×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التعجّب من أغلاط العامة في مسألة الإمامة / الصفحات: ١٤١ - ١٦٠

ومن عجيب كذبهم: روايتهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " إن بين عيني عمر ملكا يسدده ويثقفه " (١)، و " إن ملكا ينطق على لسان عمر " (٢). هذا مع اعتقادهم أن سيد البشر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمكة في المسجد الحرام وهو غاص بالناس فقرأ: (والنجم إذا هوى) (٣)، فلما انتهى إلى قوله: (أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى) (٤) ألقى الشيطان على لسانه أن قال: " تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى "، وزعموا أن الشيطان ألقى على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ضلالا زاده في القرآن (٥)، وأن بين عيني عمر وعلى لسانه ملكين. وهذا إفراط في الكفر وهزؤ بالشرع!

فليت شعري أين كان هذان الملكان اللذان أحدهما بين عيني عمر، والآخر على لسانه، وقت شكه بالإسلام، وارتيابه وإنكاره على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما فعله في الحديبية، وحكم به وقوله: على م تعطي الدنية في ديننا؟ فقال له النبي (صلى الله عليه وآله):

" إنما أعمل بما يأمرني به ربي " (٦).

وروي أنه قال (صلى الله عليه وآله): " هو خير لك إن عقلت "، فقام من بين يديه وهو مسخط رأيه، غير راض حكمه، وأقبل يمشي بين الناس، ويؤلب على النبي ويقول:

وعدنا برؤياه التي رآها أن ندخل مكة، وقد صددنا عنها ومنعنا منها، نحن الآن

(١) فضائل أحمد بن حنبل: ١ / ٢٤٧ و ٣٠٦. مجمع الزوائد: ٩ / ٧٢.

(٢) فضائل الصحابة: ١ / ٢٦٣، ح ٣٤١. المعرفة والتاريخ: ١ / ٤٥٦.

(٣) سورة النجم: ١.

(٤) سورة النجم: ١٩ و ٢٠.

(٥) تفسير البيضاوي: ٤ / ١٣٤.

(٦) تاريخ الطبري: ٢ / ٦٣٤. تاريخ عمر بن الخطاب: ٥٨.

١٤١
ننصرف وقد أعطيت الدنية، والله لو أن معي أعوانا ما أعطيتهم الدنية أبدا، وقد أعطى له الأعوان يوم أحد ويوم حنين وغيرها فانهزم، وبلغ قوله النبي (صلى الله عليه وآله)، فغضب وقال: " أين كنتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلون على أحد وأنا أدعوكم؟

أنسيتم يوم الأحزاب (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا) (١)؟ أنسيتم يوم كذا "؟

فلما رأى عمر غضبه قال: " أعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله، والله يا رسول الله إن الشيطان ركب على عنقي " (٢)، فكيف يركب الشيطان على عنق من بين عينيه ملك يسدده، وعلى لسانه ملك ينطق على لسانه؟! ثم قال له:

يا رسول الله، ألم تكن أخبرتنا أنك تدخل المسجد الحرام وتأخذ مفتاح الكعبة وتعرف مع المعرفين، فكيف ذلك وهدينا لم يصل إلى البيت ولا نحن؟

فقال (صلى الله عليه وآله): قلت لكم: إن ذلك يكون في سفركم هذا؟ قال: لا.

قال: فستدخلونها، وآخذ المفتاح، وأعرف مع المعرفين، وتحلقون رؤوسكم، فلما كان يوم الفتح أخذ النبي (صلى الله عليه وآله) مفتاح الكعبة وقال: ادعوا لي عمر، فلما أتاه، قال: أي عمر هذا الذي كنت قلت لكم.

وكذلك لما عرف في حجة الوداع أحضره وقال له مثل ذلك.

وروي عن عمر أنه قال: " ما شككت مثل يومئذ " (٣) فكيف يشك في الإيمان من رويتم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: بين عينيه وعلى لسانه ملكان لا يفارقانه؟!

(١) سورة الأحزاب: ١٠.

(٢) تفسير القمي: ٢ / ٣٥٧. بحار الأنوار: ٩ / ٢٤٢.

(٣) مجمع البيان: ٩ / ١٩٨. بحار الأنوار: ٢٠ / ٣٣٥.

١٤٢
ومن عجيب أمرهم في مثل هذا: دعواهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه " (١)، فكيف تصح هذه الدعوى، وقد تكلم في أمارته في الجد بسبعين قضية يخالف بعضها بعضا، وقال: لا تغالوا في مهور النساء فتجاوز أربعمائة درهم حتى قامت إليه امرأة فقالت: كتاب الله أحق أن يتبع أم قولك؟ قال: بل كتاب الله، فتلت عليه قول الله تعالى: (وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا) (٢)، فقال لما استمع ذلك: ثكلتك أمك يا عمر، كل أحد أفقه منك حتى النساء (٣).

وحكم يوما بين اثنين فقالا له: أصبت يا أمير المؤمنين أصاب الله بك الخير، فقال: وما يدريكما؟ وقال: والله ما يدري عمر أصاب أم أخطأ (٤)، وأغلاطه قبل ذلك وبعده لا تحصى، وهو القائل لما رده أمير المؤمنين (عليه السلام) في أشياء كثيرة إلى الصواب: " لولا علي لهلك عمر " (٥)، فكيف يثبت مع هذه الأمور دعواهم أن الله تعالى ضرب الحق على لسانه وقلبه؟ أليس هو الذي خلط في الشورى تخليطا لا يخفى على ذي فهم، وأحضر الستة فقال لكل واحد منهم قولا لا يصح معه أن يرد إليه أمارة على مدينة، ولا تدبير ضيعة، فوصف طلحة بزهوه ونخوه، والزبير

(١) تاريخ مدينة دمشق: ٤٤ / ٩٧ - ١٠٦. شرح نهج البلاغة: ١٢ / ٣٠٧.

(٢) سورة النساء: ٢٠.

(٣) سنن سعيد بن منصور: ١ / ١٦٦، ح ٥٩٨. السنن الكبرى: ٧ / ٢٣٣. كنز العمال: ١٦ / ٥٣٥، ح ٤٥٧٩٠.

(٤) دعائم الإسلام: ١ / ٩٣ - ٩٤. بحار الأنوار: ١٠٤ / ٢٧١. وفيهما: أنه قضى قضية بين رجلين، فقال له أدنى القوم إليه مجلسا: أصبت يا أمير المؤمنين، فعلاه عمر بالدرة وقال: ثكلتك أمك، والله ما يدري...

(٥) المناقب للخوارزمي: ٨٠، ح ٦٥. كفاية الطالب: ٢٢٧، ح ٣. ذخائر العقبى: ٨٠ و ٨١.

١٤٣
بجفايته وجلافته، وأنه مؤمن من الرضا كافر من السخط، وسعدا بأنه صاحب مقنب (١) وقتال، وأنه لا يقوم بتدبير قرية، وعبد الرحمن بضعفه، وعثمان بأنه يحمل أهله على رقاب الناس، وقال: إن روثة خير منه، ووصف علي بن أبي طالب (عليه السلام) بأنه ذو لطافة وفكاهة، ثم أمر بعد ذلك أن يختاروا أحدهم للأمة (٢)، فليس يخفى تخليط هذا الرجل عن ذي بصيرة، ولا يشك عاقل أنهم كذابون في قولهم: إن الحق ضرب على لسان عمر!

ومن العجب: أن يتحسر على سالم مولى أبي حذيفة ويقول: لو كان حيا ما يخالجني فيه الشك (٣)، وبحضرته أمير المؤمنين والعباس فتخالجه الشكوك فيهما، ولا يتخالج في سالم لو كان حيا، فهل هذا من الحق الذي ضربه على لسانه وقلبه؟!

وأعجب من هذا في الستة بما لم ينزل الله تعالى، ولم يتضمنه شرع رسول الله (صلى الله عليه وآله): قوله: إن اختلفوا ثلاثة وثلاثة فالحق في الثلاثة التي فيها عبد الرحمن، واقتلوا الثلاثة الأخرى (٤)، فهل هذا إلا قصد لقتل أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ إذ العلم حاصل بأن عليا (عليه السلام) لا يوافق عثمان على شئ، وأن عبد الرحمن في تلك الحال يميل إلى عثمان، وإذا لم يكن أمير المؤمنين ثالثهما فإنما أمر بقتل الثلاثة التي هو أحدهم، فهل هذا فعل من ضرب الحق على لسانه؟

(١) أي صاحب خيل.

(٢) انظر: تاريخ المدينة المنورة لابن شبة: ٣ / ٨٨٠ - ٨٨٢. السنن الكبرى للبيهقي: ٧ / ١٥٠.

شرح نهج البلاغة: ١ / ١٤٤. منتخب كنز العمال: ٢ / ١٨٩.

(٣) تاريخ المدينة المنورة: ٣ / ٨٨١. تاريخ الطبري: ٤ / ٢٢٧. أسد الغابة: ٢ / ٢٤٦. بحار الأنوار:

٢٨ / ٣٨٣.

(٤) الإمامة والسياسة: ٢٩. تاريخ الطبري: ٤ / ٢٢٩ - ٢٣٠.

١٤٤
ومن العجب: قوله: " الحق في الثلاثة التي فيها عبد الرحمن " مع سماعه قول الرسول (صلى الله عليه وآله): " علي مع الحق، والحق مع علي " (١) فما هذه المنزلة لعبد الرحمن على أمير المؤمنين (عليه السلام) لولا العداوة والهوى، وركوب كل صعب يسخط الله تعالى؟!

ومن عجيب كذبهم، ومفرط غلوهم: دعواهم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " لو نزل العذاب ما نجا إلا عمر بن الخطاب " (٢)، وهذا تصريح بالكفر والردة، والخروج عن الملة، لأنهم أوجبوا أنه لولا عمر بن الخطاب لهلك جميع الناس وفيهم رسول الله الذي قال الله تعالى فيه: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) (٣)، وفيهم أهل بيته المكرمون الذين شهد بطهارتهم التنزيل في قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (٤).

هذا والمحفوظ عن عمر أنه دعا بالويل والثبور عند احتضاره، وتمنى لو كان ترابا، وأن أمه لم تلده (٥)، فلولا أنه رأى بوادر ما توعد به على سيئ أعماله، وأشرف على مقدمات العذاب وأهواله، لم يقل هذا عند احتضاره، فكيف يصح القول بأنه لولا من هذه صفته لعذب الله خلقه الذين فيهم خيرته وصفوته؟ وهل يخفى هذا الافتعال إلا على العمي والجهال؟!

ومن عجيب كذبهم، وقبيح جهلهم: دعواهم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " لو لم

(١) تقدمت تخريجاته في الفصل السادس.

(٢) تفسير القرطبي: ٨ / ٤٧. شرح نهج البلاغة: ١٢ / ٣٠٧. الدر المنثور: ٤ / ١٠٨. بحار الأنوار:

٥٠ / ٨٣.

(٣) سورة الأنفال: ٣٣.

(٤) سورة الأحزاب: ٣٣.

(٥) تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي: ١٨٧.

١٤٥
أبعث فيكم لبعث عمر " (١)، وأنه قال: " ما أبطأ علي جبرئيل إلا أني ظننت أنه قد بعث إلى عمر " (٢)، وفي رواية أخرى: " ما احتبس عني الوحي ثلاثا إلا ظننته قد نزل على عمر " (٣)، فأي كفر أعظم من هذا؟ وأي جهل أعجب منه؟! أليس عمر الذي شك في نفسه حتى سأل حذيفة بن اليمان، فقال له: أنا من المنافقين أم لا؟

وكيف يشك في نفسه ومنزلته منزلة من يظن به النبي (صلى الله عليه وآله) نزول الوحي عليه ويخاف أن ينتقل بنبوته إليه؟ وبعد، فقد قال الله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (٤)، فإن كانت روايتهم هذه صحيحة فإرساله نقمة على عمر بن الخطاب، لأنه حرمه أن يكون نبيا، إذ لو لم يبعث فيهم لبعث عمر، فيجب أن لا يكون في الأرض أشر على عمر بن الخطاب من النبي (صلى الله عليه وآله) يصرفه عن أن ينال أجل مرتبة، وأعلى مقام!

ومن عجيب كذبهم، وطريف افتعالهم: قولهم: إن شاعرا كان ينشد رسول الله (صلى الله عليه وآله) شعرا، فبينما ينشده إذ دخل عمر بن الخطاب، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) للشاعر:

اسكت، فسكت، فلما خرج عمر قال للشاعر: عد، فعاد ينشده، فرجع عمر بن الخطاب، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) للشاعر: اسكت، فسكت، حتى فعل ذلك ثلاث دفعات.

فلما خرج عمر قال الشاعر: يا رسول الله، من هذا الذي تأمرني بالإنشاد إذا خرج وتسكتني إذا دخل؟

(١) تاريخ مدينة دمشق: ٤٤ / ١١٤ - ١١٦. تاريخ عمر بن الخطاب: ٤٠. شرح نهج البلاغة:

١٢ / ٣٠٧. وفي بعضها: " لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب ".

(٢) شرح نهج البلاغة: ١٢ / ٣٠٨.

(٣) الاحتجاج: ٢ / ٤٨٠. بحار الأنوار: ٥٠ / ٨٢.

(٤) سورة الأنبياء: ١٠٧.

١٤٦
فقال: النبي (صلى الله عليه وآله): " هذا عمر بن الخطاب لا يحب سماع الباطل " (١)، فحملهم كثرة الجهل، وقلة الدين، وخفة العقل، على افتعال هذا الخبر الذي نزهوا عمر فيه عن أمر نسبوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الرغبة فيه، وأجلوا عمر عن محبة الباطل، وزعموا أن محمد بن عبد الله خير خلق الله يحبه ويستدعيه، ولا يذكرون مع ذلك ما روي من أن عمر بن الخطاب كان أحب الأشياء إليه الشعر واستماعه، وحفظه وإنشاده، وأنه ما أهمه قط أمر إلا أنشد بيت شعر، وهو القائل للناس: أنشدوا أولادكم الشعر فإنه ديوان العرب، وبه معرفة أنسابهم، وحفظ مناقبهم!

ومن عجيب كذبهم: روايتهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " عمر سراج أهل الجنة " (٢)، أفترى لو لم يخلق الله عمر بن الخطاب كان تكون الجنة مظلمة على أهلها، وفيها النبيون والمرسلون وأولوا العزم والملائكة المقربون والشهداء والصديقون!؟

ومن عجيب كذبهم: روايتهم أن عمر بن الخطاب نادى سارية بن رستم فقال:

يا سارية الجبل، هذا وعمر بالمدينة وسارية بفارس، فسمع صوته وانحاز إلى الجبل (٣)، وإنما وضعوا هذا الحديث ليضاهوا به خبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) حيث رفعت له مؤتة فنظر إلى معترك جعفر، ثم نعاه إلى الناس فأخبر أنه أصيب، وأصيب بعده زيد بن حارثة، ثم عبد الله بن رواحة (٤)، فأرادوا أن يساووا في المعجزتين [ بين ] (٥) رسول الله وبين عمر بن الخطاب تناهيا بالغلو

(١) حلية الأولياء: ٢ / ٤٦. شرح نهج البلاغة: ١٢ / ٣٠٨.

(٢) تاريخ مدينة دمشق: ٤٤ / ١٦٦ - ١٦٧. شرح نهج البلاغة: ١٢ / ٣٠٨.

(٣) أسنى المطالب: ٣٦١، ح ١٧٦٢. كشف الخفاء: ٢ / ٥١٤ - ٥١٥، ح ٣١٧٢. السلسلة الصحيحة:

٣ / ١٠١، ح ١١١٠.

(٤) تاريخ الطبري: ٣ / ٤١.

(٥) أضفناه لاقتضاء السياق.

١٤٧
والإفراط، وإذا روي دون هذا في أمير المؤمنين (عليه السلام) كذبوه، واستعظموا روايته وأنكروه، ولئن كان عمر قد نادى بسارية من بعد فلقد قوي سارية بسماع ندائه من بعد، ولعل المعجز لسارية في سماعه وهو بفارس كلام عمر بن الخطاب وهو بالمدينة.

ولهم من هذه الأخبار المفتعلة التي يعارضون بها معجزات النبي (صلى الله عليه وآله) ما لا يحصى كثرة، ولقد سمعت بعض رواتهم يقول: إن عثمان بن عفان سبح الحصى في كفيه جميعا، وهذا تصريح بتفضيل عثمان على النبي (صلى الله عليه وآله)، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) سبح الحصى في كفه، وعثمان سبح الحصى في كفيه جميعا، ويقولون مع هذا: إن الشيعة تغلو في أمير المؤمنين، وهذا اعتقادهم في أبي بكر وعمر وعثمان أخزاهم الله، ولقد تناهوا في العناد والعصبية، وأبدعوا باختراع كل عظيمة، ولو رمنا إيراد جميع ما نقلوه من هذا النمط، لطال القول في ذلك وانبسط، ولم يحوه كتاب مفرد، وفيما ذكرنا كفاية لمن انتفل (١)!

(١) انتفل من الشئ: انتفى وتبرأ منه. (لسان العرب: ١١ / ٦٧٢ - نفل -).

١٤٨

الفصل السابع عشر
من أغلاطهم في الأحكام، وبدعهم في شريعة الإسلام


فمن عجيب أمرهم: أنهم يسمعون كتاب الله تعالى يتلى عليهم، يتلقنه صغارهم، ويتداركه كبارهم، وفيه قوله جلت عظمته: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) (١) فيخبرهم أن الدين قد أكمله لهم، وأزاح فيه عللهم، ولا يكون كاملا إلا وقد نص لهم على جميع أحكامه، وعرفهم ما كلفهموه من حلاله وحرامه.

فيجحدون ذلك ويدعون أن أكثر الأحكام لم ينص عليها، وأن من وجوه الحلال والحرام شيئا لم يعرفهم الحق فيها، وأن القرآن والسنة اللذين أزيح بهما علل الأمة لم يشتملا على جميع أحكام الملة، وأنهم لم يأثروا عن النبي (صلى الله عليه وآله) من الصحيح إلا أربعة آلاف حديث لا تحيط بجميع الأحكام، ولا تحتوي على سائر الحلال والحرام، ويبلغهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال في المنبر آخر عمره: " اللهم هل بلغت " (٢)؟ فيقولون: إنه لم يبلغهم جميع ما كلفهموه، ولا نص لهم على سائر

(١) سورة المائدة: ٣.

(٢) مسند أحمد بن حنبل: ١ / ٢٣٠، وج ٤ / ٧٦. تفسير الطبري: ٤ / ١٠٥. بداية النهاية: ٥ / ١٩٤.

١٤٩
ما احتاجوه، ولا أودع حفظة يكونون بعده يفزع إليهم فيه، وأن عدمهم النصوص في كثير من التكليف أحوجهم إلى أن عولوا على الظنون والآراء، واعتمدوا على الاستحسان والأهواء، وزعموا أنهم يستخرجون مراد الله تعالى من العياذ بالقياس على علل غير معلومات، والله تعالى يقول: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (١)، فهم يقولون: إن لنا أن نحكم في الشريعة بما يوجبه قياسنا واجتهادنا مما ليس بمنزل ولا منصوص، ولو اجتهد الطاغوت في إبطال الحق، وإهلاك الخلق، ما قدر على أكثر من أن يحكم في الشرع بغير ما أنزل الله سبحانه، ويجعل ذلك دينا يتوارث ومذهبا يتناقل، ولذلك اختلفت كلمتهم، وتضادت أقوالهم، وتحير المسترشد منهم، وضاق الحق عنهم، ولتعذر إئتلافهم اعتقدوا أنهم على صواب في اختلافهم!

ومن العجب: أن الله تعالى ينهاهم عن الاختلاف في قوله: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) (٢)، ويعلمهم أن دينه غير مختلف في قوله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (٣)، وهم يعتقدون مع ذلك أن الاختلاف من دين الله، ويدعون على النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " اختلاف أمتي رحمة " (٤)!

فمن العجب: أن يكون اختلافهم رحمة، ولا يكون اتفاقهم سخطا ونقمة!

(١) سورة المائدة: ٤٤.

(٢) سورة آل عمران: ١٠٥.

(٣) سورة النساء: ٨٢.

(٤) إتحاف السادة المتقين: ١ / ٢٠٤ و ٢٠٥. كنز العمال: ١٠ / ١٣٦، ح ٢٨٦٨٦. سلسلة الأحاديث الضعيفة: ١ / ٧٦، ح ٥٧.

١٥٠
ومن عجيب أمرهم: أنهم يسمعون النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: " من حكم في أقل من عشرة دراهم فأخطأ حكم الله عز وجل جاء يوم القيامة مصفودة يده " (١) فيخالفون ويزعمون أنه للحاكم أجرا في خطائه، ويدعون على النبي أنه قال: " إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد وأصاب فله أجران " (٢)، والذي حملهم على افتعال هذا الخبر علمهم بوقوع الخطأ منهم ومن أئمتهم الذين يأخذون دينهم عنهم، ولذلك قالوا: كل مجتهد مصيب!

ومن العجيب: أن يكون كل مجتهد مصيبا إلا الشيعة، فإنهم في اجتهادهم على خطأ وبدعة، وكل من أفتى في الإسلام بفتوى، سواء قام إليها أم رجع إلى غيرها، فهو من فقهاء الأمة، وفتواه معدودة في خلاف أهل الملة، وأقواله مسموعة، وهو من أهل السنة والجماعة، إلا الأئمة من أهل بيت النبوة، فإن الباقر والصادق وآباءهما والأئمة من ذريتهما صلوات الله عليهم أجمعين ليسوا عندهم من الفقهاء، ولا يعدون أقوالهم خلافا، ولا يصدقون لهم قولا، ولا يصوبون لهم فعلا، وليسوا من أهل السنة والجماعة، ومن اتبعهم واقتدى بهم فهو من أهل البدعة، وهذا من التجريد في العداوة إلى الغاية!

ومن العجب: إنهم يسمعون قول الرسول (صلى الله عليه وآله): " إني مخلف فيكم الثقلين ما إن

(١) انظر: مسند أحمد بن حنبل: ١ / ٤٣٠، وج ٥ / ٢٨٤. المعجم الكبير: ١٠ / ١٩٦، ح ١٠٣١٣.

الترغيب والترهيب: ٣ / ١٥٧، ح ٩، وص ١٥٩، ح ١١، وص ١٧٣، ح ٢٤، وص ١٧٤، ح ٢٧ - ٣١. مجمع الزوائد: ٥ / ٢٠٤ - ٢٠٧. كنز العمال: ٦ / ٢٤، ح ١٤٦٨٠ - ١٤٦٨٤، وص ٣٢، ح ١٤٧٢٠ - ١٤٧٢٢، وص ٣٣، ح ١٤٧٢٣ و ١٤٧٢٥ و ١٤٧٢٨ و ١٤٧٢٩، وص ٣٤، ح ١٤٧٣٠ و ١٤٧٣١ و ١٤٧٣٣، وص ٤٠، ح ١٤٧٦١.

(٢) سنن الدارقطني: ٤ / ٢١١. دلائل النبوة للبيهقي: ٧ / ١٨٥. السنن الكبرى للبيهقي: ١٠ / ١١٨ و ١١٩. تلخيص الحبير: ٤ / ١٨٠، ح ٢٠٧٢.

١٥١
تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " (١)، وقوله (صلى الله عليه وآله): " مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق " (٢)، وقوله (صلى الله عليه وآله): " النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأمتي " (٣)، في أمثال هذه الأخبار الواردة مورد الظهور والانتشار، المتضمنة إعلامهم بأن الله تعالى قد أزاح بأهل بيت نبيه (عليهم السلام) عللهم، وأغناهم بهم عن غيرهم، فيهجرونهم ولا يرجعون في مسألة من الفقه إليهم، ويتعلقون بأذيال مالك وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود وابن حنبل، المختلفي الأفعال والأقوال، المتبايني الأحكام في الحلال والحرام، فيتبعونهم مقتدين بهم، ويعتمدون عليهم في معالم الدين، ويتقربون بما يأخذونه منهم إلى رب العالمين، ويقولون: هم علماء الأمة، وفقهاء أهل القبلة، وأئمة الأنام، وحفظة الإسلام، الذين هذبوا الشرع، وتمموا الناقص من السمع، ومن سواهم لا يؤخذ منه علما، ولا يصوب لهم عملا (بئس للظالمين بدلا) (٤)!

ومن عجيب أمرهم، وظاهر عنادهم: أنهم يرون وجوب العمل بأخبار الآحاد،

(١) مسند أحمد بن حنبل: ٣ / ٣٨٨، ح ١٠٧٢٠. المستدرك على الصحيحين: ٣ / ١٤٨. السنن الكبرى للبيهقي: ٢ / ١٤٨. مجمع الزوائد: ٩ / ١٦٢ - ١٦٣. إتحاف السادة المتقين: ١٠ / ٥٠٢ و ٥٠٦.

(٢) المستدرك على الصحيحين: ٣ / ١٥٠. حلية الأولياء: ٤ / ٣٠٦. نظم درر السمطين: ٢٣٥.

مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) للخوارزمي: ١ / ١٠٤. المناقب لابن المغازلي: ١٣٢، ح ١٧٣ - ١٧٦. ذخائر العقبى: ٢٠. مجمع الزوائد: ٩ / ١٦٨.

(٣) فضائل الصحابة: ٢ / ٦٧١، ح ١١٤٥. المستدرك على الصحيحين: ٣ / ١٤٩. العمدة لابن البطريق: ١٦١. ذخائر العقبى: ١٧. مجمع الزوائد: ٩ / ١٧٤.

(٤) سورة الكهف: ٥٠.

١٥٢
فإذا أورد إليهم خبر عن أحد العترة الأبرار، والأئمة الأطهار، أهل بيت النبوة، ومعدن العلم والحكمة، صلوات الله عليهم أجمعين لم يصغوا إليه، ويدعوا المعقول عليه، وكان عندهم دون أخبار الآحاد رتبة، وأقل منها درجة.

ويختارون عليه أخبار أبي هريرة الذي قال له النبي (صلى الله عليه وآله): " إن فيك لشعبة من الكفر " (١).

وأخبار مغيرة بن شعبة الذي شهد عليه ثلاثة بالزنا عند عمر بن الخطاب، ولعن الرابع حتى تلجلج في الشهادة، فدفع عنه الحد (٢).

وأخبار أبي موسى الأشعري مقيم الفتنة، ومضل الأمة، الذي أخبر النبي (صلى الله عليه وآله) أنه إمام الفرقة المرتدة، فقال فيما رواه حذيفة، عن سلمان: " ستفترقون على ثلاث فرق، فرقة منها على الحق لا ينقص الباطل منها شيئا يحبونني ويحبون أهل بيتي، مثلهم كمثل الذهبة الحمراء أوقد عليها صاحبها فلم تزدد إلا خيارا، وفرقة على الباطل لا ينقص الحق منها شيئا يبغضونني ويبغضون أهل بيتي، مثلهم مثل الحديدة أوقد عليها صاحبها فلم تزدد إلا شرا، وفرقة مذبذبة (٣) بين هؤلاء على ملة السامري يقولون: لا مساس، إمامهم الأشعري " (٤).

وأخبار عبد الله بن عمر الذي لم يحسن أن يطلق امرأته (٥)، والذي قعد عن بيعة

(١) مجمع الزوائد: ٨ / ٨٦.

(٢) السنن الكبرى للبيهقي: ٨ / ٢٣٥.

وانظر: شرح نهج البلاغة: ١٢ / ٣٤٢ - ٣٥٠. الغدير: ٦ / ١٩٦ - ٢٠٤.

(٣) في أمالي المفيد: مدهدهة. أي مدحرجة، ولعله كناية عن اضطرابهم في الدين وتزلزلهم بشبهات المضلين.

(٤) أمالي المفيد: ٢٩، ح ٣. بحار الأنوار: ٢٨ / ٩، ح ١٢.

(٥) انظر: تاريخ الطبري: ٤ / ٢٢٨.

١٥٣
أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم جاء بعد ذلك إلى الحجاج فطرقه ليلا وقال: بيدك أبايعك لأمير المؤمنين عبد الملك، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " من مات وليس عليه بيعة إمام فموتته جاهلية " (١)، فأنكر عليه الحجاج ذلك مع كفره وعتوه، وقال له: بالأمس تقعد عن بيعة علي بن أبي طالب، وأنت اليوم تأتيني وتسألني عن بيعة عبد الملك بن مروان! يدي عنك مشتغلة، لكن هذه رجلي (٢).

وأخبار كعب الأحبار الذي قام إليه أبو ذر (رحمه الله) فضربه بين يدي عثمان على رأسه بالمحجنة فشجه، وقال: يا بن اليهودية، متى كان مثلك يتكلم في الدين، فوالله ما خرجت اليهودية من قلبك (٣)؟

وأخبار عامر الشعبي الذي تخلف عن الحسين (عليه السلام) وخرج مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وقال له الحجاج: أنت المعين علينا، فقال: نعم، ما كنا فيها ببررة أتقياء، ولا فجرة أشقياء (٤).

وهو الذي دخل بيت المال فسرق في خفه مائتي درهم.

فهؤلاء ومن يجري مجراهم، رواة القوم وثقاتهم، الذين يختارون أخبارهم على أخبار الإمام الصادق وآبائه وأتباعه صلوات الله عليهم، فالكفر منهم طويل، والتعجب منهم غير قليل!

ومن عجيب مغالطتهم، وظاهر جهلهم ومباطلتهم: قولهم: لو علمنا أنكم

(١) مسند أحمد بن حنبل: ٣ / ٤٤٦. المعجم الكبير ١٠ / ٣٥٠، وج ١٩ / ٣٣٥. السنن الكبرى للبيهقي: ٨ / ١٥٦. مجمع الزوائد: ٥ / ٢٢٣ و ٢٢٥. إتحاف السادة المتقين: ٦ / ١٢٢ و ٣٣٤ و ٣٣٥.

(٢) شرح نهج البلاغة: ١٣ / ١٦٧.

(٣) انظر: مروج الذهب: ٢ / ٣٤٩. شرح نهج البلاغة: ٣ / ٤١.

(٤) سير أعلام النبلاء: ٤ / ٣٠٦ و ٣١٤. وفيات الأعيان: ٢ / ٣٩، وج ٣ / ١٤.

١٥٤
معاشر الشيعة صادقون فيما تدعون عن الباقر والصادق (عليهما السلام) لسمعنا منكم، وأخذناه عنكم، لأن مثلهم لا يخالف في علم، ولا يتهم في فهم، ولكنكم غير موثوق بكم فيما تدعون، ولا بما نقل إليكم عنهم ما يذكرون، فيظهرون استعظام مخالفة الأئمة صلوات الله عليهم، ويعتذرون في ترك الأخذ بقولهم بهذا الاعتذار الباطل والتعليل الفاسد، وينسبون مع ذلك أنهم بأجمعهم وسلفهم من قبلهم يجاهرون بمخالفة أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي هو أفضل وأعلم من بنيه فيما هو مذكور في كتبهم، مسطور في صحفهم، الذي منه قولهم: " كان من مذهب علي (عليه السلام): بيع أمهات الأولاد " (١)، و " كان من مذهبه: إنكار المسح على الخفين " (٢)، و " كان من مذهبه: أن لا يقتل اثنين بواحد إلا أن يؤدي أولياء الدم إلى كل واحد منهما نصف الدية " (٣)، و " كان من مذهبه قطع يد السارق من أصول الأصابع " (٤)، وغير ذلك مما يعترفون بأنه من مذهبه، وقوله الذي يدين به، ثم إنهم يخالفونه فيه، ويباينونه عليه، فما هذا الاستعظام لمخالفة أولاده، والاحتشام من تخطئة الأئمة من بعده، لولا أنهم يحجمون المقال، ويبطلون بالزور والمحال!؟

ومن العجب: أن تنقل كل طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم من متفقهة العامة فقها عن أئمتها فتصدق فيما نقلت، ولا تكذب فيما أخبرت وروت، ولا يقول لها أحد: لا يثق بك فيما حكيت عن ربك مقالتك، وأنت متهم فيما رويت عن رئيس محلتك، ثم تنقل الشيعة فقها عن أئمتها

(١) تلخيص الحبير: ٤ / ٢١٩. وسائل الشيعة: ١٨ / ٢٧٨، ب ٢٤.

(٢) وسائل الشيعة: ١ / ٤٥٧، ب ٣٨.

(٣) وسائل الشيعة: ٢٩ / ٤١، ب ١٢.

(٤) وسائل الشيعة: ٢٨ / ٢٥١، ب ٤.

١٥٥