×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التوحيد والتثليث / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

مثل هذه الواقعة، مضافا إلى ما زادته الترجمة السبعينية في شأن داود فيها (١٤٨) وعن ابشالوم بن داود مع سراري أبيه (١٤٩) وعن ادونيا بن داود في أنه طلب من سليمان ابيشج الشمونية زوجة أبيه لتكون له امرأة (١٥٠)؟!

فهل كان للإلهام والوحي سابقة عداوة مع هذه السلسلة الطاهرة؟! أفلا ترى كيف جعل بيت داود؟!

هداك الله، ولو لم يكن في كتبكم إلا مثل هذه الدواهي لكفى صارفا عنها؟! فكيف بها وهي تورد عليك كل آونة - إذا سبرتها - داهية أعظم من أختها؟!

فخذ حظك - هداك الله - من رشدك، واتق الله في نفسك، وجاهدها في سبيل الله حق جهاده، ولا تأخذك فيه لومة لائم أو ميل هوى أو سابقة ألفة.

ولا أبهظ هواك في أول الأمر بالدعوة إلى دين خاص سوى التوحيد، فإن أنوار الحقيقية لا تخفى على كل عين أميط عنها قذى العصبية وغبار الهوى.

ولئن عرفت منك أن جوابي هذا لم يبهظ هواك، ولم يصدك اللجاج عن النظر فيه، وراجعتني فيه بالقبول أو المناظرة، فسوف أهدي لحضرتك - إن شاء الله - رسالة في تعريفك دين الحق وسبيل الهدى ووسيلة النجاة، والله الهادي الموفق.

(١٤٨) ٢ صم ١٣.

(١٤٩) ١٦: ٢١ و ٢٢ مع ١٢: ١١.

(١٥٠) ١ مل ٢.

٨١
ولئن لم تعرفني أيضا نفسك لحكمة تؤثرها، فسأجلوها لحضرتك - إن شاء الله - على نحو هذه الرسالة، وبالله التوفيق.

[ ٣٨ ]

وأما مخادعتك بقولك: (فتستريح إلى النواميس الروحية عن المتاعب البدنية التي هي للفناء).

فقد سمعنا ذلك قبلك من رابع غلاطيه، وثاني كولوسى: وغيرهما، وإن بعض الفساق المتمردين من برابرة المسلمين قد قال عند الاعتراض عليه في فسقه: (صلاة ملاة يوخدر، أصل قلبك نظيف) (١٥١).

عافاك الله، أين النواميس الروحية التي استراح المدعون إليها؟! أفلسنا في العالم؟! فإن أهل الأمثال يقولون: (إن الرمح لا يخبأ في العدل) (١٥٢) ولا أرتني الأيام أني أستريح من حيث تعب الكرام وجهد الأنبياء والصالحون!

أفلا تعلم - هداك الله - أن العبادات البدنية وسيلة لتمرين النفس على التوجه إلى الله، ومظهر للخضوع بحضرته، والانقياد إلى طاعته، إحكام للرابطة بين العبد ومولاه، ورصد للنفس عن التمرد عليه، وحصن لها عن تسلط الشيطان على حوزتها وطمعه في غوايتها.. هذا مع ما فيها ومن فضيلة المناجاة مع المولى، وشرف المثول بحضرته، ووسيلة القرب منه، وغبظة الاستنزال لرحمته.

وإن أناجيلكم - مع تقصيرها في بيان عبادة المسيح وبره - قد

(١٥١) هذا تعبير كان شائعا بين فساق في العهد العثماني (التركي) ومعناه: ليس هناك صلاة، فالدين يريد أن يكون قلب الإنسان نظيفا.. أو ما هذا معناه. (م).

(١٥٢) مثل عامي عراقي. (م).

٨٢
ذكرت أنه اعتمد من يوحنا بمعمدية التوراة ليكمل كل بر (١٥٣) وصار مع الوحوش في البرية أربعين يوما ليجرب من إبليس (١٥٤) وكان يصعد الجبل ليصلي منفردا، وينقضي بذلك أكثر النهار وأكثر الليل (١٥٥) ويقصد لصلاته المواضع الخالية (١٥٦) والانفراد (١٥٧).

ألم يذكر إنجيلكم أن المسيح ضرب مثلا في أنه ينبغي أن يصلي كل حين ولا يمل (١٥٨) وأعلم التلاميذ بأن المراتب العالية لا تنال إلا بالصوم والصلاة (١٥٩).

أفآل تعس الوقت إلى الترغيب بالاستراحة من العبادة؟!

عافاك الله، لا تليق هذه المغالطة إلا من الطبيعيين، وإن أردت أن تعرف موقع الصلاة في كتبكم فاستدل بما ذكره (مغني الطلاب) (١٦٠) في عنوانها وأوضاعها وفضلها ومن هم الذين ينكرونها.

[ ٣٩ ]

وبذلك تعرف غفلتك في قولك: (ولا أقل من أن تسلم في سنتك من جوع شهر وعطشه في حر الهجير في البلاد الحارة).

أفلم تقرأ من كتبكم نقلها أن موسى صام مرتين، كل مرة أربعين

(١٥٣) مت ٣.

(١٥٤) مت ٤، ومر ١، ولو ٤.

(١٥٥) مت ١٤: ٢٣ - ٢٥، ومر ٦: ٤٦ - ٤٨.

(١٥٦) مر ١: ٣٥.

(١٥٧) لو ٩: ١٨.

(١٥٨) لو ١٨: ١ - ٨.

(١٥٩) مت ١٧: ٢١، ومر ٩: ٢٩.

(١٦٠) (م).

٨٣
نهارا وأربعين ليلة، لم يأكل خبزا ولم يشرب ماء؟! (١٦١) والمسيح صام أربعين يوما وقال لإبليس: ليس بالخبز يحيا الإنسان، بل بكلمة تخرج من فم الله (١٦٢)؟!

أفلم تسمع من كتبك عن قول المسيح أن بعض المراتب العالية لا تنال إلا بالصوم والصلاة؟!

ألم تنظر إلى فضل الصوم وحكمته وفوائده في كتبكم؟!

فإن كنت في غفلة عن ذلك فاستدل عليه بمغني الطلاب.

[ ٤٠ ]

وأما ترغيبك لي (بنجاة أولادي من ألم الختان وشوهته).

فتلك مخادعة سبقت من كتبكم، إذ تذكر أن الرسل ارتأوا في أمر الختان، فرأوه عثرة في سبيل انقياد الأمم إلى رئاستهم، ووجدوا أن إبطاله مصيدة للأمم! حتى بدا ذلك على فلتات الخامس عشر من الأعمال، إذ ينقل عن يعقوب ما حاصله استحسان التخفيف عن الأمم بإبطال شريعة الختان ترويجا لأمر المسيح، لأن موسى له من يكرز به في كل سبت، وإن البصير ليعرف من مخايل الكلام أن الغرض ترويج أسباب الرئاسة.

عافاك الله، هب أني ممن يعتمد على كتبكم، فهل يسوغ لي أن أعتمد على هذا الرأي الاستحساني وأترك ما تذكره التوراة من تأكيد الله على إبراهيم في أمر الختان، وأنه علامة العهد بين الله والمؤمنين (١٦٣)

(١٦١) تث ٩: ٩ و ١٨.

(١٦٢) مت ٤: ٢ - ٥.

(١٦٣) تك ١٧: ٩ - ١٥.

٨٤
أم ترك شريعة التوراة به (١٦٤) وصراحتها بكونه شرطا في عمل الفصح؟! (١٦٥) أم شهادة بولص بأن إبراهيم أخذ علامة الختان ختما لبر الإيمان الذي كان في الغرلة؟! (١٦٦).

[ ٤١ ]

وأما زعمك (أن السبب في شريعة الختان لإبراهيم هو علم الله بأن ذريته سيدخلون مصر، فأراد الله أن يشوههم لتنفر عنهم الزواني المصريات فلا يؤاتينهم على الزنا).

فقد سمعت غلطه من رسالة المدعو بعبد المسيح، وما كنا نحسب أن أحدا غيره يقدم على ترويج العوائد الوثنية، وإبطال الشريعة بتكذيب التوراة، وتخطئة الأنبياء وتغليطهم في تبليغ شريعته الختان والعمل عليها، من موسى في تبليغ شريعته وجعله شرطا في الفصح بعد الخروج من مصر، ثم يوشع في ختانه لجميع بني إسرائيل بعد عبورهم الأردن، ثم الأنبياء إلى ما بعد ميلاد المسيح بنحو خمسين سنة.

عافاك الله، فلماذا تقتفي أثر أوهام المدعو بعبد المسيح؟! وأقل ما فيها أنك أنت اهتديت إلى العلة في أمر الختان، وجميع الأنبياء - من موسى والذين بعده - ضلوا عنها! حتى رسلكم إذ تشبثوا لإبطاله بالاستحسان الملفق، ولم يعتمدوا عليها، وأن بولسكم كاذب في شهادته بالعله كما ذكرناه.

[ ٤٢ ]

وأما قولك: (وتسلم من طيش بعض الأفعال إذا حظيت

(١٦٤) لا ١٤: ١٣.

(١٦٥) خر ١٢: ٤٣ - ٤٩.

(١٦٦) رو ٤: ١١.

٨٥
بشرف الثروة، وأبهة الرفعة، ولا تستضر بمالك وراحتك ووقارك).

فإنك تعرض فيه بالحج إلى بيت الله الحرام، وقد أوضحت بنفسك عن وجه الحكمة الإلهية في شرعيته، حيث كشفت عن جبروت أمثال نفسك وانخداعها واغترارها بالثروة، التي عادت الشريف الفاضل، وواصلت الدني الخامل.


كم أعارت محاسن الدهر قوماملأوا عيبة الزمان عيوبا (١٦٧)

عافاك الله، كم شاهدنا مغرورا بالثروة، متجبرا بالغنى الموقت، قد ألقته الحاجة إلى مهانة السؤال بالكف!

أفبهذه الأوهام يتكبر الإنسان على عبادة الله وتأديبات شريعته لعباده؟!

أفلا ينبغي لك أن تتواضع من أنعم عليك بالثروة، وتعظم شعائره، وتتبع شريعته؟! فإنه لقادر على سلبها منك في طرفة عين.

وقد صدقت إنجيلك في قوله: (لا يقدر أحد أن يخدم سيدين، لأنه إما يبغض أحدهما ويحب الآخر، أو يلازم أحدهما ويحتقر الآخر، لا تقدرون أن تخدموا الله والمال) (١٦٨).

وقوله: (يعسر أن يدخل غني إلى ملكوت السماوات، إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غنيّ إلى ملكوت الله) (١٦٩).

هداك الله، وماذا تنكر من شريعة الحج؟! فهل تنكر أن المتمكن

(١٦٧) (م).

(١٦٨) مت ٦: ٢٤، ولو ١٦: ١٣.

(١٦٩) مت ١٩: ٢٣ و ٢٤، ومر ١٠: ٢٤ و ٢٥.

٨٦
القادر يجب عليه السفر إلى بيت الله لأجل عبادة الله وتعظيم شعائره مرة في عمره، وإن تطوع بعد ذلك فهو خير يستفيده؟!

وهذه توراتكم قد أوجبت على كل ذكور بني إسرائيل أن يقصدوا في أعيادهم في كل سنة ثلاث مرات إلى المحل الذي يختاره الرب (١٧٠) ويحملوا معهم عشورهم وأبكار غنمهم وبقرهم (١٧١) فكانوا يقصدون حسب هذه الشريعة إلى خيمة الاجتماع موقتا، ثم إلى البيت الذي بناه سليمان.

كما تذكر كتبكم أن سليمان بنى أيضا بحذاء هذا البيت مرتفعات لتعظيم شعائر الأوثان، آلهة الصيدونيين والموابيين والعمونيين (١٧٢).

وإن البيت الذي نحج إليه بناه إبراهيم خليل الله وإسماعيل مبارك الله، وهما اللذان لم تقرفهما كتبكم بما قرفت به سليمان!

ولا بد لمن يقصد الهيكل من أقاصي أرض إسرائيل أن يقطع مسافة تقارب المائة وخمسين ميلا، واستمر اليهود على هذه الشريعة، حتى أن المسيح كان يقصده ويصعد إليه في الأعياد، حتى من الجليل من مسافة ستين ميلا فما فوق.

أم هل تنكر الإحرام ومناسك الحج؟! التي أقل حكمها وفوائدها الحميدة حبس النفس عن أهوائها وجبروتها ببطر الترف وأوهام الشرف، وإرغام طغيانها بخرافة الثروة، وكسر عادية غرورها الذي هو مفتاح

(١٧٠) تث ١٦: ١٦.

(١٧١) تث ١٤: ٢٢ - ٢٣.

(١٧٢) ١ مل ١١: ٧، و ٢ مل ٢٣: ١٣.

٨٧
الشر والفساد، فيتجرد العبد بذلك إلى محاربة الهوى والشيطان، ويتخلى من مصائدها لأجل التوجه إلى مولاه بالرغبة والرهبة، وينبه نفسه الأمارة إلى أنه عبد مخلوق، ضعيف حقير، لا يملك من أمره شيئا، فيطهرها من قاذورات الأماني بشرف الثروة وأبهة الرفعة، وينزهها من خسة التكبر بهذه الأوهام الفاسدة والخيالات الزائفة.

عافاك الله، إن العليم الحكيم ليعلم أن الإنسان لا تنقاد روحه إلى النواميس الصالحة إلا إذا أدبته الشريعة الإلهية برياضة نواميسها، وقادته بزمامها، أفليس من هذا النحو ما تذكره أناجيلكم من أن المسيح صار في البرية مع الوحوش أربعين يوما ليجرب من إبليس، ومع هذه الرياضة لم ينقطع طمع إبليس في إغوائه بالشرك (١٧٣).

أفلم تسمع من كتبك أمرها بالخضوع والتواضع لله؟! (١٧٤) وأن المطلوب من العبد أن يسلك متواضعا مع إلهه (١٧٥).

عافاك الله، فهل رأيت أو سمعت أن المسلمين يطفرون ويرقصون في حجّهم كما يذكره كتابكم عن فعل داود أمام التابوت؟! (١٧٦).

أم هل وجدت في شريعة جامعة المسلمين لحجهم وعباداتهم كما تأمر به مزاميركم، إذ تقول: (ليسبحوا اسمه برقص) (١٧٧) (سبحوه بدف

(١٧٣) انظر: مت ٤، ولو ٤.

(١٧٤) ١ بط ٥: ٥، ويع ٤: ٧.

(١٧٥) مي ٦: ٨.

(١٧٦) ٢ صم ٦: ١٩ - ٢٣.

(١٧٧) مز ١٤٩: ٣.

٨٨
ورقص)؟! (١٧٨).

ولو أنك - على نصرانيتك - شهدت المواقف الشريفة وقد فزع فيها النساك إلى الله مولاهم، وهم على حالة واحدة، وزي واحد، في الخشوع والخضوع، لا تميز في ذلك فقيرهم من المتجبر المزدهي بشرف الثروة وأبهة الرفعة، واطلعت على تلك الهيئات الجميلة، لداخلك من الخشوع واستحسان ذلك النسك ما لا تحتسبه، ولقلت: أين هذه العبادة والخضوع من الصلاة بالترنيمات الموسيقية!

هداك الله، وإن رابطة المراسلة قد أيقظت بيننا العواطف البشرية، والعلاقة الجنسية (١٧٩)، ونبهتها إلى المطالبة بحقوقها، وحكم الله لها بوجب المعاونة على البر والتقوى وعرفان الحق، فلتزل مما بيننا معثرة التعصب، ونعط الحق حقه ومن النصفة، ونفزع إلى الله في طلب التوفيق والهدى إلى سبيله، فنستنزل رحمته بالانقطاع إليه في الدعاء، والنية الصادقة، والإقبال الخالص، ونكون يدا واحدة في محاربة الهوى والشيطان، مستعدين بعدة المباحثة وأهبة النظر، وسلاح الإنصاف، وثبات الإخلاص، سائلين من الله النصر، فإنه خير المسؤولين وأرحم الراحمين.

وحباك الله بلطفه، وأسعد حظك بالهدى إلى سبيله، والتوفيق لحقيقة طاعته ومعرفة دينه.

وإني لأرجو منك العود إلى المراسلة، فإنك لا تذم عاقبتها المحمودة إن شاء الله.

(١٧٨) مز ١٥: ٤.

(١٧٩) أي جنس البشر. (م).

٨٩