×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التعجّب من أغلاط العامة في مسألة الإمامة / الصفحات: ٤١ - ٦٠

وهذه مناقضة قبيحة، ومباهتة صريحة [، وعكس لأحكام العقول، وقلب للعادات عند ذوي التحصيل ].

ومن عجيب أمرهم: اعتمادهم في إنكار النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) [ على ] أنه لو كان حقا قد أعلن به على رؤوس الأشهاد، ولنقله الخاص [ منهم ] والعام، ولم يقع [ فيه ] بين الأمة اختلاف، وقولهم: [ إن ] وجود الاختلاف [ فيه ] دلالة على أنه لم ينص عليه.

هذا مع علمهم بأن النبي (صلى الله عليه وآله) نص على عبادات كثيرة وأظهرها، وأعلمها أمته وشهرها، ثم اختلفت الأمة فيها، ولم تتفق عليها.

ومن ذلك الوضوء الذي عرفهم كيفيته وشرحه، وكرر فعله بحضرتهم وأوضحه، وهو فرض عام لجميعهم، يترادف وجوبه عليهم، ويتكرر فعله منهم، فلم يتفقوا عليه، ولا صدق بعضهم بعضا فيما يروونه (١)، فمنهم من مسح أذنيه، ومنهم من أنكر ذلك وبدع فاعليه، ومنهم من مسح بعض رأسه، ومنهم من مسح جميعه، ومنهم من مسح رجليه، فقال: لا يجوز غير غسلهما، ومنهم من يروي أن الفرض غسلها، ومنهم من مسح على خفيه، ومنهم من أنكر ذلك وضلل، وكل ذلك ينسب قوله وفعله إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ومن ذلك الأذان على اشتهاره بين الناس، وسماعهم له في اليوم والليلة خمس دفعات، ينادي بهم للصلاة وهم فيه وفي الإمامة على غاية الاختلاف، بين زيادة ونقصان وتبديع بعضهم بعضا في الخلاف.

ومن ذلك أحكام الصلاة التي نص لهم على جملتها وتفاصيلها، وعلمهم بالقول والفعل وكيفيتها، وكان يصلي بهم حضرا وسفرا فلم يتفقوا فيها،

(١) في " ح ": يرويه.

٤١
فقال بعضهم: يرفع يديه مع كل تكبيرة، وقال آخرون: إنما رفعها في تكبيرة الافتتاح، وقال بعضهم: جهر به ببسم الله الرحمن الرحيم، وقال آخرون: لم يجهر بها، وقال قوم: كبر على الميت أربعا، وقال قوم: خمسا.

ونحو ذلك من العبادات التي قد نص عليها، وشهر أمرها، فلم يتفقوا فيها، ويعلمون أنه (صلى الله عليه وآله) قد حج حجة الوداع، وأعلن بما فعله فيها على رؤوس أشهاد الناس، فلم يتفقوا على صفة حجه، ولا صدق بعضهم بعضا في كيفية فعله، فمنهم من يقول: أفرد، ومنهم من يقول: قرن، ومنهم من يقول: تمتع، وقد قطع بحضرتهم السارق، ورأوا ما فعل ذلك بعد أن نص لهم على حكم القطع نصا قطع به العذر، فلم يتفقوا على مقدار ما يقطع من اليد حتى أن منهم من يقول: يقطع من أصول الأصابع، ومنهم من يقول: من الزند، ومنهم من يروي: من المرفق، ويروي قوم: من الكتف.

وغير ذلك من الخلف الذي يطول به الوصف، مما ليس يلحقه في نقله ما يلحقهم في نقل النص على الإمام، المتقدم على الأنام، لما فيه من التكلف والمشقة، للشوق إلى نيل الرئاسة على الأمة.

فمن العجب أن يكون الاختلاف في جميع ما ذكرناه من هذه العبادات ليس بدلالة على أنه لم ينص عليها ويكون الاختلاف في النص على الإمام دلالة على أنه لم ينص عليه، وهل هذا إلا تجاهل من الخصوم!؟

ومن عجيب أمرهم، وظاهر مناقضتهم: قولهم: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لو كان نص بالإمامة على رجل بعينه، وشهر بين الأمة شخصه، وأمرهم بطاعته، لم يقع من الصحابة بعد وفاته خلاف أمره، ولا استجازوا مع تقدمهم وفضلهم أن يؤخروا من قدمه، ويعملوا برأيهم الذي يلوح لهم، ويتركوا رأيه، ولا يجوز أن يحدثوا أمرا

٤٢
يقتضي ترك امتثال أوامره.

فإذا قيل لهم: أفلستم مجمعين على أنه (صلى الله عليه وآله) عند وفاته نص على أمارة أسامة بن زيد، وقدمه وعقده على طائفة من وجوه الصحابة، وفرض عليهم طاعته، وأمرهم بالتوجه معه إلى حيث بعثه، وأكد أمره، وحث على تنفيذه، ونادى دفعة بعد دفعة: " أنفذوا جيش أسامة " (١)، ولعن المتخلفين عنه وفيهم أبو بكر وعمر، فلم استدركوا رأيه؟

قالوا: حدث أمر اقتضى ذلك، وبحدوث أحوال علمها الحاضرون، وهذه مناقضة من غلب عقله العصبية!

ومن العجب: استبعادهم مخالفة أكثر الأمة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما أوجبه عليهم من طاعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وترك اتباع من نصبه قدوة للأنام، مع علمهم بخلاف جميع قوم موسى أخاه هارون، واقتدائهم بسواه، وعبادتهم العجل من دون الله، وهارون بينهم يذكرهم الله ويخوفهم، هذا مع ميل أولئك إلى هارون، ونفور هؤلاء من أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأن أولئك خالفوا دليل العقل الذي لا يحتمل التأويل، وهؤلاء خالفوا دليل النص إلى ضرب من التأويل، فما هذا الاستبعاد لولا العصبية والعناد!

ومن عجيب أمرهم: أنهم إذا سمعوا الشيعة تحتج في صحة النص الجلي على

(١) تاريخ مدينة دمشق: ٨ / ٦٢.

وورد بلفظ: " أنفذوا بعث أسامة " في: طبقات ابن سعد: ٢ / ١٩٠. تاريخ مدينة دمشق:

٨ / ٦٢. شرح نهج البلاغة: ٦ / ٢٠٩. كنز العمال: ١٠ / ٥٧٣.

وورد بلفظ: " جهزوا جيش أسامة " في: الملل والنحل: ١ / ٢٩. وصول الأخيار: ٦٨.

مناظرة الشيخ والد البهائي مع أحد علماء العامة في حلب: ٥١.

٤٣
أمير المؤمنين (عليه السلام) بالتواتر الذي نقله الخلف منهم عن السلف، استضعفوا هذه الطريقة، ودفعوا أن تكون دلالة، وبمثلها احتج المسلمون في تثبيت معجزات النبي (صلى الله عليه وآله)، والتحدي بكتاب الله سبحانه، ويزعمون أن هذا النص لو كان حقا، وقد ورد متواترا، لعلمت صحته ضرورة، وهذا بعينه قول الكفار في إنكار التحدي والمعجزات التي ورد بذكرها متواتر الأخبار، ويقولون: لو كان ما تدعون من النص حقا لنقله الكافة، وهم يعلمون أن هذا قول من جحد الملة في إنكار ما كان لنبينا من معجز وآية، ويحيلون جواز الكتمان على الكثرة مع معرفتهم بانتفاء طريق الكفار والملاحدة، ويقولون: إنكم معاشر الشيعة وإن كنتم اليوم لاحقين بالمتواترين في الكثرة فإنكم نقلتم في الأصل عن قلة، ولا يشكون في أن هذا قول الكفار لأهل الملة، كل ذلك لقلة التأمل والنصفة، وعدم التوفيق والمعرفة.

ومن عجيب أمرهم: قولهم: كيف خص الله من تشيرون إليه بالنص بالإمامة، وما سبب هذا التميز، وهل هو بفضل منحصر (١) أم استحقاق أوجبه؟ وينسون أن ذلك عائد عليهم في الأنبياء وتقديم الله تعالى على الأنام، هذا مع ما يطرق أسماعهم من قول الله سبحانه: (والله يختص برحمته من يشاء) (٢).

ومن عجيب الأمور: أنهم يستصغرون الكلام في النص إذا رمنا إثباته، ويستعظمونه إذا ] (٣) راموا بطلانه، فيقولون لمن يثبته: ما هذه العناية المفرطة بهذا الأمر، وإنما هو مسألة فرع، والخلف فيها غير قادح في الأصل، ولا موجب

(١) استظهرها في " ح ": خصه.

(٢) سورة البقرة: ١٠٥.

(٣) ما بين المعقوفين سقط من " ش ".

٤٤
لفسق (١) ولا كفر، وهي كسائر مسائل الفقه؟ وما الحاجة [ إلى ] النص على إمام والأمة (٢) تقيم لأنفسها من تشاء وتختار؟ ويستصغرون الكلام في النص على هذا غاية الاستصغار، ويزهدون الأصاغر في الاطلاع عليه (٣)، ويقللون فائدته [ عند المتشوق ] إليه، حتى إذا تكلموا في إبطاله عظموا الأمر، وقحموا (٤) الخلف وقالوا: هذه المسألة قطب الشريعة، وأصل عظيم في الملة، ومن خالفنا فيها فقد خرج عن الجماعة ودخل في [ أهل ] البدعة، ولهذا لا يعدون (٥) قول من أثبت النص خلافا بين الأمة، ويحذرون من [ قبول ] قول الشيعة، ويوهمون المسترشدين أن (٦) القول بالنص قدح في الشريعة، كل ذلك قلة ديانة، وكثرة خيانة، وبرهان عصبية، ودليل ألف للباطل [ وحمية ].

(١) في " ش ": في الأصل ولا في الفرع لفسق.

(٢) في " ش " لكن الأمة.

(٣) في " ح ": في النص هذا الاستصغار الأصاغر في الاطلاع فيه.

(٤) في " ح ": وتحملوا.

(٥) في " ش ": لا يعد.

(٦) في " ش ": إلى.

٤٥

الفصل الثالث
في (١) أغلاطهم في الاختيار


ومن عجيب أمرهم: اعترافهم بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان مشفقا على (٢) أمته، رؤوفا بمعتقدي (٣) شريعته، مجتهدا في مصالحهم، حريصا على منافعهم، لا يقف في ذلك دون غاية، ولا يقصر عن نهاية، وبهذا وصفه الله تعالى في كتابه حيث يقول جل اسمه: [ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ] (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) (٤)، ثم يزعمون أنه مع ذلك مضى من الدنيا ولم يختر لأمته [ إماما ]، ولا استخلف عليهم (٥) رئيسا، وعول عليهم في اختيار الإمام، وتقديمه على الأنام، مع علمه بأن اختيارهم لا يبلغ اختياره، ورأيهم لا يلحق رأيه، إذ كان أبصر [ منهم ]

(١) في " ش ": ومن.

(٢) في " ح ": شفيقا في.

(٣) في " ش ": بمقتدي.

(٤) سورة التوبة: ١٢٨.

(٥) في " ش ": عليها.

٤٦
بمصالحهم، وأعلم بعواقبهم، وأعرف بمن ينتظم به أمرهم، وينصلح بإقامته شأنهم، فنسبوه (١) (صلى الله عليه وآله) إلى أنه حرمهم اختياره المقرون بالصواب، واقتصر بهم على اختيارهم الذي لا يؤمن معه [ من ] الفساد، وقد نزهه الله تعالى عن هذه (٢) الحال، ورفعه عما يدعيه [ أهل ] الضلال.

ومن عجيب أمرهم: أنهم يعترفون بأن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يرد قط إلى أمته، ولا إلى أحد منها في حياته اختيار الرؤساء، ولا تأمير الأمراء، وأنه كان المتولي بنفسه استخلاف من يستخلفه، وتأمير من يؤمره على مدينته ورعاياه، وجيوشه وسراياه، حتى أنفذ سريته إلى مؤتة (٣) قدم جعفرا (رضي الله عنه) وقال للناس: " إن أصيب فأميركم زيد بن حارثة، وإن (٤) أصيب فأميركم عبد الله بن رواحة " (٥)، من غير أن رد إليهم الاختيار، ولا كلفهم ولا أحدا منهم هذه الحال، ثم يدعون مع هذا أنه وكل إليهم عند مفارقته لهم بالوفاة اختيار الإمام، وإقامة رئيس للأنام، وكلفهم من ذلك بعد وفاته ما لم يكلفهموه في أيام حياته، وهو لو امتحنهم في أيامه فزلوا، و [ لو ] كلفهموه فغلطوا، كان يتدارك فارطهم بيمنه، ويصلح ما أفسدوه ببركته ورأيه، وليس (٦) كذلك من بعده لأنهم لو غلطوا بتقديم من يجب تأخيره وتأخير

(١) في " ش ": فينسبوه.

(٢) في " ح ": ذلك.

(٣) في " ح ": حتى أنه لما أتى مؤتة.

(٤) في " ش ": فإذا.

(٥) تاريخ الطبري: ٣ / ٣٦. تاريخ مدينة دمشق: ١٦ / ٢٣٨. الكامل في التاريخ: ٢ / ٢٣٤، وفيهم:

" إن أصيب زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس ".

وروي في: كتاب سليم بن قيس: ١٩٥. الاحتجاج: ٢ / ٦١. بحار الأنوار: ٤٤ / ٩٩.

(٦) في " ش ": وليسوا.

٤٧
من يجب تقديمه لم يجدوا من يتلافى فارطهم، ويتدارك زللهم، ويصرف عنهم (١) من قد ملكوه أمرهم، وعظم به ضررهم.

ومن عجيب أمرهم: أنهم يعترفون بأن الأمة ليس لها أن تمضي حكما، ولا تقيم على أحد حدا، ولا تنفذ جيشا، ويزعمون أن لها أن تجعل هذه [ الأمور ] لأحدها، وترد إليه [ ما لم ] يرد إليها، وتملكه من الشريعة أشياء لا تملكها، من غير أن يأذن لها في ذلك مالكها، وهذا من أطرف الأمور وأعجبها!

ومن عجيب أمرهم: أنهم فيما ذهبوا إليه من الاختيار قد أجازوا إهمال أمر [ هذه ] الأمة إلى أن يختار علماؤها واحدا، مع أنه (٢) لو اختار أهل مدن مختلفة عدة أئمة وجب عندهم أن يقف أمرهم إلى أن ينظروا من الأولى منهم فيقدموه، ويبطلوا إمامة من سواه ويسقطوه، فإن كان قد عقد لهم في وقت واحد سقطت إمامتهم [ كلهم، فأباحوا بهذا ترك الناس في هذه ] المهلة (٣) بغير إمام، وربما تراخت وطالت واضطرب فيها أمر الأمة، وضاعت وحدثت أمور لا مدبر لها، وتولدت مضارا عامة لا مصلح لفاسدها.

وقيل لهم على (٤) هذا الرأي: لم لا يصبر (٥) أصحاب السقيفة عن المبادرة بالعقد لإمام، والمسارعة التي انفردوا بها عن الأنام ريثما يفرغ بنو هاشم من تجهيز رسول الله (صلى الله عليه وآله) (٦) ومواراته، وقضاء مفترض حقه في مراعاته، حتى إذا

(١) في " ش ": عن.

(٢) في " ش ": إن.

(٣) في " ش ": المدة.

(٤) في " ش ": مع.

(٥) في " ح ": لو لم يصبر.

(٦) في " ح ": تجهز النبي (صلى الله عليه وآله).

٤٨
انتجزت هذه الحال حضروا معهم العقد فشاركوهم في الرأي والأمر، فإنهم إن لم يكونوا أخص بهذا الأمر [ منهم ] فهم فيه شركاءهم، ونصيبهم منه على أقل الوجوه نصيبهم، فقالوا: إنما فعلوا ذلك مبادرة بالأمر الذي يخشى فواته، ويخاف المضرة بتأخيره، مع العلم العام بأنهم ما اضطروا في ذلك الوقت إلى هذا البدار، ولم تختلف الكلمة لولا ما فعلوه اختلافا يعظم به المضار، ولا قصدهم من الأعداء قاصد، ولا أحاط بهم عدو معاند، فما هذه العجلة والبدار، مع ما حكيناه عنهم في شرائط الاختيار، لولا أن القوم اغتنموا الفرصة فانتهزوها، وبادروا المكنة فاختلسوها، وإن مصوبتهم ناقضوا فعلهم، وناصريهم (١) أوضحوا زللهم [، مع أن رأيهم في الاختيار وما ساقهم إليه أحكام التقية في هذا الزمان المخلة بنصبة الإمام، قد أداهم إلى إهمال أمر الأمة وتركهم بغير إمام ].

ومن عجيب أمرهم: قولهم: إن اختيار الأمة إلى العلماء، وأن الجماعة [ التي ] تختارهم [ من ] (٢) الذين لا يغلطون في اختيارهم [ ولا يخطئون في أخبارهم ]، ويعلمون مع هذا أن أبا بكر اختاره أبو عبيدة [ بن الجراح وعمر بن الخطاب ]، وأن عمر اختاره أبو بكر، وأن عثمان اختاره عبد الرحمن (٣)، وليس فيهم من حصل [ في اختياره ] الشرط الذي ذكروا.

(١) في " ش ": وناصبيهم.

(٢) أضفناه لاقتضاء السياق.

(٣) في " ش ": اختاره ابن عوف.

٤٩

الفصل الرابع
[ في أغلاطهم في اختيار أبي بكر ]


ومن عجيب أمرهم: أنهم قصدوا إلى رجل أمر الله بتأخيره، ولم يره أهلا للنيابة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تأدية تسع آيات من سورة براءة إلى أهل مكة، وهم بعض الأمة، [ هذا ] ورسول الله (صلى الله عليه وآله) حي موجود مع قوله (صلى الله عليه وآله): " المؤمنون أكفاء تتساوى دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم " (١)، فلا يراه الله تعالى مع ذلك أهلا لتأدية ذمة، ولا منفذ الأمر فيه مصلحة للأمة، وعزله عن جيش ظهر فيه [ غوله و ] عجزه، ومنعه من سكنى (٢) المسجد وسد بابه، وأخره عن الصلاة التي قدمه بلال إليها بأمر عائشة ابنته، فقدموه بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) رئيسا على جميع أمته، وردوا إليه أحكام ملته، حيث يكون [ تتميم ] تنفيذ الأمم في يديه، وإقامة حدود الشريعة مردودة كلها إليه، ويكون القائم مقام خير خلق الله محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمنفذ لشرعه، إن هذا لشئ عجيب، يحار فيه عقل [ الحازم ] اللبيب!

(١) سنن النسائي: ٨ / ٢٤. المطالب العالية: ١ / ٤٤٤، ح ١٤٨٦. كنز العمال: ١ / ٩٣، ح ٤٠٣.

(٢) في " ح ": ومنعه سكن.

٥٠
ومن عجيب أمرهم: اعتقادهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) أمر الناس بأن يختاروا لأنفسهم إذا اجتمعوا إماما للصلاة، ويروون عنه أنه قال: " اختاروا أئمتكم فإنهم وفدكم (١) إلى الله عز وجل " (٢).

وقال: " يؤمكم أقرؤكم " (٣).

وفي خبر آخر: قالوا له: فإن كانوا في القراءة سواء؟ قال: " فأفقههم (٤) وصاحب المسجد أولى بمسجده " (٥).

ثم يروون مع ذلك أن من الواجب تقديم أبي بكر على أمير المؤمنين (عليه السلام) إماما، ويعتقدون أنه أولى منه بالتقديم على الناس في الصلاة مع علمهم بأن أبا بكر لم يكن حافظا لكتاب الله وأن أمير المؤمنين كان حافظا [ له ] بغير خلاف، ولم يكن أبو بكر فقيها وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) أفقه منه ومن جميع الأمة بغير خلاف، ومع علمهم بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سد جميع (٦) أبواب الصحابة التي كانت إلى المسجد (٧) حتى سد باب عمه العباس (رحمه الله) وترك باب علي (عليه السلام)، وقال: " إن الله تعالى أمر

(١) في " ش ": وفودكم.

(٢) المعجم الكبير: ٢٠ / ٣٢٨، ح ٧٧٧. مجمع الزوائد: ٢ / ٦٤.

(٣) سنن أبي داود: ١ / ١٥٩ - ١٦٠، ح ٥٨٥. السنن الكبرى للبيهقي: ٣ / ١٢٥.

(٤) في " ش ": فأفهمهم. وروي كلامه (صلى الله عليه وآله) هذا بعدة ألفاظ، منها: فأعلمهم بالسنة، فأقدمهم هجرة، فأقدمهم قراءة، فأقدمهم سنا...

انظر: صحيح مسلم: ١ / ٤٦٥، ح ٢٩٠ و ٢٩١. سنن أبي داود: ١ / ١٥٩، ح ٥٨٢ - ٥٨٤.

المعجم الكبير: ١٧ / ٢١٨ - ٢٢٥، ح ٦٠٠ - ٦٢١.

(٥) دعائم الإسلام: ١ / ١٥٢. الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا (عليه السلام): ١٤. مستدرك الوسائل:

٦ / ٤٧٥، ح ٢ و ٤.

(٦) زاد في " ش ": الأبواب إلا باب علي (عليه السلام).

(٧) في " ش ": للمسجد.

٥١
موسى بن عمران أن يتخذ بيتا طهرا لا يجنب فيه إلا هو (١) وهارون وابناه شبر وشبير، وأنه أمرني [ أن ] أتخذ بيتا طهرا لا يجنب فيه إلا أنا وعلي وابناه الحسن والحسين (عليهم السلام) " (٢)، فاجتمعت الخصال الموجبة لتقدم أمير المؤمنين (عليه السلام) إماما في الصلاة، فلم يختاروه (٣)، وكان الصواب عندهم أن يؤخروه، وعدمها كلها أبو بكر فاختاروه وقدموه، إن هذا لهو الرأي المعكوس!

ومن العجب: أن يردوا الأمر والنهي والحل والعقد وتنفيذ أحكام الشرع (٤) وإقامة الحدود في الخلق إلى من [ قد ] عرفوا ضعف فهمه، وعدم فقهه وعلمه، وفساد حفظه، وقلة تيقظه، ومن يقر بذلك على نفسه، ويعترف بكثرة زلله وخلله وقلة علمه، وبقوله (٥) على رؤوس الأشهاد: " وليتكم ولست بخيركم، فإن استقمت فاتبعوني، وإن اعوججت فقوموني، فإن لي شيطانا يعتريني عند غضبي، فإذا رأيتموني مغضبا فتجنبوني، لا أوثر في أشعاركم و [ لا ] أبشاركم " (٦)، ثم يسأل عن الكلالة، فلا يعلمها، وعن الأب فلا يفهمه، والفقه فلا يخبره، والقرآن فلم يكن يحفظه، والشجاعة ففي معزل عنها، والرئاسة فليس من أهلها، ومن إذا كشفت أحواله، وتتبعت أفعاله، وجدت (٧) ما ذكرناه بعض صفاته، فيقدم على الكافة، وتجعل يده منبسطة على جميع أهل القبلة، ويقال

(١) في " ش ": أنت.

(٢) الدر المنثور: ٤ / ٣٨٣.

(٣) في " ش ": يختاروه.

(٤) في " ش ": الأحكام الشرعية.

(٥) في " ش ": إنه يقول.

(٦) تاريخ الطبري: ٣ / ٢٢٤. شرح نهج البلاغة: ١٧ / ١١٠.

(٧) في " ش ": وجد.

٥٢
كتاب التعجب من أغلاط العامة في مسألة الإمامة للكراجكي (ص ٥٣ - ص ٦٧)
٥٣

ومن العجب (١): قول قريش: إن الخلافة لا تكون إلا حيث كانت النبوة (٢)، وإنما يستحقها بذلك، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قريش، ولم يعلمها (٣) أحد [ من الأنصار ] في الحال، إن بني هاشم أولى منكم بها على هذه الحجة، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) من بني هاشم، لكن صرفهم [ عن ] أن يحاجوهم بهذا اتفاق [ جميع ] من حضر السقيفة على صرف الأمر عن أهله ومنعه عن (٤) مستحقه.

وقد روي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال في كلام له أنفذه إلى معاوية: " فما راعني إلا والأنصار قد اجتمعت، فمضى إليهم أبو بكر فيمن تبعه من المهاجرين (٥) فحاجهم بقرب قريش من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإن (٦) كانت حجته عليهم بذلك ثابتة فقد كنت أنا [ إذا ] أحق بها من جماعتهم، لأني أقربهم منه وأمسهم به رحما، وإن لم يجب لي بذلك فالأنصار على حجتهم (٧) " (٨).

وروي عنه (عليه السلام) أنه قال:


فإن كنت بالشورى ملكت أمورهمفكيف بهذا والمشيرون غيب

(١) في " ش ": بل من العجب.

(٢) في " ح ": إلا من حيث النبوة.

(٣) في " ح ": ولم يقل لها.

(٤) في " ش ": من.

(٥) في " ش ": فيمن معه من الأنصار.

(٦) في " ش ": قد.

(٧) في " ش ": فالأنصار على دعواها لحجتهم.

(٨) لم أجده بهذا اللفظ، نعم وجدت في نهج البلاغة: ٣٨٧، كتاب رقم ٢٨ قوله (عليه السلام):... ولما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله (صلى الله عليه وآله) فلجوا عليهم، فإن يكن الفلج به فالحق لنا دونكم، وإن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم.

وانظر تاريخ الطبري: ٣ / ٢١٨ وما بعدها.

٥٤

وإن كنت بالقربى حججت خصيمهمفغيرك أولى بالنبي وأقرب (١)

وقيل (٢): إنه قول [ قيس بن ] سعد [، وإنما تمثل به أمير المؤمنين (عليه السلام).

وقد أخذ الكميت (رحمه الله) هذا المعنى فقال:


فإن هي لم تصلح لخلق سواهمفإن ذوي القربى أحق وأوجب (٣) ]

وحفظ عنه (عليه السلام) أنه قال في احتجاجهم أيضا لصحبته النبي (صلى الله عليه وآله) (٤): " واعجباه!

أتكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالقرابة " (٥)؟ ولسنا نرى على جميع الأمور أحدا هو أولى بها من المغضب (٦) المهجور.

والعجب كله لقوم رأوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد ولى عمرو بن العاص وأسامة بن زيد على أبي بكر ثم يولونه على أمير المؤمنين (عليه السلام) والعباس (رضي الله عنه).

ومن عجيب أمرهم: دعواهم أن إمامة أبي بكر ثبتت عن إذن (٧) من أهل الحل والعقد، وتأمل واختيار، هذا مع سماعهم قول عمر بن الخطاب: " كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين (٨) شرها، فمن عاد إلى مثلها (٩)

(١) نهج البلاغة: ٥٠٣. شرح نهج البلاغة: ١٨ / ٤٣٧. بحار الأنوار: ٢٩ / ٦٠٩. ديوان الإمام علي (عليه السلام): ١٢.

(٢) في " ش ": وروي.

(٣) الروضة المختارة: ٣٤. وفيه: لم تصلح لقوم... أحق وأقرب.

(٤) في " ح ": بصحبته رسول الله (صلى الله عليه وآله).

(٥) نهج البلاغة: ٥٠٢، حكمة ١٩٠. وفيه: بالصحابة والقرابة.

(٦) في " ش ": المغتصب.

(٧) في " ش ": ارتياء.

(٨) في " ش ": الناس.

(٩) في " ح ": مثله.

٥٥
فاقتلوه " (١)، فشهد بأنها (٢) كانت قد وقعت بغتة من غير روية، وحصلت فجأة عن عجلة من غير مشورة، وفي هذا غاية الذم [ لها ]، والتكذيب لهم فيما ادعوه فيها مع التهديد (٣) بسفك دم من عاد إلى مثلها، وليس يشك عاقل في أن الفلتة التي هي العجلة والبدار تضاد ما يدعون من التأمل والاختيار.

ومن عجيب أمرهم: دعواهم أن الأمة اجتمعت على إمامة أبي بكر مع علمهم بقلة عدد العاقد (٤) لها، وتأخر من تأخر عنها، وإنكار المنكرين لها، والخلف الواقع فيها في حال السقيفة وبعدها، فيقولون:

إن من خالف من الأنصار، وتأخر من بني هاشم الأخيار، مع وجوه الصحابة وأعيانهم، وبني حنيف بأسرهم، وما ظهر من إنكارهم أمارته (٥)، وخلافهم كلهم شذاذ لا يخرقون الإجماع، [ ثم ينكرون أن يكون الإجماع ] حصل على حصار عثمان وخلعه (٦)، وتكفيره وقتله، ولم يكن بالمدينة من أهلها ولا ممن كان بها من أهل مصر وغيرهم إلا محارب أو خاذل، ولم يحفظ في الإنكار عليهم قول لقائل. ويدعون أنه وعبيده المحاصرين معه في الدار ومروان ابن عمه قادحون في الإجماع. هذا، وقد رام قوم من بني أمية أن يصلوا عليه فلم يتمكنوا، وهموا أن يدفنوه في مقابر المسلمين، فلم يتركوا حتى مضوا [ به ] إلى

(١) أنساب الأشراف: ٢ / ٢٦٤. تاريخ الطبري: ٣ / ٢٠٥. شرح نهج البلاغة: ٢ / ٢٧٥. نهج الحق:

٢٦٤. تاريخ الخلفاء: ٦٧.

(٢) في " ح ": فشهدوا أنها.

(٣) في " ح ": ادعوه من التهديد.

(٤) في " ح ": عدد المعاقد.

(٥) في " ش ": إمامته.

(٦) في " ح ": وقلعه.

٥٦
حش كوكب (١) وهو بستان بقرب البقيع، ثم أتوا [ به ] ليحتزوا (٢) رأسه فصاح نسوة من أهله [ وضربن وجوههن ] فتركوه، وداسه عمير بن ضابئ فكسر ضلعا من أضلاعه، وبقي مكانه مرميا (٣) ثلاثة أيام لم يستعظم [ ذلك ] في بابه مستعظم، ولا أنكره منكر، ومن تأمل هذه (٤) الحال علم أنها أحق وأولى بالإجماع (٥).

(١) ذكر في مراصد الاطلاع: ١ / ٤٠٥ أنه اشتراه عثمان. وذكر الطبري في تاريخه: ٤ / ٤١٢ أن اليهود كانت تدفن فيه موتاهم.

(٢) في " ح ": ليجزوا.

(٣) في " ش ": ملقى.

(٤) في " ح ": هذا.

(٥) تاريخ الطبري: ٤ / ٤١٢. الكامل في التاريخ: ٣ / ١٨٠.

٥٧

[ الفصل الخامس
في أغلاطهم في الإمام ]


فمن عجيب أمرهم: أنهم قصدوا إلى من رد إليه النبي (صلى الله عليه وآله) جيشا فلم يحسن أن يدبره ورجع منهزما [ فارا ] فيجعلونه إمام الأنام، ويردون إليه تدبير الجيوش العظام، ويصيرونه قبة (١) للإسلام، وسندا في الأمور الجسام، إن هذا لضد الصواب!

(١) في " ح ": فتنة.

والقب: رئيس القوم وسيدهم، وقيل: هو الملك، وقيل: الخليفة، وقيل: هو الرأس الأكبر. (لسان العرب: ١ / ٦٥٨ - قبب -).

٥٨

الفصل السادس
في أغلاطهم (١) في علم الإمام


فمن عجيب أمرهم: [ قولهم: ] إن الإمام قدوة في الشريعة مع جواز جهله ببعضها، ولا يجيزون أن يكون [ قدوة ] فيها مع جهله بجميعها، وقولهم إنه يرجع في البعض الذي لا يعلمه إلى الأمة، ولا يجيزون أن يرجع في الكل إذا لم يعلمه إلى أحد من الأمة، ولسنا نجد فرقا بين حاجته إلى رعيته في بعض [ ما ] لا يعلمه، وبين حاجته إليهم في كل [ ما ] لا يعلمه.

بل من العجب: أن يكون الإمام محتاجا إلى من هو محتاج (٢) إليه، مقتديا برعية يقتدون به، لأن هذا عند العقلاء من المناقضة القبيحة.

ومن عجيب أمرهم: أنهم يروون عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " ما ولت أمة قط أمرها رجلا (٣) وفيهم [ من هو ] أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالا (٤)،

(١) في " ش ": من غلطهم.

(٢) في " ح ": يحتاج.

(٣) في " ش ": جاهلا.

(٤) السفال: الانحطاط والتدهور.

٥٩
حتى (١) يرجعوا إلى ما تركوا " (٢)، ثم يروون مع ذلك أن يتولى الأمر العاجز الناقص، ويتقدم الجاهل على العالم.

ويروون عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " من تولى شيئا من أمور المسلمين فولى رجلا شيئا من أمورهم وهو يعلم مكان رجل هو أعلم منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين " (٣)، ثم إنهم يعلمون مع ذلك أن أبا بكر وعمر لم يوليا في أيامهما عليا (عليه السلام) [ شيئا ] مع معرفتهما بكمال علمه (٤)، ويقدمان الجهال في الولايات عليه، ولا يستدلون بذلك على خيانتهما لله ولرسوله [ وللمؤمنين ]، ولا يكتفون به في العلم ببغضهما له (عليه السلام)، وليس يخفى على العاقل [ أنهما ] إن كانا رغبا عن ولايته فقد خانا الله ورسوله، وإن كان هو الراغب عن أن يتولى من قبلهما فكفى بذلك طعنا عليهما.

ومن عجيب أمرهم: قولهم: إن علوم الشريعة [ معروفة و ] مفترقة في الأمة، وأنها قد أحاطت بها، وهي الملجأ والمفزع فيها مع ما يدعون من عصمتها، ويستعظمون قولنا: إن الإمام هو المحيط بها والعالم بجميعها، والملجأ والمفزع فيها [ إليه ]، وهو المسدد المعصوم دونها، ويظلون من قولنا متعجبين، ويقيمون

(١) في " ش ": وهم.

(٢) أخرجه في بحار الأنوار: ٧٢ / ١٥٥ نقلا عن كتاب البرهان في النص الجلي على إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) للشيخ أبي الحسن علي بن محمد العدوي الشمشاطي النحوي.

وأخرجه في مستدرك الوسائل: ١١ / ٣٠، ح ٤ عن بحار الأنوار.

انظر ترجمة الشيخ أبي الحسن علي العدوي الشمشاطي في: رجال النجاشي: ٢٦٣، رقم ٦٨٩. أعيان الشيعة: ٨ / ٣٠٧. معجم المؤلفين: ٧ / ٢٠٣.

(٣) المعجم الكبير للطبراني: ١١ / ١١٤، ح ١١٢١٦. مجمع الزوائد: ٥ / ٢١١.

(٤) في " ش ": علي.

٦٠