء من الاَُمّة الاِسلامية.

ثانياً: لا أدري من أين له أنّ يفصل في المذاهب بين «الفقه» و«العقيدة» وكأنّه نسي حينها بأنّ الاَوّل نعني به «الفروع» والثانية نعني بها «الاَُصول»، وإنّما الفروع تابعة للاَُصول.

ويشهد بهذا ما حكم به هو ـ حسب اعتقاده ـ من القول بتكفير الشيعة لاَهل السُنّة ـ وإنْ لم يصرّحوا ـ إذ لا بُدّ من إجراء أحكام الكفر على منكر الاِمامة فقهاً كما قال، مثيل من أنكر التوحيد أو النبوّة أو المعاد، وهذا يعني في الحقيقة عدم إمكانيّة فصل «الاَُصول» عن «الفروع» في المذاهب، لاَنّ كثيراً من أحكام الاَخيرة تتوقّف على الاعتقاد بالاَُولى كما بيّنّـا.

هذا كلّه فيما لو صحّ كلام الدكتور بأنّ فتوىالشيخ شلتوت إنّما كانت خاصّة بالمذهب الجعفري، وليست خاصّة بنظرية الاِمامة، ومن عاد إلى الوراء قليلاً ـ وبالتحديد إلى زمن صدور الفتوى في ٧/٧/١٩٥٩ ـ لعرف الحقيقة الدامغة التي تدحض كلّ ما جاء به الدكتور، من تلبيسات وأوهام بشأنها...

وللتوضيح أنقل ـ مقتطفاً ـ بعضاً ممّا جاء فيها باختصار، قال شيخ الاَزهر السابق:

«أولاً:... ولا عبرة بما يُكتب في بعض الكتب عن انحصار المذاهب التي يجوز تقليدها في الاَربعة المشهورة، ولا بما يقال من أنّ: من قلّـد مذهباً فليس له أنْ ينتقل منه إلى غيره.

وفي ذلك يقول الشيخ عزالدين بن عبدالسلام: لم يزل الناس يسألون

١٥
من اتّفق من العلماء من غير تقيّـد بمذهب، ولا إنكار على أحد من السائلين، إلى أنْ ظهرت هذه المذاهب ومتعصّبوها من المقلّدين، فإنّ أحدهم يتّبع إمامه مع بعد مذهبه عن الاَدلّة مقلّد له في ما قال، كأنّه نبيٌّ مرسل، وهذا نأيٌ عن الحقّ وبُعد عن الصواب لا يرضى به أحد من ذوي الاَلباب.

ثانياً:...

ثالثاً: إنّ هناك فِرقاً تنتسب إلى عليّ، وهم شيعته المهتدون، ومن هؤلاء الشيعة الصالحين الطائفة المعروفة بـ «الجعفريّـة» أو بـ «الاِمامية الاثني عشرية».

رابعاً: لهذه الطائفة المعروفة أُصولها المستمدّة من كتاب الله تعالى ومن سُنّة رسوله المرْويّة عن أئمّتهم في العقيدة والشريعة.

وليس الخلاف بينهم وبين مذاهب السُنّة، أعظم من الخلاف بين مذاهب السُنّة بعضها مع البعض، فهم يدينون بأُصول الدين، كما وردت في القرآن الكريم والسُنّة المتواترة، كما يؤمنون بكلّ ما يجب الاِيمان به ويبطل الاِسلام بالخروج عنه من الاَحكام المعلومة من الدين بالضرورة...

خامساً:...». انتهى.

والمنصف الذي يطالع الفتوى، يعلم بأنّ الشيخ شلتوت إنّما قدّم هذه النقاط الخمس حتّى يتّضح جليّاً مُراده، وهذا ما صرّح به هو بعد تلك النقاط، قائلاً في نفس نصّ الفتوى: ومن هذا البيان يتّضح جليّاً، فذيّل الفتوى ـ على مقتضى الاستفتاء ـ بجواز التعبّد بمذهب الشيعة الاِمامية «الاثني عشرية» بلا فرق بين العبادات والمعاملات، مدركاً بأنّ التعبّد بالمذهب فقهاً إنّما يتوقّف على بيان صحّة أُصول الدين التي يعتقدون بها، وهو ما ثبّته في المقدّمة المذكورة آنفاً، فلا مجال لدعوى الفصل بين

١٦
المذهب الشيعي كـ «فقه» وبين المذهب الشيعي كـ «أُصول للدين» حسب رأي شيخ الاَزهر.

(ولا تلبسوا الحقّ بالباطل وتكتموا الحقّ وأنتم تعلمون)(١) .

قضية آل البيت

قال: «وأنا أقول إنّ هذه ليست قضية خاصّة بالشيعة، لاَنّ كلّ السُنّة يحبّون آل البيت، وأئمّة آل البيت هم من أئمّة المسلمين الّذين يتعاطف معهم المسلمون... لكن المصريّين تعاطفوا معهم لاَنّهم أُضطهِدوا، لكن دون أن يتحوّل هذا التعاطف إلى الغلوّ الذي يجعلهم معصومين، أو الذي يجعلهم يحتكرون الاِمامة والخلافة والسلطة دون الاَُمّـة».

والكلام عن تلك المقالة يقع في نقطتين:

الاَُولى: في السلوك العملي المخالف:

دعنا من الذي تميّز به الشعب المصري عن غيره من حـبّ لاَهل البيت عليهم السلام، إلاّ أنّ القول بأنّ كلّ السُنّة يحبوّن أهل البيت عليهم السلام فيه نظر، لاَنّ هذا أمر لم تترجمه السيرة العملية، ولا شهده شيعة أهل البيت عليهم السلام في السلوك العملي لكثير من اتباع مذاهب أهل السُنّة.

وهذا نجده جليّاً في تدوين الصحاح والمسانيد للحديث إذ إنّ بعضهم أعرض عن الرواية لاَئمّة أهل البيت عليهم السلام، والبعض الآخر تعرّض لما يوافق مذهبه لا غير، فالبخاري مثلاً أعرض عن أحاديث الاِمام جعفر الصادق عليه السلام، وأخرج منها لمن يكنّ العداء والحقد للاِمام عليّ عليه السلام

(١) سورة البقرة ٢: ٤٢.

١٧
كعمران بن حطّان الذي مدح قاتل الاِمام عليه السلام عبدالرحمن بن ملجم لعنه الله بقوله:

يـا ضربة من تقيٍّ ما أراد بها * إلاّ ليبلغ من ذي العـرش رضوانـا

والحال أنّ الاِمام الصادق عليه السلام عُرِف بسعة علمه وكثرة الّذين نهلوا من يديه العلم الوفير حتّى بلغوا أربعة آلاف، ومنهم بعض أئمّة المذاهب، أمثال أبي حنيفة النعمان ومالك بن أنس.

فقد اشتهر عن الاَوّل قوله: «لولا السنتان لهلك النعمان» وكان يعني السنتين اللتين تتلمذ فيهما على يدي الاِمام الصادق عليه السلام.

واشتهر عن الثاني قوله: «ما رأت عين أفضل من جعفر بن محمّـد».

ويقول عنه الجاحظ: «جعفر بن محمّـد، الذي ملاَ الدنيا علمه وفقهه، ويقال: إنّ أبا حنيفة من تلامذته وكذلك سفيان الثوري، وحسبك بهما في هذا الباب»(١) .

وذكره ابن خلّكان في وفياته قائلاً: «كان من سادات آل البيت، ولُقّب بالصادق لصدقه، وفضله أشهر من أنْ يذكر»(٢) .

والعجب أنّ البخاري، وهو ممّن عاصره، لم يدرك فضله وقد أدركه أئمّة المذاهب...

وهكذا الحال في المسانيد والصحاح التي نقلت من الرواية والحديث عن الاِمام عليّ عليه السلام ما لا يتجاوز الـ ٥٠٠ حديث! بينما نقلت عن أبي هريرة ٦ آلاف حديث! والاَخير لم يمضِ سوى سنتين وأشهر مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم !

(١) رسائل الجاحظ ـ للسندوبي ـ: ١٠٦.

(٢) وفيات الاَعيان ١/٣٢٧ رقم ١٣١.

١٨
أمّا الاِمام عليّ عليه السلام فقد رُبّي في حجر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولم يتجاوز عمره بضع سنوات.

وسيرة الخلفاء والحكّام لاَكبر شاهد على الممارسات الظالمة بحقّ أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم، من القتل والتشريد والسبّ، لمجرّد أنّ ذنبهم الوحيد هو اتّباع عليّ بن أبي طالب عليه السلام وأولاده لا غير.

والدكتور نفسه قد أيقن بمظلوميّتهم عبر التاريخ، ولذا فسّـر حبّ المصريّين لهم بسبب الاضطهاد...

وهذا الوضع من السلوك وإن تغيّر قليلاً في الوقت الحاضر، إلاّ أنّه لا يزال يُمارَس في مختلف الدول، حيث إنّ بعضها جرّد الشيعة من حقوقهم المدنيّة ـ كما في ماليزيا ـ والبعض الآخر جعل يكيل التهم إليهم فيعتقل الواحد تلو الآخر خوفاً على الحكم من التشيّع والفكر الشيعي الذي لا يقبل المساومة على الحقوق المسلوبة.

الثانيـة: في الحبّ المزدوج:

قبل كلّ شيء لا بُدّ من الاِشارة إلى أنّنا نكنّ خالص الاحترام والحبّ للشعب المصري، خصوصاً لتميّزه عن الشعوب الاَُخرى بحبّ أهل البيت عليهم السلام...

ولكن، أليس من واجب الدكتور ـ ومن باب الاَمانة العلمية ـ تعريف الآخرين بالمضطهِد حتّى لا يختلط الاَمر عليهم فيحبُّ الواحدُ منهم المضطهَد والمضطهِد معاً؟!

وهل يعقل هذا النوع من الحبّ المزدوج؟!!

* * *
١٩

قضيّـة الاِمامـة

لمّا كانت الاِمامة ـ كما قال بأنّها ـ «تمثّل نقطة الخلاف الوحيدة بين السُنّة والشيعة»، ارتأينا أن نوضّح للدكتور بعض الحقائق التي عزف عن ذكرها، متناولين في القضية نقاطاً عديدة:

النقطة الاَُولى: في النصّ:

قال: «إذن القضية أنّهم جعلوا الاِمامة بالتعيين، وقالوا بروايات انفردوا بها: أنّ الاِمام والوصيّ بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الاِمام عليّ..».

أقول: نعم، فالشيعة قائلون بالنصّ في مقابل غيرهم الّذين اضطربوا تارة فقالوا بالنصّ على أبي بكر، وتذبذبوا أُخرى فادّعوا الاِجماع عليه، وثالثة جعلوا الشورى هي الاَساس في الاِمامة والخلافة بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن المناسب في المقام التعرّض إلى أُمور، منها:

أ ـ تعريف الاِمامة في كتب الفريقين:

يقول السعد التفتازاني في تعريفها أنّ: «الاِمامة رئاسة عامّة في أمر الدين والدنيا خلافة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم»(١) .

وأمّا علاّمتنا الحلّي فيقول: «الاِمامة رئاسة عامّة في اُمور الدين والدنيا لشخص نيابة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم»(٢) .

(١) شرح المقاصد في علم الكلام: ٢٣٤.

(٢) الباب الحادي عشر مع شرحه النافع يوم المحشر ـ للمقداد بن عبدالله الحلي ـ: ٨٢.

٢٠