×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التعجّب من أغلاط العامة في مسألة الإمامة / الصفحات: ١٠١ - ١٢٠

في مقامات عديدة، ونص عليه بالخلافة نصوصا كثيرة، وليس ينكرونه أنه استخلفه على المدينة في غزاة تبوك، وقال له: " إن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك "، وقال له: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " (١)، وهذا منه استخلاف ظاهر مجمع عليه، ويكون أبو بكر خليفة على أمور لم يردها إليه، وإن جاز هذا ليجوزون أن يقولوا: أمير رسول الله لمن لم يؤمره، وقاضي رسول الله لمن لم يستقضه، ووصي رسول الله لمن لم يوص إليه، وقد تعجب أمير المؤمنين (عليه السلام) من استقالة أبي بكر ونصه على عمر حيث قال: " فواعجبا بينما هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته " (٢)، والعاقل يعلم أن هذين الفعلين في غاية التناقض، لأن الاستقالة تدل على التبري والكراهة والنص والرغبة.

ومن العجب: أن يؤمر النبي (صلى الله عليه وآله) عند موته أسامة بن زيد على جماعة من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر ثم يموت ولم يعزله فلا يسمى أمير رسول الله، وتجتمع طائفة فتقدم أبا بكر على سائر الناس ويسمونه خليفة رسول الله.

وقد روي أن أسامة يوما غضب على أبي بكر وقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمرني عليك فمن استخلفك علي؟ فمشى إليه هو وعمر حتى استرضياه فكانا يسميانه مدة حياته أميرا.

(١) صحيح البخاري: ٥ / ٨٩، ح ٢٠٢. صحيح مسلم: ٤ / ١٨٧٠ و ١٨٧١، ح ٣٠ - ٣٢. الجامع الصحيح للترمذي: ٥ / ٦٤٠ و ٦٤١، ح ٣٧٣٠ و ٣٧٣١. سنن ابن ماجة: ١ / ٤٢، ح ١١٥ وص ٤٥، ح ١٢١. مسند أحمد بن حنبل: ١ / ١٧٠ و ١٧٧ و ١٧٩ و ١٨٢ و ١٨٤ و ١٨٥، وج ٣ / ٣٢. كنز الفوائد: ٢ / ١٨١. العمدة لابن البطريق: ١٣٥، ح ١٩٦. بحار الأنوار: ٣٧ / ٢٥٦، ح ٩ وص ٢٦٦، ح ٣٩.

(٢) نهج البلاغة: ٤٨، خطبة رقم ٣، وفيه: فيا عجبا.

١٠١
ومن عجيب أمرهم: تسميتهم عمر بن الخطاب بالفاروق، وليس في نحلته هذا الاسم لأحد منهم حجة، ولا لناصره شبهة، ولا ورد في رواية، ولا أوجبه لعمر دلالة، ولا هو مشتق من بعض أفعاله فيستحقه على وجه الاستحقاق، ولم يسموا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الفاروق وقد قال فيه النبي ويده في يده:

" هذا فاروق أمتي يفرق بين الحق والباطل " (١).

وجاء عنه (صلى الله عليه وآله) أخبار عدة أنه الفاروق الأعظم وجعل محبته فرقا يعرف به المؤمن من المنافق.

وروي عن ابن عمر أنه قال: " ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله إلا ببغضهم عليا (عليه السلام) " (٢). وفي رواية أخرى: " أن محبته علم لطيب المولد، وبغضه علم على خبث المولد "، ولا يسمون علي بن أبي طالب هذا فاروقا ويكون عمر بن الخطاب عندهم فاروقا!

ومن عجيب أمرهم مثل هذا: قولهم: إن عثمان بن عفان ذو النورين، واعتقادهم من نحلته هذا بأنه تزوج بابنتين كانتا فيما زعموا لرسول الله من خديجة بنت خويلد، وقد اختلفت الأقوال فيهما، فمن قائل: أنهما ربيبتاه، وأنهما ابنتا خديجة من سواه، ومن قائل: إنهما ابنتا أخت خديجة من أمها، وإن خديجة ربتهما لما ماتت أختها في حياتها، وقد قال: إن اسم أبيهما هالة، ومن قائل: إنهما ابنتا النبي يعلم أنهما ليستا كفاطمة البتول (عليها السلام) في منزلتها، ولا يدانيانها في مرتبتها، فيسمون عثمان لأجل تزويجه بهما مع ما روي من أنه قتل إحداهما ذا النورين ولا يقولون: إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ذو النورين،

(١) بشارة المصطفى: ٢٤١، ح ٢٤. اليقين: ١٩٤. بحار الأنوار: ٣٨ / ٢١٤ و ٢١٧ و ٢٣٠.

(٢) شرح نهج البلاغة: ٤ / ٢٩٦. بحار الأنوار: ٣٩ / ٣٩٥.

١٠٢
وهو أبو السبطين السيدين الإمامين الشهيدين الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وشنفي العرش، وريحانتي نبي الرحمة، وولدي ابنته فاطمة البتول سيدة نساء العالمين، والأئمة الهادين صلوات الله عليهم أجمعين.

وقد بلغنا أن مجاهدا قال: قيل لابن عباس: ما تقول لعلي بن أبي طالب؟

فقال: " ذاك والله أحد سبق بالشهادتين، وصلى القبلتين، وبايع البيعتين، وأعطى البسطتين، وهو أبو الإمامين الحسن والحسين، وردت عليه الشمس مرتين، وجرد السيف كرتين، فمثله في الأمة كمثل ذي القرنين " (١)، يعني بقوله: " أعطي البسطتين " أن الله تعالى زاده بسطة في العلم والجسم، كما فعل بطالوت من قبل (٢)، وقوله: " وردت عليه الشمس مرتين " يعني في حياة رسول الله وبعده، كذلك قوله: " جرد السيف مرتين "، إنما يريد في حياته لقتال المشركين وبعده لقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.

وينضاف إلى ما ذكره ابن عباس أنه في علمه وعمله ذو الشرفين، وفي سبقه وجهاده ذو الفضيلتين، وقد حاز الحسبين لأنه أول من ولد من هاشميين، فهو صلوات الله عليه أحق من عثمان أن يكون ذا النورين.

ومن عجيب أمرهم: تفضيلهم عائشة بنت أبي بكر على جميع أزواج النبي، وبهجتهم بتسميتها أم المؤمنين، بدعواهم أنها حبيبة رسول الله، وكثرة ترحمهم

(١) روى المفيد في الأمالي: ٢٣٥، ح ٦ عن سعيد بن المسيب، قال: سمعت رجلا يسأل ابن عباس عن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال له ابن عباس: إن علي بن أبي طالب صلى القبلتين، وبايع البيعتين، ولم يعبد صنما ولا وثنا، ولم يضرب على رأسه بزلم ولا قدح، ولد على الفطرة، ولم يشرك بالله طرفة عين...، عنه بحار الأنوار: ٣٢ / ٣٥٠، ح ٣٣٣.

(٢) إشارة إلى قوله تعالى في سورة البقرة: ٢٤٧.

١٠٣
عليها، وإظهارهم الخشوع والبكاء عند ذكرها، ثم لا يذكرون خديجة بنت خويلد وفضلها متفق عليه، وعلو قدرها لا شك فيه، وهي أول من آمن برسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنفقت عليه مالها، وكان يكثر ذكرها، ويحسن الثناء عليها، ويقول: " ما نفعني مال كمالها " (١)، ورزقه الله الولد منها، ولم يتزوج في حياتها إكراما منه لها، ولكثرة ما كان يذكرها قالت له عائشة يوما: تكثر من ذكر خديجة وقد أبدلك الله من هو خير منها؟ فقال (صلى الله عليه وآله): " كلا والله ما بدلت بها من هو خير منها، صدقتني إذ كذبني الناس، وآوتني إذ طردني الناس، وأسعدتني بمالها، ورزقني الله الولد منها، ولم ارزق من غيرها " (٢)، وعائشة مذيعة سر رسول الله التي شهد القرآن بأنها وصاحبتها قد صغت قلوبهما (٣)، وأنهما تظاهرتا عليه وتحاملتا، وقال لها النبي (صلى الله عليه وآله): " تقاتلين عليا وأنت ظالمة " (٤)، مع قول الله تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين) (٥)، وكيف استحقت هذه أن يعلن القول بأنها أم المؤمنين، وينادي بتفضيلها على رؤوس العالمين؟ فإنا لا نعرف فعلا استحقت به هذا التميز، اللهم إلا أن يكون استحقت ذلك بحربها لأمير المؤمنين (عليه السلام)، ومجاهرتها بعداوته، والقدح فيه، وكونها السبب في هلاك تسعة عشر ألفا من المسلمين، وإدخال

(١) أمالي الطوسي: ٤٦٨.

(٢) الإستيعاب: ٤ / ١٨٢٤. كشف الغمة: ٥٠٨ و ٥١٢.

(٣) في قوله تعالى في سورة التحريم: ٤: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما). والمعنى: أي وجد منهما ما يوجب التوبة وهو ميل قلوبهما عن الواجب فيما يخالف رسول الله (صلى الله عليه وآله) من حب ما يحبه وكراهة ما يكرهه، أو أن تتوبا إلى الله مما هممتما من الشتم فقد زاغت قلوبكما.

(٤) منهاج الكرامة: ٣٤.

(٥) سورة هود: ١٨.

١٠٤
الشبهة في الدين على الأصاغر المستضعفين، فلعمري إن لها ميزة عظيمة، استحقت عند القوم هذه الرتبة الجسيمة، فالويل لهم من الله.

ومن عجيب أمر الحشوية، ووقاحتهم في العناد والعصبية: أنهم يقولون: إن معاوية بن أبي سفيان خال المؤمنين، ويقولون: إنه استحق ذلك بسبب أن أخته أم حبيبة بنت أبي سفيان إحدى أزواج النبي الذين هم بنص القرآن للمؤمنين أمهات، ولا يسمون محمد بن أبي بكر خال المؤمنين، بل لا يذكرونه بذكر جميل، وأخته عائشة أعظم أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) عندهم قدرا، وأجل الأمهات في مذهبهم فضلا وذكرا، وليس تدانيها عندهم أم حبيبة، ولا تقاربها، ولا أبوها كأبيها، فلم لا يسمون محمد بن أبي بكر خال المؤمنين ويكون أحق بذلك من معاوية بن أبي سفيان الفاسق اللعين الطليق ابن الطليق؟ لعنه رسول الله، وقال: " إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه " (١)، وكان من المؤلفة قلوبهم، ولم يحفظ قط حسنة يبسط معها في تفضيلهم له عذرا، ولا ورد في الأثر عن النبي تسميته بخال المؤمنين فيصح قولهم (٢).

وبأي وجه استحق معاوية هذا الإكرام دون محمد بن أبي بكر؟ وكيف يجب أن تحفظ أم حبيبة في أخيها معاوية ولم يجب أن تحفظ عائشة في أخيها محمد؟

كلا ليس يخفى على العاقل أن بغضهم لأمير المؤمنين (عليه السلام) حملهم على تفضيل محاربيه، وتبجيل أعاديه ومعانديه، وإهمال ذكر أوليائه، والمنسوبين إليه من

(١) وقعة صفين: ٢١٦ و ٢٢١. تاريخ بغداد: ١٢ / ١٨١. شرح نهج البلاغة: ١٥ / ١١٩. ميزان الاعتدال: ٢ / ٦١٣. اللئالئ المصنوعة: ١ / ٤٢٤ - ٤٢٥.

(٢) انظر: الاحتجاج: ١ / ٤٢٩. روضة الواعظين: ٨٧. الطرائف: ٢ / ٢٢١. بحار الأنوار: ٣٣ / ١٣٢، وج ٣٨ / ٢٣٨.

١٠٥
أصفيائه، وقد علم أن معاوية كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) عدوا وحربا، وأن محمد بن أبي بكر كان له وليا وحزبا، بذلك صار معاوية خالا للمؤمنين، دون محمد بن أبي بكر ربيب أمير المؤمنين، مع ما أنه على الحقيقة واليقين لا يصح أن يكون أحد من إخوة أزواج النبي خالا للمؤمنين، وذلك أن الله تعالى إنما جعل أزواج نبيه أمهات لهم ليحرم عليهم بعده العقد عليهن، فلو كان معاوية عليه الهاوية أو غيره خالا للناس لأجل أن أخته في حكم الأمهات لحرم عليه وطء مؤمنة، لأن الخال لا يحل أن يطأ بنت أخته. أترى لو اجتمع إخوة أزواج النبي (صلى الله عليه وآله)، كعبد الرحمن ومحمد بن أبي بكر أخوي عائشة، وعبد الله وعبيد الله وعاصم ومعاوية بنو عمر بن الخطاب إخوة حفصة، ويزيد ومهاجر ابنا بني أمية أخوي أم سلمة، ومعاوية بن أبي سفيان أخو أم حبيبة، كيف كان يترتبون في منزلة الخؤلة؟ وهل كان بعضهم خالا لبعض، أم هذا النعت مختص بمعاوية فقط؟!

وأيضا قولهم: إن معاوية كاتب الوحي (١)، وقد كان بين يدي النبي أربعة عشر نفسا يكتبون الوحي وأقومهم أمير المؤمنين (عليه السلام)، فبماذا يستحق معاوية هذا النعت دونه ودون غيره من الكتاب؟

وقد علم أن معاوية عليه الهاوية لم يزل مشركا مدة كون النبي (صلى الله عليه وآله) مبعوثا، يكذب بالوحي، ويهزأ بالشرع، وكان باليمن يوم الفتح يطعن على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويكتب إلى أبيه صخر بن حرب يعيره بإسلامه ويقول له: صبوت إلى دين محمد، ومما كتب به إلى أبيه من قبل أن يسلم قوله:


يا صخر لا تسلمن طوعا فتفضحنابعد الذين ببدر أصبحوا مزقا

(١) الطرائف: ٢ / ٢٢٠. سير أعلام النبلاء: ٣ / ١٢٩ - ١٣٠.

١٠٦

خالي وعمي وعم الأم ثالثهموحنظل الخير قد أهدى لنا الأرقا (١)
لا تركنن إلى أمر يكلفناوالراقصات به في مكة الخرقا
فالموت أهون من قول العداة لقدحاد ابن حرب عن العزى إذا فرقا (٢)
فإن أبيت أبينا ما تريد ولاتدعن اللات والعزى إذا اعتنقا (٣)

والفتح كان في شهر رمضان لثمان سنين من قدوم النبي (صلى الله عليه وآله) المدينة، ومعاوية يومئذ مقيم على شركه هارب من النبي (صلى الله عليه وآله)، لأنه كان قد هدر دمه فهرب إلى مكة، فلما لم يجد له مأوى صار إلى النبي (صلى الله عليه وآله) مصير الاضطرار، فأظهر الإسلام قبل وفاة النبي بخمسة أشهر أو ستة أشهر، وطرح نفسه على العباس بن عبد المطلب فسأل فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعفا عنه، ثم شفع له أن يشرفه ويضيفه إلى جملة الكتاب، فأجابه وجعله واحدا من أربعة عشر كاتبا، فكم ترى يخصه من الكتبة في مدة ستة أشهر حتى يستحق هذا النعت بكاتب الوحي، ولولا ما حملتهم عليه العصبية التي أصدت السمع، وأعمت البصر، وليس يلتبس على أهل العقل أن مجرد الكتابة لا يحصل بها الفضل ما لم يقارنها صحيح الإيمان وعقد، لأنه قد كتب لرسول الله عبد الله بن أبي سرح (٤) ثم ارتد مشركا، وفيه نزل:

(١) كذا في المصادر، وفي " ح ":


جدي وخالي وعم الأم ثالثهمقوما وحنظلة المهدي لنا الأرقا

(٢) كذا في المصادر، وفي " ح ":


فالموت أهون من قبل الصبات لناخيل ابن هند عن العزى إذا فرقا

(٣) شرح نهج البلاغة: ٦ / ٣٧٠. الغدير: ١٠ / ٢٣٩. جمهرة خطب العرب: ٢ / ٢٣ - ٢٤. ولم يرد البيت الأخير في جميعها.

وأورد السبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص: ٢٠١ البيتين الأول والثالث.

(٤) هو: عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث القرشي العامري، ارتد فأهدر النبي (صلى الله عليه وآله) دمه.

(سير أعلام النبلاء: ٣ / ٣٣، رقم ٨).

١٠٧
(ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) (١).

وروي أن آخر كتبة الوحي ابن أبي سرح، وارتد من الإسلام ومات على الكفر، ودفن فلم تقبله الأرض (٢)، فكيف حصل لمعاوية هذا النعت وتميز به عن الخلق؟ والمأثور أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعنه على منبره، وأخبر أنه يموت على غير ملة.

فمما روي في ذلك: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قام يخطب أخذ معاوية بيد أبيه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): " لعن الله القائد والمقود " (٣)، أي يوم يكون لهذه الأمة من معاوية ذي الأستاه؟

وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: أتيت النبي (صلى الله عليه وآله) فسمعته يقول: " يطلع عليكم رجل يموت على غير سنتي " (٤)، فطلع معاوية.

وفي خبر آخر: " يطلع عليكم رجل من أهل النار " فطلع معاوية.

وعن جابر، أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " يموت معاوية على غير ملتي " (٥).

ومن طريق آخر: " يموت كافرا ".

واشتهر عنه لم يمت إلا وفي عنقه صليب ذهب وضعه له في مرضه أهون المتطبب وأشار إليه بتعليقه فأخذه من كنيسة يوحنا وعلقه في عنقه.

(١) سورة النحل: ١٠٦.

(٢) صحيح مسلم: ٤ / ٢١٤٥، ح ١٤. الطرائف: ٢ / ٢٢٠.

(٣) تذكرة الخواص: ٢٠١. شرح نهج البلاغة: ١٥ / ١١٨. مجمع الزوائد: ٧ / ٢٤٧. الغدير:

١٠ / ١٩٨ - ١٩٩ و ٢٤٠. جمهرة خطب العرب: ٢ / ٢٣.

(٤) وقعة صفين: ٢٢٠. أنساب الأشراف: ٥ / ١٣٤. تاريخ الطبري: ١٠ / ٥٨ - حوادث سنة ٢٨٤ هـ -، شرح نهج البلاغة: ٥ / ١١٩. الغدير: ١٠ / ٢٠١ و ٢٠٢.

(٥) وقعة صفين: ٢١٧. بحار الأنوار: ٣٣ / ١٨٧.

١٠٨
وروي أيضا أنه تشافى بلحم الخنزير فأكله قبل موته، وغير ذلك مما لا يحصى، وإنما يتأسى القوم هذه الأخبار وأمثالها ولم يلتفتوا إلى شئ منها لما جاهر به معاوية من معاجلة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وتناهيه في جهاده وحربه أنه قتل خيار أصحابه وشيعته، ولعنه على المنابر، وجعل بغضه يتوارث نصا، ولذلك قيل: كاتب الوحي، وخال المؤمنين، والخليفة الحليم، والسميح الكريم، ونسي جميع ما روي فيه بالويل الطويل، ويلهم من رب العالمين.

ومن عجيب أمرهم: أنهم يسمون خالد بن الوليد سيف الله عنادا لأمير المؤمنين (عليه السلام)، أهلك الله بسيفه الكفار والمشركين، والعتاة المتجبرين، وثبت به قواعد الدين، وشد به أزر خاتم النبيين، فقال فيه الرسول (صلى الله عليه وآله): " علي سيف الله، وسهم الله " (١).

وقال هو (عليه السلام) على المنبر: " أنا سيف الله على أعدائه، ورحمته لأوليائه " (٢).

واحتجوا في تسميتهم خالد بن الوليد بخبر رووه عن قتادة أنه لما فعل خالد بن الوليد بأهل اليمامة ما فعل، وبذل فيهم السيف والقتل، وقتل مالك بن نويرة - وهو مؤمن - ظلما، ووطئ امرأته من ليلته، أشار عمر إلى أبي بكر بإقامة الحد، فقال أبو بكر: يا عمر، خالد سيف من سيوف الله (٣)، فسموا خالدا لذلك سيف الله اتباعا لقول أبي بكر، ونسوا أن خالدا لم يزل على الإسلام وأهله، وللنبي (صلى الله عليه وآله) عدوا وحربا، وبالدين والإيمان مكذبا، وبالشرك والإفك متعصبا،

(١) أمالي الصدوق: ٦١، ح ٦. بحار الأنوار: ٣٨ / ٩٠، ح ٣.

(٢) مناقب ابن شهرآشوب: ٣ / ١١٣. بحار الأنوار: ٣٥ / ٦١.

(٣) شرح نهج البلاغة: ١٧ / ١٤١.

١٠٩
كتاب التعجب من أغلاط العامة في مسألة الإمامة للكراجكي (ص ١١٠ - ص ١٢٤)
١١٠
لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) ولولده ولأهل بيته بالبغضة، ثم عمل على احتياله لقتله (١) حتى كفاه الله شره، ولما مضى بسيئ عمله ورث ابنه عبد الرحمن عداوة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبارزه مع معاوية بالحرب، وجاهره ببغضه والمقت حتى هلك إلى النار.

فمن العجب: أن يكون من هذه صفته " سيف الله " وما ترى المخالفين ينقلون من نعوت أمير المؤمنين (عليه السلام) وصفاته إلى أعدائه وشنائه أما سمعوا قاتلهم الله قول النبي (صلى الله عليه وآله): " من لقي الله عز وجل وفي قلبه مقت لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) لقي الله يهوديا " (٢)؟ بلى قد سمعوا هذا، ولكن من عبد هواه أهلكه ضلاله!

ومن العجب: أن تمنع بنو حنيفة من حمل الزكاة إلى أبي بكر ولم يصح عندهم إمامته، فيسمونهم أهل الردة، ويستحلون دماءهم وأموالهم ونساءهم، ثم ينكث طلحة والزبير بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) ويخرجان مع عائشة يستنفرون الخلق عليه،

(١) كذا، والأصوب: ثم احتال لقتله.

(٢) روى الصدوق في عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ٢ / ٦٠، ح ٢٣٤ بإسناده عن الحسن بن علي (عليه السلام)، عن أبيه (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يبغضك من الأنصار إلا من كان أصله يهوديا.

عنه بحار الأنوار: ٣٩ / ٣٠١، ح ١١٣.

وروى الديلمي في فردوس الأخبار: ٣ / ٥٠٨، ح ٥٥٧٩ بإسناده عن معاوية بن حيدة:

من مات وفي قلبه بغض علي بن أبي طالب فليمت يهوديا أو نصرانيا، عنه بحار الأنوار:

٣٩ / ٣٠٥.

وروى شاذان في الروضة في الفضائل: ١٢ بإسناده عن معاوية بن أبي سفيان قال:

سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لعلي (عليه السلام): يا علي، لا تبال بمن مات وهو مبغض لك كان يهوديا أو نصرانيا، عنه بحار الأنوار: ٣٩ / ٢٥٠، ح ١٥.

١١١
ويتناهون مع من تبعهم في حربه، ولا يسمون مع ذلك أهل الردة، ومعلوم أن منع الزكاة يدخل في جملة الحرب، لأن أحدا لا يرى حمل الزكاة إلى من يحاربه ويستحله فيكون على حكمه مانع الزكاة من غير خطأ مرتدين، والذين أضافوا إلى منعها البغي، والمشاقة، وتجريد السيف، وإقامة الفتنة، غير مرتدين!

هذا وقد بلغهم قول النبي (صلى الله عليه وآله): " حربك يا علي حربي، وسلمك سلمي " (١)، وقد علمنا أن من حارب رسول الله (صلى الله عليه وآله) كافر فيجب أن [ يكون ] (٢) من حارب أمير المؤمنين كافرا كذلك.

ومن عجيب أمرهم: أنهم يسمون أنفسهم بالسنة وقد غيروها وبدلوها واستحدثوها بآرائهم وعقولهم ما ليس منها، ويدعون أنهم أهل الجماعة مع أقوالهم المختلفة، وقياساتهم المتضادة، وتكون الشيعة عندهم أهل بدعة، وأقوالهم متفقة، ومعهم النص في كل حاجة!

(١) تلخيص الشافي: ٤ / ١٣٢. شرح نهج البلاغة: ٢ / ٤٦١، وج ١٨ / ٢١٤، وج ٢٠ / ٤٠٢. بحار الأنوار: ٣٢ / ٣٣١.

(٢) أضفناه لاقتضاء السياق.

١١٢

الفصل الثالث عشر
في ذكر بغضهم لأهل البيت (عليهم السلام)


ومن عجيب أمرهم: أنهم يجحدون بغضهم لأهل البيت (عليهم السلام) ووجوههم بها شاهدة، ويدعون محبتهم وجوارحهم لهم مكذبة، ويزعمون أنهم أحق بموالاتهم من الشيعة المؤمنين، وأخص بمودتهم من جميع العالمين، وليس الحق كالبطلان، ولا الصدق كالبهتان، وهيهات أن يجتمع الضدان، أو يحل قلبا واحدا نقيضان.

وقد بلغنا أن رجلا قال لأمير المؤمنين (عليه السلام): أنا أحبك وأتوالى عثمان، فقال له:

" أما الآن فأنت أعور، فإما أن تعمى أو تبصر " (١).

ولعمري ما ودك من توالى ضدك، ولا أحبك من صوب غاصبك، ولا أكرمك مكرم من هضمك، ولأعظمك معظم من ظلمك، ولا أطاع الله فيك مفضل أعاديك، ولا اهتدى إليك مضلل مواليك، النهار فأصح، والمنار واضح، إن كانوا في محبتهم أهل البيت محقين، وفيما ادعوا (٢) من موالاتهم صادقين، فلم

(١) مستطرفات السرائر: ١٤٩، ح ١. بحار الأنوار: ٢٧ / ٥٨، ح ١٧.

(٢) كذا الأصوب، وفي " ح ": ادعوهم.

١١٣
لا تسكن قلوبهم إذا ذكرت مناقبهم، وتثبت عقولهم إذا نشرت فضائلهم؟ ولم صار المتشيع لهم رافضيا شريرا، ومناصبهم العداوة شينا مستورا، وإذا سمعوا من يقول: " اللهم العن ظالمي آل محمد " يغضبون ويقولون: هذا تعريض ورفض، وتشرد وبغض، والمسلم لا يكون لعانا، والأفضل من اللعن التسبيح، وهم مع ذلك يلعنون الشيعة اللعن الصريح، فكيف صار لعن ظالمي آل محمد تعريضا ورفضا، ولعن الشيعة حقا واجبا وفرضا؟ بل كيف صار لعن من يقول: " إن عائشة ظلمت " صوابا يكسب ثوابا، ولم يصر لعن من لا يقول: " إن فاطمة ظلمت " ضلالا يكسب عقابا؟ ولم صارت فضائل أهل البيت (عليهم السلام) إذا وردت متفرقة في خلال أحاديثهم، ومشهورة بين روايات شيوخهم تسمع وتثبت، وإذا انتزعت وتميزت تدفع وتمقت، ومن رواها وحدها كان رافضيا ملعونا؟

ولقد أخبرني القاضي أبو الحسن أسد بن إبراهيم السلمي (١) أنه حضر بمصر مجلس ابن النخاس المحدث فروى فاخرا من أحاديثه يتضمن خبر الليث بن سعد وما فيه من الآية التي رواها [ عن ] (٢) الإمام الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) (٣)

(١) هو أسد بن إبراهيم بن كليب بن إبراهيم الحراني، انظر ترجمته في بغية الطلب: ٤ / ١٥٥١.

وقد تقدم ذكره في مقدمتنا ضمن مشايخ الكراجكي.

(٢) أضفناها لاقتضاء السياق.

(٣) خبر الليث مشهور، وأنه قال: حججت سنة ثلاث عشرة ومائة، فلما صليت العصر رقيت أبا قبيس، وإذا أنا برجل جالس وهو يدعو فقال: " يا رب يا رب " حتى انقطع نفسه، ثم قال: " رب رب " حتى انقطع نفسه، ثم قال: " يا الله يا الله " حتى انقطع نفسه، ثم قال:

" يا حي يا حي " حتى انقطع نفسه، ثم قال: " يا رحيم يا رحيم " حتى انقطع نفسه، ثم قال: " يا أرحم الراحمين " حتى انقطع نفسه سبع مرات، ثم قال: اللهم إني أشتهي من هذا العنب فأطعمنيه، اللهم وإن بردي قد أخلقا.

قال الليث: فوالله ما استتم كلامه حتى نظرت إلى سلة مملوة عنبا، وليس على الأرض يومئذ عنب، وبردين جديدين موضوعين، فأراد أن يأكل فقلت له: أنا شريكك، فقال لي: ولم؟ فقلت: لأنك كنت تدعو وأنا أؤمن، فقال لي: تقدم فكل ولا تخبئ شيئا فتقدمت فأكلت شيئا لم آكل مثله قط وإذا عنب لا عجم له فأكلت حتى شبعت، والسلة لم تنقص، ثم قال لي: خذ أحد البردين إليك، فقلت: أما البردان فإني غني عنهما، فقال لي:

توار عني حتى ألبسهما، فتواريت عنه فاتزر بالواحد، وارتدى بالآخر، ثم أخذ البردين اللذين كانا عليه، فجعلهما على يده ونزل، فاتبعته، حتى إذا كان بالمسعى لقيه رجل فقال: اكسني كساك الله، فدفعهما إليه، فلحقت الرجل، فقلت: من هذا؟ قال: هذا جعفر بن محمد (عليهما السلام).

قال الليث: فطلبته لأسمع منه فلم أجده... انظر: مناقب ابن شهرآشوب: ٤ / ٢٣٢.

صفة الصفوة: ٢ / ١٧٣. تذكرة الخواص: ٣٤٥. مطالب السؤول: ٢ / ٥٩. كشف الغمة:

٢ / ١٦٠. بحار الأنوار: ٤٧ / ١٤١، ح ١٩٤، وج ٩٥ / ١٥٨، ح ٩.

١١٤
قال: ولم أكن أسمع خبر الليث بن سعد منفردا من جملة الحاضرين، لكن سمعته في جملة السامعين، ثم عدت إليه في وقت آخر فسألته أن يملي علي ما رواه فلم يفعل، واتهمني بالتشيع، وأوصى أصحابه أن لا يمكنونني منه، فلم هذا، وما سببه؟ إن كان الخبر كذبا فقد حرمت عليه روايته، وإن كان صدقا فليس له أن يمنع طالبه.

ومن عجيب أمرهم، وظاهر بغضهم لأهل البيت (عليهم السلام): أنهم إذا ذكروا الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) الذي هو ولد رسول الله وريحانته وقرة عينه والذي نحله الإمامة وشهد له بالجنة حذف من اسمه الألف واللام ويقال: " حسن بن علي "، ولأولاده: " أولاد حسن "، استصغارا له، واحتقارا لذكره، ثم يقولون مع ذلك:

" الحسن البصري " فيثبتون في اسمه الألف واللام إجلالا له وإعظاما، وتفخيما لذكره وإكراما، وذلك أن هذا البصري كان متجاوزا عن ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، وهو القائل في عثمان: " قتله الكفار وخذله المنافقون " ولم يكن في المدينة يوم قتله

١١٥
إلا قاتل وخاذل، فنسب جميع المهاجرين والأنصار إلى الكفر والنفاق، وتخلف عن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام)، ثم خرج مع قتيبة بن مسلم في جند الحجاج إلى خراسان.

ومن عجيب أمرهم: دعواهم محبة أهل البيت (عليهم السلام) مع ما يفعلون يوم المصاب بالحسين (عليه السلام) من المواظبة على البر والصدقة، والمحافظة على البذل والنفقة، والتبرك بشراء ملح السنة، والتفاخر بالملابس المنتخبة، والمظاهرة بتطيب الأبدان، والمجاهرة بمصافحة الإخوان، والتوفر على المزاورة والدعوات، والشكر من أسباب الأفراح والمسرات، واعتذارهم في ذلك بأنه يوم ليس كالأيام، وأنه مخصوص بالمناقب العظام، ويدعون أن الله عز وجل تاب فيه على آدم فكيف وجب أن يقضي فيه حق آدم فيتخذ عيدا، ولم يجز أن يقضي حق سيد الأولين والآخرين محمد خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله) في مصابه بسبطه وولده، وريحانته وقرة عينه، وبأهله الذين أصيبوا، وحريمه الذين سبوا وهتكوا، فتجهد فيه حزنا ووجدا، ويبالغ عملا وكدا، لولا البغضة للذرية التي تتوارثها الأبناء عن الآباء؟!

ومن عجيب ما سمعته: أنهم في المغرب بمدينة قرطبة يأخذون في ليلة العاشوراء رأس بقرة ميتة، ويجعلونه على عصا، ويحمل ويطاف به الشوارع والأسواق، وقد اجتمع حوله الصبيان يصفقون ويلعبون، ويقفون به على أبواب البيوت ويقولون: يامسي المروسة، أطعمينا المطنفسة - يعنون القطائف - وأنها تعد لهم، ويكرمون ويتبركون بما يفعلون.

وحدثني شيخ بالقاهرة من أهل المغرب كان يخدم القاضي أبا سعيد ابن العارفي (رحمه الله) أنه كان ممن يحمل هذا الرأس في المغرب وهو صبي في ليلة عاشوراء،

١١٦
فرأى هذا من فرط المحبة لأهل البيت (عليهم السلام)، وشدة التفضيل لهم على الأنام.

وقد سمع هذه الحكاية بعض المتعصبين لهم، فتعجب منها وأنكرها، وقال:

ما يستجيز مؤمن أن يفعلها، فقلت: أعجب منها حمل رأس الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) على رمح عال، وخلفه زين العابدين (عليه السلام) مغلول اليدين إلى عنقه، ونساؤه وحريمه معه سبايا مهتكات على أقتاب الجمال، يطاف بهم البلدان، ويدخل بهم الأمصار التي أهلها يظهرون الإقرار بالشهادتين، ويقولون: إنهم من المسلمين، وليس فيهم منكر، ولا أحد ينفر، ولم يزالوا بهم كذلك إلى دمشق وفاعلو ذلك يظهرون الإسلام، ويقرأون القرآن، ليس منهم إلا من قد تكرر سماعه قول الله سبحانه: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) (١)، فهذا أعظم من حمل رأس بقرة في بلدة واحدة.

ومن عجيب قولهم: إن أحدا لم يشر بهذا الحال، ويستبشر بما جرى فيها من الفعال، وقد رأوا ما جرى قرره شيوخهم، ورسمه سلفهم، من تبجيل كل من نال من الحسين صلوات الله عليه في ذلك اليوم منالا، وآثر في القتل به أثرا، وتعظيمهم لهم، وجعلوا ما فعلوه سمة لأولادهم.

فمنهم في أرض الشام: بنو السراويل، وبنو السرج، وبنو سنان، وبنو الملحي، وبنو الطشتي، وبنو القضيبي، وبنو الدرجي.

وأما بنو السراويل: فأولاد الذي سلب سراويل الحسين (عليه السلام).

وأما بنو السرج: فأولاد الذين أسرجت خيله لدوس جسد الحسين (عليه السلام)، ووصل بعض هذه الخيل إلى مصر، فقلعت نعالها من حوافرها وسمرت على

(١) سورة الشورى: ٢٣.

١١٧
أبواب الدور ليتبرك بها، وجرت بذلك السنة عندهم حتى صاروا يتعمدون عمل نظيرها على أبواب دور أكثرهم.

وأما بنو سنان: فأولاد الذي حمل الرمح الذي على سنانه رأس الحسين (عليه السلام).

وأما بنو المكبري: فأولاد الذي كان يكبر خلف رأس الحسين (عليه السلام)، وفي ذلك يقول الشاعر (١):


ويكبرون بأن قتلت وإنماقتلوا بك التكبير والتهليلا

وأما بنو الطشتي: فأولاد الذي حمل الطشت الذي ترك فيه رأس الحسين (عليه السلام)، وهم بدمشق مع بني الملحي معروفون.

وأما بنو القضيبي: فأولاد الذي أحضر القضيب إلى يزيد لعنه الله لنكت ثنايا الحسين (عليه السلام).

وأما بنو الدرجي: فأولاد الذي ترك الرأس في درج جيرون (٢)، وهذا لعمرك هو الفخر باب من أبواب دمشق إلى الواضح، لولا أنه فاضح.

وقد بلغنا أن رجلا قال لزين العابدين (عليه السلام): إنا لنحبكم أهل البيت، فقال (عليه السلام):

" أنتم تحبونا حب السنورة (٣) من شدة حبها لولدها تأكله ".

(١) هو أبو محمد عبد السلام بن رغبان المعروف ب " ديك الجن "، أصله من مؤتة، وولد في حمص، ترجمه الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب: ٢ / ٢١٢. وورد هذا البيت في أدب الطف: ١ / ٢٨٨.

(٢) سقيفة مستطيلة على عمد وسقائف، حولها مدينة تطيف بها، وهي بدمشق، في وسطها كالمحلة باب الجامع الشرقي إليها يسمى باب جيرون، وقيل: جيرون قرية الجبابرة في أرض كنعان. (مراصد الاطلاع: ١ / ٣٦٦).

(٣) السنور: حيوان أليف من الفصيلة السنورية ورتبة اللواحم، من خير مآكله الفأر، ومنه أهلي وبري، وهي سنورة. (المعجم الوسيط: ١ / ٤٥٤).

١١٨
أترى هذا عن محبة ومصافاة، وخالص مودة وموالاة؟ ألم يروا ما فعل قبل ذلك من لعن أمير المؤمنين (عليه السلام) على المنابر ثمانين سنة ليس فيها مسلم ينكر حتى أن أحد خطبائهم بمصر نسي أن يلعن أمير المؤمنين (عليه السلام) على المنبر في خطبته وذكر ذلك في الطريق عند منصرفه، فلعنه حيث ذكر قضاء لما نسيه، وقياما بما يرى أنه فرض، وقد لزم وبنى في ذلك المكان مسجدا وهو باق إلى الآن بسوق وردان (١) يعرف بمسجد الذكر، وهدم في بعض السنين لأمر من الأمور فرأيت في موضعه سرجا كثيرة وآثار بخور لنذور، وقيل لي: إنه يؤخذ من ترابه ويتشافى به، ثم بني بعد ذلك وعظم أمره.

وفي مسجد الرمح أيضا خبر عجيب يعرفه من افتقد أسرار القوم، لهم الويل الطويل، والعذاب النكيل، لقد نبذوا قدسهم (٢)، وأطفأوا نيرانهم، واحتقبوا العظائم، واستفرهوا المخاصم، وقد بلغنا أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: " أنا أول من يجثو يوم القيامة للخصوم " (٣).

(١) ذكره في مراصد الاطلاع: ٢ / ٧٥٦، وقال: بفسطاط مصر.

(٢) القدس: السطل بلغة أهل الحجاز، لأنه يتطهر فيه. (لسان العرب: ٦ / ١٦٩ - قدس -).

(٣) صحيح البخاري: ٦ / ١٢٤ - تفسير سورة الحج -. أمالي الطوسي: ١ / ٨٣. العمدة لابن البطريق: ٣١١، ح ٥١٩ و ٥٢٠. بحار الأنوار: ٣٦ / ٢٢، ح ٤، وج ٣٩ / ٢٣٤، ح ١٦. وفيها:

" للخصومة " بدل " للخصوم ".

١١٩

الفصل الرابع عشر
في أغلاطهم في تفضيل أبي بكر بآية الغار


فمن عجيب الأمور وطريفها: أن نزل في أمير المؤمنين (عليه السلام) آيات من القرآن يجتمع المسلمون على اختصاصه بها، وفضيلته فيها:

منها: ما يشهد بأنه بعد رسول الله ويوجب على الكافة فرض طاعته، وهو قوله سبحانه: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (١).

ومنها: آية المباهلة الناطقة بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) في النسبة نفس النبي، والمتضمنة من تفضيله وتفضيل ولديه وزوجته صلوات الله عليهم ما لا يشركهم أحد فيه من العالمين، وهو قوله سبحانه: (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) (٢).

ومنها: سورة " هل أتى " المتضمنة من فضل أمير المؤمنين وسبطيه وزوجته ما لا يختلف اثنان فيه، الشاهدة لهم بالرضوان، والخلود بالجنان، والثناء عليهم

(١) سورة المائدة: ٥٥.

(٢) سورة آل عمران: ٦١.

١٢٠