×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

تصحيح إعتقادات الإماميّة / الصفحات: ٤١ - ٦٠

[ صفات الله(١) ]

فصل: في صفات الذات وصفات الأفعال


قال الشيخ أبو جعفر - رحمه الله -: كل ما وصفنا الله تبارك وتعالى به من

(١) إذا توسعنا في تدقيق صحائف الكتاب والسنة حق التوسع لم نجد هذا التقسيم الاصطلاحي:

أي تقسيم صفات الله إلى صفات الذات، وصفات الفعل، وصفات النقص، وبعبارة أخرى:

الكمالية والجلالية والتنزيهية، أو بحسب المشهور الصفات الثبوتية والزائدة والسلبية.

نعم، نجد المنشأ الحقيقي لهذا التقسيم الثلاثي موجودا في القرآن والحديث، وهو أن الصفات بعضها ثابتة لله سبحانه بوجه عام، من دون استثناء وقت أو فرد كالعلم، فإنه - عز شأنه - بكل شئ عليم، عليم في كل أين وآن، وفي كل مكان وزمان، لم يزل عالما بكل شئ ولا يزال.

والقسم الثاني من المعاني منفية عن الله كذلك منفية بوجه عام وبدون استثناء وقت أو مقام كالظلم، فلا يظلم ربك أحدا، فكما أن العلم ثابت له ولا يزال، كذلك الظلم منفي عنه على الإطلاق في كل حال.

والقسم الثالث من صفات الله وسط بين القسمين، فلا هو كلي الثبوت، ولا هو كلي السلب، مثل الإرادة، فإنها قد تثبت لربنا - عز وجل - بالنظر إلى شئ، وقد تنتفي عنه بالنظر إلى شئ آخر، كما في آية: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (البقرة: ١٨٦) ومتى كان المعنى يستحق الثبوت تارة ويستحق النفي أخرى فهو غير ضروري الايجاب، كما هو غير ضروري السلب.

هذه ثلاثة أقسام في صفات الله يمتاز كل منها عن البقية بحسب ظواهر الكتاب والسنة، بل وبحسب ضرورة العقل أيضا، إذ كل وصف قيس إلى ذات، فإما أن يكون ضروري الثبوت لها، أو يكون ضروري السلب عنها، أو يكون غير ضروري الثبوت للذات كما هو غير ضروري السلب عنها، الأمر الذي دعا شيوخ أسلافنا إلى القسمة الثلاثية في صفات الله وتسميتهم القسم الأول بصفات الذات أو الثبوتية. والقسم الثاني بصفات التنزيهية أو السلبية. والقسم الثالث بصفات الفعل أو الزائدة، ويريدون بالفعل ضد الشأن، وإن كان الأنسب عندنا تسمية الأقسام بالذاتية والنسبية والسلبية. ش.

٤١
صفات ذاته(١).

قال الشيخ المفيد - رحمه الله -: صفات الله تعالى على ضربين:

أحدهما: منسوب إلى الذات، فيقال: صفات الذات.

وثانيهما(٢): منسوب إلى الأفعال، فيقال: صفات الأفعال، والمعنى في قولنا صفات الذات: أن الذات مستحقة لمعناها استحقاقا لازما لا لمعنى سواها، و معنى صفات الأفعال: هو أنها تجب بوجود الفعل ولا تجب قبل وجوده، فصفات الذات لله تعالى هي الوصف له بأنه حي، قادر، عالم ألا ترى أنه لم يزل مستحقا لهذه الصفات ولا يزال. ووصفنا له تعالى بصفات الأفعال كقولنا خالق، رازق، محيي، مميت، مبدئ، معيد، ألا ترى أنه قبل خلقه الخلق لا يصح وصفه بأنه خالق وقبل إحيائه(٣) الأموات لا يقال إنه محيي. وكذلك القول فيما عددناه، والفرق بين صفات الأفعال وصفات الذات: أن صفات الذات لا يصح لصاحبها الوصف بأضدادها ولا خلوه منها، وأوصاف الأفعال يصح الوصف لمستحقها بأضدادها وخروجه عنها، ألا ترى أنه لا يصح [ وصف الله ](٤) تعالى بأنه يموت، ولا [ بأنه يعجز، ولا بأنه يجهل ](٥) ولا يصح الوصف له بالخروج عن كونه حيا عالما قادرا، ويصح الوصف بأنه غير خالق اليوم، ولا رازق لزيد، ولا محيي لميت بعينه، ولا مبدئ لشئ في هذه الحال، ولا معيد له. ويصح الوصف له - جل وعز - بأنه يرزق ويمنع ويحيي ويميت ويبدئ ويعيد ويوجد ويعدم، فثبتت العبرة في أوصاف الذات وأوصاف الأفعال(٦)، والفرق بينهما ما ذكرناه.

(١) الاعتقادات ص ٢٧.

(٢) ( أ ) (ح) (ش) (ق): والضرب الآخر، (ز): والآخر.

(٣) ( أ ) (ز) (ش): إحياء.

(٤) (ز): وصفه، (ق): الوصف لله.

(٥) (ح) (ز): يعجز ولا يجهل، ( أ ) (ق): يعجز ويجهل.

(٦) ( أ ) (ح) (ز) (ش): الفعل.

٤٢

[ خلق أفعال العباد ]

فصل: في أفعال العباد


قال الشيخ أبو جعفر - رحمه الله - أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين، ومعنى ذلك أنه تعالى لم يزل عالما بمقاديرها(١) (٢).

قال الشيخ أبو عبد الله - رحمه الله -:(٣) الصحيح عن آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم: أن أفعال العباد(٤) غير مخلوقة لله تعالى، والذي ذكره أبو جعفر - رحمه الله - قد جاء به حديث غير معمول به ولا مرضي الاسناد، والأخبار الصحيحة بخلافه، وليس يعرف في لغة العرب أن العلم بالشئ هو خلق له، ولو كان ذلك كما قال

(١) الاعتقادات ص ٢٩.

(٢) عنه في البحار ٥: ١٩ / ٢٩. وراجع معاني الأخبار ٣٩٦، بحار الأنوار ٥:

٣٠ الحديث ٣٧ و ٣٨.

(٣) تبع الشيخان الجليلان جمهور المتكلمين في إفراد بحث الجبر عن بحث خلق الأفعال، وعن مبحث الهدى والضلال، مع أن الجميع فروع من نظرية الجبر ومن فاز بحل مشاكل هذه الأخيرة فاز بالنجاة من صعوبات البقية. ش.

(٤) إن لهذا البحث وبيان المقصود منه تقريرا من وجهين: كلامي، ونفسي، أما النفسي - وهو المقصود لدى الفلاسفة وعلماء التربية - فهو أن الإنسان في أفعاله - وفي مقدمتها الطلب والإرادة - هل هو حر مختار ومستقل في إيجاد أفعاله؟ أو هو مجبور باقتضاء العوامل الأخرى المتصرفة فيه من الداخل والخارج؟ فإن اختلاف التربية والتهذيب يؤثران بالحس والتجربة على الإنسان في اختلاف إرادته ومطالبه وتكييف أحواله وإصدار أعماله، وهذا البحث يختلف عن المبحث الكلامي الآتي ذكره اختلافا واضحا وإن خفي على الجمهور.

وأما البحث الكلامي - وهو المبحوث عنه لدى علماء الكلام وزعماء الطوائف الإسلامية، ولا يزالون مختلفين فيه - فهو أن الإنسان - وإن بلغ رشده وأشده وخوطب بالتكاليف الإلهية - هل هو مختار في أفعاله، حر في إرادته، مستقل في الطلب؟ أو أن الله تعالى هو الخالق في الحقيقة لجميع ما يصدر من الإنسان في الظاهر، وهو كآلة صماء في أداء ما يجري على يديه من أفعال خالقه، فعلى هذا يكون الإنسان فاعلا بالمجاز في كل ما ينسب إليه من أفعاله مباشرة، وإنما يكون المنسوب إليه حقيقة هو الله تعالى وحده، وهذا الوجه يشترك مع الوجه السابق عليه في سلب اختيار العبد واضطراره في أفعاله طرا، وهما بناء عليه يستلزمان الجبر معا، ويسمى البحث الكلامي بحث الجبر الديني، كما يسمى البحث النفسي بحث الجبر التكويني، والفرق بينهما يبدو من وجوه أهما أن المنسوب إليه في الجبر الديني إنما هو الله وحده، وهو الذي أمر بالحسنات ويثيب بحسبها، وهو الذي نهى عن السيئات ويعاقب عليها، وفي صورة كهذه يصعب جدا تصور الإيمان بعدالة من أجرى على يديك السيئات وهو في نفس الوقت مؤاخذك بها ومعاقبك عليها، نعم إن الجبر التكويني يقضي أيضا باضطرار العبد فيما يأتيه، غير أنه يجعل مصادر الحسنات والسيئات غير مصدر الثواب والعقاب. ش.

٤٣
المخالفون للحق(١) لوجب أن يكون من علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد خلقه، ومن علم السماء والأرض فهو خالق لهما، ومن عرف بنفسه شيئا من صنع الله تعالى وقرره في نفسه لوجب أن يكون خالقا له، وهذا محال لا يذهب وجه الخطأ فيه على بعض رعية الأئمة - عليهم السلام - فضلا عنهم.

فأما التقدير فهو الخلق في اللغة، لأن التقدير لا يكون إلا بالفعل، فأما بالعلم فلا يكون تقديرا ولا يكون أيضا بالفكر، والله تعالى متعال عن خلق الفواحش والقبائح على كل حال(٢).

وقد روي عن أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا - صلوات

(١) بحار الأنوار ٥: ٢٠.

(٢) بحار الأنوار ٥: ٢٠.

٤٤
الله عليهم -: أنه سئل عن أفعال العباد، فقيل له: [ هل هي ](١) مخلوقة لله تعالى؟ فقال - عليه السلام -: لو كان خالقا لها لما تبرأ منها.

وقد قال سبحانه: (أن الله برئ من المشركين ورسوله)(٢) ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم، وإنما تبرأ من شركهم وقبائحهم(٣).

وسأل أبو حنيفة أبا الحسن موسى بن جعفر - عليهما السلام - عن أفعال العباد ممن هي؟ فقال له أبو الحسن - عليه السلام -: إن [ أفعال العباد ](٤) لا تخلو من ثلاثة منازل: إما أن تكون من الله تعالى خاصة، أو من الله ومن العبد على وجه الاشتراك فيها، أو من العبد خاصة، فلو كانت من الله تعالى خاصة لكان أول بالحمد على حسنها والذم على قبحها، ولم يتعلق بغيره حمد ولا لوم فيها، ولو كانت من الله ومن العبد لكان الحمد لهما معا فيها والذم عليهما جميعا فيها، وإذا بطل هذان الوجهان ثبت أنها من الخلق، فإن عاقبهم الله تعالى على جنايتهم بها فله ذلك، وإن عفا عنهم فهو أهل التقوى وأهل المغفرة.

وفي أمثال ما ذكرناه من الأخبار ومعانيها ما يطول به الكلام.

فصل:


وكتاب الله تعالى مقدم على الأحاديث(٥) والروايات، وإليه يتقاضى في صحيح الأخبار وسقيمها، فما قضى به فهو الحق دون ما سواه.

(١) ( أ ) (ح) (ق) (ش): أهي.

(٢) التوبة: ٣.

(٣) بحار الأنوار ٥: ٢٠.

(٤) (ق): الأفعال.

(٥) (ز): الأخبار.

٤٥
قال الله تعالى: (الذي أحسن كل شئ خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين)(١) فخبر بأن كل شئ خلقه فهو حسن غير قبيح، فلو كانت القبائح من خلقه لنافى ذلك حكمه بحسنها، وفي حكم الله تعالى بحسن جميع ما خلق شاهد ببطلان قول من زعم أنه خلق قبيحا(٢).

وقال تعالى: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت)(٣) فنفى التفاوت عن خلقه(٤)، وقد ثبت أن الكفر والكذب متفاوت في نفسه، والمتضاد(٥) من الكلام متفاوت! فكيف يجوز أن يطلقوا على الله تعالى أنه خالق لأفعال العباد وفي أفعالهم من التفاوت والتضاد(٦) ما ذكرناه مع قوله تعالى: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) فنفى ذلك ورد على مضيفه(٧) إليه وأكذبه فيه.

(١) السجدة: ٧.

(٢) ليس هذا الكلام وحده ولا هذه الآية وحدها شاهد الفئة العدلية وشيخها الشارح - طاب ثراه - عند إبطاله لنظرية الجبر وتصحيحه لإسناد أفعال العباد إلى أنفسهم، إذ كل آية نزهت ربنا سبحانه عن الشرور وخلق الآثام تؤيده، وكذلك الدلائل التي قضت بأن الشرور أمور سلبية غير ثابتة في متن الأعيان ولا مبدأ لها ولا علة تقوي أيضا كلام الشيخ - طاب ثراه - وكذلك القياسات التي أقامها علماء اللاهوت بغرض إثبات أن المبدأ الأول (واجب الوجود) مصدر كل خير وجود، ولا ولن يرى شر ما من ناحيته القدسية. ش.

(٣) الملك: ٣.

(٤) يجوز أن يكون الخلق هنا مصدرا مرادفا للإيجاد لا اسم مصدر مرادفا للموجود، كما ذكر في المتن، فيكون المراد - والله أعلم - أنه سبحانه لا يتفاوت عليه خلق الأشياء صغيرها من كبيرها، أو حقيرها من خطيرها، أو قليلها من كثيرها، ولا يلزم من العدول عن تفسير الشيخ - قدس سره - وهن ما في أصل رأيه. ش.

(٥) (ق) (ش): والتضاد.

(٦) ليست في بقية النسخ.

(٧) (ق): من يضيفه.

٤٦

فصل: في الفرق بين الجبر والتفويض


قال الشيخ أبو جعفر - رحمه الله -(١): لا جبر ولا تفويض(٢)، بل(٣) أمر بين أمرين(٤).

وروى في ذلك حديثا مرسلا قال: فقيل: وما أمر بين أمرين؟ قال: مثل رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينته فتركته ففعل تلك المعصية، فليس حيث لم يقبل منك فتركته كنت أنت الذي أمرته بالمعصية.

قال الشيخ المفيد - عليه الرحمة -: الجبر هو الحمل على الفعل والاضطرار إليه بالقهر(٥) والغلبة، وحقيقة ذلك إيجاد الفعل في الخلق(٦) من غير أن يكون لهم(٧) قدرة على دفعه والامتناع من وجوده فيه، وقد يعبر عما يفعله الإنسان بالقدرة التي معه على وجه الاكراه له على التخويف والالجاء أنه جبر والأصل فيه ما فعل من غير قدرة على امتناعه منه حسب ما قدمناه، وإذا تحقق القول في الجبر على ما وصفناه كان مذهب أصحاب المخلوق هو بعينه، لأنهم يزعمون [ كان

(١) الاعتقادات ص ٢٩.

(٢) الكافي ١: ١٦٠ / ١٣، التوحيد: ٣٦٢ / ٨، وعنه في البحار ٥: ١٧ / ٢٨.

(٣) (ح): ولكن.

(٤) ( أ ) (ش): الأمرين.

(٥) في بعض النسخ: بالقسر.

(٦) (ش) (ق): الحي.

(٧) (ش) (ق): له.

٤٧
مذهب الجبر هو قول من يزعم ](١) أن الله تعالى خلق في العبد الطاعة من غير أن يكون للعبد قدرة على ضدها والامتناع منها، وخلق فيه المعصية كذلك، فهم المجبرة حقا [ والجبر مذهبهم على ](٢) التحقيق(٣).

والتفويض هو القول برفع الحظر عن الخلق في الأفعال والإباحة لهم مع ما شاءوا من الأعمال، وهذا قول الزنادقة وأصحاب الإباحات، والواسطة بين هذين القولين أن الله تعالى أقدر الخلق على أفعالهم ومكنهم من أعمالهم، وحد لهم الحدود في ذلك، ورسم لهم الرسوم [ ونهاهم عن ](٤) القبائح بالزجر والتخويف، والوعد والوعيد، فلم يكن بتمكينهم من الأعمال مجبرا لهم عليها، ولم يفوض إليهم الأعمال لمنعهم من أكثرها، ووضع الحدود لهم فيها وأمرهم بحسنها ونهاهم عن قبيحها. فهذا هو الفصل بين الجبر والتفويض على ما بيناه.

(١) ليست موجودة في بقية النسخ، وإنما هي من المطبوعة.

(٢) في بعض النسخ: والجبرية مذهبهم في.

(٣) انظر (الدلائل والمسائل - ص ٦٢ - ٦٣ ج ١ ط بغداد) العلامة الشهرستاني.    چ.

(٤) في بعض النسخ: ومنعهم من.

٤٨

فصل: في الإرادة والمشيئة


قال الشيخ أبو جعفر - رحمه الله -(١) (٢) نقول: شاء الله وأراد(٣) ولم يحب ولم

(١) الاعتقادات ص ٣٠.

(٢) عنه في البحار ٥: ٩٠ - ٩١ / ١.

(٣) هذا الفصل من فروع بحث الإرادة، وقد استحق من المتكلمين عناية وعنوانا مفردا على أثر الاختلاف العظيم بين العلماء وزعماء المذاهب في المشيئة الإلهية المذكورة في آيات الذكر الحكيم متعلقة بأمور غير مرضية لديه سبحانه، ثم في تأويلها بوجوه لا تخلو عن التكلف في الأكثر، وأهمها آية الأنعام:

١٤٨ (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون) ثم آية الزخرف: ٢٠ (وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون) وآيات كثيرة توهم تعلق إرادة الخالق بما يستقبحه المخلوق، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

أما السلف الصالح من آل محمد، فلا يسبقهم سابق ولا يلحقهم لاحق في الاصرار على تنزيه الرب سبحانه وتقدسه عن كل ما هو قبيح أو شبه قبيح وشدة استنكارهم تعلق مشيئة الله أو إرادته بشرك أو ظلم أو فاحشة قط، فضلا عن فعله أو خلق فعله أو الأمر به، إذ كل ذلك عندهم خلاف حكمته وعدله وفضله، كذلك الحسيات العامة في البشر تجل ذوي العدل والفضل عن التمدح بإرادة القبائح، فكيف ترمي بها الحرم الإلهي.

أما الجواب عن الآيتين فبأن المقالة فيهما عن لسان المشركين، ومقالة المشركين من شأنها أن تورد للرد عليها لا للأخذ بها، فالآيتان إذن حجتان لأهل العدل لا عليهم، ولا سيما بعد اشتمالهما على ذم القائلين بهذه المقالة ونسبتهم إلى التخرص والجهالة. ش.

٤٩
يرض، وشاء - عز اسمه - ألا يكون شئ إلا بعلمه وأراد مثل ذلك(١).

قال الشيخ المفيد - رحمه الله -: الذي ذكره الشيخ أبو جعفر - رحمه الله - في هذا الباب لا يتحصل، ومعانيه تختلف وتتناقض، والسبب في ذلك أنه عمل على ظواهر الأحاديث المختلفة ولم يكن ممن يرى النظر فيميز بين الحق منها والباطل ويعمل على ما يوجب الحجة، ومن عول في مذهبه على الأقاويل المختلفة وتقليد الرواة كانت حاله في الضعف ما وصفناه(٢). والحق في ذلك: أن الله تعالى لا يريد

(١) الكافي ١: ١٥١ / ٥، التوحيد: ٣٣٩ / ٩.

(٢) ذهبت أنظار العلماء مذاهب شتى في الإرادة والمشيئة المذكورتين في بعض الآيات، فمن قائل إن الإرادة أزلية وعين ذاته سبحانه ومتعلقاتها حوادث تتجدد بتجدد العلاقات الوقتية، فالمشرك بالله اليوم لم تتعلق بهدايته إرادة الله في الأزل بخلاف المؤمن الذي قد تعلقت بهدايته الإرادة الأزلية.

وقائل آخر إن الإرادات الربانية تتجدد بتجدد الكائنات والحادثات، أو أن إرادته (بالأحرى) هي الخلق ما ظهر منه وما بطن، وما قبح منه أو حسن، وثالث في القوم يرى الإرادة والمشيئة عبارتين عن الداعي إلى الفعل أو الداعي إلى تركه، ولا يكون الداعي الإلهي إلا حسنا وصالحا فيريد اليسر ولا يريد العسر ويشاء الإيمان ولا يشاء الكفر، ورابع فيهم لا يرى الإرادة والمشيئة شيئا سوى العلم بالمصلحة أو العلم بالمفسدة، غاية الأمر. مصلحة خاصة ومفسدة مخصوصة، وقد فصلت أقوالهم وأدلتهم في الكتب الكلامية، وما خلافهم هذا إلا فرعا من اختلافهم في أصل الإرادة الإلهية.

وجدير بالمرء أن يقنع في هذه الورطة باعتقاد: أن الله سبحانه مريد فقط ولا يريد شيئا من السيئات والقبائح قط، دون أن يتعمق في كنه الإرادة والمشيئة، هذا ما يقتضيه العقل والعدل وتقضي به ظواهر الكتاب والسنة، فكلما صادفته آية أو رواية مخالفة لهذا الاعتقاد لجأ إلى تأويلها تأويلا مناسبا لأصول البلاغة واللغة ومتفقا مع المذهب، وخير كتاب يسكن النفس ويروي الغليل في هذا المقام كتاب (متشابه القرآن ومختلفه) للعالم الثقة محمد بن شهرآشوب السروي - روح الله روحه.

وقال العلامة الإمام حجة العلم والدين السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي - مد ظله - في رسالته النفيسة (إلى المجمع العلمي العربي بدمشق - ص ٥٠ - ٥٢ ط صيدا) ما نصه: وكفى في فضل ابن شهرآشوب إذعان الفحول من أعلام أهل السنة له بجلالة القدر وعلو المنزلة، وقد ترجمه الشيخ صلاح الدين الصفدي خليل بن أيبك الشافعي، فذكر أنه حفظ أكثر القرآن وله ثمان سنين، وبلغ النهاية في أصول الشيعة، (قال): وكان يرحل إليه من البلاد، ثم تقدم في علم القرآن والغريب والنحو ووعظ على المنبر أيام المقتفي ببغداد فأعجبه وخلع عليه، وقال: وكان بهي المنظر حسن الوجه والشيبة، صدوق اللهجة، مليح المحاورة، واسع العلم، كثير الخشوع والعبادة والتهجد، لا يكون إلا على وضوء (قال): وأثنى عليه ابن أبي طي في تاريخه ثناءا كثيرا، توفي سنة ٥٨٨.

وذكره الفيروزآبادي في محكي بلغته، وأثنى عليه بما يقرب من ثناء الصفدي، وذكر أنه عاش مائة سنة إلا عشرة أشهر.

وعن بعض أهل المعاجم في التراجم من أهل السنة أنه قال في ترجمته: وكان إمام عصره، ووحيد دهره، أحسن الجمع والتأليف، وغلب عليه علم القرآن والحديث، وهو عند الشيعة كالخطيب البغدادي لأهل السنة في تصانيفه وتعليقات الحديث ورجاله ومراسيله، ومتفقه ومتفرقه إلى غير ذلك من أنواعه، واسع العلم، كثير الفنون، مات في شعبان سنة ٥٨٨ ه‍. چ.

٥٠
إلا ما حسن من الأفعال، ولا يشاء إلا الجميل من الأعمال ولا يريد القبائح ولا يشاء الفواحش، تعالى الله عما يقول المبطلون علوا كبيرا.

قال الله تعالى: (وما الله يريد ظلما للعباد)(١) وقال تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)(٢) وقال تعالى: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم)(٣) الآية.

وقال: (والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا

(١) المؤمن: ٣١.

(٢) البقرة: ١٨٦.

(٣) النساء: ٢٦.

٥١
ميلا عظيما)(١).

وقال: (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا)(٢) فخبر سبحانه أنه لا يريد بعباده العسر، بل يريد بهم اليسر، وأنه يريد لهم البيان ولا يريد لهم الضلال، ويريد التخفيف عنهم ولا يريد التثقيل عليهم، فلو كان سبحانه مريدا لمعاصيهم لنافى ذلك إرادة البيان لهم والتخفيف عنهم واليسر لهم، وكتاب الله تعالى شاهد بضد ما ذهب إليه الضالون المفترون على الله الكذب، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

فأما ما تعلقوا به من قوله تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا)(٣) فليس للمجبرة به تعلق ولا فيه حجة من قبل أن المعنى فيه أن من أراد الله تعالى أن ينعمه ويثيبه جزاء على طاعته شرح صدره للاسلام بالألطاف التي يحبوه بها، فييسر له بها استدامة أعمال الطاعات، والهداية في هذا الموضع هي النعيم(٤).

قال الله تعالى فيما خبر به عن أهل الجنة: (الحمد لله الذي هدانا لهذا)(٥) الآية، أي: نعمنا به وأثابنا إياه، والضلال في هذه الآية هو العذاب قال الله تعالى: (إن المجرمين في ضلال وسعر)(٦) فسمى الله تعالى العذاب ضلالا والنعيم هداية، والأصل في ذلك أن الضلال هو الهلاك والهداية هي النجاة.

(١) النساء: ٢٧.

(٢) النساء: ٢٨.

(٣) الأنعام: ١٢٥.

(٤) في بعض النسخ: التنعيم.

(٥) الأعراف: ٤٣.

(٦) القمر: ٤٧.

٥٢
قال الله تعالى حكاية عن العرب: (أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد)(١) يعنون إذا هلكنا فيها وكان المعنى في قوله: (فمن يرد الله أن يهديه) ما قدمناه وبيناه، (ومن يرد أن يضله) ما وصفناه، والمعنى في قوله تعالى:

(يجعل صدره ضيقا حرجا) يريد سلبه التوفيق عقوبة له على عصيانه ومنعه الألطاف جزاء له على إساءته، فشرح الصدر ثواب الطاعة بالتوفيق، وتضييقه عقاب المعصية بمنع التوفيق، وليس في هذه الآية على ما بيناه شبهة لأهل الخلاف فيما ادعوه من أن الله تعالى يضل عن الإيمان، ويصد عن الاسلام، ويريد الكفر، ويشاء الضلال.

وأما قوله تعالى: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا)(٢) فالمراد به الإخبار عن قدرته، وأنه لو شاء أن يلجئهم إلى الإيمان ويحملهم عليه بالاكراه والاضطرار لكان على ذلك قادرا، لكنه شاء تعالى منهم الإيمان على الطوع والاختيار، وآخر الآية يدل على ما ذكرناه وهو قوله تعالى: (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)(٣) يريد أنه قادر على إكراههم على الإيمان، لكنه لا يفعل ذلك، ولو شاء لتيسر عليه، وكل ما يتعلقون به من أمثال هذه الآية فالقول فيه ما ذكرناه أو نحوه على ما بيناه، وفرار المجبرة من إطلاق القول بأن الله تعالى يريد أن يعصى ويكفر به، ويقتل أولياؤه، ويشتم أحباؤه إلى القول بأنه يريد أن يكون ما علم كما علم، ويريد أن تكون معاصيه قبائح منهيا عنها، وقوع فيما هربوا منه، وتورط فيما كرهوه، وذلك أنه إذا كان ما علم من القبيح كما علم

(١) السجدة: ١٠.

(٢) يونس: ٩٩.

(٣) يونس: ٩٩.

٥٣
كتاب تصحيح إعتقادات الإمامية للشيخ المفيد (ص ٥٤ - ص ٧٠)
٥٤

[ تفسير آيات القضاء والقدر ]

فصل: فيما ذكر الشيخ أبو جعفر في القضاء والقدر


قال الشيخ أبو جعفر - رحمه الله - في القضاء والقدر: الكلام في القدر منهي عنه، وروى حديثا لم يذكر له إسنادا(١) (٢).

قال الشيخ أبو عبد الله المفيد - عليه الرحمة -(٣): عول(٤) أبو جعفر - رحمه الله - في هذا الباب على أحاديث شواذ لها وجوه يعرفها العلماء متى صحت وثبت إسنادها ولم يقل فيه قولا محصلا، وقد كان ينبغي له لما لم يكن يعرف للقضاء معنى أن يهمل الكلام فيه، والقضاء معروف في اللغة وعليه شواهد من القرآن، فالقضاء على أربعة أضرب: أحدها: الخلق، والثاني:

الأمر، والثالث: الإعلام، والرابع:

القضاء [ في الفصل بالحكم ](٥).

فأما شاهد القضاء في معنى الخلق فقوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان - إلى قوله -: فقضاهن سبع سماوات في يومين)(٦) يعني خلقهن سبع سماوات في يومين.

(١) الاعتقادات ص ٣٤.

(٢) التوحيد: ٣٦٥.

(٣) عنه في البحار ٥: ٩٧ / ٢٢، ٢٣، ٢٤.

(٤) في بقية النسخ: عمل.

(٥) في بعض النسخ: بالفصل في الحكم.

(٦) فصلت: ١١، ١٢.

٥٥
وأما شاهد القضاء في معنى الأمر فقوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه)(١) يريد أمر ربك.

وأما شاهد القضاء في الإعلام فقوله تعالى: (وقضينا إلى بني إسرائيل)(٢) يعني أعلمناهم ذلك وأخبرناهم به قبل كونه.

وأما شاهد القضاء بالفصل(٣) بالحكم بين الخلق فقوله تعالى: (والله يقضي بالحق)(٤) [ يعني يفصل بالحكم ](٥) بالحق بين الخلق وقوله: (وقضي بينهم بالحق)(٦) يريد وحكم بينهم بالحق، وفصل بينهم بالحق.

وقد قيل إن للقضاء وجها خامسا وهو الفراغ من الأمر، واستشهد على ذلك بقول يوسف - عليه السلام -: (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان)(٧) يعني فرغ منه، وهذا يرجع إلى معنى الخلق، وإذا ثبت ما ذكرناه في أوجه القضاء بطل قول المجبرة أن الله تعالى قضى بالمعصية على خلقه، لأنه لا يخلو إما أن يكونوا يريدون به أن الله خلق العصيان في خلقه، فكان يجب أن يقولوا قضى في خلقه(٨) بالعصيان ولا يقولوا قضى عليهم، لأن الخلق فيهم لا عليهم، مع أن الله تعالى قد أكذب من زعم أنه خلق المعاصي(٩) لقوله(١٠) سبحانه: (الذي أحسن كل شئ خلقه)(١١) فنفى عن خلقه القبح وأوجب له الحسن، والمعاصي قبائح بالاتفاق، ولا وجه لقولهم قضى بالمعاصي(١٢) على معنى أنه أمر بها، لأنه تعالى قد

(١) بني إسرائيل: ٢٣.

(٢) بني إسرائيل: ٤.

(٣) في المطبوعة: في الفصل.

(٤) غافر: ٢٠.

(٥) (ق): أي يحكم بينهم.

(٦) الزمر: ٦٩.

(٧) يوسف: ٤١.

(٨) (ز): الخلق.

(٩) بحار الأنوار ٥: ٩٨.

(١٠) في بقية النسخ: بقوله.

(١١) السجدة: ٧.

(١٢) في بقية النسخ: المعاصي.

٥٦
أكذب مدعي ذلك بقوله: (إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون)(١) ولا معنى لقول من زعم أنه قضى بالمعامي على معنى أنه أعلم الخلق بها إذا كان الخلق لا يعلمون أنهم في المستقبل يطيعون أو يعصون ولا يحيطون علما بما يكون منهم في المستقبل على التفصيل، ولا وجه لقولهم إنه قضى بالذنوب على معنى أنه حكم بها(٢) بين العباد، لأن أحكامه(٣) تعالى حق والمعاصي منهم(٤) ولا لذلك فائدة وهو لغو بالاتفاق، فبطل قول من زعم أن الله تعالى يقضي بالمعاصي والقبائح.

والوجه عندنا في القضاء والقدر بعد الذي بيناه في معناه أن لله تعالى في خلقه قضاء وقدرا وفي أفعالهم أيضا قضاء وقدرا معلوما ويكون المراد بذلك أنه قد قضى في أفعالهم الحسنة بالأمر بها وفي أفعالهم القبيحة بالنهي عنها، وفي أنفسهم بالخلق لها، وفيما فعله فيهم بالايجاد له، والقدر منه سبحانه فيما فعله(٥) إيقاعه في حقه وموضعه، وفي أفعال عباده ما قضاه فيها من الأمر والنهي والثواب والعقاب، لأن ذلك كله واقع موقعه، موضوع في مكانه لم يقع عبثا ولم يصنع باطلا، فإذا فسر القضاء في أفعال الله تعالى والقدر بما شرحناه زالت الشنعة منه، وثبتت الحجة به، ووضح(٦) الحق فيه لذوي العقول، ولم يلحقه فساد ولا إخلال.

(١) الأعراف: ٢٨.

(٢) بحار الأنوار ٥: ٩٩.

(٣) ( أ ) (ح) (ز) (ق) (ش): أحكام الله.

(٤) (ش) (ق): فيهم.

(٥) بحار الأنوار ٥: ٩٩.

(٦) (ش) (ق): وصح.

٥٧

[ تفسير أخبار القضاء والقدر ]


فأما الأخبار التي رواها أبو جعفر - رحمه الله -(١) في النهي عن الكلام في القضاء والقدر فهي تحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون النهي خاصا بقوم كان كلامهم في ذلك يفسدهم ويضلهم عن الدين ولا يصلحهم في عبادتهم إلا الامساك عنه وترك الخوض فيه، ولم يكن النهي عنه عاما لكافة المكلفين، وقد يصلح بعض الناس بشئ يفسد به آخرون، ويفسد بعضهم بشئ يصلح به آخرون، فدبر(٢) الأئمة - عليهم السلام - أشياعهم في الدين بحسب ما علموه(٣) من مصالحهم فيه.

وثانيا(٤): أن يكون النهي عن الكلام في القضاء والقدر النهي عن الكلام فيما خلق الله تعالى وعن علله وأسبابه وعما أمر به وتعبد(٥)، وعن القول في علل ذلك إذا كان طلب علل الخلق والأمر محظورا، لأن الله تعالى سترها عن أكثر خلقه، ألا ترى أنه لا يجوز لأحد أن يطلب لخلقه جميع ما خلق عللا مفصلات فيقول لم خلق كذا وكذا؟ حتى يعد المخلوقات كلها ويحصيها، ولا يجوز أن يقول:

لم أمر بكذا؟ أو تعبد بكذا؟ ونهى عن كذا؟ إذ تعبده بذلك وأمره لما هو أعلم به

(١) عنه في البحار ٥: ١٩٦ / ١ - ٨.

(٢) (ق): وقد أمر.

(٣) (ق): علموا.

(٤) في بقية النسخ: والوجه الآخر.

(٥) بحار الأنوار ٥: ٩٩.

٥٨
من مصالح الخلق ولم يطلع أحدا من خلقه على تفصيل علل ما خلق وأمر به وتعبد، وإن كان قد أعلم في الجملة(١) أنه لم يخلق الخلق عبثا وإنما خلقهم للحكمة والمصلحة، ودل على ذلك بالعقل والسمع.

فقال سبحانه: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين)(٢) وقال:

(أفحسبتم أنا خلقناكم عبثا)(٣) وقال: (إنا كل شئ خلقناه بقدر)(٤) يعني بحق ووضعناه في موضعه وقال: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)(٥) وقال فيما تعبد به: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم)(٦).

وقد يصح أن يكون الله تعالى خلق حيوانا بعينه لعلمه(٧) بأنه يؤمن عند خلقه كفار، أو يتوب عند ذلك فساق، أو ينتفع به مؤمنون، أو يتعظ به ظالمون، أو ينتفع المخلوق نفسه بذلك، أو يكون عبرة لواحد في الأرض أو في السماء وذلك مغيب عنا، وإن قطعنا في الجملة أن جميع ما صنع الله تعالى إنما صنعه لأغراض حكيمة(٨) ولم يصنعه عبثا، وكذلك يجوز أن يكون تعبدنا بالصلاة لأنها تقربنا من طاعته وتبعدنا عن(٩) معصيته، وتكون العبادة بها لطفا لكافة المتعبدين بها أو لبعضهم، فلما خفيت هذه الوجوه(١٠) وكانت مستورة عنا ولم يقع دليل على التفصيل فيها وإن كان العلم بأنها حكمة في الجملة كان النهي عن الكلام في معنى القضاء والقدر إنما هو نهي عن طلب علل لها مفصلة، فلم يكن نهيا عن

(١) بحار الأنوار ٥: ١٠٠.

(٢) الأنبياء: ١٦.

(٣) المؤمنون: ١١٥.

(٤) القمر: ٤٩.

(٥) الذاريات: ٥٦.

(٦) الحج: ٣٧.

(٧) بحار الأنوار ٥: ١٠٠.

(٨) ( أ ) (ق):

حكمية، (ح) (ش): حكمته.

(٩) (ق) (ش): من.

(١٠) بحار الأنوار ٥: ١٠٠.

٥٩
الكلام في معنى القضاء والقدر.

هذا إن سلمنا(١) الأخبار التي رواها(٢) أبو جعفر - رحمه الله.

فأما إن بطلت أو اختل سندها فقد سقط عنا(٣) عهدة الكلام فيها.

والحديث الذي رواه عن زرارة حديث صحيح من بين ما روى، والمعنى فيه ظاهر ليس به على العقلاء خفاء، وهو مؤيد للقول بالعدل(٤) ودال على فساد القول بالجبر، ألا ترى إلى ما رواه عن أبي عبد الله - عليه السلام -(٥) من قوله:

(إذا حشر الله تعالى الخلائق سألهم عما عهد إليهم ولم يسألهم عما قضى عليهم) وقد نطق القرآن بأن الخلق مسؤولون عن أعمالهم(٦)، فلو كانت أعمالهم [ بقضاء الله ](٧) تعالى لما سألهم عنها، فدل على أن قضاء الله تعالى ما خلقه من ذوات العباد وفيهم وأنه تعالى لا يسألهم إلا عن أعمالهم التي عهد إليهم فيها، فأمرهم بحسنها ونهاهم عن قبيحها، وهذا الحديث موضح لمعنى القضاء والقدر فلا وجه [ للقول حينئذ بأنه ](٨) لا معنى للقضاء والقدر معقول، إذ كان بينا حسبما ذكرناه.

(١) في بقية النسخ: سلمت.

(٢) (ح) (ق): بقضائه.

(٣) (ح) (ش): عنها.

(٤) بحار الأنوار: ٥: ١٠٠.

(٥) التوحيد: ٣٦٥.

(٦) بحار الأنوار: ٥: ١٠٠.

(٧) (ق): بقضائه.

(٨) (ق): لقول من زعم أنه.

٦٠