×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

تقريب المعارف / الصفحات: ٤٠١ - ٤٢٠

منه القبيح، ولا أحد قطع بها لهما.

ومنها: وقوع القبائح التي بيناها منهما، وذلك يمنع من الأمر بالاقتداء بهما.

ومنها: أنه لا أحد من الأمة يدين بوجوب الاقتداء بهما، ولو كان ثابتا لوجب على أقل الأحوال تدين شيعتهما بذلك وتحريم خلافهما، وليسوا كذلك.

ومنها: أن ظاهر الخبر يقتضي وجوب الاقتداء بهما معا، وذلك محال، لحصول العلم بما بينهما من الاختلاف في الأحكام.

ومنها: أنه لو كان صحيحا لاحتجا به يوم السقيفة على الأنصار، فهو أحج مما ذكراه، ولأحتج به أبو بكر في توليه عمر على من أنكر عليه ولايته من الصحابة.

ومن ذ لك: ما رووه من كونهما معه صلى الله عليه وآله في العريش.

قالوا: وهذا يدل على غاية الاختصاص.

والجواب من وجوه:

منها: أنه خبر، واحد، وقد بينا فساد التعلق بمثله في مثل هذا.

ومنها: أن الظاهر يوم بدر وحنين حين الحرب كون النبي صلى الله عليه وآله معبيا (١) للصفوف وبيده سهم، فوكز به سوار بن عزة، فقال: يا رسول الله آلمتني أقدني، فكشف النبي صلى الله عليه وآله عن بطنه، فقبله سوار، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله هي (٢) الحرب وأنا أرجو الشهادة، فأردت أن يكون آخر عهدي أن يمس جلدي جلدك، فجزاه خيرا، وهذا ينافي كونه في العريش منفردا أو مقارنا لغيره.

ومنها: أنه لو ثبت كونهما معه في العريش، لم يخل أن يكون بأمره أو بغير أمره.

وكونه بغير أمره لا فضيلة فيه، ويكون الحامل عليه الجبن، ويلحق بما وقع منهما من الفرار في (غير) مقام، لأنه ولا فرق بين القبح في القعود عن الجهاد مع الحاجة إليه،

(١) في النسخة: " معيبا ".

(٢) في النسخة: " هو ".

٤٠١

وبين الفرار منه، ولم ينههما عن ذلك، لاستغنائه عنه بتقدم الأمر من الله تعالى بالجهاد، والحث منه سبحانه عليه، ولأنه عليه السلام إذا علم الوجه في تخلفهما حسن منه الامساك عنهما، خوفا من الفساد بظهور جورهما وفشلهما.

وإن كان بأمره - عليه الصلاة والسلام - فلا وجه له إلا الخوف من إفسادهما، لأن الشفقة عليهما من الجهاد ليست دينه، لحصول العلم الضروري بالحث على الجهاد وذم المتخلف عنه، وتعريض نفسه وخلصائه من أهله وأصحابه له، فصار العريش منقصة ظاهرة.

وليس لأحد أن يقول: الوجه في حبسهما في العريش للمشاورة.

لأنه عليه السلام غني عن رأيهما بالوحي، ولأنه لو كان كذلك لحفظ ما أشارا به، ونقل كما نقل ما أشارا به بعد الظهور على الكفار من احتباس الأسرى وبيعهم، ونزول القرآن بذم أبي بكر المشير به ومشورة الآخر بالقتل، ولأن الجلوس في العريش كان بعد الفراغ من الرأي والمكيدة والتقاء القوم للحرب، ولأن الحرب وسياستها غيبته عن رأي أبي بكر بنزول الملائكة وتوليهم أمرها.

(رد من قال بأن ما عمله القوم لا يوجب الكفر)

إن قيل: فهب سلم لكم خلاف المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام وأتباعهم، ومحاربتهم (١) لله ورسوله بتقدمهم وحربهم، من أين لكم أن ذلك الخلات كفر مضوا مصرين عليه؟ وما أنكرتم أن يكون فسقا يجوز العفو عنه أو حصول التوبة منه، وذلك يمنع من فتياكم فيهم بالضلال والخلود في النار على أصولكم في... (٢).

قيل: إن المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام وأعيان أتباعهم، كسعد وسعيد وخالد وأبي عبيدة وعبد الرحمن وسالم والمغيرة، فالأمة فيهم رجلان:

(١) في النسخة: " ومحاربته ".

(٢) كلمة غير مقروءة.

٤٠٢

إما قائل بإيمانهم وموتهم على طاعة الله وطاعة رسوله عليه السلام.

أو قائل بخلافهم لله تعالى ورسوله عليه السلام.

وكل من قال بالثاني قال إن ذلك الخلاف كفر ماتوا عليه واستحقوا به الخلود في النار.

وتسليم خلافهم، ودعوى كونه فسقا ليس بكفر يصح غفرانه ابتداء، أو ثبوته (١) حصلت منهم، خروج من الإجماع.

فيجب على مقتضى تسليم السائل عصيانهم الحكم بصحة فتيانا.

وأيضا، فكل من أوجب الرئاسة عقلا وعصمة الرئيس قال فيهم بغيا (٢)، فلو كذلك كل من أثبت النص الجلي على أمير المؤمنين عليه السلام قال بذلك - ولذا كان برهان الرئاسة وصفتها والنص الجلي واضحا بما بيناه - ثبت خلافهم للواجب عليهم، وكونه كفرا مضوا عليه.

وأيضا، فإذا كانت الإمامة بصفاتها من جملة المعارف العقلية والتكذيب بها كفر، وقد ثبت تخصصها بعد النبي صلى الله عليه وآله بأمير المؤمنين عليه السلام بواضح الحجة، وتديخهم بجحدها، وجب الحكم بكفرهم.

وأيضا، ففرض الإمامة عام باتفاق، فإذا ثبت لأمير المؤمنين عليه السلام بالكتاب والسنة ثبت كفرهم بجحدهم ما يعم فرضه، كالصلاة والصوم.

إن قيل: هاتان الطريقتان مثبتتان على إنكارهم إمامة علي عليه السلام مستحلين، فدلوا على ذلك.

قيل: ذلك معلوم من حالهم بأدنى تأمل ومتيقن من قصدهم، يوضحه: أن الشيعة بأسرها تقطع عليه، ومن خالفها من شيعة المتقدمين يدينون بنفي إمامته، مضيفين هذه الفتيا إلى سلفهم، فارتفع لذلك اللبس قي إنكار الإمامة عن استحلال.

(١) كذا في النسخة، والظاهر أن الصحيح: " والتوبة ".

(٢) كذا.

٤٠٣

وأيضا، فمعلوم من دين أمير المؤمنين عليه السلام وذريته المعصومين عليهم السلام وشيعتهم الصالحين القطع على كفر القوم وموتهم عليه وخلودهم به في النار، وفتياهم بذلك خلفا عن سلف، وانقراض الأعصار بإطباق الذرية في النسب والشيعة في المذهب عليه، والفتيا حجة - لاستنادها في كل عصر إلى حجة معصوم - لو ثبتت في عصر واحد لكفت، فكيف بها متناصرة في الأعصار المتوالية.

إن قيل: ومن أي وجه علمتم ذلك من حال من ذكرتموه؟ أبينوا عنه لنعلم صحة هذه الإضافة من فسادها.

قيل: أما تدين أمير المؤمنين والأئمة من ذريته صلوات الله عليهم بذلك فمن وجوه:

أحدها: تأمل حالهم، وما حفظ عنهم بحضرة الولي والعدو من الازراء على القطع المقوم بصلاتهم (١)، كما يعلم بدين الشافعي ومالك وأبي حنيفة ومن تبعهم بولاية القوم.

ومنها: تواتر شيعتهم عنهم وذراريهم بذلك، وتقربهم إلى الله تعالى وإليهم به مع اختصاصهم بهم وتوليهم وقبول ما يحملونه من حقوق الأموال، وتعظيمهم (٢) مع هذه الحال، ولو كان دينهم عليهم السلام بخلاف ما يظهر من ذريتهم وشيعتهم ويدينون به لأنكروا عليهم وبرئوا منهم، وفي فقد ذلك دليل على موافقتهم لهم فيه.

فأما طريق تدين الشيعة والذرية بذلك، فالعلم الضروري من حالهم اتخاذهم شعارا على حال الأمن والخوف.

وأما من عدا من ذكرنا من الصحابة، فعلى ضروب:

منها: ضرب مقطوع على إيمانهم: كسلمان، وعمار، وأبي ذر، ومقداد، وحذيفة، وخزيمة، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وأبي سعيد الخدري، والعباس، وولده، وبريدة الأسلمي، في أمثال لهؤلاء من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام، العارفين

(١) كذا في النسخة، والمعنى مختل كما ترى، والظاهر وجود عدة أسطر ساقطة من النسخة.

(٢) في النسخة: " ويعطيهم ".

٤٠٤

بإمامته، المختصين بولايته، الممسكين لإمساكه.

وضرب معلوم إيمانهم على جهة الجملة، لم يتعينوا بعين من ذكرناه، ولم يتبعوا الظالمين اتباع من نذكره.

وضرب كفار غير متعين بعين من قدمناه، وهم الذين يدينون بجحد إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، وهم رجلان: منافق يظهر الإسلام ويبطن الكفر، ومعتقد لظاهر الإسلام عن تقليد بغير حجة أو حجة واقعة غير موقعها يدين بجهله بإمامة المتقدمين.

وضرب فساق حملهم حب الدنيا وإيثار الرئاسة وإرادة الحظوة عند الرؤساء على الترشح لهذا الأمر، أو اتباع المتغلبين رغبة عندهم، مع ثبوت إيمانهم عند الله تعالى وسوابقه إلى دينه، وعلمهم بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام، ودينهم بفرضها وضلال منكرها، فهم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم.

وإن قيل: فإذا كانت هذه حال الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله، فقد كان ينبغي لعلي عليه السلام أن يدعو إلى نفسه، ويذكر بفرض طاعته وواجب حقه، فإذا فعل فالجمهور على قولكم عارفون بإمامته وفرض طاعته، ويجدون عنده ما يؤملونه من الدنيا مع سلامة الدين، فلا يبقى لهم صارف عنه، ومنكر ذلك القليل الذي لا قوام لهم بأهل الحق.

قيل: أما دعوته صلوات الله عليه الناس إلى نفسه فغير واجبة عليه، لاستغنائه عنها بدعوة الله سبحانه بنص التنزيل، ودعوة الرسول صلى الله عليه وآله في غير مقام بضروب الأقوال.

غير أنه عليه السلام قد دعى ونبه وخوف من خلافه، وصرح بكونه أولى بالبيعة من ملحيه (١) إليها، وأحق الناس بمقام النبي صلى الله عليه وآله من القائم فيه.

فأجابه المخلصون، وهم رجلان: مستطيع للنصرة وهم الأقل الذين لا يتم بهم الانتصار، ومن عداهم ذوو دين وورع وليسوا أهل حرب وقتال.

(١) كذا في النسخة، ويحتمل أن يكون الصحيح: " ملجئيه ".

٤٠٥

وتخلف عنه الأكثر: فمن كافر بإمامته لا ترجى نصرته، ومن دان بها قد سبق إلى بيعة أبي بكر للوجوه التي ذكرناها من الطمع في الدنيا وعاجل بزخرفها يظن لتقصيره عن النصر أن ذمته مرتهنة ببيعته لأبي بكر، وأنه لا يسوغ له نكثها على حال، أو يعلم الحق في وجوب البيعة لأمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وما أوجباه من إمامة أمير المؤمنين عليه السلام التي لا ينقضها عهد ولا يعذر في تركها عقد، ويصرفه عن ذلك الطمع في نيل الرئاسة وبلوغ المأمول من الدنيا بولاية القوم.

وما زال الأكثر من الخلق من أول الدهر إلى الآن يؤثرون الدنيا على الآخرة، ويرغبون عنها لبعض ما رغب فيه أتباع الظالمين، مع سلامة الظواهر والبواطن من الضلال، ومؤثرو الآخرة على الدنيا وبايعوها لها الأقلون عددا، عادتهم بذلك جارية، وحالهم فيه معلومة، وخلافه لا يعرف وبنقضه لا يتوهم.

وبهذا يسقط ما لا يزالون يتعجبون منه من عدول الناس عن ذوي العشيرة الكثيرة والفضائل العظيمة مع القربى والسبق والجهاد والزهد والعلم وكونه منصوصا عليه على ما يزعمون، إلى من لا يدانيه في شئ ولا نص عليه، فليتأمل ذلك.

ولأنه لا قياس على الاتفاق ولا تعجب من تمام الرئاسة لذوي الدناءة والنقص على ذي النباهة والفضل، والعادة به جارية، والموجود له شاهده، وما بين الخلق والدني إلا أن تتم له الرئاسة حتى ينقاد له الفاضل والمفضول والسيد والمسود، ويسلم له الشجاع القوي والضعيف الدني، وينخع الكل بالطاعة رجاء أو خوفا.

وبعد، فهناك دعوى إلى ولاية القوم وصوارف عنه عليه السلام لما هو عليه وهم من الصفات.

منها: أن هناك منافقين اضطرهم علو كلمة الإسلام، وخوف علي وشيعته المخلصين في النبوة إلى إظهاره، لا داعي لهم إلى ولاية سنام هذا الدين وناصره ومذل الشرك ودامغه، ولهذا نجدهم مدة حياة النبي صلى الله عليه وآله وإلى أن قبضه سبحانه إليه يقدحون في الدين ويدغلون على المؤمنين، ويتربصون بهم الدوائر، ويرجفون في المدينة ومن حولها، ولم يعرف مرجف في ولاية الثلاثة ولا قادح ولايتهم بذلك، فلما آل

٤٠٦

الأمر إلى علي عليه السلام عادت الحال إلى ما كانت عليه في أيام النبي صلى الله عليه وآله.

وهذا برهان واضح على ما قلناه، مع ما فيه من برهان نفاق المتقدمين ومشاركتهم للمعروفين به أيام النبي صلى الله عليه وآله.

ومنها: أن أمير المؤمنين عليه السلام مزيل الرئاسات، ومذل العزيز، وقاتل الأحبة، ومفرق الجمع، ومن هذه حاله فالصوارف عنه قوية، وإن كان المصروف محقا، لاستناد نفاره عنه إلى الطباع الغالبة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله - وهو أعلى الخلق إيمانا - لوحشي قاتل عمه وقد آمن به: أخرج عني، فإني لا أطيق أرى قاتل عمي، فما بال نخوة الجاهلية وقريبي عهد الإيمان، وليس في القوم المتقدمين شئ من ذلك.

ومنها: علم الكل من حال علي عليه السلام أنه إن يلي الأمر لا يعدو سيرة نبيهم صلى الله عليه وآله: من التسوية بين الرئيس والمرؤوس والسيد والمسود في العطاء، وعلم الرؤساء والسادة والشجعان الذين بهم تتم الرئاسات وينقاد لهم الأتباع فيرضون لرضاهم ويسخطون لسخطهم، فذلك صرفهم عن ولاية علي عليه السلام إلى المتقدمين عليه.

وقد صرح بهذا عبد الرحمن يوم الشورى في تعريضه عليا عليه السلام للبيعة على سيرة أبي بكر وعمر، وامتناعه من ذلك إلى السيرة بكتاب الله وسنة نبيه عليه السلام، ومبايعة عثمان على هذا الشرط، وإمساك أهل الحل والعقد وذوي النجدة والرأي عن الإنكار على عبد الرحمن، لعلمهم بمقصده وقصد علي عليه السلام وما يريده من سيرة النبوة المساوية بينهم وبين أطراف الناس، وما يريده عبد الرحمن من التفضيل في العطاء.

ومعلوم توفر صوارف الرؤساء عن ولاية من هذه حاله، ودواعيهم إلى ولاية من بين لهم في الدنيا منازلهم وارتفاع الشبهة (١) عن العقلاء في فساد رئاسة ذاك وتمام ولاية

(١) في النسخة: " الشبه ".

٤٠٧
٤٠٨

حاربت وسلم لمن سالمت.

وقد اتفقت الأمة على أن حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام لملة كفر، ومحاربه كافر، فيجب أن يكون حرب حال علي عليه السلام عليه ومحاربه كذلك، حسب ما نص عليه وحكم به.

ويدل أيضا على ضلالهم: حصول العلم من قصورهم استحلال دماء المؤمنين على الظاهر باتفاق، والمقطوع على إيمانهم عند الله تعالى، كعلي والحسن والحسين ومحمد بن الحنفية وابن عباس وعمار وجماعة من الصحابة والتابعين بإجماع، وقد اتفق الكل على كفر مستحل دماء أهل الإيمان، فيجب الكفر لحكمهم.

ويدل أيضا على ذلك: المعلوم من شعار أمير المؤمنين عليه السلام وأصحابه في الجمل والصفين والنهر من الحكم بكفر أهلها وتحليل دمائهم في حال الحرب وبعدها، والحكم بكفر المسلم واستحلال دمه ضلال، ولا أحد حكم بذلك في علي عليه السلام ووجوه أصحابه، فتثبت صحة فتياهم.

إن قيل: أليس الخوارج تدين بكفر من ذكرتم، فكيف يصح مع ذلك هذا - الاعتبار؟

قيل: لا اعتداد بفتيا الخوارج، لضلالهم عن الدين ومروقهم من الإسلام بما قدمناه، وباتفاق الأمة على كفرهم، ومن هذه حاله لا تأثير لخلافه ولا وفاقه، على أن الإجماع بإيمان علي وولده عليهم السلام ومن ذكرناه من أصحابه والقطع بثوابهم عند الله سبحانه سابق لبدعة الخوارج، فجرى قدحهم في إيمان من ذكرنا حصول الإجماع بإيمانه، وكونه معلوما من دين النبي صلى الله عليه وآله ضرورة، مجرى المعلومات من دينه كالصلاة والزكاة والثواب والعقاب، فكما لا يحكم للقدح في شئ منها ولا ريب في كفر القادح فكذلك إيمان المذكورين.

وبعد، فإن الخوارج لم تكفر عليا عليه السلام وشيعته بقتالهم القوم، ولا بشهادتهم بكفرهم، وكيف بذلك وهم شركاؤهم في الأمرين؟! فسقط الاعتراض بهم على دليلنا، وبان بعد الشبهة به منه.

٤٠٩

وإنما اشتبه على الخوارج الأمر في التحكيم، فظنوه كبيرة، ومذهبهم في مرتكب الكبيرة عامة كافر.

وقد بينا حسن التحكيم وجهل من قبحه، وسنبين صحة ثبوت الإيمان مع ارتكاب الكبائر، فسقط بكل واحد من الأمرين مذهب الخوارج على كل وجه، وإن لم يكن الاعتراض بهم قادحا فيما ذكرناه.

إن قيل: لو كانوا كفارا لحكم فيهم بأحكام الكفار: من سبي، وقسمة في استيصال.

قيل: قد ثبت كفرهم بالأدلة القاهرة، فلا يقدح في سيرته فيهم بما يخالف أحكام المشركين وأهل الكتاب، بإجماع العلماء على صواب سيرة أمير المؤمنين عليه السلام فيهم وكونها قدوة لجميع الأمة في محاربي أهل القبلة ومن كان كذلك، فلا اعتراض على شئ مما يفعله.

وبعد، فقد علمنا اختلاف أحكام الكفار، كحال اليهود والنصارى والمجوس الحربيين يخالف حال الداخلين منهم تحت الذمة، وحال الجميع يخالف حال عباد الأصنام، وأحكام الكل تخالف أحكام المرتد، وأحكام المرتدين تختلف، والمجبرة والمشبهة عند كافة أهل العدل كفار، وحالهم يخالف أحوال من قدمناه من ضروب الكفار، والمعتزلة ومن عداها من الخوارج وغيرهم من الفرق الجاحدة للنص أو إمامة إمام من الله تعالى عند (١) الشيعة كفار، مع مخالفة حالهم لمن ذكرناه، والمقلدة كفار عند جميع أهل النظر وإن اعتقدوا الحق بأسره، وأحكامهم خارجه عمن ذكرناه.

وإذا علمنا من دين المسلمين اختلاف أحكام الكفار مع اشتراكهم في الكفر، لم تكن مخالفة المحاربين في الحكم لبعض الكفار مخرجة لهم عن سمة الكفر وحكمه، الثابتين بالأدلة، مع علمنا باستناد ذلك على سيرة المشهود له بالعلم ومقارنة الحق، حيث كان المدلول على ثبوت الحجة بقوله وفعله.

(١) في النسخة: " عن ".

٤١٠

(رد من ادعى توبتهم)

فأما دعوى توبتهم، فباطلة من وجوه:

منها: أن كل من قال أن قتالهم عليا عليه السلام كفر حكم بموتهم عليه، وقد دللنا على ذلك، فلحق التفصيل بالجملة.

ومنها: إجماع آل محمد عليهم السلام وشيعتهم على ذلك، وإجماعهم حجة بما بيناه.

ومنها: حصول العلم بقتل طلحة في المعركة والزبير بوادي السباع، فلو كانا تابا من نكث بيعة أمير المؤمنين عليه السلام وحربه لوجب أن يرجعا إليه نادمين معتذرين، لا سيما وذلك ممكن، ومن حصول خلافه دليل على إصرارهما.

وأيضا، فضلالهم بالحرب معلوم، فلا يجوز الرجوع عنه بأخبار شاذة مقدوح في طرقها، ولو سلمت من القدح لكانت آحادا لا يجوز من جهة العقل ولا السمع عندنا العمل بها في شئ من الفروع، فكيف في مسألة لا يجوز الحكم فيها بشئ لا يوجب العلم باتفاق.

وبعد، فلو صحت الأخبار المتعلقة بها في التوبة لم تدل على المقصود، لاحتمالها للتوبة وغيرها، فلا يجوز الحكم بالمحتمل على ما لا يحتمل.

كقول طلحة: ما رأيت مصرع شيخ أضيع من مصرعي، و:


ندمت ندامة الكسعي لمارأت عيناه ما صنعت يداه

وقول الزبير: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما شهدت الجمل.

وقوله، شعر:


فاخترت عارا على نار مؤججةأنى يقوم لها خلق من الطين

وقول عائشة: ليت أمي لم تلدني ولا شهدت يوم الجمل، وليتني كنت نسيا منسيا.

في أمثال لهذه الخرافات، لأنه لا شئ من هذه الأقوال دال على التوبة بصفتها، بل

٤١١

الظاهر من حالها إفادة التأسف على فوت الأمنية من الظفر بعلي عليه السلام، ونيل المأمول من الخلافة.

وأحسن أحوالها أن تكون صادرة عن شك في الأمر، وليست التوبة من الشك في شئ، يؤكد ما قلناه: عدولهم عما لا تصح التوبة من دونه، مع إمكانه من الرجوع إلى أمير المؤمنين عليه السلام، والتنصل من قتاله وخلافه.

فأما بقاء عائشة (١)، فغير نافع، لحصول العلم بإصرارها على عداوة أمير المؤمنين عليه السلام، وتعريضها به في مقام بعد مقام.

وقولها: كلما جرى ذكر قصة الإفك أشار على رسول الله صلى الله عليه وآله بطلاقي، فلا جرم أني لا أحبه أبدا.

وقولها: - وقد بشرها بعض عبيدها بقتل علي صلوات الله عليه - شعر:


فإن يك نائيا (٢) فلقد نعاهناع (٣) ليس في فيه التراب

ثم قالت للعبد: من قتله؟ قال: عبد الرحمن بن ملجم، قالت: فأنت حر لوجه الله، وقد سميتك عبد الرحمن.

ثم تمثلت ببيت آخر، شعر:


وألقت عصاها واستقر بها النوى (٤)كما قر عينا بالإياب المسافر (٥)

ومجاهرة بعداوة أمير المؤمنين، والغبطة بقتله، وما جرى منها عند وفاة الحسن عليه السلام، وقد أوصى أن يجدد به عهد بالنبي ويدفن بالبقيع، فجاءت مسرعة على بغل يقدمها مروان بن الحكم قائلة: لا والله لا يدفن في بيتي إلا من أحب، خذوا ابنكم واذهبوا حيث شئتم، فلا سبيل لكم إلى دفنه، فقال لها ابن الحنفية - وفي رواية ابن عباس

(١) أي بقاؤها بعد حرب الجمل.

(٢) في النسخة: " نابا ".

(٣) في النسخة: " بباع ".

(٤) في النسخة: " واستقرت بها الثوى ".

(٥) في النسخة: " بالآيات المسافرة ".

٤١٢

- مالك يا حميراء ألا تحملك الأرض عداوة لبني هاشم، يوما على جمل ويوما على بغل، أما والله لو كان ذلك سائغا لدفن وإن رغم أنفك، لكن الحسن (١) صلوات الله عليه أعرف بحرمة رسول الله صلى الله عليه وآله منك ومن أبيك وصاحبه، أذهبتكم حرمته وضربتم عنده بالمعول.

إلى غير ذلك مما يدل على عداوتها عليا وذريته، يعلم ذلك من حالها كل سامع للأخبار، كما يعلم ولاية أم سلمة وأسماء بنت عميس زوجة أبي بكر لعلي وذريته عليهم السلام، فإلى دعوى أحمق من دعوى توبة من هذه حاله!! (٢).

(١) في النسخة: " الحسين ".

(٢) كذا في النسخة.

٤١٣


(إمامة الإمام الثاني عشر)




٤١٤
٤١٥

فصل: (في إثبات إمامة الحجة بن الحسن ووجه الحكمة في غيبته)

ما قدمناه من الأدلة على إمامة الأئمة صلوات الله عليهم برهان واضح على إمامة الحجة بن الحسن عليه السلام، ومغن عن تكلف كلام يختصها، غير أنا نستظهر في الحجة على ذلك بحسب قوة الشبهة في هذه المسألة على المستضعف، وإن كان برهان صحتها واضحا.

والكلام فيها ينقسم إلى قسمين:

أحدهما: إثبات إمامة الحجة بن الحسن عليه السلام منذ قبض أبيه وإلى أن يظهر منتصرا لدين الله من أعدائه.

والثاني: بيان وجه الحكمة في غيبته وتعذر معرفة شخصه ومكانه، وإسقاط ما يعتريها (١) من الشبه.

فأما الدلالة على إمامته وثبوت الحجة بوجوده، فمن جهة العقل والسمع.

(برهان العقل على إمامته)

فأما برهان العقل، فعلمنا به وجوب الرئاسة وعصمة الرئيس وفضله على الرعية في الظاهر والباطن، وكونه أعلمهم بما هو رئيس فيه، وكل من قال بذلك قال بإمامة الحجة بن الحسن عليه السلام، وكونه الرئيس ذا الصفات الواجبة، دون سائر الخلق، من وفاة أبيه وإلى أن يظهر للانتقام (٢) من الظالمين.

ولأن اعتبار هذه الأصول العقلية يقضي بوجود حجة في الأوقات المذكورة دون من عداه، لأن الأمة في كل عصر أشرنا إليه بين: ناف للإمامة، ومثبت لها معترف بانتفاء

(١) في النسخة: " ما يعترفها ".

(٢) في النسخة: " الانتقام ".

٤١٦

الصفات الواجبة للإمام عمن أثبت إمامته، ومثبت لإمامة الحجة بن الحسن عليه السلام.

ولا شبهة في فساد قول من نفى الإمامة، لقيام الدلالة على وجوبها، وقول (١) من أثبتها مع تعري الإمام من الصفات الواجبة للإمام لوجوبها له وفساد إمامة من انتفت عنه وحصول العلم بكون الحق في الملة الإسلامية، فصح بذلك القول بوجود الحجة عليه السلام، إذ لو بطل كغيره من أقوال المسلمين لاقتضى ذلك فساد مدلول الأدلة أو خروج الحق عن الملة الإسلامية، وكلا الأمرين فاسد، فصح ما قلناه، وقد سلف لنا استنادها بين الطريقتين إلى أحكام العقول دون السمع، فأغنى عن تكراره هاهنا.

(برهان السمع على إمامته)

وأما أدلة السمع على إمامته، فعلى ضروب:

منها: أن كل من أثبت إمامة أبيه وأجداده إلى علي عليه السلام قال بإمامته في الأحوال التي ذكرناها، وقد دللنا على إمامتهم، فلحق الفرع بالأصل، والمنة لله.

ولأنا نعلم وكل مخالط لآل محمد عليهم السلام وسامع لحديثهم تدينهم (٢) بإمامة الحجة الثاني عشر عليه السلام، ونصهم على كونه المهدي المستثير (٣) لله ولهم من الظالمين، وقد علمنا عصمتهم بالأدلة، فوجبت القطع على إمامة الاثني عشر صلوات الله عليهم خاصة، فما له وجبت إمامة الأول من الآيات والأخبار له وجبت إمامة الثاني عشر صلوات الله عليه، إذ لا فرق بين الأمرين.

ومنها: النص على إمامة الحجة عليه السلام، وهو على ضروب ثلاثة:

أحدها: النص من رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام على عدد الأئمة عليهم السلام وأنهم اثنا عشر، ولا شبهة على متأمل في أن النص على هذا

(١) أي: وفساد قول.

(٢) في النسخة: " بدينهم ".

(٣) في النسخة: " المستشير ".

٤١٧

العدد المخصوص نص على إمامة الحجة عليه السلام، كما هو نص على إمامة آبائه من الحسن بن علي بن محمد بن عين الرضا، إلى علي بن أبي طالب عليهم السلام، إذ لا أحد قال بهذا العدد المخصوص وقصر الإمامة عليه دون ما نقص منه وزاد عليه إلا خص به أمير المؤمنين والحجة بن الحسن ومن بينهما من الأئمة عليهم السلام.

وهذا الضرب من النص وارد من طريقي الخاصة والعامة.

(نص رسول الله على عدد الأئمة من بعده من طريق العامة)

فمما روته العامة فيه: عن الشعبي، عن مسروق، قال: كنا عند ابن مسعود، فقال له رجل: أحدثكم نبيكم كم يكون بعده من الخلفاء؟ فقال له عبد الله بن مسعود: نعم، وما سألني عنها أحد قبلك، وإنك لأحدث القوم سنا، سمعته عليه الصلاة والسلام يقول:

يكون بعدي من الخلفاء عدة نقباء موسى عليه السلام: اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش (١).

ورووا عن ابن مسعود من طرق أخر.

وزاد في بعضها مسروق قال: كنا جلوسا إلى عبد الله يقرئنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله صلى الله عليه وآله كم يملك أمر هذه الأمة من خليفة من بعده؟ فقال له عبد الله: ما سألني أحد منذ قدمت العراق عن هذا، سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: اثنا عشر، عدة نقباء بني إسرائيل (٢).

ورووا عن عبد الله بن أبي أمية مولى بني مجاشع، عن يزيد الرقاشي (٣)، عن أنس ابن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لن يزال هذا الدين قائما إلى اثني عشر من قريش، فإذا مضوا ساخت الأرض بأهلها، وساق الحديث (٤).

(١) غيبة النعماني: ١٠٧ من طرق العامة.

(٢) مسند أحمد ١: ٣٩٨.

(٣) في النسخة: " الرفاسي ".

(٤) كشف الأستار للنوري: ١٣٤.

٤١٨

ورووا عن زياد بن خثيمة، عن الأسود بن سعيد الهمداني قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، فقالوا له: ثم يكون ماذا؟ فقال: ثم يكون الهرج (١).

ورووا عن الشعبي، عن جابر بن سمرة: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا يزال أهل هذا الدين ينصرون على من ناواهم إلى اثني عشر خليفة، فجعل الناس يقومون ويقعدون، وتكلم بكلمة لم أفهمها، فقلت لأبي أو لأخي: أي شئ قال؟ فقال: كلهم من قريش (٢).

ورووا عن سماك بن حرب (٣)، وزياد بن علاقة (٤)، وحصين بن عبد الرحمن (٥)، وعبد الملك بن عمير (٦)، وأبي خالد الوالبي (٧)، عن جابر بن سمرة، مثله.

ورووا عن يونس بن أبي يعفور (٨)، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يخطب وعمي جالس بين يدي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يزال أمر أمتي صالحا حتى يمر اثنا عشر خليفة كلهم من قريش (٩).

ورووا عن ربيعة بن سيف قال: كنا عند شقيق الأصبحي فقال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يكون خلفي اثنا عشر خليفة (١٠).

ورووا عن حماد بن سلمة، عن أبي الطفيل قال: قال لي عبد الله بن عمر: يا

(١) رواه الشيخ في الغيبة: ٨٨، والنعماني في الغيبة: ١٠٣ من طرق العامة.

(٢) رواه النعماني في الغيبة: ١٠٤ من طرق العامة.

(٣) سنن الترمذي ٣: ٤٠.

(٤) الغيبة للنعماني: ١٠٣.

(٥) صحيح مسلم ٦: ٣.

(٦) صحيح البخاري ٩: ١٠١.

(٧) الغيبة للنعماني: ١٠٦.

(٨) في المستدرك: " يعقوب ".

(٩) المستدرك على الصحيحين ٣: ٦١٨.

(١٠) رواه الشيخ الطوسي في الغيبة: ٨٩ من طرق العامة، وفيه: " شفي الأصبحي ".

٤١٩

أبا لطفيل أعدد اثني عشر خليفة بعد النبي صلى الله عليه وآله، ثم يكون النقف والنفاق (١).

في أمثال لهذه الأحاديث من طريق العامة.

(النص على عدد الأئمة من طريق الخاصة)

ومن الشيعة ما تناصرت به روايتهم:

عن أبي الجارود، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام، عن أبيه، عن جده عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني واثنا عشر من أهل بيتي - أولهم علي بن أبي طالب عليه السلام - أوتاد الأرض التي أمسكها الله بها أن تسيخ بأهلها، فإذا ذهب الاثنا عشر من أهلي ساخت الأرض بأهلها ولم ينظروا (٢).

وعن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أهل بيتي اثنا عشر نقيبا نجباء محدثون مفهمون وآخرهم القائم بالحق يملأها عدلا كما ملأت جورا (٣).

ورووا عن أبي بصير، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عز وجل اختار من الأيام يوم الجمعة، ومن المشهور شهر رمضان، ومن الليالي ليلة القدر، واختار من الناس الأنبياء، واختار من الأنبياء الرسل، واختار (ني) من الرسل، واختار مني عليا، واختار من علي الحسن والحسين، واختار من الحسين الأوصياء عليهم السلام، وهم تسعة من ولد الحسين، ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، تاسعهم باطنهم

(١) رواه الشيخ الطوسي في الغيبة: ٨٩ من طرق العامة، ورواه الخطيب في تاريخ بغداد ٦: ٢٦٣، وفيه: " النقف والنقاف "، أي: القتل والقتال كما قيل، وفي بعض المصادر: " النفث والنفاث)، فراجع.

(٢) الكافي ١: ٥٣٤، غيبة الشيخ الطوسي: ٩٢، مع اختلاف يسير.

(٣) الكافي ١: ٥٣٤، منتخب الأثر: ٣٣.

٤٢٠