×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التعجّب من أغلاط العامة في مسألة الإمامة / الصفحات: ١٢١ - ١٤٠

في محكم القرآن.

وغير ذلك من الآيات النازلة فيه وفي أهله (عليهم السلام) بالفضائل الباهرات، التي لا يدعيها غيرهم، و [ لا ] (١) يشاركهم فيها سواهم، ولا يشهر ذلك في الفضائل، ولا يعلن بذكر مستحقه في المحافل، ويكون من أورد شيئا منه وأضافه إلى مستحقه من الشريرين الروافض، ثم تنزل في أبي بكر آية تتضمن أنه كان مع النبي في الغار، وأنه حزن فنهاه، فيكاد تقوم القيامة، وتزلزل الأرض بالأمة، ويعتقد أنها أشرف آي القرآن، وأنها شاهدة لأبي بكر بفضل يتجاوز الأفهام، ولا يدرك كنهه الأوهام.

ومن عجيب ما رأينا: مصحف قد كتب فيه آية الغار بذهب ليتميز عن جميع ما يتضمنه المصحف من كلام الله عز وجل، ونحن أبدا نحتج على من ينكر أن يكون بسم الله الرحمن الرحيم من أول كل سورة، ويدعي أنها للفرق بين السورتين، فنقول له: لو كانت وضعت للفرق فقط لكتب بخط مميز عن خط المصحف، كما يكتب أبدا أسماء السور، ولكانت في أول سورة براءة، وفي إثباتها بالخط الذي أثبت به القرآن، فليست للفرق، فقد طلب القوم بما فعلوه في آية الغار الفضل فوقعوا في الجهل، فياعجباه!

ويحق للعاقل أن يعجب كيف فعل ذلك بآية الغار ولم يفعل ب (قل هو الله أحد) التي هي سورة الإخلاص ونسبة الرحمن، والتي روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " من قرأها ثلاث دفعات فكأنما قرأ جميع القرآن " (٢).

(١) أضفناه لاقتضاء السياق.

(٢) المحاسن: ١ / ٢٥١، ح ٤٧٣. كمال الدين: ٥٤٢، ح ٦. كنز الفوائد: ٢ / ٨٦، ح ٢. بحار الأنوار:

٢٧ / ٩٤، ح ٥٤، وج ٣٩ / ٢٨٨، ح ٨١، وج ٥١ / ٢٢٨.

١٢١
بل كيف لم يفعل ذلك بسورة الحمد التي هي: سبع المثاني، وأم الكتاب، وفاتحة الكتاب، وكل صلاة بغيرها خداج (١)؟ فكيف صارت آية الغار أحق بالتفضيل والتميز من جميع ما نزل؟ وما الذي شرفت به على سورتي " الحمد " و " قل هو الله أحد " لولا الهوى الذي يعبده، والعناد الذي يقصد، وقد رأيت نسخة التوراة مع بعض اليهود فاطلعت فيها فرأيتهم قد ميزوا العشر الكلمات عن جميعها فكتبوها بذهب، فأظن فاعل ذلك بآية الغار اقتدى باليهود في هذا الأمر.

ومن العجب: اعتقادهم في آية الغار فضلا وهي شاهدة عليه بالنقص واستحقاق الذم، وظنهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) أخذه معه للأنس به، وقد آنسه الله بالملائكة ووحيه، وتصحيح اعتقاده أنه تعالى ينجز له ما وعده، وإنما أخذه لأنه لقيه في طريقه فخاف أن يظهر أمره من جهته فأخذه معه احتياطا في تمام شره، وتوهموا أن حصوله في الغار منقبة له، وفي الغار ظهر خطاؤه وزلله، لأنه حصل معه في الغار في حرز حريز، ومكان مصون، بحيث يأمن الله على نبيه مع ما ظهر له من الآيات في تعشيش الطائر ونسج العنكبوت على بابه، لم يثق مع هذه الأمور بالسلامة، ولا صدق بالآية، وأظهر الحزن والمخافة، حتى غلبه بكاؤه، وتزايد قلقه وانزعاجه، وبكى النبي (صلى الله عليه وآله) في تلك الحال إلى مقاساته، ووقع إلى مداراته، فنهاه عن الحزن وزجره، ونهي النبي (صلى الله عليه وآله) لا يتوجه في الحقيقة إلا إلى الزجر عن القبيح، ولا سبيل إلى صرفه إلى المجاز بغير دليل، لا سيما وقد ظهر من جزعه وبكائه ما يكون من مثله فساد الحال في الاختفاء، فهو إنما نهى عن استدامة ما وقع منه، ولو سكنت نفسه إلى ما وعد الله تعالى نبيه، وصدقه فيما أخبر به من

(١) خداج: نقصان. (لسان العرب: ٢ / ٢٤٨ - خدج -).

١٢٢
نجاته لم يحزن حيث يجب أن يكون آمنه، ولا انزعج قلبه في الموضع الذي يقتضي سكونه، فأي فضيلة في آية الغار يفتخر بها لأبي بكر لولا المكابرة واللدد (١)؟!

وأعجب من هذا: قول الله تعالى: (فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها) (٢)، فيعلمون بهذا أن السكينة اختصت برسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأنه المؤيد بالجنود دون غيره، ولا يجوز أن يريد الله تعالى بجنوده أحدا من الأنام سوى نبيه!

ومن عجيب جهلهم: قولهم: إن النبي مستغن بنبوته عن السكينة، حتى كأنهم لم يسمعوا في القرآن قول الله: (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) (٣)، ولو أنهم يسمعون ذلك استماع من يعيه ويفهم لعلموا أن السكينة لا تنزل على أحد من أهل الإيمان ومعه النبي (صلى الله عليه وآله) إلا وتنزل على النبي (صلى الله عليه وآله) قبله، ويذكر قبل ذكره، وتحققوا أن نزولها في الغار دليل على أنه للنبي (صلى الله عليه وآله) وأنه ليس معه مؤمن يستحقها، ولولا ذلك لقال: فأنزل سكينته على رسوله وعليه، أو قال: وعليهما!

ومن عجيب أمرهم، وظاهر عنادهم: افتخارهم لأبي بكر بآية الغار، وإكثارهم من ذكرها، ولا يذكرون مبيت أمير المؤمنين (عليه السلام) تلك الليلة على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حيث بذل مهجته دونه، وفداه بنفسه، واضطجع في موضعه الذي يقصده إليه أعداؤه، حتى تعجبت من ذلك الملائكة، وأنزل الله في مبيته:

(١) اللدد: الخصومة الشديدة. (النهاية: ٤ / ٢٤٤ - لدد -).

(٢) سورة التوبة: ٤٠.

(٣) سورة التوبة: ٢٦.

١٢٣
(ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد) (١)، هنالك قالت الملائكة:

هنيئا لك يا بن أبي طالب وأنت الحبيب المواسي (٢)، فما انصراف القوم عن هذه الفضيلة العظيمة، ولهجهم بذكر آية الغار، إلا معاندة في الدين، وبغضة قد خالطت لحومهم لأمير المؤمنين (عليه السلام)!

ومن العجب: أن يفتخر أمير المؤمنين (عليه السلام) بمبيته على الفراش فلا يعدونه له فخرا، ويعترف أبو بكر بأن حزنه في الغار معصية، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) أخبره أن حزنه إثم وفتنة، فيخالفونه ويعدونه فخرا، وقد نظم كل واحد منها في ذلك شعرا، فروي أن أمير المؤمنين قال في مبيته:


وقيت بنفسي خير من وطئ الحصىومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
رسول إله الخلق أن مكروا بهفنجاه ذو الطول الكريم من المكر
وبت أراعيهم وما يثبتوننيوقد صبرت نفسي على القتل والأسر (٣)

وقال أبو بكر في أبيات له رواها ابن إسحاق (٤) في السيرة، وهو عند القوم أمين، ثقة:


ولما ولجت الغار قال محمدأمنت فثق في كل ممسى ومولج

(١) سورة البقرة: ٢٠٧.

(٢) فردوس الأخبار: ١ / ١٥٩، ح ٥٨٧. الطرائف: ١ / ٥٣. كشف الغمة: ١ / ٣١٠. تفسير البرهان:

١ / ٤٤٥. بحار الأنوار: ٣٦ / ٤١.

(٣) ديوان الإمام علي (عليه السلام): ٥٧. المستدرك على الصحيحين: ٣ / ٤. مناقب الخوارزمي: ١٢٧، ح ١٤١.

(٤) هو: محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي المدني، من أقدم مؤرخي العرب. (الأعلام للزركلي: ٦ / ٢٨).

١٢٤
كتاب التعجب من أغلاط العامة في مسألة الإمامة للكراجكي (ص ١٢٥ - ص ١٣٨)
١٢٥

الفصل الخامس عشر
في غلطهم فيما يدعون لأبي بكر من الانفاق


ومن عجيب أمرهم، وعظيم خطئهم: أنهم يسمعون قول الله عز وجل لنبيه (صلى الله عليه وآله):

(ووجدك عائلا فأغنى) (١)، ويعلمون أن الله تعالى جعل له الأنفال خالصة من دون المؤمنين، والقسم الوافر من الأخماس التي تميز به عن سائر الناس لتنزيهه وأهله من الصدقات، وأغناه بفضله عن أموال العباد، وقال في كتابه: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) (٢) فلا يعتبرون هذا ويدعون أنه افتقر إلى مال أبي بكر فأنفق عليه مالا جزيلا، ويرتكبون في ذلك بهتانا مهولا!

فياعجباه كيف يحتاج إلى مال أحد رعيته، وقد أغناه الله تعالى بفضله وسعة رحمته؟ وكيف يمد يده إلى أموالهم وقد نزهه الله تعالى عن أخذ ما فرض عليهم إخراجه من صدقاتهم؟ هذا هو البهت القبيح، والكذب الصريح!

و [ من ] (٣) العجب: دعواهم الإنفاق لرجل قد عرف مذ كان بالفقر وسوء

(١) سورة الضحى: ٨.

(٢) سورة الشورى: ٢٣.

(٣) أضفناه لاقتضاء السياق.

١٢٦
الحال، ومن اطلع في النقل والآثار، وأشرف على السير والأخبار، لم يخف عليه فقر أبي بكر وصعلكته، وحاجته ومسكنته، وضيق معيشته، وضعف حيلته، وأنه كان في الجاهلية معلما، وفي الإسلام خياطا، وكان أبوه سيئ الحال ضعيفا، يكابد فقرا مهلكا، ومعيشة ضنكا، مكتسبه أكثر عمره من صيد القماري والدباسي (١) الذي لا يقدر على غيره، فلما عمي وعجز ابنه عن القيام به التجأ إلى عبد الله بن جدعان فنصبه ينادي على مائدته كل يوم لإحضار الأضياف، وجعل له على ذلك ما يقوته من الطعام، فمن أين كان لأبي بكر هذا الحال، وهذه حاله وحال أبيه في الفقر والاختلال!؟

وهم الراوون أن أبا بكر طلب يوما من منزله غشاء لقربة فلم يكن عنده شئ حتى شقت أسماء نطاقها فغشت القربة بنصفه، وزعموا أنه سماها ذات النطاقين (٢). وليس بخلاف أنه لما ولي الأمر بعد النبي (صلى الله عليه وآله) غدا إلى السوق ليتعيش، فقال له المسلمون: لا تفعل ففي ذلك نقص، ونحن نجعل لك من بيت مال المسلمين ما يقوتك، فجعل كل يوم ثلاثة دراهم يعود بها على نفسه وعياله (٣)، وهذا يدل على أن الرجل لم يزل فقيرا من أول عمره إلى آخره، ولقد أحسن شاعرنا في قوله:


وإلا فهذا الحال من أين أصلهوفيما روي إنفاقه تجدان

(١) القمري: طائر، لأنه أقمر اللون كالفاختة، بالحجاز. (المحيط في اللغة: ٥ / ٤١٩ - قمر -).

والدبسي: ضرب من الحمام، الجمع: دباسي. (المعجم الوسيط: ١ / ٢٧٠ - دبس -).

(٢) السيرة النبوية لابن هشام: ٢ / ١٣١. تاريخ مدينة دمشق: ٣٠ / ٧٩. لسان العرب: ١٠ / ٣٥٥ - نطق -.

(٣) انظر: صفة الصفوة: ١ / ٢٥٧. شرح نهج البلاغة: ١٧ / ١٥٥. الغدير: ٨ / ٧٥ وما بعدها.

١٢٧
وقد علم من أخبار أهل البيت أن أصعب الأحوال كانت على النبي يفتقر في مثلها إلى المعونة والإرفاد حالان: أحدهما وهو مستتر في الشعب، والآخر خروجه عن مكة هاربا إلى المدينة.

فأما مدة مقامه في الشعب فقد روى المخالف والمؤالف أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يتردد ويتحمل كل يوم فيما ينفقه عليه حتى روي أنه أجر نفسه من يهودي وصرف الأجرة إلى ما يحتاج إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وأما توجهه (صلى الله عليه وآله) إلى الهجرة فقد روي أنه كان لأبي بكر يومئذ بعيران، فلما نشب (١) في إحدارهما إليه قال: خذ يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحدهما، فقال له: " لا، إلا بالثمن " (٢)، فلو كان له عليه إنفاق لم يقل هذا المقال.

ومن العجيب: أن يتصدق أمير المؤمنين (عليه السلام) بخاتمه على مسكين فينزل في خاتمه قرآن (٣) لا يختلف في أنه المراد به اثنان، ويتصدق هو وأهله على مسكين ويتيم وأسير بأقراص من الطعام فتنزل سورة كاملة تشهد له بالرضوان والخلود في الجنان (٤)، ثم ينفق أبو بكر فيما زعموا على خير خلق الله مائة ألف درهم فلا ينزل على مدحه آية من القرآن (٥)!

(١) نشب: ابتدأ. (تاج العروس: ١ / ٤٨٤ - نشب -).

(٢) الطبقات الكبرى: ١ / ٢٢٨. السيرة النبوية لابن هشام: ٢ / ١٣١. البداية والنهاية: ٣ / ١٨٨.

الغدير: ٨ / ٧٨.

(٣) انظر: تفسير الفخر الرازي: ١٢ / ٢٦. مناقب الخوارزمي: ٢٦٦، ح ٢٤٨. الدر المنثور: ٣ / ١٠٤ - ١٠٦. والمراد قوله تعالى في سورة المائدة: ٥٥: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون).

(٤) مناقب الخوارزمي: ٢٦٧، ح ٢٥٠. أسد الغابة: ٥ / ٥٣١. الطرائف: ١ / ١٥٣. تفسير القرطبي:

١٩ / ١٣٠ - ١٣٤. الدر المنثور: ٨ / ٣٧١.

(٥) انظر الغدير: ٨ / ٨٢.

١٢٨

الفصل السادس عشر
في ذكر فدك


فمن عجيب الأمور وطريفها: أن تخرج فاطمة الزهراء البتول سيدة نساء العالمين، ابنة خاتم النبيين، تندب أباها وتستغيث بأمته، ومن هداهم إلى شريعته، في منع أبي بكر من ظلمها فلا يساعدها أحد، ولا يتكلم معها بشر، مع قرب العهد برسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومع ما يدخل القلوب من الرقة في مثل هذا الفعل إذا ورد من مثلها حتى تحمل الناس أنفسهم على الظلم فضلا عن غيره، ثم تخرج عائشة بنت أبي بكر إلى البصرة تحرض الناس على قتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وقتال من معه من خيار الناس، ساعية في سفك دمه ودماء أولاده، وأهله وشيعته، فتجيبها عشرة آلاف من الناس، ويقاتلون أمامها، إلى أن هلك أكثرهم بين يديها، إن هذا لمن الأمر العجيب!

ومن العجب: أن تأتي فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر تطالبه بفدك، وتذكر أن أباها نحلها إياها، فيكذب قولها، ويقول لها: هذه دعوى لا بينة لها، هذا مع إجماع الأمة على طهارتها وعدالتها، فتقول له: " إن لم يثبت عندك أنها نحلة فأنا

١٢٩
أستحقها ميراثا " (١)، فيدعي أنه سمع النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث وما تركناه صدقة " (٢)، ويلزمها تصديقه فيما ادعاه من هذا الخبر، مع اختلاف الناس في طهارته وصدقه وعدالته، وهو فيما ادعاه خصم لأنه يريد أن يمنعها حقا جعله الله لها!

ومن العجيب: أن يقول لها أبو بكر مع علمه بعظم خطرها في الشرف، وطهارتها من كل دنس، وكونها في مرتبة من لا يتهم، ومنزلة من لا يجوز عليه الكذب: ائتيني بأحمر أو أسود يشهد لك بها وخذيها - يعني فدك (٣) -، فأحضرت إليه أمير المؤمنين والإمامين الحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين وأم أيمن، فلم يقبل شهادتهم وأعلها، وزعم أنه لا يقبل شهادة الزوج لزوجته، ولا الولد لوالده، وقال: هذه امرأة واحدة - يعني أم أيمن -، هذا مع إجماع المخالف والمؤالف على أن النبي قال: " علي مع الحق، والحق مع علي، اللهم أدر الحق معه حيثما دار " (٤)، وقوله: " الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا " (٥)، وقوله (صلى الله عليه وآله) في أم أيمن (٦): " أنت على خير وإلى خير "، فرد شهادة الجميع مع

(١) انظر: نهج الحق وكشف الصدق: ٢٦٥ - ٢٧٠. شرح نهج البلاغة: ١٦ / ٣٤٤ وما بعدها.

(٢) مسند أحمد بن حنبل: ٢ / ٤٦٣. التمهيد لابن عبد البر: ٨ / ١٧٥. شرح نهج البلاغة: ١٦ / ٣٥٧ و ٣٦٤. البداية والنهاية: ٢ / ١٥٤، وج ٤ / ٢٠٣. فتح الباري: ١٢ / ٨.

(٣) الكافي: ١ / ٥٤٣، ح ٥ باختلاف.

(٤) تاريخ بغداد: ١٤ / ٣٢١. شرح نهج البلاغة: ٢ / ٤٦١، وج ١٨ / ٢٤٥. تقدم الحديث.

(٥) علل الشرائع: ٢١١. مناقب ابن شهرآشوب: ٣ / ٣٦٧. بحار الأنوار: ٤٣ / ٢٩١، ضمن ح ٥٤، وج ٤٤ / ٢، ضمن ح ٢.

(٦) يقال: إن اسمها بركة، وهي حاضنة النبي (صلى الله عليه وآله). انظر ترجمتها في: الطبقات الكبرى:

٨ / ٢٢٣. تهذيب الكمال: ٣٥ / ٣٢٩، رقم ٧٩٥٠. سير أعلام النبلاء: ٢ / ٢٢٣، رقم ٢٤.

ولم نجد قوله (صلى الله عليه وآله) هذا بحقها، بل المشهور أنه (صلى الله عليه وآله) قال ذلك لزوجه أم سلمة، كما في حديث الكساء. انظر: أمالي الطوسي: ٢ / ١٧٤.

١٣٠
تميزهم عن الناس.

ثم لم تمض الأيام حتى أتاه مال البحرين، فلما ترك بين يديه تقدم إليه جابر بن عبد الله الأنصاري فقال له: النبي (صلى الله عليه وآله) قال لي: " إذا أتى مال البحرين حبوت لك، ثم حبوت لك - ثلاثا - " فقال له: تقدم فخذ بعددها، فأخذ ثلاث حفنات من أموال المسلمين بمجرد الدعوى من غير بينة ولا شهادة، ويكون أبو بكر عندهم مصيبا في الحالين، عادلا في الحكمين، إن هذا من الأمر المستطرف البديع!

ومن عجيب أمر المعتزلة: إقرارهم بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) أعلم الناس وأزهدهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم يعلمون أنه أتى مع فاطمة شاهدا لها بصحة ما ادعته من نحلتها، فلا يستدلون بذلك على صوابها، وظلم مانعها، ولا يتأملون أن أعلم الناس لا يخفى عنه ما يصح من الشهادة وما يبطل، وأن أزهد الناس لا يشهد بباطل، وأن أمير المؤمنين (عليه السلام) لو كان لا يعلم أن شهادته بذلك مع من حضره لا يجوز قبولها، ولا يؤثر في وجوب الحكم بها، وكان أبو بكر يعلم ذلك لبطل القول بأنه (عليه السلام) أعلم الناس بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، وأنه لو كان يعلم أن فاطمة (عليها السلام) تطلب باطلا، وتلتمس محالا، وأن شهادته لا يحل في تلك الحال قبولها، ولا يسوغ الحكم بها، ثم أقدم مع ذلك عليها فشهد لها لكان قد أخطأ متعمدا، وفعل ما لا يليق بالزهاد والأتقياء، وبطل قولهم أنه (عليه السلام) أزهد الناس بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، ولا ينتبهون بهذه الحال من رقدة الخلال (١)!

ومن عجيب أمرهم: اعتقادهم في رد أبي بكر شهادة أمير المؤمنين والحسن

(١) كذا في " ح ". ولعل الصواب: الضلال.

١٣١
والحسين (عليهم السلام) بقولهم: إن هذا بعلها، وهذان ابناها، وكل منهم يجر إلى نفسه، ولا يصح شهادة من له حظ فيما يشهد به، ثم يقبلون مع ذلك قول سعيد بن زيد بن نفيل - فيما رواه وحده - من أن أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعدا وسعيدا وعبد الرحمن بن عوف وأبا عبيدة من أهل الجنة، ويصدقونه في هذه الدعوى، ويحتجون بقوله مع علمهم بأنه أحد من ذكره، وله حظ فيما شهد به، ولا يردون بذلك قوله، ولا يبطلون خبره، ويتغطى عليهم أنه لا للزوج من مال زوجته، ولا للولد من مال والده، إلا ما نحله أباه أو ورثه عنه!

ومن عجيب الأمور، وعظيم البدع في الدين: أن يشهد رجل بر تقي لم يكن قط بالله مشركا، ولا للدين منكرا، ولا أكل من حرام سحتا، ولا عاقر على خمر نديما، ولا ارتكب محرما، ولا جرب أحد منه قط كذبا، ولا علم منه ذنبا، ولا كان في طاعة الله ورسوله مقصرا، ولا عن درجات السبق إلى الفضائل متأخرا، مع اختصاصه برسول الله (صلى الله عليه وآله) نسبا وسببا، عند رجل أقام أربعين سنة من عمره كافرا، وبالله تعالى مشركا، ولما ظهر وبطن من الفواحش مرتكبا، ولما ظهر الإسلام لم يعلم أحد أن له فيه أثرا جميلا، ولا كفى النبي (صلى الله عليه وآله) مخوفا، بل عن كل فضيلة متأخرا، ولعهود الله ناكثا، وكان في علمه ضعيفا، وإلى غيره فيه فقيرا، فيردن شهادته، ولا يقبل قوله، ويظهر أنه أعرف بالصواب منه، هذا والشاهد متفق على طهارته، وصدقه وإيمانه، والمشهود عنده مخالف في طهارته، وصدقه وإيمانه، إن هذا مما تنفر منه النفوس السليمة، والعقول المستقيمة!

ومن العجب: أنهم يدعون على فاطمة البتول سيدة نساء العالمين التي أحضرها النبي (صلى الله عليه وآله) للمباهلة، وشهد لها بالجنة، ونزلت فيها آية الطهارة، أنها طلبت من أبي بكر باطلا، والتمست لنفسها محالا، وقالت كذبا، ويعتذرون في

١٣٢
ذلك بأنها لم تعلم بدين أبيها، أنه لا حق لها في ميراثه، ولا نصيب لها من تركته، وجهلت هذا الأصل في الشرع، وعلم أبو بكر أن النساء لا يعلمن ما يعلم الرجال، ولا جرت العادة بأن يتفقهن في الأحكام، ثم يدعون مع هذا أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال:

" خذوا ثلث دينكم عن عائشة، لا بل خذوا ثلثي دينكم عن عائشة، لا بل خذوا كل دينكم عن عائشة " (١)، فتحفظ عائشة جميع الدين، وتجهل فاطمة في مسألة واحدة مختصة بها في الدين. إن هذا لشئ عجيب، والذي يكثر التعجب، ويطول فيه الفكر: أن بعلها أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يعلمها، ولم يصنها عن الخروج من منزلها لطلب المحال، والكلام بين الناس، بل يعرضها لالتماس الباطل، ويحضر معها فيشهد بما لا يسوغ ولا يحل، إن هذا من الأمر المهول، الذي تحار فيه العقول!

ومن عجيب أمرهم، وضعف دينهم: أنهم نسبوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أنه لم يعلم ابنته التي هي أعز الخلق عنده، والذي يلزم من صيانتها، ويتعين عليه من حفظها، أضعاف ما يلزمه لغيرها، بأنه لاحق لها من ميراثه، ولا نصيب له في تركته، ويأمرها أن تلزم بيتها، ولا تخرج للمطالبة بما ليس لها، والمخاصمة في أمر مصروف عنها، وقد جرت عادة الحكماء في تخصيص الأهل والأقرباء بالإرشاد والتعليم، والتأديب والتهذيب، وحسن النظر بهم بالتنبيه والتنتيف (٢)، والحرص عليهم

(١) النهاية لابن الأثير: ١ / ٤٣٨ - حمر -. فردوس الأخبار: ٢ / ١٦٥، ح ٢٨٢٨. البداية والنهاية:

٣ / ١٢٩. تذكرة الموضوعات: ١٠٠. الأسرار المرفوعة: ١١٦، ح ٤٣٨ - ٤٤٠. كشف الخفاء:

١ / ٤٤٩ - ٤٥٠، ح ١١٩٨. الفوائد المجموعة: ٣٩٩، ح ١٣٩. وفي أكثر المصادر: خذوا شطر دينكم عن الحميراء. وتقدم الحديث ص ٦٠.

(٢) النتف: نزع الشعر والريش. (المحيط في اللغة: ٩ / ٤٤٤ - نتف -).

١٣٣
بالتعريف والتوقيف، والاجتهاد في إيداعهم معالم الدين، وتميزهم عن العالمين!

هذا مع قول الله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) (١)، وقوله سبحانه:

(يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة) (٢)، وقول النبي (صلى الله عليه وآله): " بعثت إلى أهل بيتي خاصة، وإلى الناس عامة " (٣)، فنسبوه (صلى الله عليه وآله) إلى تضييع الواجب، والتفريط في الحق اللازم، من نصيحة ولده، وإعلامه ما عليه وله، ومن ذا الذي يشك في أن فاطمة كانت أقرب الخلق إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأعظمهم منزلة عنده، وأجلهم قدرا لديه، وأنه كان في كل يوم يغدو إليها لمشاهدتها، والسؤال عن خبرها، والمراعاة لأمرها، ويروح كذلك إليها ويتوفر على الدعاء لها، ويبالغ في الإشفاق عليها، وما خرج قط في بعض غزواته وأسفاره حتى ولج بيتها ليودعها، ولا قدم من سفره إلا لقوه بولديها، فحملهما على صدره وتوجه بهما إليها، فهل يجوز في عقل، أو يتصور في فهم، أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) أغفل إعلامها بما يجب لها وعليها، وأهمل تعريفها بأنه لاحظ في تركته لها، والتقدم إليها بلزوم بيتها بترك الاعتراض بما لم يجعله الله لها؟

اللهم إلا أن نقول: إنه أوصاها فخالفت، وأمرها بترك الطلب فطلبت وعاندت، فيجاهرون بالطعن عليها، ويوجبون بذلك ذمها والقدح فيها، ويضيفون المعصية إلى من شهد القرآن بطهارتها، وليس ذلك منهم بمستحيل، وهو في جنب عداوتهم لأهل البيت (عليهم السلام) قليل!

(١) سورة الشعراء: ٢١٤.

(٢) سورة التحريم: ٦.

(٣) الطبقات الكبرى: ١ / ١٩٢. مسند أحمد بن حنبل: ٤ / ٢٣٧، ح ١٣٨٥٢. السنن الكبرى للبيهقي: ٢ / ٤٣٣.

١٣٤
ومن العجب: قول بعضهم لما أغضبه الحجاج: أنه (صلى الله عليه وآله) أعلمها فنسيت، واعترضها الشك بعد علمها فطلبت، وهذا مخالف للعادات، لأنه لم يجر العادة بنسيان ما هذا سبيله، لأنه قال لها: " لا ميراث لك مني، وإنا معاشر الأنبياء لا نورث، وما تركناه صدقة "، كان الحكم في ذلك معلقا بها، فكيف يصح في العادات أن تنسى شيئا يخصها فرض العلم به، ويصدق حاجتها إليه حتى يذهب عنها علمه، وتبرز للحاجة، ويقال لها: إن أباك قال: إنه لا يورث، ولا تذكر مع وصيته إن كان وصاها حتى تحاجهم بقول الله تعالى: (وورث سليمان داود) (١)، وقوله تعالى حكاية عن زكريا: (يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا) (٢)، ولا تزال باكية شاكية إلى أن قبضت، وأوصت أن لا يصلي ظالمها وأصحابه عليها، ولا يعرفوا قبرها؟!

ومن العجب: أن يعترض اللبس على أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى يحضر فيشهد لها مما ليس لها، مع قول النبي: " أنا مدينة العلم وعلي بابها " (٣)!

ومن العجب: اعترافهم بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " إن الله يغضب لغضب فاطمة، ويرضى لرضاها " (٤)، وقال: " فاطمة بضعة مني يؤلمني ما يؤلمها " (٥)،

(١) سورة النمل: ١٦.

(٢) سورة مريم: ٦.

(٣) المستدرك على الصحيحين: ٣ / ١٢٧. تاريخ بغداد: ٢ / ٣٧٧، وج ٤ / ٣٤٨، وج ٧ / ١٧٣، وج ١١ / ٤٨ و ٢٠٤. ترجمة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) من تاريخ دمشق: ٢ / ٤٦٤ - ٤٨٠، ح ٩٩١ - ١٠٠٧. مجمع الزوائد: ٩ / ١١٤. إتحاف السادة المتقين: ٦ / ٢٤٤.

(٤) المعجم الكبير: ١ / ٦٦، ح ١٨٢. المستدرك على الصحيحين: ٣ / ١٥٤. ميزان الاعتدال:

٢ / ٤٩٢، ح ٤٥٦٠. مجمع الزوائد: ٩ / ٢٠٣. كنز العمال: ١٣ / ٦٧٤، ح ٣٧٧٢٥.

(٥) المستدرك على الصحيحين: ٣ / ١٥٨. السنن الكبرى: ١٠ / ٢٠١ - ٢٠٢. كنز العمال: ١٢ / ١٠٧ - ١١٢. إتحاف السادة المتقين: ٦ / ٢٤٤.

١٣٥
وقال: " من آذى فاطمة فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله " (١)، ثم إنهم يعلمون ويتفقون أن أبا بكر أغضبها وآلمها وآذاها، فلا يقولون: هو هذا إنه ظلمها، ويدعون أنها طلبت باطلا، فكيف يصح هذا؟ ومتى يتخلص أبو بكر من أن يكون ظالما وقد أغضب من يغضب لغضبه الله، وآلم هو بضعة لرسول الله، ويتألم لألمها، وآذى من في أذيته أذية الله ورسوله، وقد قال الله تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا) (٢)، وهل هذا إلا مباهتة في تصويب الظالم، وتهور في ارتكاب المظالم!

ومن العجب: قول بعضهم أيضا: إن أبا بكر كان يعلم صدق الطاهرة فاطمة عليها صلوات الله فيما طلبته من نحلته من أبيها، لكنه لم يكن يرى أن يحكم بعلمه، فاحتاج في إمضاء الحكم لها إلى بينة تشهد بها.

فإذا قيل لهم: فلم لم يورثها من أبيها؟

قالوا: لأنه سمع النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة " (٣).

فإذا قيل لهم: فهذا خبر تفرد أبو بكر بروايته، ولم يروه معه غيره؟

قالوا: هو وإن كان كذلك فإنه السامع له من النبي (صلى الله عليه وآله)، ولم يجز له مع سماعه منه وعلمه به أن يحكم بخلافه.

فهم في النحلة يقولون: إنه لا يحكم بعلمه وله المطالبة بالبينة، وفي الميراث يقولون: إنه يحكم بعلمه ويقضي بما انفرد بسماعه.

(١) علل الشرائع: ١٨٦. المحتضر: ١٣٣. بحار الأنوار: ٤٣ / ٨٠ و ٢٠٤.

(٢) سورة الأحزاب: ٥٧.

(٣) تقدمت تخريجاته في أول هذا الفصل.

١٣٦
والمستعان بالله على تلاعبهم بأحكام الملة، وهو الحكم العدل بينهم وبين من عاند من أهله.

ومن عجائب الأمور: تأتي فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) تطلب فدكا، وتظهر أنها تستحقها، فيكذب قولها، ولا تصدق في دعواها، وترد خائبة إلى بيتها، ثم تأتي عائشة بنت أبي بكر تطلب الحجرة التي أسكنها أباها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتزعم أنها تستحقها، فيصدق قولها، وتقبل دعواها، ولا تطالب ببينة عليها، وتسلم هذه الحجرة إليها، فتصرف فيها، وتضرب عند رأس النبي (صلى الله عليه وآله) بالمعاول حتى تدفن تيما وعديا فيها، ثم تمنع الحسن ابن رسول الله بعد موته منها، ومن أن يقربوا سريره إليها، وتقول: لا تدخلوا بيتي من لا أحبه (١)، وإنما أتوا به ليتبرك بوداع جده، فصدته عنه، فعلى أي وجه دفعت هذه الحجرة إليها، وأمضى حكمها إن كان ذلك لأن النبي نحلها إياها فكيف لم تطالب بالبينة على صحة نحلتها كما طولبت بمثل ذلك فاطمة صلوات الله عليها؟ وكيف صار قول عائشة بنت أبي بكر مصدقا، وقول فاطمة ابنة رسول الله مكذبا مردودا؟ وأي عذر لمن جعل عائشة أزكى من فاطمة صلى الله عليها وقد نزل القرآن بتزكية فاطمة في آية الطهارة وغيرها، ونزل بذم عائشة وصاحبتها، وشدة تظاهرهما على النبي (صلى الله عليه وآله) وأفصح بذمها، وإن كانت الحجرة دفعت إليها ميراثا، فكيف استحقت هذه الزوجة من ميراثه ولم تستحق ابنته منه حظا ولا نصيبا؟ وكيف لم يقل هذا الحاكم لابنته عائشة نظير ما قال لبنت رسول الله: إن النبي لا يورث، وما تركه صدقة!

على أن في الحكم لعائشة بالحجرة عجبا آخر وهو: أنها واحدة من تسع أزواج

(١) إرشاد المفيد: ٢ / ١٨. الخرائج والجرائح: ١ / ٢٤٢، ضمن ح ٨. بحار الأنوار: ٤٤ / ١٥٤ و ١٥٧.

١٣٧
خلفهن النبي، فلها تسع الثمن بلا خلاف، ولو اعتبر مقدار ذلك من الحجرة مع ضيقها لم يكن بمقدار ما يدفن أباها، وكان بحكم الميراث للحسن (عليه السلام) منها أضعاف بما ورثه من أمه فاطمة ومن أبيه أمير المؤمنين (عليهما السلام) المنتقل إليه بحق الزوجية منها!

ثم إن العجب كله: من أن يمنع فاطمة جميع ما جعله الله لها من النحلة والميراث ونصيبها ونصيب أولادها من الأخماس التي خص الله تعالى بها أهل بيته (عليهم السلام) دون جميع الناس، فإذا قيل للحاكم بهذه القضية: إنها وولدها يحتاجون إلى إنفاق، جعل لهم في كل سنة بقدر قوتهم على تقدير الكفاف، ثم برأيه يجري على عائشة وحفصة في كل سنة اثني عشر ألف درهم واصلة إليهما على الكمال، ولا ينتطح في هذا الحكم عنزان!

فمن عجيب كذبهم، ومفرط غلوهم: روايتهم عن النبي أنه قال: " نزل علي جبرئيل فقال: يا محمد، إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك: اقرأ على أبي بكر مني السلام، وقل له: ربك يقرئك السلام، ويقول: أنا عنك راض، فهل أنت عني راض " (١)؟! فهذه منزلة تفوق منازل الأنبياء المصطفين، لأنا لا نعلم أحدا منهم خاطبه الله تعالى بهذا الخطاب العظيم، بل لو روي مثله في النبي (صلى الله عليه وآله) الذي هو خير الأنام لكان من المنكر؟ فكيف فيمن أشرك بالله أربعين سنة، وقال عند موته: وددت أني شعرة في صدر مؤمن (٢)؟

(١) تاريخ مدينة دمشق: ٣٠ / ٧١ - ٧٢. الاحتجاج للطبرسي: ٢ / ٤٧٧. أسد الغابة: ٣ / ٢١٣.

الرياض النضرة: ٣ / ١٩٦. بحار الأنوار: ٥٠ / ٨٠.

(٢) قال عمر: وددت أني شعرة في صدر أبي بكر. انظر: مناظرات في الإمامة: ١٨٢، نقلا عن الاحتجاج للطبرسي: ٢ / ٣١٩. وأخرجه أيضا في بحار الأنوار: ٤٩ / ٢٨٠. وسيأتي الحديث ص ١٣٩.

١٣٨
كتاب التعجب من أغلاط العامة في مسألة الإمامة للكراجكي (ص ١٣٩ - ص ١٥٥)
١٣٩
كهول الكافرين، لأنه قد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " الدنيا سجن المؤمن، والقبر بيته، والجنة مأواه، وإن الدنيا جنة الكافر، والقبر حبسه، والنار مثواه " (١).

فما علمنا جنة فيها كهول إلا جنة الكفار التي هي الدنيا، فهما سيدا الكفار!

ومن عجيب كذبهم: روايتهم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " وزنت بأمتي فرجحت، ووزن بها أبو بكر فرجح، ووزن بها عمر فرجح، ثم رجح، ثم رجح، فزعموا أن نبي الرحمة الذي هدى الله به الأمة رجح مرة واحدة، وأن أبا بكر ساواه رجح مرة واحدة مثله، وأن عمر بن الخطاب الذي شك في نفسه، ولم يتحقق إيمانه، واتهم نبيه ولم يصوبه في فعله، ولا صدق في قوله، ومنع أن يؤتى له بالدواة ليكتب بها ما فيه صلاح أمته، وزعم أن خير خلق الله يهجر في كلامه (٢)، ولطم فاطمة ابنته (٣)، وأتى بالحطب ليحرق بيتها على من فيه (٤)، رجح بالفضل ثلاث دفعات، وأن فضل رسول الله (صلى الله عليه وآله) قدر ثلث فضله، وهذا في الغاية من الجهل، وعدم التميز والعقل!

فليت شعري ماذا يقولون فيما روي عن عمر من تمنيه لو كان شعرة في صدر أبي بكر (٥)؟ وكيف يتمنى ذلك وفضله ثلاثة أمثال فضل أبي بكر، وأبو بكر يتمنى لو كان شعرة في صدر مؤمن؟!

(١) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا (عليه السلام): ٣٣٩. بحار الأنوار: ٦ / ١٦٩، ح ٤١، وج ٧٨ / ٣٤٧.

(٢) مسند أحمد بن حنبل: ١ / ٤٨٣، ح ٢٦٧١. صحيح البخاري: ١ / ٣٩، وج ٤ / ٨٥، وج ٦ / ١١.

(٣) الاختصاص: ١٨٥. بحار الأنوار: ٧ / ٢٧٠، وج ٢٨ / ٢٢٧، وج ٢٩ / ١٩٢.

(٤) المصنف لابن أبي شيبة: ٧ / ٤٣٢، ح ٣٧٠٤٥. الإمامة والسياسة: ١٩. العقد الفريد: ٥ / ١٣.

(٥) الاحتجاج: ٢ / ٣١٩. بحار الأنوار: ٥ / ٢٨٠.

١٤٠