×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التعجّب من أغلاط العامة في مسألة الإمامة / الصفحات: ٦١ - ٨٠

أنفسهم في ذلك مقام المشركين، الذين قالوا فيما تضمنه الذكر المبين: (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب) (١)، [ وقولهم: (أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب) (٢) ]، وقد أحسن من قال:


وليس لله بمستنكر (٣)أن يجمع العالم في واحد (٤)

ومن العجب: أنهم مع إنكارهم [ كمال ] علم الإمام، واستبعادهم تميزه في ذلك عن الأنام، وقولهم: لم تجر العادة بمثل هذا في بشر مخلوق لا يوحى إليه، ويروون أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " خذوا ثلث دينكم عن عائشة، [ لا ] بل خذوا ثلثي دينكم عن عائشة، لا بل خذوا دينكم كله عن عائشة " (٥)، فيا عجبا كيف ثبت لعائشة هذا الكمال الذي تميزت به عن الأنام، واستحال مثله في الإمام، الذي هو خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) (٦) والحجة بعده على الخاص والعام!

بل من العجب (٧): إنكارهم أن يكون خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) على أمته، والمنفذ بعده أحكام شريعته، حافظا لعلوم الشريعة، محيطا بأحكام الملة، مستغنيا في ذلك عن الرعية، ويدعون أن شيخهم الجاحظ على سخافته وخلاعته (٨)، وقبيح فعله، ومشتهر فسقه، قد عرف كل علم، وصنف في كل فن من فرع وأصل،

(١) سورة ص: ٥.

(٢) سورة ص: ٨.

(٣) في " ش ": بمستكبر.

(٤) القائل هو أبو نؤاس، انظر ديوانه: ٤٥٤.

(٥) تأتي تخريجاته ص ١٣٢.

(٦) في " ش ": خليفة النبي (صلى الله عليه وآله).

(٧) في " ش ": ومن العجب العجيب.

(٨) في " ح ": على سخافته وهزله، وجذاعته وصلاعته.

٦١
وجد (١) وهزل، وأنه لم يبق شئ من علوم الديانات، ومفهوم الرياضات، ورسوم الأدبيات، إلا وقد خاض فيه، وعرف متصرفاته وعجائبه ومعايبه (٢)، حتى إني لم أر أحدا يقول إنه أحاط علما بأسماء تصنيفاته (٣)، ولا علم مبلغ تأليفاته، إن هذا لشئ عظيم (٤)!

ومن عجيب أمرهم: أنهم يسمعون قول النبي (صلى الله عليه وآله) في علي (عليه السلام): " أنا مدينة العلم وعلي بابها " (٥)، وقوله (صلى الله عليه وآله) [ فيه ]: " أقضاكم علي " (٦)، وقوله [ فيه ]:

" علي مع الحق، والحق مع علي، اللهم أدر الحق [ مع علي ] حيثما دار " (٧) ويقطع أعذارهم الإجماع [ على ] فقر الصحابة إليه [ بل وسؤالهم، لمن دونه، وهو ابن عباس الذي كان عمر يفتقر إليه ] في المسائل ويقول [ له ]: " غص يا غواص " (٨) مع اعتراف ابن عباس (رحمه الله) بأنه أخذ عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، [ ومن قوله إذا ذكر عنده: ذاك حديث يأكل الأحاديث، ] ثم إنهم يدعون مع هذا كله أن أمير المؤمنين (عليه السلام) [ لم ] يعرف الحكم في عتق موالي صفية عمته حيث نازعه الزبير بن العوام ورافعه إلى عمر بن الخطاب، حتى عرفه عمر [ الصواب ]، وقال له: إن الزبير أحق [ منه ] بميراث من أعتقته صفية، فرجع إلى قوله، ورضي بحكمه،

(١) في " ح ": وجدل.

(٢) في " ش ": ومعانيه.

(٣) في " ش ": مصنفاته.

(٤) في " ح ": إن هذا لعظيم.

(٥) الفصول المختارة: ١٣٥. المستدرك على الصحيحين: ٣ / ١٢٦ - ١٢٧. بحار الأنوار: ١٠ / ٤٤٥.

(٦) الفصول المختارة: ١٣٥، الصراط المستقيم: ٢ / ٩ و ١٠. بحار الأنوار: ١٠ / ٤٤٥.

(٧) الفصول المختارة: ١٣٥. بحار الأنوار: ١٠ / ٤٤٥.

(٨) تنبيه الخواطر: ٢ / ٥. بحار الأنوار: ٤٠ / ١٩٥.

٦٢
فكيف تصح هذه الدعوى، وأي عاقل يصدقها؟ وكيف يكون من هو باب [ مدينة ] العلم يجهل الصواب في هذا الأمر؟ وكيف يكون من هو أقضى الأمة [ لا يعرف القضاء في هذه الحكومة؟ وكيف يطلب ما ليس له من تقول فيه النبي:

" علي مع الحق، والحق مع علي، اللهم أدر الحق مع علي حيثما دار "، وهو القائل: " سلوني قبل أن تفقدوني، فإن بين ضلوعي علما جما " (١)، فكيف يهديه إلى الصواب عمر بن الخطاب، وعمر يقول بغير خلاف لما رده أمير المؤمنين (عليه السلام) عن مواضع ظهر منه فيها الأغلاط: " لولا علي لهلك عمر " (٢)؟ وهل حكومة عمر

(١) أمالي الصدوق: ٤٢٢ - ٤٢٥. الاختصاص: ٢٣٥. بحار الأنوار: ١٠ / ١١٧، ح ١.

(٢) لقد قال الخليفة الثاني مثل هذا مرارا وفي مواقف كثيرة وبألفاظ شتى: اللهم إني أعوذ بك من عضيهة ليس لها علي عندي حاضرا، اللهم لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب، عجزت النساء أن تلد مثل علي بن أبي طالب، كل الناس أفقه منك يا عمر، لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها علي، لا عشت في أمة لست فيها يا أبا حسن، لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبو حسن، لولا علي لهلك عمر، و...

انظر: طبقات ابن سعد: ٢ / ٣٣٩. فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل: ٢ / ٦٤٧، ح ١١٠٠.

أنساب الأشراف: ٢ / ١٠٠، ح ٢٩ و ٣٠. المستدرك على الصحيحين: ١ / ٤٥٧. الإستيعاب:

٣ / ٣٩. المقنع في الإمامة للسدابادي: ٧٩. المناقب للخوارزمي: ٨١، ح ٦٥. ترجمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من تاريخ مدينة دمشق: ٣ / ٥٠ - ٥٣، ح ١٠٧٩ - ١٠٨٢.

الفائق للزمخشري: ٢ / ٤٤٥. المناقب لابن شهرآشوب: ٢ / ٣١. صفة الصفوة لابن الجوزي:

٣١٤. أسد الغابة: ٤ / ٢٢ - ٢٣. مطالب السؤول: ٨٢. تذكرة الخواص: ١٤٤. كفاية الطالب:

٢١٧. بناء المقالة الفاطمية: ١٩٤ و ٢٠٢. كشف الغمة: ١ / ١١٨. ذخائر العقبى: ٨٢.

الرياض النضرة: ٣ / ١٦٦. لسان العرب: ١١ / ٤٥٣. نهج الحق وكشف الصدق: ٢٤٠ و ٢٧٧ و ٢٧٨ و ٣٥٠. كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ٣٧٧. المستجاد: ١٢٥. فرائد السمطين: ١ / ٣٥١. تهذيب التهذيب: ٧ / ٣٣٧. الإصابة: ٢ / ٥٠٩. الفصول المهمة: ٣٥.

جواهر المطالب: ١ / ١٩٥ و ٢٠٠. الصواعق المحرقة: ١٢٧. فيض القدير: ٤ / ٣٥٧.

بحار الأنوار: ٣٠ / ٦٧٨ و ٦٧٩ و ٦٩٠ و ٤٠ / ١٤٨ و ١٤٩. مناقب أهل البيت (عليهم السلام) للشرواني:

١٩٣. نور الأبصار للشبلنجي: ٨٨. ينابيع المودة: ١ / ٢٢٧ و ٢ / ١٧٢. الغدير ٦ / ٣٢٧ و ٣٢٨.

إحقاق الحق: ٨ / ٢٥.

٦٣
بضد قوله إلا دلالة على خطأ عمر في حكمه، وإن حكمه إنما مضى لتمكن عمر في وقته، وتعذر خلاف أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما حكم به؟

٦٤

الفصل السابع
في أغلاطهم في العصمة


فمن عجيب أمرهم: أنهم ينكرون عصمة الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) عن سائر الأنام، ويقولون: إن هذه العصمة إن كانت منهم جاز أن تقع في غيرهم فيساويهم في منزلتهم، وإن كانت من الله سبحانه فقد جبرهم واضطرهم ولم يستحقوا ثوابا على عصمتهم، وهم مع ذلك معترفون بأن النبي (صلى الله عليه وآله) معصوم في التأدية والتبليغ، ومعصوم عما سوى ذلك من جميع كبائر الذنوب في حال نبوته وقبلها، وأنها عصمة اختيار يستحق عليها الجزاء، ولا يساويه أحد من أمته فيها!

ومن عجيب أمرهم: إنكارهم لعصمة الأئمة وقولهم إنها لا تقتضي الاختيار!

ومن العجب: قولهم: إن العصمة ثابتة لجميع الأمة، منتفية عن كل واحد منها، مع علمهم بأن آحادهم جماعتها، وأنها إذا كانت مؤمنة بأجمعها كان الإيمان حاصلا لآحادها، ولو كفر جميعها لكان الكفر حاصلا مع كل واحد منها، وقد قال أحد المعتزلة يوما وقد سمع هذا الكلام فرق بين العصمة وما ذكرت من الكفر والإيمان، وذلك أن ما ثبت لكل واحد منها فهو ثابت لجماعتها، وليس كلما ثبت لجماعتها ثابت لكل واحد منها، فلذلك إذا آمن آحادها كان جميعها مؤمنين،

٦٥
وإذا كفر آحادها كان جميعها كافرين، وليس إذا ثبت العصمة لجماعتها يكون آحادها معصومين.

فقلت له: ما رأيت أعجب من أمرك وانصرافك عن مقتضى قضيتك إذا كان ما ثبت لكل واحد من الأمة ثابتا لجميعها فقد ثبت عندي وعندك الحكم على كل واحد منها بجواز الخطأ والنسيان وتعمد الغلط في الأفعال والأقوال، فاحكم بثبوت ذلك لجميعها وأسقط ما ادعيت من عصمتها، فلم يدر ما يقول بعد هذا.

ومن عجيب أمرهم، وطريف رأيهم: قولهم: إن الأمة معصومة، وقولها حجة، وهي مفتقرة مع ذلك إلى إمام، وإمامها غير معصوم، ولا قوله حجة، وليس هو مفتقر إلى إمام، وهذا من أعجب الأقوال!

ومن عجيب المناقضة: أن يكون لها إمام ولا يكون ارتفاع العصمة عن الإمام موجبا أن يكون له إمام، ولا يكون أيضا غناية عن الإمام يقتضي تميزه بالعصمة عن الأنام، إنهم جعلوا حجتهم في عصمة الأمة وفي أن إجماعها صواب وحجة خبرا نسبوه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو أنه: " لا تجتمع أمتي على ضلالة " (١) وهذا الخبر لا يمكنهم على أصلهم أن يدعوا فيه التواتر إذا كان غير موجب لسامعيه على الضرورة بصحته، فهو لا محالة من أخبار الآحاد، فهم إذا قد جعلوا دليل الدعوى بأن الأمة لا تجتمع على ] (٢) ضلال قول بعضها، والحجة على عصمتها شهادة واحد (٣) منها، ولم يعلموا أن الخلاف في قول جميعها يتضمن الخلاف في قول

(١) الدرر المنتثرة: ١٤٣، ح ٤٥٩. الأسرار المرفوعة: ٥٢، ح ١٦٣. كشف الخفاء: ٢ / ٤٧٠، ح ٢٩٩٩.

(٢) ما بين المعقوفين سقط من " ش ".

(٣) في " ش ": واحدة.

٦٦
بعضها، والتخطئة لسائرها يدخل في التخطئة لواحدها (١)، وهل هم في ذلك إلا كمن ادعى الحجة بإجماع عشرة من الناس على قول أو فعل وجعل دليله على ذلك قول واحد من العشرة ولم يعلم أن المخالف له في الحجة بإجماع العشرة لم يصر إلى ذلك إلا بعد المخالفة له فيمن دون العشرة، إذ لو سلم [ له ] الخصم قول بعضها لم يصح خلافه له في قول جميعها، ولما رأوا أن خبرهم لا يصح كونه في قسم المتواتر على أصلهم (٢)، ولا ينصرف عن إضافته إلى أخبار الآحاد التي لا تثبت بها حجة لدعواهم، اشتد غلطهم، وعظم زللهم، فأداهم إلى القول بأنهم علموا صحته بالإجماع. وهذا من أعجب الأقوال! وهو في المناقضة لاحق في الهذيان، لأن أصل الخلاف إنما هو في الإجماع وهل هو حجة أم لا؟ فكيف يكون الإجماع دليلا لنفسه (٣)، وبرهانا على ما يدعى من صوابه؟! ولو جاز هذا لكانت الدعوى نفسها برهانا، والفتوى بعينها دليلا، وهذا ما لا يخفى فساده على العقلاء. ومما يوضح غلطهم فيه أن الدليل على الشئ يعرف قبل معرفة الشئ، فإذا كانوا لم يعلموا أن الإجماع حجة، وأن الأمة فيما تخبر به معصومة إلا بالخبر [ فقد وجب أن يكونوا عالمين بصحته قبل علمهم بأن الإجماع حجة، وأن الأمة فيما تخبر به معصومة، وإذا كانوا لم يعلموا أن الخبر صحيح إلا بالإجماع ] فقد وجب أن يكونوا عالمين بأن الإجماع حجة قبل علمهم بصحة الخبر فكيف يتقدم المؤخر (٤) ويتأخر المقدم، وهل رؤي قط أعجب من هذا الأمر؟!

(١) في " ش ": والتخطئة لسائرها فيه التخطئة لواحدها.

(٢) في " ح ": أصله.

(٣) في " ح ": على نفسه.

(٤) زاد في " ش ": على المقدم.

٦٧
كتاب التعجب من أغلاط العامة في مسألة الإمامة للكراجكي (ص ٦٨ - ص ٨٢)
٦٨

الفصل الثامن
في (١) أغلاطهم في إمامة المفضول


فمن عجيب أمر القائلين بإمامة المفضول، ومخالفتهم موجبات العقول: أنهم قصدوا إلى من اعترفوا بأنه أشرف الأمة وأفضلها، وأوسعها علما وأكملها، وأنه البصير بسياستها، الخبير بشرائط رئاستها، الذي لم يزل ناهضا بأثقالها، خائضا بحار أهوالها (٢)، مجاهدا مذ كان في نصرتها، عالما بأحكام ملتها، زاهدا في زهرة دنياها، صابرا على عظيم بلواها، متميزا بالمناقب فيها، مبرزا في الفضائل عليها، قد جعل الله أعماله أعلى وأفضل من أعمالها، وثوابه أزكى وأجزل من ثوابها، فمنعوه أعلى المنازل وأجلها، وأشرف الرتب وأفضلها، وهي منزلة الإمامة التي تليق به ويليق بها، وتشهد العقول السليمة بأنه دون الخلائق صاحبها، ورفعوا إليها [ نسبة ] من لا نسبة بينه وبينها، وقالوا: إن [ من ] الحق الواجب ألا يكون [ هذا ] السيد الفاضل رئيسا مقدما، و [ من ] الرأي المصيب أن يكون رعية

(١) في " ش ": من.

(٢) في " ح ": أنوارها.

٦٩
مأموما، ومن السداد والرشاد أن يكون مقتديا بالناقص، متصرفا تحت آراء الجاهل وفي دين الله عز وجل أن يكون من دونه يسوسه ويرعاه، ويأمره وينهاه، ويلزمه طاعته، ويحرم عليه مخالفته.

وهذا والله بهت لأحكام العقول، ولعب في شرع الرسول، وخلاف للعادات، ودفع للضرورات، بل هو حمق ومجانة، وهوى وخدعة (١)، ولو أن أحدنا وصى على ابنه [ من هو في العقل والفهم والنهضة والعلم والصلاح والديانة والورع والأمانة دون ابنه ] لكان عند الناس بمنزلة (٢) المجانين، وفي حيز المخبلين، وما زلنا نسمع العامة تقول: " يأتي على الناس زمان يسلم فيه المعلم إلى الصبيان، ويسوق فيه البغل الطحان (٣) " ونحن نضحك منهم وننكر عليهم قولهم حتى سمعنا قول المعتقدين إمامة المفضول، ومخالفتهم ما تقتضيه العقول (٤)، وقد استغاث منهم أمير المؤمنين (عليه السلام) متظلما، وشكاهم إلى الله تعالى مستعديا، فقال:

" اللهم إني أستعديك على قريش، فإنهم قطعوا (٥) رحمي، وأكفأوا إنائي، وأجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به من غيري، وقالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه، وفي الحق أن تمنعه، فاصبر مغموما، أو مت متأسفا " (٦) في كلام له معروف بعد هذا.

(١) في " ش ": وهذر وخلاعة.

(٢) في " ش ": في منزلة.

(٣) في " ح ": على الطحان.

(٤) في " ح ": ومخالفتهم فيما تفسره لأحكام العقول.

(٥) في النهج: على قريش ومن أعانهم، فإنهم قد قطعوا.

(٦) نهج البلاغة: ٣٣٦، خطبة رقم ٢١٧.

٧٠
ومن عجيب أمرهم: تمحلهم الباطل في الاعتذار لتقديم المفضول على الفاضل وقولهم: إن العاقدين خافوا أن يلي الفاضل (١) عليهم فيرتد إلى الكفر قوم منهم لما في نفوسهم عليه من الأحقاد وما بينه وبينهم من الغوائل (٢) والترات، فوجب تأخيره وتقديم من [ هو ] دونه ليؤمن [ من ] وقوع هذه الحال، وتسكن نفوس من يخاف منهم الارتداد، وينسون عند هذا الاعتذار ما قد أجمعوا معنا عليه، ولم يخالفونا (٣) فيه، من أن الحكيم يجب أن يفعل أفضل الأمور وأعلاها، وأشرفها وأولاها، وإن ضل عندها من ضل، وكفر من كفر، كإرساله سبحانه الأنبياء (عليهم السلام) إلى من يعلم أنهم يقتلونهم ويزدادون في غيهم، وتبليغه أطفالا يعلم من حالهم أنهم يكونوا كفارا إذا بلغهم، وتكليفه قوما قد علم أنهم يضلون إذا كلفهم، فكيف صار من الحكمة والعدل فعل هذه الأمور، وإن ضل معها الجمهور؟ ومن الظلم والجور تقديم الفاضل على المفضول (٤)، خوفا من ضلال قليل من كثير، وإلا انقادوا إلى هذا الفاضل، واتبعوا في ذلك الواجب فتكون الحجة على من خالف وعاند، فكيف نسوا (٥) هذا الأصل الذي تحملوا باعتقاده (٦) بين [ أهل ] العدل؟

أوليسوا مقرين بأن الله تعالى قد علم من قوم موسى (عليه السلام) أنهم يكفرون، إذا قدم

(١) في " ش ": المفضول.

(٢) في " ش ": الطوائل.

(٣) في " ش ": يخالفوا.

(٤) في " ح ": تقديم المفضول على الفاضل.

(٥) في " ش ": نسبوا.

(٦) في " ح ": باعتقادهم.

٧١
عليهم أخاه هارون (عليه السلام)، ويتخذون العجل إلها من دون الله تعالى، ولم ينهه عن تقديمه، ولا منعه من استخلافه وتركه، وفعل الأفضل في حكمته؟ وليس لهم أن يفعلوا فإن الامتحان (١) هو إلى الله تعالى دون العباد وتقديمهم الفاضل وهذه الحال امتحان، لأن هذه العلة تسقط من أيديهم من حيث إن الله تعالى هو الدال على وجوب تقديم الفاضل بدليل العقل والسمع، فإذا هم قدموه، وانقادوا له وأطاعوه، فإنما قدموا من قدمه الله، وأطاعوا من ولاه أمرهم، فهو الممتحن للعباد دونهم، وأما أحقادهم (٢) عليه فإنما كانت في أمور يرضاها الله عز وجل، وهو الآمر بها على لسان رسوله (صلى الله عليه وآله) (٣)، فقد كان يجب أن يكون حقدهم على من [ كان ] هو الأصل فيها [ والآمر بها ] والداعي إليها قاتلهم الله.

أترى لو قالت طائفة من الأمة: لسنا نثبت على الإيمان إلا بأن نخرج الفاضل من بيننا، هل كان يجب إخراجه؟ بل لو قالت ذلك بعد العقد [ له ] هل كان يجب عزله؟ هذا إذا كانوا يعلمون أن قوما عند تقديمه يرتدون فكيف وإنما معهم في ذلك الدعوى من غير يقين والأمر بضد ما يقولون؟ ولقد أحسن شاعرنا حيث يقول:


لو سلموا لعلي الأمر واحتسبوا (٤)ما سل بينهم في الناس سيفان

ومن عجيب أمرهم: اعتمادهم (٥) على هذا الاعتذار مع علمهم باختلاف الناس

(١) في " ح ": وليس لهم أن يقولوا بأن الامتحان.

(٢) في " ح ": هذا وأحقادهم.

(٣) في " ح ": رسول الله (صلى الله عليه وآله).

(٤) في " ح ": لو سلموا لولي الأمر أمرهم.

(٥) في " ش ": ومن العجب اعتمادهم.

٧٢
بأبي (١) بكر لما تقدم، وكراهيتهم له [ مع علمهم ] ومعرفتهم بما كان من أهل اليمامة [ وقولهم: إنهم ارتدوا عن الإسلام حتى أنفذ إليهم أبو بكر خالدا في جيش لقتالهم وقول أهل اليمامة ] لخالد بن الوليد: " والله لا أطعنا أبا (٢) فصيل أبدا "، وقول خالد لهم: " والله لا رفعنا السيف عنكم حتى تسموه (٣) بالفحل الأكبر " (٤) فكان من أمرهم معه ما قد اشتهر من الحرب المبيرة، والفتنة العظيمة، وسفك الدماء، وسبي الحريم، وهلاك من لا يحصى، ثم اختلاف من سواهم [ عليه ] ممن يبسط في ذكره (٥) الخطاب، ويطول بوصفه الكتاب، فما يرى الخلف والارتداد [ حصلا ] إلا بتقديم أبي بكر على الناس.

ومن العجب: نسيانهم عند هذا الاعتذار كراهية القوم (٦) تقديم أبي بكر عمرا عليهم، ونفورهم من نصه عليه (٧)، حتى خوفوه الله عز وجل وقالوا له: ما أنت قائل إذا لقيته وقد وليت علينا فظا غليظا، والله ما كنا نطيقه وهو رعية فكيف إذا ملك الأمر؟ فاتق [ الله ] ولا تسلطه على الناس، فغضب وقال [ لهم ]: أبالله تخوفوني؟ أقول له: يا رب وليت عليهم خير أهلك (٨).

(١) في " ش ": على أبي.

(٢) في " ح ": لأبي.

(٣) في " ح ": تتأمروا.

(٤) تاريخ الطبري: ٣ / ٢٥٣. الفتوح لابن أعثم: ١ / ١٤. البداية والنهاية: ٦ / ٣١٧.

(٥) في " ح ": بذكره.

(٦) في " ش ": الناس.

(٧) في " ح ": نصبه عليهم.

(٨) الطبقات الكبرى: ٣ / ١٩٩. الكامل في التاريخ: ٢ / ٤٢٥. شرح نهج البلاغة: ١ / ١٢٧. الإمامة العظمى: ١٥٠.

٧٣
ومن العجب: [ أن يكون ] فضل عمر بن الخطاب عند أبي بكر يقتضي تقديمه مع العلم بكراهية الناس له، ولا يكون فضل أمير المؤمنين [ علي ] (عليه السلام) عند جميع الأمة يقتضي تقديمه عليهم وإن ظن كراهية بعضهم!

بل من العجب: اعتذارهم في تأخير الفاضل بما قد اعتذروا به مع سماعهم قصة طالوت المذكورة في القرآن (١)، وتلاوتها عليهم ما اتصلت الأيام [ وبقي الأنام ]، ولا ينتبهون بها من رقدة الضلال، حيث كرهه الناس وقالوا: (أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال) فلم تمنع كراهتهم له من تقديمه، وأخبر الله سبحانه عما أوجب رئاسته عليهم (٢) وتقدمه ف: (قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء) (٣) فأخبرهم أن الذي آتاه (٤) من علمه وقوته اقتضى تقديمه في حكمته (٥)، فكيف لم يعتبروا بهذا من قول الله سبحانه وتعالى فيعلموا أنهم على ضلال في تقديم من عرف ضعفه في علمه وجسمه، على من [ قد ] حصل الإجماع على أن الله تعالى قد جعله في بسطة من العلم والجسم كطالوت في قومه.

ومن عجيب أمرهم: أنهم اعترفوا بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) الفاضل [ وأن أبا بكر المفضول، وأقروا بأن الفاضل ] بحكم الله تعالى أعلى الناس قدرا، وأرفعهم محلا وذكرا، وأزكاهم عملا، وأولاهم بالمدح والثناء، وأنه لا يحل استنقاصه،

(١) في " ش ": في كتاب الله.

(٢) في " ح ": بما أوجب رئاستهم عليه.

(٣) سورة البقرة: ٢٤٧.

(٤) في " ش ": أتاهم.

(٥) في " ش ": حكمه.

٧٤
ولا يسوغ ذمه، ثم أجمعوا (١) مع ذلك على كفر الخارجين عن طاعة أبي بكر، واستحلال [ دم ] مانعيه الزكاة وسبي حريمهم، ولم يقيموا للشاك في إمامته عذرا، ثم بسطوا عذر الشاك في إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) والممتنعين عن نصرته، والخارجين عن وجوب طاعته، كسعد بن أبي وقاص، وحسان بن ثابت، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأسامة بن زيد، القاعدين عن معونته، والخاذلين الناس عن نصرته، وتولوهم تولي الصالحين، وقطعوا لهم بالجنات والنعيم المقيم، ولم (٢) يقنعوا بهذا حتى تولوا محاربيه، ومستحلي دمه ودماء أهله وذريته (٣)، الساعين في الأرض بالفساد، والمقيمين الفتنة في البلاد، الذين سعوا في قتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقرفوه (٤) بقتل عثمان [ بن عفان ]، وغصبوا الأموال، وأقاموا عمود الضلال، طلحة والزبير وعائشة ومن انضاف إليهم من الناس، وقالوا: إن هؤلاء الثلاثة تابوا قبل الممات، وإنهم يوم (٥) القيامة يحشرون مع أمير المؤمنين (عليه السلام) [ وهم ] أصفياء له وأحباب، وهذا من المكابرات التي لا يجوز استحسانها (٦) ذوو الديانات، وقد قيل لأحد القائلين بإمامة المفضول: ما تقول فيمن قصد [ إلى أحد ] الثلاثة المفضولين، أبي بكر وعمر وعثمان فلطمه وشتمه؟

(١) في " ش ": وأجمعوا.

(٢) في " ش ": وما.

(٣) في " ش ": مستحلي دمه ودماء أهله وذويه.

(٤) في " ح ": وقذفوه.

وقرفه بكذا، أي أضافه إليه واتهمه به. (لسان العرب: ٩ / ٢٨٠ - قرف -).

(٥) في " ش ": في.

(٦) في " ح ": لا يستحسنها.

٧٥
قال: أقول: إنه [ قد ] كفر.

وقيل [ له ]: فما تقول فيمن قصد إلى هذا (١) الفاضل علي بن أبي طالب (عليه السلام) فحاربه وأجلب عليه واستحل سفك دمه؟

قال: أقول: [ إنه ] قد فسق، وهذا أيضا من العجب!

(١) في " ح ": فيمن إذا قصد هذا.

٧٦

الفصل التاسع
من أغلاط البكرية


فمن عجيب أمرهم وظاهر غلطهم: دعواهم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قدم أبا بكر ليصلي بالناس، وزعمهم أن ذلك دليل على استحقاقه الإمامة العامة على [ جميع ] الأنام بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، [ هذا مع رواياتهم عنه (صلى الله عليه وآله) ]: " إن الصلاة جائزة خلف البر والفاجر " (١) وإقرارهم بأن الإمامة العامة لا تجوز لفاجر.

ومن عجيب أمرهم في ذلك: [ أنهم ] جعلوا الإمامة العامة التي هي الخلافة داخلة في الإمامة الخاصة التي هي إمامة الصلاة، وهذا عكس الصواب، والمعلوم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا نص بالإمامة العامة على رجل كان له أن يصلي بالناس، لأن تقدمه (٢) في الصلاة [ هو ] بعض ما رد إليه، وليس كذلك إذا قدمه للصلاة ببعض الأمة يكون قد رد إليه تنفيذ الأحكام، وتدبير جميع الأنام، لأن هذه الأمور ليست داخلة في الصلاة.

(١) سنن أبي داود: ١ / ١٦٢، ح ٥٩٤.

(٢) في " ح ": التقدم.

٧٧
ومن العجب: أن من جملة ما يروونه عن عائشة قولها: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قام ورجلاه تخطان الأرض (١) وهو متك على رجلين، أحدهما الفضل بن العباس، فأخر أبا بكر عن المحراب، فيجعلون تقديمه ولاية ولا يجعلون تأخيره عزلا، وهذا دليل على أنه لم يقدمه، وأن تقديمه كان من عائشة، ولذلك قال لها ولصويحبتها (٢): " إنكن لصويحبات يوسف " (٣).

ومن عجيب أمرهم: أنهم يجعلون صلاة أبي بكر بمن في المسجد مع عدم اتفاقهم على أنه تممها موجبة له الفضيلة (٤) العظيمة، ومرتبة الخلافة والإمامة، ولا يجعلون ذلك لعبد الرحمن بن عوف مع روايتهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) صلى خلفه وأنه كان مضى ليصلح بين قبيلتين من الأنصار (٥) فعاد وقد فاته صلاة المغرب وقدم الناس عبد الرحمن بن عوف يصلي (٦) بهم، فلما أتى النبي (صلى الله عليه وآله) [ وهو في الصلاة ] صلى خلفه، فلما فرغ قال له الناس (٧): يا رسول الله، أتصلي خلف رجل من أمتك؟!

(١) في " ح ": في الأرض.

(٢) في " ش ": ولحفصة.

(٣) انظر: الموطأ: ١ / ١٧١، ح ١٨٣. مسند أحمد بن حنبل: ٥ / ٣٦١ و ٦ / ٩٦. صحيح البخاري:

١ / ١٦٩ و ١٨٢، و ٤ / ١٨٢، و ٩ / ١٢١. الجامع الصحيح للترمذي: ٥ / ٦١٣، ح ٣٦٧٢. تاريخ الطبري: ٣ / ١٩٦ - ١٩٧. شرح معاني الآثار: ١ / ٤٠٦. الكامل في التاريخ: ٢ / ٣٢٢. البداية والنهاية: ٥ / ٢٣٣. كنز العمال: ٥ / ٦٣٤، ح ١٤١١٦.

(٤) في " ش ": موجبة للفضيلة.

(٥) في " ش ": الأنام.

(٦) في " ش ": فصلى.

(٧) في " ح ": فلما فرغ قالوا.

٧٨
فقال (صلى الله عليه وآله): " ما يموت نبي من أنبياء الله حتى يصلي خلف رجل من أمته " (١)، فيوجبون الخلافة لأبي بكر بصلاته بالناس [ بعد الصلاة ] التي لم يتمها، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) في معزل عنها، ولا يوجبونها لعبد الرحمن وقد صلى عندهم بالناس صلاة تممها والنبي (صلى الله عليه وآله) في جملة من اقتدى [ به ] فيها، وقد سمع أحد البكرية مني هذا الكلام، فقال لي: صلاة أبي بكر أجل وهو بالخلافة أولى من عبد الرحمن وأحق (٢)، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قدم أبا بكر والأمة قدمت عبد الرحمن، فمن قدمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أولى بالأمر ممن قدمه الناس.

فقلت له: إن لخصمك إذا سلم أن (٣) رسول الله (صلى الله عليه وآله) قدم أبا بكر أن يقول: بل صلاة عبد الرحمن أجل وأفضل، وهو بالخلافة أولى من أبي بكر وأحق، لأن تقديم النبي (صلى الله عليه وآله) إنما دل على أنه قد رضيه إماما لمن حضر من أمته في المسجد، وصلاته خلف عبد الرحمن تدل على أنه قد رضيه إماما لنفسه ولأمته، ومن رضيه [ النبي (صلى الله عليه وآله) في الصلاة ] لنفسه وأمته أحق بالخلافة ممن نصبه النبي (صلى الله عليه وآله) إماما في الصلاة (٤) لبعض أمته، فتحير ولم يأت بشئ يحسن أن نذكره (٥).

(١) الطبقات الكبرى: ٣ / ١٢٩.

(٢) في " ش ": وهو أحق بالخلافة وأولى من عبد الرحمن.

(٣) في " ش ": لك.

(٤) في " ش ": لنفسه ولأمته أحق بالخلافة ممن رضيه في الصلاة.

(٥) في " ش ": يذكر.

٧٩

الفصل العاشر
في (١) أغلاطهم (٢) في التقية


فمن عجيب أمر المعتزلة وظاهر [ ظلمهم و ] دعواهم: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يمدح أبا بكر وعمر في وقتهما وبعدهما، وأنه وولده [ وأهله ] وشيعته [ كانوا ] يعظمونهما (٣) ويثنون عليهما، ويجعلون هذه الدعوى دليلا (٤) على صوابهما، ووصى أمير المؤمنين (عليه السلام) ذريته بتقديمهما (٥)، هذا مع المروي المشتهر من ضد هذا، فإذا قيل لهم على وجه تسليم الدعوى: ما ننكر (٦) أن يكون ما [ قد ] ذكرتموه ورد على سبيل التقية منهم ومداراة لهما في وقتهما، واستعظاما لشيعتهما من بعدهما (٧)، استعظموا هذا القول واستبعدوه وأنكروه وجحدوه،

(١) في " ح ": من.

(٢) في " ش ": غلطهم.

(٣) في " ش ": يطيعونهما.

(٤) في " ش ": دلالة.

(٥) في " ح ": ورضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) وذريته بتقدمهما.

(٦) في " ش ": تنكرون.

(٧) في " ح ": لشيعتهم من بعدهم.

٨٠