×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التوضيح في بيان حال الإنجيل والمسيح / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٢ فارغة
كتاب التوضيح في بيان حال الإنجيل والمسيح للشيخ كاشف الغطاء (ص ١ - ص ١٣)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

(لماذا نحن نريد نكتب هذه الحقائق)

نحن معشر المسلمين في مصر العزيزة ـ، قد بُلينا بجماعة من جالية النزلاء والأجانب الذين قطنوا أوطاننا المحبوبة، ونزلوا علينا فأحسنّا نُزلهم، وأكرمنا جوارهم، وارفقنا صحابتهم، والطفنا مجاملتهم، فكان جزاؤنا منهم على حسن الجوار، جزاء سنمَّار(١)، أو مجير أمّ عامر(٢).


ومن يصنعِ المعروفَ مع غير أهلهيُلاقي الذي لاقى مجير أمِ عامر

حتى فشا طغيانهُم، واشتّد عدوانهم، فعادوا في هذه السنين يسبُّون ديننا جهرة، ويشتمون نبينا علانيه، وقد فتحوا مدارس التعليم، ونوادي التبشير، ومحافل الدعوة، ومحاضر المستشفيات، يستميلون صبياننا، ويستغوون ولداننا، ويحاربوننا في بلادنا، ويختلسون ذرارينا نصب عيوننا من ايدينا، وما من يوم وليلة إلاّ ويقوم خطباؤهم في نوادي تبشيرهم يسبون دين الإسلام، ويطعنون في القرآن الكريم، ويشتمون النبي العربي، بكل شتيمه، ويهضمون الحق بكل هضيمه، يقولون والقائل أحقُّ بما يقول انه (حاشا كرامته المقدّسة) غدر وفجر وكفر وسكر وزنى وظلم وهضم إلى آخر ما هم أولى به واحرى.

وما من يوم إلاّ ولهم في ذلك نشرات ومؤلفات توزع في الأسواق والشوارع والترامويات والسكك، والحكومة المصرية لا تمنع ولا تدفع، أو لا تقدر على المنع والدفع، والحكومة المحتلة ترقص لذلك طرباً، وتلقي على النار حطباً،

١- سنمَّار: مهندس بنى الخورنق وحينما تم رماه الملك من فوق القصر.

٢- أم عامر: اسم للضبع جاءت ليلا ودخلت في خيمة اعرابي من رجال يريدون قتلها، فجارها الرجل ومنع من قتلها، وحينما اصبح الصباح اكلت ابنه وقتلته وهربت، لمعرفة التفاصيل راجع المنجد قسم الامثال.

٣
وتأخذ المظلوم بجناية الظالم، والبريء بخطيئة المعتدي.

وكان علماء المسلمين على مرور الدهور والأعصار يجاملونهم ولا يناضلونهم، ويحاسنونهم ولا يخاشنونهم، ويعترفون لهم ان المسيح الذي يعبدونه هو الذي مجَّده القرآن الكريم، وعظَّمه النبي العظيم، وقدسه كتاب الوحي العربي، وعرف مقامه الى الشرقي والغربي، وهذا هو الذي أَمدّهم في طغيانهم يعمهون، واطغاهم فصاروا يشتمون ويسبون، على حدّ قوله:


إذا انت أكرمت الكريم ملكتهوإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

وكنت في ربيع العمر ومقتبل الشباب قد ولعتُ بالنظر في الأديان وكتب الوحي وحصلت على حقيقة تدعمها الأدلة عندي والبراهين.

ولم اجد أحداً من علماء المسلمين قد التفت إليها أو حام حولها أو أومى عليها على كثرة ما كتبوا من الجدل والمناظرات وإقامة الحجج والبينات، وتعداد مساوي ما سوى الاسلام من السيئات، والأكاذيب والمطاعن والخرافات، ولكنني كنت سحابة ما تصرَّم من عمري اتحايد عن نشر هذه الحقيقة واحرص على كتمانها مجاملةً مع القوم واخلاداً إلى المسالمة، واللين والمناعمة، ورغبة عن الشذوذ عما جرى عليه عامة المسلمين من أول الإسلام إلى اليوم.

ثم لما رأيت ان الشر قد استشرى والخطب قد استفحل، والداء قد اعضل، انتبهتُ الى حكمة القائل (ولكنَّ دفع الشر بالشر احزم) وعرفت صواب نظرية ذلك الهزبر الباسل(١) (وحلم الفتى في غير موضعه جهل).

نعم، وهي لا تعدم شاهداً لها من الكتاب والسنة (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)(٢) وقوله سلام الله عليه (ردّ الحجر من حيث جاء فان الشر لا يدفعه إلاّ الشر).

١- وهو اسم من اسماء الاسد.

٢- البقرة: ١٩٤.

٤
ومن كل ذلك عزمتُ على ابداء تلك الحقيقة الراهنة التي كنت اضمها بين جوانحي، واحرص على كتمانها جهد امري، ولكن الاغربة السود والمبشرون الشوم، والمرسلون السوء، هم الذين جرُّوا على انفسهم وعلى قومهم هذه الجريرة، وكشفوا عن هذه السريرة (كالباحث على حتفه بظلفه، وجادع انفه بكفه، نعم (وعلى أهلها جنت براقش)(١).

واني لعلى علم من أنّ ما ابديه وامليه سوف يسوء عقلاء المسيحيين ولا سيما ان أكثر تلك الحملات الفظيعة، والترهات الشنيعة، أكثرها من فرقة (البروتستانت) ولكن اولئك الآخرين والعاقلين قد سكتوا عنهم، والسكوت رضا، والراضي بعمل قوم شريك لهم، ولعمري انهم ما تركوا للسكوت موضعاً، ولا أبقوا في قوس التصبر منزعاً، وانا انبّه عامة المسلمين قبل غيرهم على موضع غفلتهم، ومكان جهلهم بهذه الحقيقة التي سوف أُبديها ساطعة المنار، سطوع رائعة النهار.

وأقدّم أمام المقصود، مناظرة جرت في الاعصر الغابرة بين إمام من أئمة الإسلام واحد زعماء القوم في ذلك العصر (ودونكها بنصها).

روى الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه أحد علماء الفرقة الشيعية من فرق الإسلام من أهل القرن الثالث في كتابه الموسوم (بالعيون) وما أدري ان كان قد طبع عندهم أم لا بسنده إلى الحسن بن محمد النوفلي الهاشمي قال: لما قدم عليّ بن موسى الرضا على المأمون أمر الفضل بن سهل ان يجمع له أصحاب المقالات مثل الجاثليق ورأس الجالوت ورؤساء الصابئين والهربذ الاكبر وأصحاب زرداشت ونسطاس الرومي والمتكلمين ليسمع كلامه وكلامهم، فجمعهم الفضل بن سهل، ثم اعلم المأمون فقال: ادخلهم علي ففعل، فقال لهم انما جمعتكم

١- براقش: اسم كلبة نبحت فدلت الاعداء على أهلها فهجموا عليهم وقتلوهم (المنجد ـ قسم الامثال).

٥
لخير وقد أحببت ان تناظروا ابن عمي هذا المدني القادم عليّ فبكروا غداً ولا يتخلف منكم أحد، قالوا سمعاً وطاعة، قال النوفلي فبينا نحن عند أبي الحسن الرضا إذ دخل علينا ياسر الخادم وكان يتولى أمر أبي الحسن فقال له: يا سيدي ان أمير المؤمين يقرئك السلام ويقول: فداك أخوك انه قد اجتمع إلي أصحاب المقالات وأهل الأديان والمتكلمون من جميع الملل فرأيك في البكور علينا ان احببت كلامهم وان كرهت فلا تتجشم وان احببت ان نصير إليك خفَّ ذلك علينا، فقال أبو الحسن أبلغه السلام وقل له قد علمت ما أردت وأنا مبكر إليك ان شاء الله، قال النوفلي: فلما مضى ياسر التفت أبو الحسن، ثم قال لي يا نوفلي: أنت عراقي ورقة العراقي غير غليظة فما عندك في جمع ابن عمك علينا أهل الشرك وأصحاب المقالات؟ فقلت: جعلت فداك يريد الامتحان ويحب أن يعرف ما عندك ولقد بنى على أساس غير وثيق، فقال لي: وما بناؤه؟ قلت: إنّ أصحاب الكلام والبدعة أهل انكار ومباهته ان احتججت عليهم انّ الله واحد قالوا: صحِح وحدانيته وان قلت: ان محمداً رسول الله: قالوا ثبّت رسالته ثم يغالطون الرجل وهو يبطل عليهم بحجته ويغالطونه حتى يترك قوله فاحذرهم جعلت فداك. قال فتبسّم(عليه السلام) ثم قال لي: يا نوفلي أفتخاف ان يقصعوا على حجتي؟ فقلت: لا والله ما خفت عليك قط، واني لأرجو أن يظفرك الله بهم; فقال لي: يا نوفلي اتحب ان تعلم متى يندم المأمون؟ قلت: نعم، قال: إذا سمع احتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم، وعلى أهل الإنجيل بإنجيلهم، وعلى أهل الزبور بزبورهم، وعلى الهرابذة بفارسيتهم، وعلى الروم بروميتهم، وعلى الصابئة بعبرانيتهم، وعلى أصحاب المقالات بلغاتهم، فإذا قطعت كل صنف ودحضت حجته وترك مقالته ورجع إلى قولي فعند ذلك تكون الندامة ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، فلما أصبحنا اتانا الفضل بن سهل فقال له: جعلت فداك ان ابن عمك ينتظرك وقد اجتمع القوم فما رأيك في
٦
اتيانه؟ فقال له الرضا: تقدَّمني فاني صائر إلى ناحيتكم ان شاء الله، ثم توضأ وضوء الصلاة وشرب شربة سويق وسقانا منه، ثم خرج وخرجنا معه حتى دخلنا على المأمون والمجلس غاص بأهله ومحمد بن جعفر في جماعة من الطالبيين والهاشميين والقواد حضور، فلما دخل الرضا قام المأمون وقام محمد بن جعفر وجميع بني هاشم فما زالوا وقوفاً حتى أمروا بالجلوس فجلسوا، ولم يزل المأمون مقبلا على الرضا يحدّثه ثم التفت إلى الجاثليق وقال له: هذا ابن عمي علي بن موسى بن جعفر وهو من ولد فاطمة بنت نبينا وابن علي ابن أبي طالب فأحب أن تكلّمه وتحاجه وتنصفه، فقال: يا أمير المؤمنين كيف احاج رجلا يحتج علي بكتاب انا منكره ونبي لا أؤمن به؟

فقال له الرضا: يا نصراني فان احتججت عليك بانجيلك أتقرّ به؟

فقال: وهل أقدر على دفع ما نطق به الإنجيل؟ فقال الرضا: سل عمّا بدا لك واسمع الجواب.

فقال الجاثليق: ما تقول في نبوة عيسى وكتابه؟ هل تنكر منهما شيئاً؟ فقال الرضا: أنا مقرّ بنبوة عيسى وكتابه وما بشّر به أمّته وأقرّت به الحواريون وكافر بنبوة كل عيسى لم يقر بنبوة محمد وكتابه ولم يبشر به امته، قال الجاثليق: أليس انما نقطع الأحكام بشاهدي عدل؟

قال الرضا: بلى.

قال: فأقم شاهدين من غير أهل ملتك على نبوة محمد ممن لا تنكره النصرانية وسل منا مثل ذلك من غير أهل ملتنا، قال الرضا: الآن جئت بالنصفة يا نصراني، ألا تقبل مني العدل المقدّم عند عيسى بن مريم، قال الجاثليق: ومن هو؟ قال: ما تقول في يوحنا الديلمي؟ قال: بخ بخ ذكرت أحب الناس إلى المسيح، قال: فاقسمت عليك هل نطق الانجيل أن يوحنا قال: انما المسيح اخبرني بدين محمد

٧
العربي وبشرني أنه يكون من بعده ثم بشرت به الحوارين فآمنوا به قال الجاثليق: نعم، قد ذكر ذلك يوحنا وبشّر بنبوة رجل وأهل بيته ووصيه ولم يخلص متى يكون ذلك؟ ولم يسمِ لنا القوم فنعرفهم، قال الرضا: فان جئناك بمن يقرأ الانجيل فتلا عليك ذكر محمد وأهل بيته وامته أتؤمن به؟ قال: سديداً، قال الرضا: لنسطاس الرومي كيف حفظك للسفر الثالث من الانجيل؟ قال: ما احفظني له ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال: ألست تقرأ الانجيل؟ قال: بلى، قال: فخذ عليّ السفر فان كان ذَكر محمداً وأهله وامته فاشهدوا لي، ثم قرأ السفر الثالث حتى بلغ ذكر النبي(صلى الله عليه وآله)ووقف ثم استشهدهم فشهدوا ثم قال للجاثليق سل عمّا بدا لك، فقال: اخبرني عن حواري عيسى كم كان عدتهم وعن علماء الانجيل كم كانوا؟ قال الرضا: على الخبير سقطت، اما الحواريون فكانوا اثني عشر رجلا وكان أفضلهم الوقا وأما علماء النصارى فكانوا ثلاثة رجال (يوحنا الاكبر بباخ) و(يوحنا بقرقيسيا) و(يوحنا الديلمي برجاز) وعنده كان ذكر النبي وهو الذي بشّر أمة عيسى وبني اسرائيل به ثم قال له: يا نصراني اننا والله لنؤمن بعيسى الذي آمن بمحمد وما ننقم على عيساكم شيئاً إلاّ ضعفه وقلّة صيامه وصلاته، قال الجاثليق: أفسدت والله علمك وضعفت امرك وما كنت ظننت إلاّ أنك أعلم علماء الإسلام، قال الرضا: وكيف ذاك. قال الجاثليق: من قولك ان عيسى كان قليل الصيام قليل الصلاة، مع أن عيسى ما زال صائم الدهر قائم الليل قال الرضا: فلمن كان يصوم ويصلي قال فخرس الجاثليق وانقطع، فقال أبو قرة الحراني: يا سيدي نحن نقول: انه من الله فقال الرضا: وما تريد بمن (ومِن) على أربعة أوجه لا خامس لها أتريد كالبعض من الكل فيكون مبعضاً أو كالخل من الخمر فيكون مستحيلا أو كالولد من الوالد أو كالصنعة من الصانع أو عندك وجه آخر فتعرفناه.

فانقطع، قال الرضا: يا نصراني أسألك عن مسألة قال: سل فان كان عندي

٨
علمها اجبتك قال الرضا: ما انكرت ان عيسى كان يحيي الموتى بإذن الله عزوجل؟ قال: انكرتُ ذلك من أجل انّ من احيى الموتى وابرأ الأكمه والأبرص فهو رب بنفسه، قال الرضا: فان اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسى مشى على الماء واحيى الموتى فلم تتخذه امته رباً ولم يعبده احداً، ولقد صنع حزقيل النبي مثل ما صنع عيسى بن مريم فاحيى خمسة وثلاثين ألف رجل بعد موتهم بستين سنة، ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال له: اتجد هؤلاء في التوراة اختارهم بخت نصر من سبي بني اسرائيل حين غزا بيت المقدس ثم انصرف بهم إلى بابل فأرسله الله عزوجل اليهم فاحياهم ثم تلا آيات من التوراة فاعترفوا بها، ثم قال: وان قوماً من بني اسرائيل خرجوا من بلادهم من الطاعون وهم ألوف فاماتهم الله في ساعة واحدة عند قرية فعمد أهلها فحظروا عليهم حظيرة فلم يزالوا حتى نخرت عظامهم، فمرَّ بهم نبي من بني اسرائيل فتعجب من كثرة العظام البالية فأوحى الله اليه اتحب ان احييهم لك فتكلمهم فقال: نعم فاوحي إليه أن نادهم، فقال: ايتها العظام البالية قوموا باذن الله فاجتمعت العظام بعضها إلى بعض، ثم قاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، وكذلك الخليل ابراهيم حين قطَّع الطيور ثم ناداهن فاقبلن سعياً إليه، ثم موسى بن عمران وأصحابه السبعون الذين اختارهم وساروا معه إلى الجبل فقالوا له انك رأيت الله فارناه كما رأيته، فقال: اني لم أره، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فهلكوا جميعاً وبقي موسى وحيداً، فقال: يا رب اخترت سبعين رجلا فجئت بهم وارجع وحدي فكيف يصدّقني قومي بما اخبرهم به فلو شئت أهلكتهم وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا; فأحياهم الله عزّوجلّ بعد موتهم.

وقد اجتمعت قريش على رسول الله(صلى الله عليه وآله) فسألوا ان يحيي لهم بعض موتاهم فوجه معهم علي بن أبي طالب فقال: اذهب معهم إلى الجبانة فنادِ: باسماء هؤلاء

٩
الرهط الذين يسألون عنهم باعلى صوتك يا فلان يا فلان يقول لكم محمد رسول الله: قوموا بإذن الله فقاموا حتى كلمتهم قريش.

فان كان كل من احيى الموتى يتخّذ رباً من دون الله فاتخذوا هؤلاء كلهم أرباباً، ثم قال: يا يهودي أسألك بالآيات العشر التي نزلت على موسى هل تجد في التوراة إذ جاءت الأمة الأخيرة اتباع راكب البعير يسبحون الرب جداً جداً تسبيحاً جديداً في الكنائس الجدد؟ فليفزع بنو اسرائيل إليهم وإلى ملكهم لتطمئن قلوبهم فان بأيديهم سيوفاً ينتقمون بها من الأمم الكافرة ثم قال: أليس في كتاب اشعيا: يا قوم اني رأيت صورة راكب حمار لابساً جلابيب النور ورأيت راكب البعير ضوءه مثل ضوء البدر ثم قال: يا نصراني هل تعرف في الإنجيل قول عيسى إني ذاهب إلى ربكم وربي والبار قلطيا بعدي جاء هو الذي يشهد لي بالحق كما شهدت له وهو الذي يفسّر كل شيء وهو الذي يبدي فضائح الأمم ويكسر عمود الكفر؟ قال: نعم قال: فاخبرني عن الانجيل الأول حين افتقدتموه عند من وجدتموه ومن وضع لكم هذه الأناجيل؟، فقال: ما افتقدنا الانجيل إلاّ يوماً واحداً حتى وجدناه غضاً طرياً فاخرجه إلينا يوحنا ومتى، فقال له الرضا: ما أقل معرفتك بسنن الانجيل وعلمائه، فان كان هذا كما تزعم فلم اختلفتم في الانجيل الذي في أيديكم اليوم؟ ولماذا صرتم تعقدون السندوسات والمجتمعات وتغيرون فيه وتبدّلون كل برهة؟ ولكني مفيدك من علم ذلك، إعلم انه لما افتقد الانجيل اجتمعت النصارى إلى علمائهم فقالوا قُتل عيسى وافتقدنا الانجيل وانتم العلماء فما عندكم؟

فقال ألوقا ومرقايوس: ان الانجيل في صدورنا نحن نخرجه إليكم سفراً سفراً في كل أحد فلا تحزنوا ولا تخلو الكنائس فاننا سنتلوه عليكم، فقعد الوقا ومرقايوس ويوحنا ومتى ووضعوا لكم هذه الأناجيل، وانما كانوا هؤلاء الأربعة

١٠
تلاميذ تلاميذ الأولين، ثم ذكر الإمام اختلاف الاناجيل في نسب عيسى إلى داود وإلى غيره إلى أن قال: فما تقول في شهادة الوقا ومرقايوس ومتّى على عيسى وما نسبوه إليه، قال الجاثليق: كذبوا على عيسى، فقال: يا قوم أليس قد زكاهم وشهد أنّهم علماء الانجيل، فقال الجاثليق: يا عالم المسلمين أحب ان تعفيني من أمر هؤلاء ومن المناظرة قال: قد اعفيناك، ثم التفت الرضا إلى رأس الجالوت، فقال: تسألني أو أسألك فقال: بل أسألك ولست اقبل منك حجة إلاّ من التوراة والألواح والصحف، فقال الرضا: لك عليَّ ذلك، فقال الجالوت: من أين تثبت نبوة محمد(صلى الله عليه وآله)؟ قال الرضا: شهد بنبوة محمد موسى بن عمران وداود واشيعا، إلى عيسى بن مريم، ثم قال: له هل تعلم ان موسى أوصى بني اسرائيل فقال لهم: انه سيأتيكم نبي من إخوانكم فصدّقوه واسمعوا منه فهل تعلم ان لبني اسرائيل اخوة غير ولد اسماعيل ان كنت تعرف قرابة اسرائيل من اسماعيل من قِبل ابراهيم؟ فقال: نعم، فقال الرضا: هل جاءكم من إخوة اسرائيل من ادَّعى النبوة غير محمد(صلى الله عليه وآله)؟ قال: لا، قال: هل تنكر ان التوراة تقول لكم جاء النور من قبل طور سيناء واضاء لنا من جبل ساعير وَسَتعلنَّ علينا من جبل فاران؟ قال: اعرف هذه الكلمات وما عرفت تفسيرها، قال الرضا: أنا أخبرك به، أما الأول فهو ما انزل على موسى; وأما الثاني فهو ما أُوحي إلى عيسى، وأما جبل فاران فهو من جبال مكة بينه وبينها يوم، وقال اشعيا: رأيت راكبين اضاءت لهم الأرض أحدهما على حمار والآخر على جمل، وقال حيقوق: جاء الله تعالى بالبيان من جبل فاران وامتلأت السموات من تسبيح أحمد وامته يحمل خيله في البحر كما يحمل في البر يأتينا بكتاب جديد بعد خراب بيت المقدس، وقال داود في زبوره اللهم ابعث مقيم السنة بعد الفترة، فهل تعرف من أقام السنة بعد الفترة غير محمد صلوات الله عليه؟ انتهى ما أردنا ايراده من هذه المناظرة الباهرة، وهي طويلة اقتصرنا منها
١١
على هذا القدر.

والتدبّر في هذه المحاورة يفيد أمرين (الأول): إنّ الأناجيل الصحيحة المنزلة بالوحي كانت قد فقدت بعد المسيح، وهذه الأناجيل من موضوعات تلامذة التلاميذ كما يعضده النظر في تاريخ اولئك الأربعة وتعاليق الأناجيل المتداولة.

(الثاني) انّ هناك شخصين يسمّيان بالمسيح أو بعيسى.

(أحدهما) بشر بمحمد وامته (والثاني) لم يُعرف منه ذلك.

ثم إذ نظرنا في هذه الأناجيل الدارجة، والصحف التي هي عند أهلها مقبولة رائجة، وجدناها تنص صريحاً على تعدد المسحاء، ففي الاصحاح الثالث عشر من مرقس: لانه سيقوم مسحاء كذبة وانبياء كذبة ويعطون آيات وعجائب لكي يضلوا، وفي الرابع والعشرين من متى: إنّ كثيرين سيأتون باسمي قائلين أنا هو المسيح ويضلون كثيرين إلى قوله: ويقوم انبياء كذبة كثيرون ويضلون كثيرين. من (٥ ـ ١٢).

ثم نظرنا نعِمَّا، وتدبّرنا تدبراً مهماً. وتوغّلنا في سير النعوت التي ذكرها القرآن للمسيح، والنعوت الموسوم بها في هذه الأناجيل، فوجدناها على طرفي نقيض بحيث لا يكاد يتفق القرآن مع تلك الصحف في صفة واحدة من صفاته، ولا علامة فذة من علاماته.

المسيح في القرآن ـ:

(قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَاني الْكِتَابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيّاً)(١)، ويقول: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ)(٢)، وقال المسيح: (يَا بَنِي إِسْرَائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ)(٣)، (لَّقَدْ كَفَرَ

١- مريم: ٣٠.

٢- المائدة: ١١٧.

٣- المائدة: ٧٢.

١٢
الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)(١)، (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة وَمَا مِنْ إِلَـه إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ)(٢)، (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلَّهِ وَلاَ الْمَلائكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)(٣).

وأنت تجد ان المسيح بلسان هذه الآيات الكريمة عبد خاضع وضيع موحّد لله مُتفان في توحيد الله. ليس عنده شائبة شرك، ولا إلحاد حلول ولا اتحاد.

أما المسيح في هذه الأناجيل الشائعة، فهو رجل مخلط فتارة يعترف لله جل شأنه بأن: الحياة الحقيقة أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي ارسلته(٤) وبينا هو يعلّم: ان أول كل الوصايا هي اسمع يا اسرائيل الرب إلاّ هنا رب واحد، إلى أن قال له الكاتب: جيداً يا معلم بالحق قلت: لانه إله واحد وليس آخر سواه(٥)، ويقول: لماذا تدعوني صالحاً ليس صالحاً إلاّ الله كما في متي، وليس صالحاً الا واحد وهو الله كما في (١٠) مرقس، بينا هو يقرر هذه الحقائق التي تشهد بها ضرورة العقول وتدعمها الحجة والبرهان، وإذا به يقول في ضد ذلك: الاب فيّ وانا فيه كما في (١٠) يوحنا (٣٨) و: اني أنا في الاب والاب فيَّ(٦) ثم صرّح على تلوه بهذا الزعم البديهي الاستحالة فقال: الكلام الذي أكلمكم به لست اتكلم به من نفسي لكن الاب الحال فيَّ هو يعمل الاعمال، وهذا الحلول هو الأمر الذي يمتنع تصوره على العقول بل تحكم بتاً بامتناعه.

ثم نجد المسيح في القرآن المحمدي يقول: (وَ جَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَ أَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً) ثم يقول: (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً)(٧).

١- المائدة: ٧٢.

٢- المائدة: ٧٣.

٣- النساء: ١٧٢.

٤- الاصحاح ١٧ من يوحنا ـ فقرة ٣.

٥- الاصحاح ١٢ من مرقس ـ ٢٩.

٦- ١٤ يوحنا فقرة ١٠.

٧- مريم: ٣١ ـ ٣٣.

١٣
كتاب التوضيح في بيان حال الإنجيل والمسيح للشيخ كاشف الغطاء (ص ١٤ - ص ٢٥)
١٤
وابك، وادهى وامرُّ في الشقاء والجبروتية، انه يقول: ما جئت لألقي سلاماً على الأرض بل سيفاً، ثم زاد في البلاء حتى قال: اني جئت لأفرّق الانسان ضد أبيه. والابنة ضدّ امها والكنة ضد حماتها. ثم زاد في تقطيع الارحام فقال: واعداء الانسان أهل بيته(١) فأين هذا ممن يقول في الوحي المنزل عليه: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالاَْرْحَامَ)(٢) (وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض)(٣).

"والأقربون أولى بالمعروف"، ثم لم يكفه أن يلقي في الأرض السيف ويفرّق بين الآباء والابناء حتى اضرمها ناراً، فقال كما في (١٢) لوقا: جئت لألقي ناراً على الأرض فأين هذا ممن يقول: (وَ مَآ أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)(٤) إلى كثير من أمثالها.

ثم نظرنا فوجدناه بحسب تلك الأناجيل خائناً حيث كان قد أئتمن الخائن كما في (١٢) يوحنا: يهوذا الاسخريوطي كان سارقاً وكان الصندوق عنده، وافظع من ذلك، درؤه الحد عن الزانية كما في (٨) يوحنا: قدم إليه الكتبة والفريسيون امرأة أُمسكت في زنا ولما اقاموها في الوسط، قالوا له: يا معلم هذه المرأة أُمسكت وهي تزني في ذات الفعل، وموسى في الناموس أوصانا ان مثل هذه ترجم فماذا تقول أنت؟ إلى أن قال: فلما انتصب يسوع ولم ينظر أحداً سوى المرأة قال لها: يا امرأة أين هم اولئك المشتكون عليك أما دانك أحدٌ فقال: لا أحد يا سيد، فقال لها: ولا أنا أدينك، اذهبي ولا تخطئي أيضاً.

فأنت أيها الناظر تجد المسيح بنص هذه الأناجيل، يجلس الغلام في حضنه تارة، وتمسح النساء قدميه المطيَّبين بشعورهن اخرى، ويأتمن الخائن السارق طوراً ويدرأ الحدّ عن الزانية ضد الناموس، طوراً آخر، فأين هذا من المسيح

١- عاشر متى ٣٤.

٢- النساء: ١.

٣- الانفال: ٧٥.

٤- الأنبياء: ١٠٧.

١٥
المبارك البرّ في القرآن ـ (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ)(١).

وكأنه لتلك الأحوال والخلال الفظيعة اسلمه تلميذه إلى اليهود ليقتلوه ويصلبوه بعد ان كان من خاصته وبطانته، وأهل ثقته وأمانته.

ثم بعد هذا كلّه نظرنا في القرآن الكريم فوجدناه يرفع المسيح إلى أوج العظمة والكرامة، والتقديس والنزاهة، فيقول في أمر صلبه، وكيفية انتقاله من هذه الدار إلى ربه، وتطهير ذيل والدته، وتنزيهها مما قُذفت به، مندّداً على اليهود (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْم إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَاً * بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)(٢).

أمّا الذي نجده في تلك الأناجيل فهو على الضدّ من ذلك كُلّياً، فانها تصور لك لصاً جباناً متشرّداً، قد أُخذ مهاناً حقيراً، وجعل هُزُؤاً ومسخرة لليهود، يبصقون في وجهه، ويضربونه صفعاً على رأسه، إلى أن صلب نصب العين، بين لصين، انظر إذا شئت هذه المضحكة في (٢٧) متى بعد ان ذكر في الاصحاح السابق عليه، صورة جزعه وفزعه من الموت، وقوله: (٢٨) نفسي حزينة جداً حتى الموت، ثم فزع إلى تلامذته قائلا: امكثوا ههنا واسهروا معي، (٢٩)، ثم تقدم قليلا وخرّ على وجهه، وكان يصلي قائلا: يا ابتاه إن أمكن فلتعبُر عني هذه الكأس، وفي (٢٧) منه: فأخذ عسكر الوالي يسوع إلى دار الولاية وجمعوا عليه كل الكتبة (٢٨) فعرَّوه والبسوه رداء قرمزياً (٢٩) وضفروا أكليلا من شوك، ووضعوه على رأسه، وقصبة في يمينه، وكانوا يجثون قدامه ويستهزؤون به قائلين: السلام يا ملك اليهود (٣٠)، وبصقوا عليه، وأخذوا القصبة وضربوه على رأسه، إلى أن قال (٣٨): حينئذ صلب معه لصان واحد عن اليمين وواحد عن اليسار (٣٩)، وكان

١- مريم.

٢- النساء.

١٦
المجتازون يجدفون عليه وهم يهزّون رؤوسهم (٤٠) قائلين يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام(١) خلص نفسك ان كنت ابن الله فانزل عن الصليب (٤١) وكذلك رؤساء الكهنة أيضاً وهم يستهزؤن مع الكتبة والشيوخ قالوا (٤٢) خلَّص آخرين وأما نفسه فما يقدر ان يخلصها.

وما أحسن قولهم: ان كان هو ملك اسرائيل وابن الله فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به (٤٤) وبذلك أيضاً كان اللصان اللذان صلبا معه يعيّرانه.

وعلى مثل هذا فاشدّ، نصَّت الأناجيل الاخرى، ففي (١٤) مرقس (٦٥) فابتدأ قوم يبصقون عليه ويغطون وجهه ويلكمونه ويقولون له: تنبأ، وكان الخدام يلطمونه إلى أن قال: في (١٥) وفي الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا أَلوي ألوي لما شبقتني الذي تفسيره الهي الهي لماذا تركتني؟

أما يوحنا فحيث كان انجيله آخر الاناجيل لذلك تحاشى عن عبارة اللصين اللذين نصَّ عليهما متى فغيّرها وخففها حيث قال في (١٩ ـ ١٨) وصلبوا اثنين آخرين معه من هنا ومن هنا ويسوع في الوسط.

وفذلكةُ حساب ما تقدم انك إذا امعنت النظر في مسيح القرآن، ومسيح هذه الأناجيل الدارجة، وجدت بونا شاسعاً لا يلتقي طرفاه.

وكيف وأنّى. وانت تجد القرآن العظيم يصوّر لك المسيح رجلا مباركاً وديعاً باراتقياً، لا جبَّاراً ولا شقياً، عبداً موحّداً خاضعاً لله غير مجدف ولا مدّع لشيء غير معقول، من الوهية أو اتحاد أو حلول، ثم تجده عزيزاً محترماً، مرفوعاً إلى السماء مُصاناً بالعزة الإلهية عن مقارنة اللصوص والأوباش، مقدساً عن هزوء المستهزئين، وسخرة الساخرين، غير مضام ولا مهان، بما انه روح الله وكلمته وصنيعة عينه، وربيب قدرته، ومستودع اسراره وحكمته، وتعالى الله أن يضع

١- يشيرون بذلك إلى دعاويه وتجديفاته التي كان يجدفها عليهم.

١٧
اصفياءه وخاصته، ويسلمهم إلى موارد السقوط والمهانة، والاحتقار والمسخرة، فان قُتلوا، قُتلوا بعز، وان ماتوا، ماتوا بشرف، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

أما رأيت كيف نجَّى الله نوحاً من الغرق، وَجَعلَ النَّار بَرْداً وسلاماً على إبراهيم، وخلَّص موسى وقومه من غاشمة فرعون، ونصر محمداً حبيبه على جبابرة المشركين، تلك سنة الله في الذين خلوا من أنبيائه (وَ لَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا)(١)، نعم قد قتل بعض الجبابرة، بعض الكرام من الأنبياء، كزكريا ويحيى وأمثالهم، ولكنها شهادة شريفة، وقتلة كريمة، ميتة بالسيف في سبيل الله، حياةٌ سعيدة عند الله، وتلك هي السعادة والكرامة، والعزة والرفعة، لا التعليق والصلب، والصفع والضرب.

فما ظنك بتلك الأساطير التي تُصوِّر لك المسيح رجلا دجالا محتالا خائناً جباراً عاقاً قاطعاً مفرّقاً سكيراً شريب خمر(٢) يغازل الغلام في حضنه، ويتكي والفتاة تمسح بشعرها رجليه، ويحابي الزانية في درء حدود الناموس عنها، ثم يؤخذ كلصّ متشرد هيَّاب جبان خوّار، فيصلب ويصفع، ويبصق في وجهه ويعلق على الخشبة متدلّياً بين اللصوص ثلاثة أيام أو أقل أو أكثر، ثمّ يُنزل ويُقبر، ثمّ تزعم امّه وخالاته انه شق القبر وصعد إلى السماء، فهلا صعد قبل تلك المهانات والماجريات (ما كان اغناها عن الحالين).

أفهل بعد هذا كله، يظنُّ ذو شعور انّ هذا الشخص هو الذي قصّ علينا القرآن قصصه وحدّثنا الوحي المبين حديثه.

وهل من سبيل أو محيص إلاّ الركون والطمأنينة بأنّ هناك رجلان ادّعيا المسيحية في عصر متقارب وقاما بالدعوة في لحن مُتشابه، ولكن أحدهما صادق، تصدقه دعواه المعقوله، ومجته الاحبه، وسيرته الوديعة، ثم جاء القرآن

١- فاطر: ٤٣.

٢- حادي عشر متى ـ ١٩.

١٨
شاهداً ومؤيداً له، وشارحاً لما ابهم من امره، ودالا على ما ضاع من جوهره، واستتر من شريف شريعته، ورفعة معرفته، وتمييزاً له عمَّن تسمى بأسمه، وتزيا بزيه، وأفسد شريعته وطريقته، وهو (ثانيهما) دجَّال محتال، مضطرب الأحوال، ذئب في صورة حَمَل، أو سبع في هيئة جمل، وإلى هذه التفرقة والاثنينيه أشار الوحي العربيّ بقوله عزّ شأنه وقولهم: (إنا قتلنا) المسيح عيسى ابنَ مريم رسول الله، فان هذا القيد أعني (رسول الله) يدلّ بدلالة الإيماء والفحوى ان هناك من يسمى عيسى بن مريم ولكن ليس هو رسول الله واليهود زعموا انهم صلبوا ابن مريم الرسول، فردّ الله عليهم هذا الزعم ودلّ على انهم انما صلبوا المسيح الدجَّال المشتبه، بالمسيح الصادق.

وأنت أيها الضليع باساليب البلاغة العربية ـ تعرف جيداً ـ انّ التأسيس في قيود الكلام خير من التأكيد، وانّ الاحتراز أولى من التوضيح.

وقد تلخّص من جميع تلك الشواهد البيّنه، انّنا معاشر المسلمين لا نعترف بالمسيح الذي تعبده النصارى اليوم وندلّ بالحجج القاطعة انه رجل كاذب دجّال، خمير سكير، جبار شقي، خوّار جبان، إلى آخر ما نصَّت عليه أناجيلهم من وصفه، والعجب كلّه، كيف غفل علماء المسلمين منذ ثلاثة عشر قرناً عن هذه الحقيقة الراهنة، التي هي بعد ادنى بيان، أجلى من عين الشمس للعيان، ثم لا غرابة إن تعددت دعوى النبوة وبالاخص (المسيحية) فكم ادّعاها محتالون دجَّالون، يعترف النصارى والمسلمون بكذبهم؟

وها هو بالأمس قد قام رجل في الهند يعرف (باحمد القادياني) وادّعى أنّه هو المسيح، واتّبعته أمةٌ من الناس يُقال انها تزيد على المليون وقد مات وقام اليوم ابنه مقامه، وحديثه شائع ذائع لا حاجة بنا إلى شرحه، وإذا جاز ذلك ووقع في مثل هذه العصور التي يُسمونها (عصور النور) فكيف لا يجوز في تلك العصور (عصور

١٩
الظلمة) وكم راجت بدعٌ وخرافات حتى صارت عند قوم، حقائق وأديان، وطقوس ونواميس، والقصارى ان اللبيب بعد التدبر لا يرتاب في صحة ما ذكرناه ولا شك انّ المصنف يشكرنا على استخراج هذا الكنز الدفين من الحقائق التي طمَّت عليها اطلاق الأوهام وانقاض الاغراض والاهواء.

ثم لا يذهبنّ عنك أيها الناظر، ان الغربيين لما تخلصوا من استبداد الكنيسة، وخلعوا نير التقاليد القديمة، وتملصوا من اغلال أرباب السلطة الدينية، وأخذوا يفتكرون في الحقيقة كعلماء احرار، اصابوا جوهر ما قلناه، ونبغ فيهم نوابغ، رفضوا الثالوث وانكروا سر الفداء، وعقيدة الصلب وتكفير الخطيئة وأصابوا ان هذه التي تسمى بالأناجيل، صحف قصصية وأحاديث خرافية، وهم طوائف كثيرة، وأفراد شهيرة فمن الفرق، فرقة (السوشنيين) ويسمون بالموحدين أيضاً وهم أعداء الثالوث ومنكروا الوهية المسيح، ومنهم طائفة (العقليين الإلهيين) الذين انكروا هذه الأناجيل عامة، وهم كثيرون عسى ان نأتي على ذكر بعضهم في سوى هذا الموضع.

أما الأفراد المشاهير فأكثر مثل (توماهوبس) و(شارل بلونت) و(جوهن تولند) و(تولستوي) و(رينان) و(فولتير) و(جان جاك روسو) النابغان الشهيران وقد تبرز في ذلك (لسينغ الالماني) فقد صاحر بالحقيقة وجاهر بالصواب، وذكر ان هذا المسيح الذي في هذه الأناجيل، إن هو إلاّ رجل ماكر خداع، إلى كثير من أمثال هذه الكلمات الصائبات، من أمثال هؤلاء الأعلام.

ثم سوف ندعم هذه الحقيقة الراهنة بدعامات من الدلائل المحكمة، تلو هذا الجزء ونسجل مصارحين بأنّ المسيح بنص هذه الأناجيل الدارجة قد كذب في أكثر من عشرين مورداً، كذباً صراحاً قحَّاً لا غبار عليه ولا ستار، ونكشف الغطاء عن كل واحدة واحدة، ثم نُعقب ذلك بذكر التلامذة والرسل وأحوالهم من

٢٠