×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التوحيد والتثليث / الصفحات: ٦١ - ٨٠

المجمل بالعطف، وقالت أيضا: إله إبراهيم وإله إسحاق (١٠٤) فالعطف في المقامين دليل الإثنينية، ثم يتحمس عليك ويقول لك مثل قولك: أي دليل أوضح وأي نور أضوأ من هذا؟! وإنها لظلمات بعضها فوق بعض.

[ ١٩ ]

وأما احتجاجك بقول توراتكم في شأن إبراهيم: (وظهر له الرب عند بلوطات (ممرا) وهو جالس في باب الخيمة، فرفع عينيه ونظر، إذا ثلاث رجال واقفون لديه، فلما نظر ركض لاستقبالهم وسجد إلى الأرض، وقال: يا سيد، إن كنت وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك).

فإن اتباعك لغفلة المدعو بعبد المسيح قد أغفلك عن التدبر في محاورات توراتكم التي عرفت حالها، فإنها كثيرا ما تسمي الملاك بالله والرب، جهلا من كاتبها، الذي استعار لها اسم التوراة الحقيقية، أو لأنه قد دفعه إلى ذلك طوايا الوثنية وعبادة جند السماء!

أفلا تراها بينما تكرر أن الرب يسير أمام بني إسرائيل (١٠٥) إذ تقول: إن السائر هو ملاك الرب (١٠٦) وتقول: إن الذي ظهر لموسى في عليقة النار هو ملاك الرب (١٠٧)؟! كما صرح به استفانوسكم الذي تقولون: إنه ممتلئ من الروح القدس!

(١٠٤) تك ٢٨: ١٣.

(١٠٥) خر ١٣: ٢١ و ١٤: ٣٤، وعد ١٤: ١٤، وتث ١: ٣٢ مع ٣٣.

(١٠٦) خر ١٤: ١٩، وعد ٢٠: ١٦.

(١٠٧) خر ٣: ٢.

٦١
ثم تقول: إن الذي ظهر هو الرب الإله (١٠٨) وإنها تقول: إن الذي كلم موسى هو الله (١٠٩) واستفانوسكم يقول: إن الملاك الذي كان سائرا مع موسى في البرية هو الذي كان يكلمه في جبل سينا (١١٠).

وإن سفر القضاة قد نسب إلى ملاك الرب ما نسبته التوراة إلى الله جل اسمه ففيه: (وصعد ملاك الرب من الجلجال إلى (بوكيم) وقال: قد أصعدتكم من مصر، وأتيت بكم إلى الأرض التي أقسمت لآبائكم وقلت: لا أنكث عهدي معكم إلى الأبد، وأنتم فلا تقطعوا عهدا مع سكان هذه الأرض، اهدموا مذابحهم، فلا تسمعوا لصوتي، فماذا عملتم، فقلت: لا أطردهم من أمامكم، بل يكونون لكم وتكون آلهتهم لكم شركا، وكان لما تكلم ملاك الرب بهذا الكلام) (١١١).

ثم قل - هداك الله وعافاك -: ما صورة احتجاجك بقصة إبراهيم؟! أتقول - عافاك الله -: إن إبراهيم كان عارفا بأن الرجال الثلاثة كانوا أقانيم الإله الواحد، ولذلك خاطبهم خطاب الواحد، لأجل أنهم وإن كانوا ثلاثة فهم واحد حقيقة، ومن أجل هذه المعرفة دعاهم إلى الضيافة ليغسلوا أرجلهم، ويتكئوا تحت الشجرة، ويسندوا قلوبهم بكسرة خبز، فعمل لهم ثلاث كيلات خبز ملة وعجلا سمينا وزبدا ولبنا ووضعها قدامهم فأكلوا؟!

(١٠٨) خر ٣: ١٦.

(١٠٩) وهو كثير في التوراة وعليه مدارها، فانظر: خر ٣: ٤ و ١١، و ٤: ١٠، وعد ١٢: ٨.

(١١٠) أع ٧: ٣٨.

(١١١) قض ٢: ١ - ٥.

٦٢
عافاك الله، أفتدعوني إلى عبادة مثل هذه الآلهة؟! أفهذا إنصافك؟! وقد عهدنا من بعض السكارى المنصفين أنهم - في حال سكرهم - يعظون من يشفقون عليه، ويمنعونه عن السكر معهم، ويقولون له: إنا قد ابتلينا بشرب هذا المنحوس، ولا تدعنا العادة الوخيمة أن نتركه، فلا تبتل بسفاهتنا!

أم تقول: إن إبراهيم لم يكن عارفا بأنهم أقانيم الإله الواحد، ولكن اتفاق هذه الواقعة في تعدد الرجال ووحدة الخطاب يشير إلى تثليث الأقانيم؟!

قلنا: وحاصل ما تقول إذن أن وحدة الخطاب مع تعدد الرجال كان غلطا، ولكنه يشير إلى تثليث أقانيم الإله الواحد، فبخ بخ لك في هذه الحجة، وهل يناسب الغلط أن يحتج له بغير الغلط؟!

ولكن المجوسي يحتج عليك بأقوى من حجتك ويقول: إن هذا الغلط، الاتفاقي لا يصلح حجة، ولكن الحجة هو الغلط اللازم في المرض المزمن، وهو كون الأحول يرى الواحد اثنين متماثلين، فيه إشارة إلى أن الإله الذي يعتبره الموحدون واحدا إنما هو اثنان!

ثم يجئ الوثني ويقول للمثلث والمثنى: لا ينبغي أن يحتج لمثل هذه المعرفة بالغلط، بل إن التوراة كثيرا ما خاطبت الألوف المتعددة - من بعيد - شبحا واحدا، وفي هذا كله إشارة إلى أن الإله الذي يعتبره الموحدون واحدا إنما هو ألوف من الأوثان!

عافاك الله، وليس للموحد حينئذ إلا أن يوقفه العجب موقف

٦٣
الحيرة، لا يدري أيضحك أم يبكي!؟

[ ٢٠ ]

وأما قولك: (قال داود: بكلمة الله صنعت السماوات، وبروح فيه كل جنودها (مز ٣٣: ٦). فذكر الله وكلمته وروحه. الأقانيم الثلاثة).

فلم تعد فيه أن تكون تابعا لغفلة المدعو بعبد المسيح، أفلم تنظر في المزمور الذي تذكره لكي ترى فيه قوله: (في خلق الله للسماوات اسم الرب، لأنه أمر فخلقت) (١١٢).

ألم تسمع من إنجيلكم نقله عن قول المسيح: (إنه مكتوب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله) (١١٣) وأشير بالمكتوب إلى قول التوراة ذلك مع زيادة في النقل، فإن نص الذي في التوراة (بل بما يخرج من فم الله) (١١٤).

أفلم تعلم من ذلك أن المراد بالكلمة هو فيض الله عليه العالم بالتكوين والتعليم والتشريع، فقيل عن الفيض: إنه كلمة.. وأمر.. وليكن.. وكلمة تخرج من فم الله.. وريح فمه، أو روح فمه، أفلا تفهم من قوله: (ريح فمه) أو (روح فمه) أنه كناية عن الفيض والمشيئة التكوينية التي يعبر عنها بكن.. ولتكن.. وكلمة، كما تذكر التوراة خلق الأشياء بقوله جل اسمه: (يهي) أي: لتكن.

عافاك الله، وقد موه قلبك عبد المسيح فأخبر جازما بأن الذي في

(١١٢) مز ١٤٨: ٥.

(١١٣) مت ٤: ٤، ولو ٤: ٤.

(١١٤) تث ٨: ٣.

٦٤
المزامير: (روح فمه) مع أن اللفظ العبراني يحتمل معنى الريح، كما هو الأنسب، وفسره مترجموكم بالنسمة، فانظر الأصل العبراني تك ٣: ٨، وخر ١٤: ٢١، وعد ١١: ٣١.

والحاصل أن كلمة الله، وريح فمه، ونسمة فمه، بل وروح فمه، هذه كلها كناية عن مشيئة الله التي بها أوجدت السماوات وكل جنودها.

[ ٢١ ]

وأما حجتك بقول المزامير: (لكلمة الله اسبح).

فإنك اتبعت فيه عبد المسيح، وهو غير معتمد في نقله، ولم نجد هذا المنقول على الاستعجال في المزامير لننظر فيه!

ولكنا نقول: هبه صدق في النقل، وهبنا أغمضنا عن مشاركة المزامير للتوراة في وجوه الخلل التي ذكرناها، فإنا يكفينا في جهالته في حجته أنه جاء في المزامير: (في كل يوم أباركك وأسبح اسمك.. دور إلى دور يسبح أعمالك وبجبروتك يخبرون) (١١٥).

فهل تقول: إن اسم الله هو الأقنوم الرابع؟! وإن أعمال الله أقانيم لا تحصى، وهي الله؟! أم لم تدر بأنه يوجد مثل هذا أيضا في المزامير؟!!

[ ٢٢ ]

وأما احتجاجك بقول المزامير أيضا: (تبارك الله إلهنا، تبارك الله يوما فيوما، يسهله الله علينا).

فقد سمعناه قبلك من المدعو بعبد المسيح، ولم نجد لمنقولكما في المزامير عينا ولا أثرا يشبه به إلا قولها: (مبارك السيد يوما فيوما، يحملنا إله خلاصنا، الله لنا إله خلاص) وكيف كان، فخرافة هذا الاحتجاج

(١١٥) مر ١٤٥: ٢ و ٤.

٦٥
تقتضي تكثير الآلهة والأقانيم حسب ما يتكرر في المزامير! وماذا تقول لمن يحتج عليك بأن المزامير قد تكرر فيها لفظ الجلالة أكثر من ألف مرة؟!!

[ ٢٣ ]

وأما احتجاجك بالقول المنسوب لأشعيا: (والآن السيد الرب أرسلني وروحه).

فلماذا غفلت فيه، كالمدعو بعبد المسيح، أو تغافلتما عن أن روح الرب هو الملاك الذي يكلم الأنبياء ويكون واسطة في إرسالهم؟! حتى أن التوراة الرائجة تسميه الله والرب، كما ذكرناه عن التوراة واستفانوسكم في شأن الذي كلم موسى وظهر له وسار معه.

[ ٢٤ ]

وأما احتجاجك بما يذكره إنجيلكم عن قول المسيح: (وعمدوهم باسم الإله، واسم النبي العبد الصالح صاحب الدعوة ومبلغ الرسالة، واسم الروح القدس الملك المتوسط بين الله ورسله في الوحي.. ليعترفوا بالإله الواحد، ويصدقوا برسالة النبي ووحيه بواسطة الروح القدس، فإن الابن في اصطلاح العهدين هو الموحد والمؤمن كما سمت التوراة بني إسرائيل بالابن البكر (١١٦) وقال الإنجيل: (لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات) (١١٧).

وبمقتضى احتجاجاتك هذه الأربع أنك لا بد لك من تربيع

(١١٦) خر ٤: ٢٢ و ٢٣.

(١١٧) مت ٥: ٤٥.

٦٦
الأقانيم أقلا! لأن كتابكم يقول: (إن الله محبه) (١١٨)، فلماذا لا تعد ذلك أقنوما رابعا؟! بل عليك أن تخمس الأقانيم، لأنه قد تكرر ذلك! بل عليك - في سخافة هذه الحجج المضحكة - أن تزيد في عدد الآلهة والأقانيم كلما تنظر في كتبكم.

[ ٢٥ ]

وأما قولك: (وقال الكتاب المقدس: فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة، الأب والكلمة والروح القدس، وهؤلاء الثلاثة هم واحد).

فقد غشتك فيه أمانيك، وغالطك - عافاك الله - هواك، ولئن كنت لا تدري فإنا ندري بأن العهد الجديد الذي هو كملكي صاروق (١١٩) بلا أب، بلا أم، بلا نسب، لا بداية أيام معلومة له، ولا نهاية وقوف لتقلبه، لطالما يقئ هذه الفقرة ثم يوجرها العناد في حلقه، وأن الكثير من أسلافك وقدوتك ومصلحيك قد أنكر هذه الفقرة فأسقطت حتى في التراجم المطبوعة في هذا الدور! وأن أنكر المطبوعات تجعلهما بين الخطين الهلاليين الذين هما علامة الشك فيها وعدم وجودها في أقدم النسخ وأوضحها.

[ ٢٦ ]

وأما قولك: (وأما ألوهية المسيح فلا ينبغي بعد هذا أن يرتاب فيها ذو عقل).

فلهفي عليك فيه من غفلتك عما شرحنا لك فيما أشرت إليه:

(١١٨) ١ يو ٤: ٨ و ١٦.

(١١٩) عب ٧: ٣.

٦٧

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبةوإن كنت تدري فالمصيبة أعظم (١٢٠)

عافاك الله، إن أناجيلك هي التي تذكر في شأن المسيح ما لا يكون إلا من عبد مخلوق، حادث، فقير ضعيف، لا يقدر على شئ إلا بإقدار الله، ولا يعلم ما يعلمه الله، ولم يتخلص من غواية الشيطان، وتصرفه به، وطمعه في تكفيره إلا بعد اللتيا والتي.

[ ٢٧ ]

وأما قولك: (إن المسيح ذاته قد كشف القناع عن ذلك باحتجاجه على اليهود في قوله لهم له المجد: أليس مكتوبا في ناموسكم، أنا قلت: إنكم آلهة. إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله ولا يمكن أن ينقض المكتوب. فالذي قدسه الأب وأرسله إلى العالم أتقولون له: إنك تجدف، لأني قلت: إني ابن الله).

فقد كنت أظن أن ذا الفطنة منكم يستر هذا على كتابه، أفلست ترى هذا القول يجاهر بتعدد الآلهة الكثيرة على خلاف ما تقوله التوراة، بل وجميع كتبكم؟! ولا أبهظك بذكر العقل الذي تضجر من اسمه وحكمه.

وزيادة على هذا، إن هذا المحتج - وحاشا المسيح من ذلك - لم يفهم ما في ما في المزمور الثاني والثامنين، فلم يفهم أنه مسوق للإنكار والتوبيخ، وإلا كان من أقبح الشرك، ومع سوء الفهم لم يأت بشئ في حجته المضحكة أو المبكية! فإنه بعد إن وقع في أقبح ما يكون من سوء الفهم، والشرك، ونسبته إلى الوحي، لم يثبت للمسيح إلا كونه ابن الله، وكتبكم

(١٢٠) (م).

٦٨
قد سمت بذلك حتى فساق بني إسرائيل!

وبهذا تعرف ما في تشبثك بقول إنجيلكم: (إنه جاء صوت من السماء: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت) فإنه على سخافة مستنده لا يدل - باصطلاح العهدين - إلا على أنه مؤمن محبوب، ولكنه لا يبلغ فضل الابن البكر، وهم بنو إسرائيل!

[ ٢٨ ]

وأما قولك: (إن وحي بولس أوضح الحجة إذ قال - لمن من الملائكة قال قط: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك -: وأيضا أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا).

فنقول فيه: إن هذا الوحي انتهب نهارا جهارا وهو يحسب أنه اختلس ليلا، فإن الفقرة الأولى قد جاءت في المزمور الثاني وهي لا تنطبق على المسيح، لأن ولادته بأي نحو كانت لم تكن في اليوم الذي كتب فيه هذا المزمور، أو أوحي على زعمكم، لأن ولادات المسيح عندكم دائرة بين الولادة الأزلية، أو الولادة الكائنة في بيت لحم، أو التي عند اعتماده من يوحنا بعد ثلاثين سنة من عمره الشريف!

وأما الفقرة الثانية، فإن كتابكم صريح بأنها مقولة في سليمان بن داود (١٢١).

وقال بعض الظرفاء: ما أشأم التسمية بالابن على التوحيد، فقد سمت التوراة الرائجة بني إسرائيل بالابن البكر، فكان منهم ما كان من تقلبهم في الشرك، وتمردهم على التوحيد، من يوم عبادة العجل إلى سبي

(١٢١) ١ أي ٢٢: ٩ و ١٠، و ٢ صم ٧: ١٢ - ١٦.

٦٩
بابل.

وسمى (صموئيل الثاني) و (الأيام الأول) سليمان بالابن، وقد ذكر (الملوك الأول) أن سليمان - وحاشاه - مال قلبه وراء آلهة أخرى، وذهب وراء عشتاروت آلهة الصيدونيين، وملكوم رجس العمونيين، وبنى مرتفعة لكموش الصنمين وذلك عبادة لهما.

وسمت الأناجيل المسيح بالابن، فجاء الناس من ذلك بداهية التثليث، فصار المنادون يهتفون بنعي الإله ليبشروا بالفداء والتفلت من الشريعة.

[ ٢٩ ]

وأما تشبثك بقولك: (وإن شئت التثبت في الاستيضاح فراجع المثل الذي ضربه المسيح بغارس الكرم، إذ أرسل إلى الكرامين عبيده ثم ابنه من بعدهم).

فقد سمعنا بذلك قبلك عن أناستاس الكرملي نزيل بغداد حالا، فراجعنا المثل - عافاك الله - وإنه لو صحت الأحلام بنسبته للمسيح لما كان فيه إلا التمثيل لإرسال الأقرب منزلة بعد من هو دونه، ولا ينكر أن المسيح أقرب منزلة إلى الله مما عدا موسى من أنبياء بني إسرائيل الذين هم من أتباع موسى.

وإن الالتزام بالمطابقة بين المثل له في جميع الخصوصيات المذكورة في المثل ليفضي إلى أقبح الكفر، فإن المثل يقول: إن غارس الكرم سافر، ويقول: إنه غرته الأوهام، وقال في عملة الكرم: إنهم يهابون ابني، فخاب ظنه وضل رأيه فلم يهابوا ابنه! أفتقول ذلك في الله جل شأنه؟!

٧٠

[ ٣٠ ]

وأما قولك بأن (المسيح طلب من الأعمى الذي شفاه أن يؤمن بهذه الحقيقة قائلا: أتؤمن بابن الله؟ فأجاب الأعمى: من هو لكي أؤمن به؟ فقال له: إن الذي يتكلم معك هو هو. فقال الأعمى: أؤمن وسجد له).

فقد سمعناه قبلك أيضا من اناستاس، ولو صح هذا الكلام عن المسيح - وأنى - لما عدا أن يكون جاريا على اصطلاح العهدين من تسمية المؤمن الصالح بابن الله.

[ ٣١ ]

وأما قولك: (إن هذا الأعمى ومريم المجدلية ومريم أم يعقوب والتلاميذ سجدوا للمسيح ولم يردعهم، مع أن السجود لا يحق إلا لله، فكيف يرضى المسيح أن يسجدوا له لو لم يكن إلها حقيقة).

فقد سمعناه قبلك أيضا عن احتجاجات أناستاس، وكنا نعجب من أن الذي ينصب قسا ورئيسا في ديانته كيف يجهل من كتبه كثرة نقلها لسجود الأنبياء للبشر، وسجود البشر للأنبياء، وسجود النبي للنبي؟!

وإن توراتكم لتقول مكررا: إن إبراهيم خليل الله قد سجد لشعب الأرض لبني حث (١٢٢) وقد كان هؤلاء مشركين!

وإن يعقوب عند ملاقاته لعيسو سجد إلى الأرض سبع مرات، وسجد أيضا نساؤه وأولاده (١٢٣) ولسانها ينادي بأن هذا السجود كان تحية وتملقا لعيسو لئلا يبطش بهم، إذ كان يعقوب خائفا منه!

(١٢٢) تك ٢٣: ٧ و ١٢.

(١٢٣) تك ٣٣: ٣ - ٧.

٧١
وإن إخوة يوسف سجدوا له (١٢٤).

وسجد يوسف أمام وجه أبيه (١٢٥).

وموسى خرج لاستقبال حميه وسجد وقبله (١٢٦) وفي الأصل العبراني: (ويشتحو ويشق لو).

وسجد داود ثلاث مرات لما ودع يوناثان ابن شاول (١٢٧).

وسجد لشاول (١٢٨).

وسجدت له ابيجايل (١٢٩).

وسجدت له بثشبع (١٣٠).

وسجد ناثان النبي لداود النبي (١٣١).

وسجد سليمان النبي لأمه (١٣٢).

فإن قلت: إن هؤلاء كلهم قد أخطأوا وعصموا في السجود لغير الله!

قلنا: إن الاحتجاج الذي تنقله أناجيلكم عن المسيح ليخرسك عن هذه الجرأة، أولم تجد أن أناجيلكم تذكر أن المسيح لما اعترض عليه

(١٢٤) تك ٤٢: ٦، و ٤٣: ٢٦ و ٢٨.

(١٢٥) تك ٤٨: ١٢.

(١٢٦) خر ١٨: ٧.

(١٢٧) ١ صم ٢: ٢١.

(١٢٨) ١ صم ٤٢: ٨.

(١٢٩) ١ صم ٢٥: ٢٣.

(١٣٠) ١ مل ١: ١٦.

(١٣١) ١ مل ١: ٢٣.

(١٣٢) ١ مل ٢: ١٩.

٧٢
كتاب التوحيد والتثليث للشيخ محمد جواد البلاغي (ص ٧٣ - ص ٨٩)
٧٣
الأوهام!

[ ٣٢ ]

وأما تشبثك بما يذكره إنجيلكم من (قول توما للمسيح: ربي وإلهي، وأن المسيح ارتضى إيمانه).

فإنك تعرف وهنه من نفس إنجيل يوحنا - الذي ذكره - وغيره من الأناجيل، فإنه ذكر أن لفظ الرب تفسيره المعلم (١٣٥).

وذكر أن المسيح قال للتلاميذ: اصعدوا إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم (١٣٦). فبين بهذا الكلام أن إله التلاميذ هو إله المسيح.

ولئن كان إله التلاميذ - ومنهم توما - هو إله المسيح فكيف يكون المسيح إله توما؟!

إذن فمن هو إله المسيح وتوما والتلاميذ؟!

فبأي العبارتين ينبغي أن يكذب هذا الإنجيل؟! مع أنه نفسه، وباقي الأناجيل، قد تكرر فيها الصراحة والمجاهرة بأن الله إله المسيح، و (إلهي إلهي، لماذا تركتني؟!) ويعترف بأنه الإله الحقيقي، ويسوع هو المسيح الذي أرسله (١٣٧).

وإنك - وأنت نصراني - يلزمك أن تعتقد بأن إنجيل يوحنا يوجد فيه ما تكذبه الأناجيل الثلاثة، فإنه يقول: إن التلاميذ - وخصوص بطرس ويوحنا - في يوم قيام المسيح من الموت لم يكونوا يعرفون الكتاب

(١٣٥) يو ١: ٣٨.

(١٣٦) يو ٢٠: ١٧.

(١٣٧) يو ١٧: ٣.

٧٤
أنه ينبغي أن يقوم من الأموات (١٣٨) مع أنه تكرر في الأناجيل أكثر من عشر مرات أن المسيح صرح لتلاميذه بأنه يقتل، وفي اليوم الثالث يقوم من الموت، حتى أن بطرس صار ينتهره عند هذا القول (١٣٩) وحتى أن اليهود كانوا يعلمون ذلك من قوله (١٤٠).

فإن قلت: قد سمعوا ذلك منه، ولكنهم لم يؤمنوا به، لأنهم لم يعرفوه من الكتب.

قلنا: فعلى هذا لم يكونوا آمنوا بنبوة المسيح وصدقه بأخباره، فكيف يقول الإنجيل بأنهم يقولون بألوهيته؟!

[ ٣٣ ]

وأما قولك: (وإن لم ينجع بك العيان، وشئت أن تستأنس بالبرهان، فدونك الحجة البينة، واعتبر بأن قيام المسيح من الأموات أوضح دليل على ألوهيته، فإن الأنبياء مهما كانوا عظماء لم يقدروا أن يقوموا بعد موتهم، وإن أقاموا غيرهم من الموت، ولكن المسيح - له المجد - لما كان إلها قدر بقوته الإلهية أن يقوم من الأموات، ويعود إلى الحياة ويصعد إلى السماء حيا ممجدا إلى يومنا هذا).

فقد سبقك فيه أناستاس - على ما حكي عنه - وجعله أعظم براهينهم على ألوهية المسيح، فكان من جملة البراهين - إن صح النقل عنه - على أن الرهبان والقسوس قد نصبوا أنفسهم لرئاسة الدين، وليس لهم خبرة بكتب دينهم، فصاروا يخبطون في الإلهيات حسب ما تترامى بهم

(١٣٨) يو ٢٠: ٩.

(١٣٩) مت ١٦: ٢١ و ٢٢.

(١٤٠) مت ٢٧: ٦٣.

٧٥
العشواء.

عافاك الله وهداك، من قال لك: إن الأنبياء أقاموا غيرهم من الموت بقدرتهم؟! أفلم تسمع من إنجيلك أن المسيح - الذي تغالي به - لما أراد حياة أليعازر، كيف انقطع إلى الله، ورفع رأسه إلى السماء، وقال: أيها الأب، أشكرك لأنك سمعت لي، وإنا أعلم أنك في كل حين تسمع لي، ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت ليؤمنوا أنك أرسلتني (١٤١) فتوسل إلى الله أن يحيي أليعازر على يده ليدل بإعجاز على رسالته.

وإن اغتررت بقوله: (أيها الأب) فإنا نذكرك بقوله: (أبي أبيكم، وإلهي وإلهكم).

عافاك الله، ومن قال لك: إن المسيح قدر بقوته الإلهية أن يقوم بنفسه من الأموات؟! أفلم تقرأ في عمرك كله كتبكم لكي ترى المجاهرة فيها من رسلكم، في أكثر من عشرين موردا، بأن الله أقامه من الأموات؟! فانظر إلى الباب الثاني والثالث والرابع والعاشر والثالث عشر والسابع عشر من الأعمال، والرابع والثامن من رومية، والسادس والخامس من كورنتوش الأولى، والرابع من الثانية، والأول من غلاطية وافسس وتسالونيكي وبطرس الأوليين، والثاني من كولوسي، والثالث عشر من العبرانيين، فماذا - عافاك الله - تهزأ بنفسك؟!

[ ٣٤ ]

وأما قولك: (بل إذا نظرت إلى ولادته المقدسة من روح القدس لم تشك بألوهيته لم يشارك البشر في التولد من فحل

(١٤١) يو ١١: ٤١ و ٤٢.

٧٦
بشري، وهذه حجة ما فوقها حجة، وآية ما بعدها آية).

فنقول فيه: إن الاحتجاج على ألوهية المسيح بولادته المقدسة إنما هو من غرائب الأوهام.

أما أولا: فإن من عرفنا الإله ووجوب وجوده وأزليته وكمال ليسفه القول بألوهية من حدث بالولادة كيف ما كانت، كيف؟! وهي دليل النقص والحدوث والإمكان!

وأما ثانيا: فإن آدم المتكون بلا ولادة أولى بهذا الوصف من المسيح، لو كان معقولا!

أما ثالثا: فإن هذه الولادة قد تنازع فيها الإمكان والعادة، ولم يسمح لنا التثبت في الحقائق أن نعتمد على مجرد الإمكان، ولم يترجح عندنا، جانب الإمكان بدعاوى أمثالك أو أقوال كتبك التي هي بنفسها لم تدع مساغا للركون إليها، بل اعتمدنا في هذه الحقيقة على الوحي الصادق، وهو أشد المقاومين لدعوى ألوهية المسيح والمكفر لمدعيها، فكأنك سمعت بأنا نعترف بقدس ولادة المسيح فحسبت أنا اعتمدنا فيها على مجامعكم، أومنتك أوهامك بأن تخادعنا فلم تخدع إلا نفسك!

[ ٣٥ ]

وأما قولك: (وإذا اقتفيت هدى الإنجيل فلا بد أن يسفر لك صبح اليقين بهذه الحقيقة).

فأقول فيه: هداك الله، أي إنجيل تدعوني إليه؟! فإنها أربعة متنافية متعارضة متهافتة، لم يراع كاتب أحدها كاتب الآخر.. أفأقضي عمري بهضم الأعداد حقائقها، وتثليث الواحد، وتوحيد الثلاثة والأربعة؟!

٧٧
وإنا لو سلمنا الهدى - والعياذ بالله - إلى كتبكم لبهظتنا بما يعود منها إلى التعرض لقدس المسيح، وتناقض تعاليمه، ووهن حججه، وعدم صدور الآية منه، وانحصار دعواه بالرسالة إلى بني إسرائيل (١٤٢).

[ ٣٦ ]

وأما قولك: (وكرم عنصره المتسلسل من أنبياء مطهرين إلى ملكوك مؤمنين).

فكم لك - هداك الله - من غفلة لا تليق بعوام الناس:

أما أولا: فأي ملازمة بين كرم العنصر وبين الألوهية وبين النبوة؟!

أجل، لماذا لم تقولوا بأبي مريم وجدها قلتموه بالمسيح؟!

وأما ثانيا: فهل عددت من الملوك المؤمنين رحبعام بن سليمان؟! الذي ترك شريعة الرب هو وكل إسرائيل معه، وأرخى العنان ليهودا، حتى بنوا لأنفسهم من شعائر الشرك وعبادة الأوثان مرتفعات وأنصابا وسواري على كل تل مرتفع وتحت كل شجرة خضراء. وكان أيضا مأبونون في الأرض، فعلموا حسب أرجاس المشركين.

أم من الملوك المؤمنين ابيا ابن رحبعام؟! الذي سار في جميع خطايا أبيه؟!

أم منهم يهورام وابنه اخزيا؟! اللذان عملا الشر على ضلالة بيت اخاب!

أم منهم يواش؟! الذي سمح ليهوذا بعبادة السواري والأصنام وترك بيت الرب إلههم!

(١٤٢) تعرف مواقع ذلك في الإنجيل من الجزء الأول من كتاب (الهدى) صحيفة ١٨٥ - ٢٣٥.

٧٨
أم امصيا؟! الذي أتى بآلهة ساعير وأقامها له آلهة، وسجد أمامها، وأوقد لها!

أم احاز؟! الذي عمل تماثيل للبعليم، وذبح لآلهة دمشق، وأغلق أبواب بيت الرب وأبواب الرواق حتى احتاج حزقيا في تطهيره إلى عمل ثمانية أيام.

أم من الملوك المؤمنين منسى؟! الذي بنى المرتفعات، وأقام مذابح للبعليم، وسجد لكل جند السماء، وبنى لها مذابح في داري بيت الرب، ولكنه لما ذاق وبال أمره من ملوك آشور رجع إلى الله!

أم منهم ابنه امنون؟! الذي عمل كل ما عمله أبوه من الشرك ولم يرجع إلى الله!

إم منهم يهواحاز، ويهوياقيم، ويهوياكين، وصديقا؟! واللذين علموا الشر، وذكر أرميا في أيامهم أن يهوذا سكلوا وراء البعليم وآلهة أخرى حتى صارت آلهتهم بعدد مدنهم، وبعدد شوارع أرشليم!!

أفلم تطلع - هداك الله - على هذا كله من كتبكم حتى قلت ما قلت؟! إذن فراجع المقدمة الخامسة من كتاب (الهدى) صحيفة ٢١ - ٢٨ تدلك على مواضع ذلك من كتبكم.

وهذا وإن كان لا يضر في قدس المسيح ولكنه يشينك بوصمة الجهل أو التجاهل والتدليس.

[ ٣٧ ]

وأما قولك: (وطهارة مواليده).

فإني أشكرك فيه على الإذعان بهذه الحقيقة اللازمة في الأنبياء الذين لا ينبغي أن يكون فيهم نقص ينفر عن الانقياد إليهم، ولكني

٧٩
أشكو إليك كتبك التي كأن لها غرضا في مباهظة هذه الحقيقة، حتى استهدفتها بالتعريض وبالتصريح أخرى، ولا أدري هل غفلت عن ذلك، أو عرفت كذب كتبك فيه؟!

أبدأ إليك - وإلى كل محب للمسيح - بالشكوى من إنجيل متى فإنه لما ذكر نسب المسيح خالس في الشتم والوقيعة مخالسة الأعداء، فأشار إلى مواقع الغميزة والثلب التي لفقها الضلال، فإنه لم يذكر - في طرد النسب من الأمهات - إلا من كان لكتبكم فيها كلام، فنص على ذكر ثامار، وراحاب، وراعوث، وامرأة اوريا (١٤٣).

أفتراه لا يريد بذلك أن يشير إلى ما في الثامن والثلاثين من التكوين؟! وما في الثاني من يشوع؟! وما في ثالث راعوث؟! وما في الحادي عشر من صموئيل الثاني؟!

ثم اثني بالشكوى من كتب العهد القديم، فإنها لم تدع منقصة وخسة تكون في العائلة إلا ووصمت به عائلات الأنبياء، في هذه السلسلة الطاهرة وأطرافها.. فانظر إلى ما تحكيه عن لوط وابنتيه (١٤٤) وعن روابين ابن يعقوب (١٤٥) وعن يهوذا وكنته ثامار، وولادة فارص (١٤٦) وعن داود (١٤٧) وعن امنون بن داود وثامار اخته ويوداناب ابن عمها، وسكوت دارد عن

(١٤٣): مت ١: ٣ - ٧.

(١٤٤) تك ١٩.

(١٤٥) تك ٣٥: ٢٢.

(١٤٦) تك ٣٨: ١٣.

(١٤٧) ٢ صم ١١.

٨٠