×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التوحيد / الصفحات: ٦١ - ٨٠

لا يدرك بالحواس الخمس، ولا يقع عليه الوهم، ولا تصفه الألسن، فكل شئحسته الحواس أو جسته الجواس أو لمسته الأيدي فهو مخلوق، والله هو العليحيث ما يبتغى يوجد، والحمد لله الذي كان قبل أن يكون كان(١) لم يوجد لوصفهكان(٢) بل كان أولا كائنا(٣) لم يكونه مكون، جل ثناؤه، بل كون الأشياءقبل كونها(٤) فكانت كما كونها، علم ما كان وما هو كائن، كان إذ لم يكن شئولم ينطق فيه ناطق(٥) فكان إذ لا كان.

١٨ - حدثنا علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق رحمه الله، قال: حدثنامحمد بن أبي عبد الله الكوفي، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل البرمكي، قال: حدثناالحسين بن الحسن بن بردة(٦)، قال: حدثني العباس بن عمرو الفقيمي، عن

(١) هذه والجملة الأخيرة في الحديث والتي قبلها بمثابة واحدة، أي كان قبل أنيكون شئ، يقال فيه: كان كذا وكذا، وكان إذ لا شئ، يقال فيه: كان كذا وكذا، كمايقال: صرت إلى كان وكنت أي صرت إلى أن يقال فيك: كان فلان كذا وكذا وكنت أنافيما كنت من قبل، وحاصل الكلام كله نفي أن يكون معه تعالى في أزليته شئ.

(٢) أي لم يوجد لوصفه تغير فيقال: كان كذا ثم صار كذا، وفي نسخة (و) و (ب)و (د) (لا يوجد - الخ).

(٣) في البحار في الجزء الثالث من الطبعة الحديثة ص ٢٩٨ (بل كان أزلا كانكائنا - الخ) وفي نسخة (ط) (بل كان أزلا كائنا - الخ).

(٤) قبلية التأثير على الأثر التي يقال لها التقدم بالعلية، لا قبلية بالزمان فإن تكوينالشئ يمتنع أن يكون قبل كونه زمانا.

(٥) أي في الله تعالى، ويحتمل رجوع الضمير إلى شئ أي كان إذ لم يكن شئ ولميكن ناطق فينطق في ذلك الشئ.

(٦) في نسخة (ب) و (د) (الحسين بن بردة) وفي الكافي باب حدوث العالم رويحديثا عن الرضا عليه السلام مع رجلا من الزنادقة سنده هكذا: حدثني محمد بن جعفر الأسديعن محمد بن إسماعيل البرمكي الرازي، عن الحسين بن الحسن بن برد (بدون التاء فيآخر الكلمة) الدينوري - الخ، وما في الكافي مذكور في الكتاب في الباب السادسوالثلاثين وليس في سنده هذا الرجل، ولم أجد له ذكرا فيما عندي من كتب الرجال.

٦١

أبي القاسم إبراهيم بن محمد العلوي، عن الفتح بن يزيد الجرجاني، قال: لقيتهعليه السلام(١) على الطريق عند منصرفي من مكة إلى خراسان وهو سائر إلى العراقفسمعته يقول: من اتقى الله يتقى، ومن أطاع الله يطاع.

فتلطفت في الوصول إليه فوصلت فسلمت فرد علي السلام ثم قال: يا فتحمن أرضى الخالق لم يبال بسخط المخلوق، ومن أسخط الخالق فقمن أن يسلط عليهسخط المخلوق، وإن الخالق لا يوصف إلا بما وصف به نفسه وأنى يوصف الذيتعجز الحواس أن تدركه، والأوهام أن تناله، والخطرات أن تحده، والأبصارعن الإحاطة به؟ جل عما وصفه الواصفون، وتعالى عما ينعته الناعتون، نأى فيقربه، وقرب في نأيه، فهو في بعده قريب، وفي قربه بعيد، كيف الكيف فلا يقال له: كيفوأين الأين فلا يقال له أين، إذ هو مبدع الكيفوفية والأينونية(٢) يا فتح كلجسم مغذي بغذاء إلا الخالق الرزاق، فإنه جسم الأجسام، وهو ليس بجسم ولاصورة، لم يتجزأ، ولم يتناه، ولم يتزايد، ولم يتناقص، مبرء من ذات ما ركبفي ذات من جسمه(٣) وهو اللطيف الخبير السميع البصير الواحد الأحد الصمد،لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، منشئ الأشياء(٤) ومجسم الأجسام، ومصور الصور، لو كان كما يقول المشبهة لم يعرف الخالق من المخلوق، ولا الرازقمن المرزوق، ولا المنشئ من المنشأ لكنه المنشئ، فرق بين من جسمه وصوره و

(١) يعني أبا الحسن الرضا عليه السلام بشهادة الحديث الرابع عشر.

(٢) في نسخة (ب) (مبدء الكيفوفية - الخ).

(٣) أي هو تعالى منزه من ذوات الأشياء والأجزاء التي ركبها وجعلها في ذات منأوجده جسما.

(٤) في حاشية نسخة (ب) (مشيئ الأشياء).

٦٢

شيئه وبينه(١) إذ كان لا يشبهه شئ.

قلت: فالله واحد والإنسان واحد، فليس قد تشابهت الوحدانية؟ فقال: أحلتثبتك الله(٢) إنما التشبيه في المعاني فأما في الأسماء فهي واحدة(٣) وهي دلالة علىالمسمى(٤) وذلك أن الإنسان وإن قيل واحد فإنه يخبر أنه جثة واحدة وليس باثنين،والإنسان نفسه ليس بواحد، لأن أعضاءه مختلفة، وألوانه مختلفة غير واحدة،وهو أجزاء مجزأة ليس سواء(٥) دمه غير لحمه، ولحمه غير دمه، وعصبه غير عروقه،وشعره غير بشره. وسواده غير بياضه، وكذلك سائر جميع الخلق، فالإنسان واحدفي الاسم، لا واحد في المعنى(٦) والله جل جلاله واحد لا واحد غيره، ولا اختلاففيه، ولا تفاوت، ولا زيادة، ولا نقصان، فأما الإنسان المخلوق المصنوع المؤلف

(١) قوله: (فرق) على صيغة المصدر مبتدء خبره (بين من جسمه - الخ) وقوله:

(بينه) معادلة بين الأولى، ويحتمل أن يكون ماضيا من باب التفعيل أي جعل بينه تعالى وبين من جسمه - الخ تفرقة ومباينة، ويحتمل بعيدا أن يكون قوله: (بينه) فعلا من النبيينإذ لا يناسب قوله: (إذ لا يشبهه شئ)، وقوله: (شيئه) من باب التفعيل أي جعله شيئا بالجعلالبسيط أو المركب، وفي الكافي باب معاني الأسماء (وأنشأه) مكان (شيئه).

(٢) أي أتيت بشئ محال.

(٣) أي إنما التشبيه الذي ننفيه عنه تعالى في الحقائق فأما في الأسماء أي الألفاظأو المفاهيم (والثاني أقرب) فالتشبيه واقع لأنها فيه تعالى وفي غيره واحدة متشابهة ولايضر ذلك بوحدة ذاته تعالى، ويمكن أن يقرأ بالنصب أي إنما ننفي عنه التشبيه في المعانيوفي البحار وفي نسخة (ج) (وأما في الأسماء).

(٤) أي والألفاظ دلالة على المفهوم أو والمفاهيم دلالة على المصداق والحقيقة، وشباهة الدال بشئ لا تستلزم شباهة المدلول للمغايرة بينهما ذاتا.

(٥) قوله: (ليس سواء) خبر لهو بعد خبر، وفي الكافي وفي حاشية نسخة (ط) و (ن)(ليست بسواء) فصفة لا جزاء بعد صفة.

(٦) في نسخة (ط) و (ن) فالإنسان واحد بالاسم لا واحد بالمعنى.

٦٣

فمن أجزاء مختلفة وجواهر شتى غير أنه بالاجتماع شئ واحد.

قلت: فقولك: اللطيف فسره لي، فإني أعلم أن لطفه خلاف لطف غيرهللفصل، غير أني أحب أن تشرح لي، فقال: يا فتح إنما قلت: اللطيف للخلقاللطيف ولعلمه بالشئ اللطيف، ألا ترى إلى أثر صنعه في النبات اللطيف وغيراللطيف، وفي الخلق اللطيف من أجسام الحيوان من الجرجس والبعوض وما هوأصغر منهما مما لا يكاد تستبينه العيون، بل لا يكاد يستبان لصغره الذكر من الأنثى،والمولود من القديم، فلما رأينا صغر ذلك في لطفه واهتدائه للسفاد والهرب من الموتوالجمع لما يصلحه بما في لجج البحار(١) وما في لحاء الأشجار والمفاوز والقفار وإفهام بعضها عن بعض منطقها(٢) وما تفهم به أولادها عنها، ونقلها الغذاء إليها، ثمتأليف ألوانها حمرة مع صفرة وبياض مع حمرة علمنا أن خالق هذا الخلق لطيف،وأن كل صانع شئ فمن شئ صنع(٣) والله الخالق اللطيف الجليل خلق وصنع لامن شئ.

قلت: جعلت فداك وغير الخالق الجليل خالق؟ قال: إن الله تبارك وتعالىيقول: (تبارك الله أحسن الخالقين)(٤) فقد أخبر أن في عباده خالقين(٥) منهم عيسىابن مريم، خلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله فنفخ فيه فصار طائرا بإذن الله،والسامري خلق لهم عجلا جسدا له خوار، قلت: إن عيسى خلق من الطين طيرا

(١) في البحار (سما في لجج البحار) وفي الكافي (وما في لجج البحار)(٢) استعمل الأفهام ههنا بمعنى التفاهم إذ تعدى بعن.

(٣) قوله: (وإن كل صانع شئ - الخ) جملة مستأنفة، ويحتمل بعيدا عطفه علىمدخول علمنا.

(٤) المؤمنون: ١٤.

(٥) هذا لا ينافي قوله تعالى: (الله خالق كل شئ) إذ هو تعالى خالق كل شئبواسطة أو بلا واسطة، فإسناد خلق بعض الأشياء إلى الوسائط لا يخرجه عن كونه مخلوقاله تعالى.

٦٤

دليلا على نبوته، والسامري خلق عجلا جسدا لنقض نبوة موسى عليه السلام، وشاء اللهأن يكون ذلك كذلك؟ إن هذا لهو العجب، فقال: ويحك يا فتح إن لله إرادتينومشيتين إرادة حتم وإرادة عزم(١) ينهى وهو يشاء، ويأمر وهو لا يشاء، أوما رأيتأنه نهى آدم وزوجته عن أن يأكلا من الشجرة وهو شاء ذلك، ولو لم يشأ لم يأكلاولو أكلا لغلبت مشيتهما مشية الله(٢) وأمر إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام، وشاء أن لا يذبحه، ولو لم يشأ أن لا يذبحه لغلبت مشية إبراهيم مشيئة الله عز وجل(٣)

(١) إن لله تعالى إرادة عزم سماها المتكلمون بالإرادة التشريعية هي أمره ونهيه بل نفستشريعه، والتشريع هو تعليم الله تعالى عبادة كيفية سلوكهم في طريقة العبودية وهذه لا تأثير لهافي شئ من أفعال العباد إلا أن لها شأنية بعثهم للأفعال والتروك. وإرادة حتم سموها بالتكوينيةولها تعلق بأفعالهم بمعنى أنه تعالى يريد أفعالهم من طريق اختيارهم وإرادتهم، وبعبارة أخرىأن فعل العبد لا يقع في ملكه تعالى إلا بإرادته تعالى جميع مقدماته التي منها اختيار العبدالموهوب من عند الله تعالى، فإن الله تعالى يريد فعل العبد هكذا وإذا لم يرده يبطل بعضالمقدمات فيبقى عاجزا، فالعبد دائما مقهور في فعله تحت إرادة الله لأن بيده الاختيار فقطالذي هو موهوب من الله تعالى وباقي المقدمات خارج من يده، فإن تمت واختار العبد وقعالفعل وإلا فلا، والمدح والذم دائما يتوجهان إلى العبد في فعله وتركه لأنه عند نقصانالمقدمات لا يذم ولا يمدح لعجزه عن إتيان الفعل وتركه بل تارك قهرا وعند تمامها يختارأو لا يختار فيمدح أو يذم، وباقي الكلام في الأبواب الآتية المناسبة له.

(٢) أي ولو أكلا مع عدم مشية الله تعالى للأكل بإبطال بعض المقدمات لغلبت الخ.

(٣) أي شاء عدم الذبح بتحقيق علته وهي عدم علة الذبح التامة فإن علة عدم الشئعدم علته، وعدم علة الذبح تحقق بإبطال تأثير السكين، وأما إبراهيم عليه السلام فشاء أن يذبحهفوقع ما شاء الله ولم يقع ما شاء إبراهيم وإن كان مأمورا بإيقاعه، ولو لم يشأ الله أن لا يذبحهوشاء إبراهيم أن لا يذبحه في هذه الصورة التي لم يقع الذبح لغلبت مشيئة إبراهيم مشية الله.

وفي الكافي باب المشيئة والإرادة: (وأمر إبراهيم أن يذبح إسحاق ولم يشأ أن يذبحه ولوشاء لما غلبت مشيئة إبراهيم مشيئة الله تعالى) أي ولو شاء لذبحه وما غلبت مشيئة إبراهيممشيئة الله تعالى لتوافق المشيئتين، ثم إن المأمور بالذبح في رواية الكافي إسحاق، وفي نسخة(و) و (ب) و (ج) و (د) لم يذكر الاسم بل فيها هكذا: (وأمر إبراهيم بذبح ابنه عليهما السلام- الخ) لكن الأخبار الكثيرة صريحة في أن المأمور بالذبح هو إسماعيل عليه السلام.

٦٥

قلت: فرجت عني فرج الله عنك، غير أنك قلت: السميع البصير، سميعبالأذن وبصير بالعين؟ فقال: إنه يسمع بما يبصر، ويرى بما يسمع، بصير لا بعينمثل عين المخلوقين، وسميع لا بمثل سمع السامعين، لكن لما لم يخف عليه خافيةمن أثر الذرة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء تحت الثرى والبحارقلنا: بصير، لا بمثل عين المخلوقين، ولما لم يشتبه عليه ضروب اللغات ولم يشغلهسمع عن سمع قلنا: سميع، لا مثل سمع السامعين.

قلت: جعلت فداك قد بقيت مسألة، قال: هات لله أبوك. قلت: يعلم القديمالشئ الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون؟(١) قال: ويحك إن مسائلكلصعبة، أما سمعت الله يقول: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)(٢) وقوله: (ولعلابعضهم على بعض)(٣) وقال يحكي قول أهل النار: (أخرجنا نعمل صالحا غير الذيكنا نعمل)(٤) وقال: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه)(٥) فقد علم الشئ الذي لم يكنأن لو كان كيف كان يكون.

فقمت لا قبل يده ورجله، فأدنى رأسه فقبلت وجهه ورأسه، وخرجت وبي من السرور والفرح ما أعجز عن وصفه لما تبينت من الخير والحظ.

قال مصنف هذا الكتاب رضي الله عنه: إن الله تبارك وتعالى نهى آدم وزوجتهعن أن يأكلا من الشجرة، وقد علم أنهما يأكلان منها، لكنه عز وجل شاء أنلا يحول بينهما وبين الأكل منها بالجبر والقدرة(٦) كما منعهما من الأكل منها

(١) (أن) بالفتح مع ما بعده مأول بالمصدر وبدل اشتمال للشئ الذي هو مفعول يعلم.

(٢) الأنبياء: ٢٢.

(٣) المؤمنون: ٩١.

(٤) فاطر: ٣٧.

(٥) الأنعام: ٢٨.

(٦) هذا لازم مشيته تعالى لفعل العبد على النحو الذي بيناه.

٦٦

بالنهي والزجر، فهذا معنى مشيته فيهما، ولو شاء عز وجل منعهما من الأكل بالجبرثم أكلا منها لكانت مشيتهما قد غلبت مشيته كما قال العالم عليه السلام، تعالى الله عنالعجز علوا كبيرا.

١٩ - حدثنا علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق رحمه الله، قال: حدثنامحمد بن أبي عبد الله الكوفي، قال: حدثني محمد بن جعفر البغدادي، عن سهل بن زياد،عن أبي الحسن علي بن محمد عليهما السلام، أنه قال: (إلهي تاهت أوهام المتوهمين وقصرطرف الطارفين، وتلاشت أوصاف الواصفين، واضمحلت أقاويل المبطلين عن الدركلعجيب شأنك، أو الوقوع بالبلوغ إلى علوك(١) فأنت في المكان الذي لا يتناهى(٢)ولم تقع عليك عيون بإشارة ولا عبارة(٣) هيهات ثم هيهات، يا أولي، يا وحداني،يا فرداني(٤) شمخت في العلو بعز الكبر، وارتفعت من وراء كل غورة ونهايةبجبروت الفخر).

٢٠ - حدثنا علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق رحمه الله، قال: حدثنيمحمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن الحسين بن الحسن،قال: حدثني أبو سمينة، عن إسماعيل بن أبان، عن زيد بن جبير، عن جابرالجعفي، قال: جاء رجل من علماء أهل الشام إلى أبي جعفر عليه السلام، فقال: جئتأسألك عن مسألة لم أجد أحدا يفسرها لي، وقد سألت ثلاثة أصناف من الناس،فقال كل صنف غير ما قال الآخر، فقال أبو جعفر عليه السلام: وما ذلك؟ فقال:

أسألك، ما أول ما خلق الله عز وجل من خلقه؟(٥) فإن بعض من سألته قال:

(١) أي الوقوع عليك بسبب البلوغ إلى علوك، والوقوع بمعنى الوقوف والاطلاع.

(٢) في نخسة (د) و (و) و (ب) (فأنت الذي لا يتناهى).

(٣) (ولا عبارة) متعلق بمحذوف إذ لا يستقيم قولنا: ولم تقع عليك عيون بعبارة أوالمراد بالعيون مطلق الإدراكات.

(٤) ياءات النسبة للمبالغة، وفي نسخة (ب) و (د) (يا أزلي).

(٥) في نسخة (ج) فقال: (أسألك عن أول - الخ).

٦٧

القدرة، وقال بعضهم: العلم، وقال بعضهم: الروح، فقال أبو جعفر عليه السلام: ماقالوا شيئا، أخبرك أن الله علا ذكره كان ولا شئ غيره، وكان عزيزا ولا عزلأنه كان قبل عزه(١) وذلك قوله: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون)(٢)وكان خالقا ولا مخلوق(٣) فأول شئ خلقه من خلقه الشئ الذي جميع الأشياءمنه، وهو الماء(٤) فقال السائل: فالشئ خلقه من شئ أو من لا شئ؟ فقال: خلقالشئ لا من شئ كان قبله، ولو خلق الشئ من شئ إذا لم يكن له انقطاع أبدا،ولم يزل الله إذا ومعه شئ(٥) ولكن كان الله ولا شئ معه، فخلق الشئ الذي جميعالأشياء، منه، وهو الماء.

٢١ - أبي رحمه الله، قال: حدثنا سعد بن عبد الله، قال: حدثنا محمد بن الحسينابن أبي الخطاب، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن إبراهيم بن عبد الحميد،قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول في سجوده: (يا من علا فلا شئ فوقه، يا من دنافلا شئ دونه، اغفر لي ولأصحابي).

(١) أي كان عزيزا بذاته ولم يظهر عزه على خلقه لأنه كان قبل ظهور عزه على خلقهإذ كان ولا شئ غيره.

(٢) الصافات: ١٨٠.

(٣) أي كان تاما بذاته في جهات الخلق والايجاد من دون توقف في خلقه على شئولا انتظار لشئ ولا مخلوق.

(٤) إن كان المراد به الماء الجسماني فهو أول شئ من الجسمانيات، وإن استعارهلأول شئ صدر منه تعالى فهو أول الأشياء مطلقا الذي عبر عنه في أخبار بالعقل والنور،والثاني أظهر لشهادة ذيل الحديث.

(٥) أجاب عليه السلام عن أول شقي الترديد في السؤال بلزوم التسلسل أو أن يكون لله تعالىثان في الأزلية، ولم يجب عن الشق الثاني لظهور أن لا شئ لا يكون مبدءا للشئ، فتعينالشق الثالث وهو خلق الشئ لا من شئ بأن يكون هو تعالى بذاته مبدءا له، ولصاحبالكافي بيانا في باب جوامع التوحيد لنظير هذا الكلام في حديث لأمير المؤمنين عليه السلام فليراجع.

٦٨
٦٩

السعدآبادي، قال: حدثنا أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن داود بن القاسم، قال:

سمعت علي بن موسى الرضا عليهما السلام، يقول: من شبه الله بخلقه فهو مشرك، ومن وصفهبالمكان فهو كافر، ومن نسب إليه ما نهى عنه فهو كاذب، ثم تلا هذه الآية: (إنمايفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون)(١).

٢٦ - حدثنا أبو العباس محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني رضي الله عنه،قال: حدثنا أبو سعيد الحسن بن علي العدوي، قال: حدثنا الهيثم بن عبد اللهالرماني، قال: حدثنا علي بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيهجعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بنعلي عليهم السلام، قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام الناس في مسجد الكوفة، فقال:

الحمد لله الذي لا من شئ كان، ولا من شئ كون ما قد كان، مستشهد بحدوثالأشياء على أزليته(٢) وبما وسمها به من العجز على قدرته، وبما اضطرها إليهمن الفناء على دوامه، لم يخل منه مكان فيدرك بأينية، ولا له شبه مثال فيوصفبكيفية(٣) ولم يغب عن علمه شئ فيعلم بحيثية(٤) مبائن لجميع ما أحدث في

(١) النحل: ١٠٥.

(٢) في البحار (المستشهد - الخ).

(٣) في البحار باب جوامع التوحيد وفي نسخة (و) و (ب) و (د) (ولا له شبحمثال - الخ).

(٤) (فيعلم) على صيغة المعلوم والمستتر فيه يرجع إلى الله تعالى ومفعوله محذوف، أيلم يغب عن علمه شئ فيعلمه بحيثية دون حيثية بل أحاط بكل شئ علما إحاطة تامة، أو المعنىلم يخرج عن علمه شئ حتى يعلم ذلك الشئ بصورته التي هي حيثية من حيثياته، وفي البحار(ولم يغب عن شئ فيعلم بحيثية) ويحتمل أن يكون على صيغة المجهول كالفعلين قبله، وفينسخة (ط) و (ج) و (د). (بحيثية) بالإضافة إلى الضمير وكذا (بكيفيته) وفي نسخة (ن) و(ب) كذلك في (باينيته أيضا).

٧٠

الصفات، وممتنع عن الادراك بما ابتدع من تصريف الذوات(١) وخارج بالكبرياءوالعظمة من جميع تصرف الحالات، محرم على بوارع ثاقبات الفطن تحديده(٢) وعلى عوامق ناقبات الفكر تكييفه، وعلى غوائص سابحات الفطر تصويرة(٣) لا تحويهالأماكن لعظمته، ولا تذرعه المقادير لجلاله، ولا تقطعه المقائيس لكبريائه، ممتنععن الأوهام أن تكتنهه، وعن الأفهام أن تستغرقه(٤) وعن الأذهان أن تمثله،قد يئست من استنباط الإحاطة به طوامح العقول، ونضبت عن الإشارة إليه بالاكتناهبحار العلوم، ورجعت بالصغر عن السمو إلى وصف قدرته لطائف الخصوم(٥) واحدلا من عدد، ودائم لا بأمد، وقائم لا بعمد، ليس بجنس فتعادله الأجناس، ولابشبح فتضارعه الأشباح، ولا كالأشياء فتقع عليه الصفات، قد ضلت العقول في أمواج

(١) (بما) متعلق بالادراك أي يمتنع أن يدرك ذاته بما ابتدع من الذوات الممكنةالمتغيرة المتصرفة لأن ذاته مبائنة لهذه الذوات والشئ لا يعرف بمبائنه.

(٢) هذا من إضافة الصفة إلى الموصوف أي الفطن الثاقبة البارعة، وكذا فيما بعده.

(٣) في البحار (النظر)) مكان (الفطر)، وهو أنسب لأن الغوص من شؤون النظرالذي يغوص في بحار المبادي ويأخذ ما يناسب مطلوبه التصوري أو التصديقي وأما الفطرةفساكنة مطمئنة تنظر دائما بعينها إلى جناب قدس الرب تعالى وعينها عمياء عما سواه، وهذاهو الدين القيم الحنيف الذي أمر بإقامة الوجه له في الكتاب.

(٤) في نسخة (ج) وحاشية نسخة (ط) (أن تستعرفه).

(٥) الباء بمعنى مع والى متعلق بالسمو، أي رجعت الخصوم اللطيفة الدقيقة مع الذلوالحقارة عن التصعد إلى وصف قدرته، والمراد بالخصوم الأوهام وإنما أطلق الخصم علىالوهم لأنه يخاصم وينازع العقل فيما هو خارج عن إدراكه فيشبهه في الإحكام بما هو فيإدراكه، ويحتمل أن يكون المراد بها الأفكار القوية التي تنازع جنود الجهل وتفتح قلاعالمجملات والمجهولات لسلطان النفس وهي مع ذلك ترجع من تلك المعركة مهانةذليلة مقهورة.

٧١

تيار إدراكه، وتحيرت الأوهام عن إحاطة ذكر أزليته(١) وحصرت الأفهام عناستشعار وصف قدرته، وغرقت الأذهان في لجج أفلاك ملكوته(٢) مقتدر بالآلاء(٣)وممتنع بالكبرياء ومتملك على الأشياء(٤) فلا دهر يخلقه(٥) ولا وصف يحيطبه، قد خضعت له ثوابت الصعاب في محل تخوم قرارها، وأذعنت له رواصن الأسبابفي منتهى شواهق أقطارها(٦) مستشهد بكلية الأجناس على ربوبيته(٧) وبعجزهاعلى قدرته، وبفطورها على قدمته، وبزوالها على بقائه، فلا لها محيص عن إدراكهإياها، ولا خروج من إحاطته بها، ولا احتجاب عن إحصائه لها(٨) ولا امتناعمن قدرته عليها، كفى بإتقان الصنع لها آية، وبمركب الطبع عليها دلالة(٩) وبحدوث الفطر عليها قدمة(١٠) وبإحكام الصنعة لها عبرة، فلا إليه حد منسوب، و

(١) في نسخة (و) و (د) و (ب) (وتخبطت الأوهام - الخ).

(٢) الفلك من كل شئ مستداره ومعظمه.

(٣) أي مقتدر على الآلاء، أو مقتدر على الخلق بالآلاء بأن يعطيهم إياها ويمنعهم إياها.

(٤) في نسخة (د) و (و) وحاشية نسخة (ب) (ومستملك بالأشياء).

(٥) من الأخلاق أي لا يبليه دهر.

(٦) الظاهر أن المراد بثوابت الصعاب ما في الأرض من أصول الكائنات وبرواصنالأسباب ما في السماوات من علل الحادثات، وفي البحار وفي نسخة (ب) و (و) و (د)(رواتب الصعاب).

(٧) أي بكل ضرب من ضروب الأشياء وكل قسم من أقسام الموجودات.

(٨) في نسخة (د) وحاشية نسخة (ب) (ولا احتجار عن إحصائه لها) من الحجربمعنى المنع.

(٩) أي بالطبع المركب على الأجناس، أو مصدر ميمي بمعنى تركيب الطبع عليها.

(١٠) أي كفى بحدوث الايجاد على الأجناس أو حدوث التفطر والانعدام عليها دلالة.

على قدمته.

٧٢

لا له مثل مضروب، ولا شئ عنه محجوب، تعالى عن ضرب الأمثال والصفات المخلوقةعلوا كبيرا.

وأشهد أن لا إله إلا الله إيمانا بربوبيته، وخلافا على من أنكره، وأشهد أنمحمد عبده ورسوله المقر في خير مستقر، المتناسخ من أكارم الأصلاب ومطهراتالأرحام(١) المخرج من أكرم المعادن محتدا، وأفضل المنابت منبتا، من أمنعذروة، وأعز أرومة، من الشجرة التي صاغ الله منها أنبياءه(٢) وانتجب منها أمناءهالطيبة العود، المعتدلة العمود، الباسقة الفروع، الناضرة الغصون، اليانعة الثمارالكريمة الحشا، في كرم غرست، وفي حرم أنبتت، وفيه تشعبت، وأثمرت، وعزت، وامتنعت، فسمت به(٣) وشمخت حتى أكرمه الله عز وجل بالروح الأمينوالنور المبين والكتاب المستبين، وسخر له البراق، وصافحته الملائكة، وأرعب بهالأباليس، وهدم به الأصنام والآلهة المعبودة دونه، سنته الرشد، وسيرته العدلوحكمه الحق، صدع بما أمره ربه، وبلغ ما حمله، حتى أفصح بالتوحيد دعوتهوأظهر في الخلق أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حتى خلصت له الوحدانيةوصفت له الربوبية، وأظهر الله بالتوحيد حجته، وأعلى بالاسلام درجته، واختارالله عز وجل لنبيه ما عنده من الروح والدرجة والوسيلة، صلى الله عليه عدد ماصلى على أنبيائه المرسلين، وآله الطاهرين.

٢٧ - حدثنا محمد بن محمد بن عصام الكليني رحمه الله قال: حدثنا محمد بن يعقوبالكليني، قال: حدثنا محمد بن علي بن معن، قال: حدثنا محمد بن علي بن عاتكة،عن الحسين بن النضر الفهري، عن عمرو الأوزاعي، عن عمرو بن شمر، عن جابر

(١) المقر بصيغة المفعول من باب الأفعال، والمتناسخ بمعنى المنتقل.

(٢) في إبراهيم عليه السلام، وفي الحديث (ما من نبي بعده إلا من صلبه) كما قالتعالى: (و.. لنا في ذريته النبوة والكتاب).

(٣) الضمير المجرور إما يرجع إلى حرم فالباء للظرفية، ويحتمل التعدية أو إلىمحمد صلى الله عليه وآله، فللسببية، والضمائر المؤنثة كلها راجعة إلى الشجرة.

٧٣

ابن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر، عن أبيه، عن جده عليهم السلام،قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة خطبها بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسبعة أيام، وذلك حين فرغ من جمع القرآن فقال:

الحمد لله الذي أعجز الأوهام أن تنال إلا وجوده(١) وحجب العقول عن أنتتخيل ذاته في امتناعها من الشبه والشكل، بل هو الذي لم يتفاوت في ذاته، ولميتبعض بتجزئة العدد في كماله، فارق الأشياء لا على اختلاف الأماكن، وتمكنمنها لا على الممازجة، وعلمها لا بأداة - لا يكون العلم إلا بها -(٢) وليس بينه وبينمعلومه علم غيره، إن قيل كان فعلى تأويل أزلية الوجود، وإن قيل: لم يزل فعلىتأويل نفي العدم(٣) فسبحانه وتعالى عن قول من عبد سواه واتخذ إلها غيرهعلوا كبيرا.

ونحمده بالحمد الذي ارتضاه لخلقه، وأوجب قبوله على نفسه، وأشهد أنلا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، شهادتان ترفعانالقول، وتضاعفان العمل، خف ميزان ترفعان منه، وثقل ميزان توضعان فيه، وبهما الفوز بالجنة والنجاة من النار، والجواز على الصراط، وبالشهادتين يدخلونالجنة، وبالصلاة ينالون الرحمة، فأكثروا من الصلاة على نبيكم وآله، إن اللهوملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما.

أيها الناس إنه لا شرف أعلى من الإسلام، ولا كرم أعز من التقى، ولامعقل أحرز من الورع، ولا شفيع أنجح من التوبة، ولا كنز أنفع من العلم، ولاعز أرفع من الحلم، ولا حسب أبلغ من الأدب، ولا نسب أوضع من الغضب، ولا

(١) أي لا يدرك منه إلا أنه تعالى موجود وأما ذاته فلا، وفي البحار باب جوامعالتوحيد عن تحف العقول: (أعدم الأوهام أن تنال إلى وجوده) أي إلى ذاته.

(٢) هذه الجملة صفة لأداة والضمير المجرور بالباء يرجع إليها، أي علم الأشياء لا بأداةلا يكون علم المخلوق إلا بها.

(٣) أي ليس كونه وبقاؤه مقرونين بالزمان على ما يفهم من كلمة كان ولم يزل.

٧٤

جمال أزين من العقل، ولا سوء أسوء من الكذب، ولا حافظ أحفظ من الصمت، ولالباس أجمل من العافية، ولا غائب أقرب من الموت.

أيها الناس إنه من مشى على وجه الأرض فإنه يصير إلى بطنها، والليلوالنهار مسرعان في هدم الأعمار، ولكل ذي رمق قوت، ولكل حبة آكل، وأنتم قوت الموت، وإن من عرف الأيام لم يغفل عن الاستعداد، لن ينجو من الموتغني بماله ولا فقير لا قلاله.

أيها الناس من خاف ربه كف ظلمه، ومن لم يرع في كلامه أظهر هجرهومن لم يعرف الخير من الشر فهو بمنزلة البهم، ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقةغدا، هيهات هيهات، وما تناكرتم إلا لما فيكم من المعاصي والذنوب، فما أقربالراحة من التعب، والبؤس من النعيم، وما شر بشر بعده الجنة، وما خيربخير بعده النار، وكل نعيم دون الجنة محقور، وكل بلاء دون النار عافية.

٢٨ - حدثنا تميم بن عبد الله بن تميم القرشي رضي الله عنه، قال: حدثنيأبي، عن حمدان بن سليمان النيسابوري، عن علي بن محمد بن الجهم، قال: حضرتمجلس المأمون وعنده علي بن موسى الرضا عليهما السلام، فقال له المأمون: يا ابنرسول الله أليس من قولك إن الأنبياء معصومون، قال: بلى، قال: فسأله عن آياتمن القرآن، فكان فيما سأله أن قال له: فأخبرني عن قول الله عز وجل في إبراهيم(فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي) فقال الرضا عليه السلام: إن إبراهيمعليه السلام وقع إلى ثلاثة أصناف: صنف يعبد الزهرة، وصنف يعبد القمر، وصنف يعبدالشمس، وذلك حين خرج من السرب الذي أخفي فيه، فلما جن عليه الليل ورأى الزهرة قال: هذا ربي على الانكار والاستخبار، فلما أفل الكوكب قال:

(لا أحب الآفلين) لأن الأفول من صفات المحدث لا من صفات القديم، فلمارأى القمر بازغا قال: هذا ربي على الانكار والاستخبار، فلما أفل قال: (لئنلم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين) فلما أصبح (ورأى الشمس بازغة قالهذا ربي هذا أكبر) من الزهرة والقمر على الإنكار والإستخبار لا على الإخبار

٧٥

والإقرار، فلما أفلت قال للأصناف الثلاثة من عبدة الزهرة والقمر والشمس:

(يا قوم إني برئ مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرضحنيفا وما أنا من المشركين) وإنما أراد إبراهيم بما قال أن يبين لهم بطلان دينهم،ويثبت عندهم أن العبادة لا تحق لما كان بصفة الزهرة والقمر والشمس، وإنماتحق العبادة لخالقها وخالق السماوات والأرض، وكان ما احتج به على قومه مماألهمه الله عز وجل وآتاه كما قال الله عز وجل: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم علىقومه)(١) فقال المأمون: لله درك يا ابن رسول الله. والحديث طويل أخذنا منه موضعالحاجة، وقد أخرجته بتمامه في كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام.

٢٩ - حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمه الله، قال: حدثنا محمد بنيحيى العطار، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن محمد بن أورمة، عن إبراهيمابن الحكم بن ظهير، عن عبد الله بن جرير العبدي، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنهكان يقول: الحمد لله الذي لا يحس، ولا يجس، ولا يمس، ولا يدرك بالحواسالخمس، ولا يقع عليه الوهم، ولا تصفه الألسن، وكل شئ حسته الحواس أولمسته الأيدي فهو مخلوق، الحمد لله الذي كان إذ لم يكن شئ غيره، وكون الأشياءفكانت كما كونها، وعلم ما كان وما هو كائن.

٣٠ - حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله عنه، قال: حدثناعلي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بنراشد، عن يعقوب بن جعفر، قال: سمعت أبا إبراهيم موسى بن جعفر عليهما السلام، وهو يكلمراهبا من النصارى، فقال له في بعض ما ناظره: إن الله تبارك وتعالى أجل وأعظممن أن يحد بيد أو رجل أو حركة أو سكون، أو يوصف بطول أو قصر، أو تبلغه.

الأوهام، أو تحيط به صفة العقول(٢) أنزل مواعظه ووعده ووعيده، أمر بلا شفة

(١) الأنعام: ٨٣. والآيات قبل هذه الآية.

(٢) في البحار وفي نسخة (ب) و (د) و (ج) و (و) (أو تحيط بصفته العقول).

٧٦

ولا لسان، ولكن كما شاء أن يقول له كن فكان خبرا كما أراد في اللوح(١).

٣١ - حدثنا أحمد بن هارون الفامي رضي الله عنه، قال: حدثنا محمد بن عبد اللهابن جعفر بن جامع الحميري، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبيه،عن محمد بن أبي عمير، عن غير واحد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من شبه الله بخلقهفهو مشرك، ومن أنكر قدرته فهو كافر.

٣٢ - حدثنا أبي، وعبد الواحد بن محمد بن عبدوس العطار رحمهما الله، قالا:

حدثنا علي بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان، عن محمد بن أبي عمير، قال:

دخلت على سيدي موسى بن جعفر عليهما السلام، فقلت له: يا ابن رسول الله علمني التوحيدفقال: يا أبا أحمد لا تتجاوز في التوحيد ما ذكره الله تعالى ذكره في كتابه فتهلك، واعلمأن الله تعالى واحد، أحد، صمد، لم يلد فيورث، ولم يولد فيشارك، ولم يتخذصاحبة ولا ولدا ولا شريكا، وإنه الحي الذي لا يموت، والقادر الذي لا يعجز،والقاهر الذي لا يغلب، والحليم الذي لا يعجل، والدائم الذي لا يبيد، والباقيالذي لا يفنى، والثابت الذي لا يزول، والغني الذي لا يفتقر، والعزيز الذي لايذل، والعالم الذي لا يجهل، والعدل الذي لا يجور، والجواد الذي لا يبخل، وإنه لا تقدره العقول، ولا تقع عليه الأوهام، ولا تحيط به الأقطار، ولا يحويهمكان، ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وليس كمثلهشئ وهو السميع البصير (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هوسادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا) وهو الأول الذيلا شئ قبله، والآخر الذي لا شئ بعده، وهو القديم وما سواه مخلوق محدث، تعالى

(١) قوله: (خبرا) بضم الخاء المعجمة وسكون الباء بمعنى العلم وهو بمعنى الفاعلحال من فاعل (شاء)، وفي نسخة (و) و (د) و (ب) بالجيم والباء الموحدة، أي شاء من دونخيرة للمخلوق فيما كان بمشيئته، وفي البحار باب نفي الجسم والصورة وفي نسخة (ج) بالخاءالمعجمة والياء المثناة من تحت، وقوله: (كما أراد - الخ) أي ما حدث في الوجود بقولهكن كان كما أراد وأثبت في لوح التقدير أو لوح من الألواح السابقة عليه إلى أن ينتهي إلى عمله.

٧٧

عن صفات المخلوقين علوا كبيرا.

٣٣ - حدثنا أبو سعيد محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق المذكر المعروف بأبيسعيد المعلم بنيسابور، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، قال: حدثنا عليابن سلمة الليفي، قال: حدثنا إسماعيل بن يحيى بن عبد الله، عن عبد الله بن طلحة بنهجيم، قال: حدثنا أبو سنان الشيباني سعيد بن سنان، عن الضحاك، عن النزالابن سبرة(١)، قال: جاء يهودي إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: يا أمير المؤمنينمتى كان ربنا؟ قال: فقال له علي عليه السلام: إنما يقال: متى كان لشئ لم يكن فكانوربنا تبارك وتعالى هو كائن بلا كينونة(٢) كائن، كان بلا كيف يكون، كائن لميزل بلا لم يزل، وبلا كيف يكون، كان لم يزل ليس له قبل، هو قبل القبلبلا قبل وبلا غاية ولا منتهى، غاية ولا غاية إليها(٣) غاية انقطعت الغايات عنه، فهوغاية كل غاية.

٣٤ - أخبرني أبو العباس الفضل بن الفضل بن العباس الكندي فيما أجازهلي بهمدان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، قال: حدثنا محمد بن سهل يعني العطارالبغدادي لفظا من كتابه سنة خمس وثلاثمائة، قال: حدثنا عبد الله بن محمد البلويقال: حدثني عمارة بن زيد، قال: حدثني عبد الله بن العلاء(٤) قال: حدثني

(١) النسخ في ضبط أسماء رجال هذا الحديث وألقابهم وكناهم مختلفة كثيرا، وتركناذكر الاختلاف لقلة الجدوى فإنهم أو أكثرهم من العامة، والحديث مذكور بسند آخر في البابالثامن والعشرين في موضعين.

(٢) أي ربنا تبارك وتعالى كائن بحقيقة الكينونة بلا أن يكون له كينونة زائدة على ذاته(٣) أي هو غاية كل شئ ولا غاية له ينتهي إليها، وحاصل كلامه عليه السلام أنه تعالى لا يتصفبمتى ولا بلوازمه من كونه ذا مبدء ومنتهى لأن ذلك ينافي الربوبية الكبرى بل الأشياء كلهاحتى الزمان تبتدء منه وتنتهي إليه، هو الأول والآخر.

(٤) في البحار باب جوامع التوحيد وفي نسخة (ب) و (و) و (ج) (عبيد الله بن العلاء).

٧٨

صالح بن سبيع، عن عمرو بن محمد بن صعصعة بن صوحان(١) قال: حدثني أبيعن أبي المعتمر مسلم بن أوس، قال: حضرت مجلس علي عليه السلام في جامع الكوفةفقام إليه رجل مصفر اللون - كأنه من متهودة اليمن - فقال: يا أمير المؤمنين صفلنا خالقك وانعته لنا كأنا نراه وننظر إليه، فسبح علي عليه السلام ربه وعظمه عز وجلوقال:

الحمد لله الذي هو أول بلا بدئ مما(٢) ولا باطن فيما، ولا يزال مهما(٣)ولا ممازج مع ما، ولا خيال وهما(٤) ليس بشبح فيرى، ولا بجسم فيتجزأ، ولابذي غاية فيتناهى، ولا بمحدث فيبصر، ولا بمستتر فيكشف، ولا بذي حجبفيحوى(٥) كان ولا أماكن تحمله أكنافها، ولا حملة ترفعه بقوتها، ولا كان بعدأن لم يكن، بل حارث الأوهام أن تكيف المكيف للأشياء ومن لم يزل بلامكان، ولا يزول باختلاف الأزمان، ولا ينقلب شأنا بعد شأن(٦)، البعيد من حدس

(١) في نسخة (د) و (ب) (عن عمر بن محمد - الخ)، وفي نسخة (و) وحاشيةنسخة (ط) (حدثني صالح بن سبيع بن عمرو بن محمد - الخ) ورجال هذا السند كلهم مجاهيلإلا البلوى وهو رجل ضعيف مطعون عليه، لكن لا ضير فيه لأن الاعتبار في أمثال هذهالأحاديث بالمتن، ولو كان سندها معتبرا ولم تكن متونها موافقة لما تواتر من مذهب أهلالبيت (ع) أو مضمونها مخالف لما دل عليه العقل لم تكن حجة إلا عند الحشوية من أهل الحديث.

(٢) أي بلا بدئ من شئ، وهو فعيل بمعنى المفعول أو الفاعل، وعلى الأول فهومضمون ما في خطبه الأخرى: (لا من شئ كان) وعلى الثاني فهو مضمون قوله: (لا من شئكون ما قد كان) والأول أظهر بل الظاهر.

(٣) أي ولا يزول أبدا فإن يزال يأتي بمعنى يزول قليلا، ومهما لعموم الأزمان.

(٤) الخيال بفتح الأول ما يتمثل في النوم واليقظة من صورة الشئ، أي ولا هوكالخيال يتصور ويتمثل في قوة الوهم.

(٥) أي لا يستره حجب فيكون محويا في مكان وراء الحجب.

(٦) لا ينافي هذا ما في الآية الشريفة من أنه كل يوم هو في شأن لأن هنا بمعنى الحالفي نفسه وهناك بمعنى الأمر في خلقه، كما قال عليه السلام في صدر الحديث الأول: (إنه كل يوم فيشأن من إحداث بديع لم يكن).

٧٩

القلوب(١) المتعالي عن الأشياء والضروب، والوتر، علام الغيوب، فمعاني الخلق عنهمنفية، وسرائرهم عليه غير خفية، المعروف بغير كيفية، لا يدرك بالحواس، ولا يقاسبالناس، ولا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأفكار، ولا تقدره العقول، ولا تقع عليهالأوهام، فكل ما قدره عقل أو عرف له مثل فهو محدود، وكيف يوصف بالأشباح، وينعت بالألسن الفصاح؟ من لم يحلل في الأشياء فيقال هو فيها كائن، ولم ينأ عنهافيقال هو عنها بائن، ولم يخل منها فيقال أين، ولم يقرب منها بالالتزاق، ولم يبعدعنها بالافتراق، بل هو في الأشياء بلا كيفية، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد،وأبعد من الشبه من كل بعيد(٢) لم يخلق الأشياء من أصول أزلية، ولا منأوائل كانت قبله بدية(٣) بل خلق ما خلق، وأتقن خلقه، وصور ما صور، فأحسنصورته، فسبحان من توحد في علوه، فليس لشئ منه امتناع، ولا له بطاعة أحدمن خلقه انتفاع، إجابته للداعين سريعة، والملائكة له في السماوات والأرضمطيعة، كلم موسى تكليما بلا جوارح وأدوات ولا شفة ولا لهوات(٤) سبحانه وتعالى عن الصفات، فمن زعم أن إله الخلق محدود فقد جهل الخالق المعبود - والخطبة طويلة أخذنا منها موضع الحاجة -.

٣٥ - حدثنا أبو العباس محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني رضي الله عنه.

(١) في نسخة (ب) و (ج) (البعيد من حدث القلوب).

(٢) في البحار وفي نسخة (ج) و (و) و (ب) (وأبعد من الشبهة - الخ).

(٣) بدية أي مبتدئة، والمعنى لم يخلق الأشياء على مثال أشياء مبتدئة قبل خلق هذهالأشياء، بل فعله إبداع واختراع، والجملتان نظير قول الرضا عليه السلام في الحديث الخامسمن الباب السادس: الحمد لله فاطر الأشياء - الخ، وفي نسخة (ط) و (ن) (أبدية) مكان بدية.

(٤) جمع لهاة وهي اللحمة الصغيرة المشرفة على الحلق في أقصى الفم تسمى باللسانالصغير عندها مخرج الكاف والقاف.

٨٠