×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التوضيح في بيان حال الإنجيل والمسيح / الصفحات: ٦١ - ٨٠

وأمثال ذلك من آلهة الرومان واليونان وغيرهم كلّها اشارة إلى المسيح ورمز إلى المخلص، فانا تالله لا أدري بماذا أُجيب عن هذا البرهان الصريح، الذي وعدنا به في افتتاح مقالته، وصدر مجلته.

نعم من الفكاهة والتحميض، ما يرويه القصاصون ان امرأة ادعت النبوة فقيل لها وما آية نبوتك فقالت ان محمداً(صلى الله عليه وآله) قد اخبر بنبوتي فقيل لها وأين ذلك فقالت حيث قال: لا نبي بعدي. وأنا اسمي لا فهو يقول (لا نبية بعدي) ويروى انه قيل لها أتؤمنين بنبوة محمد(صلى الله عليه وآله) فقالت نعم فقيل لها أليس قد قال لا نبي بعدي، فقالت قال لا نبي بعدي ولم يقل لا نبية بعدي، وان استدلالات هذه المتنبأة على نبوتها لاقوى بكثير من استدلالات الأب (لويس) بتلك الخرافات على الوهية اليسوع، وحسبنا هذا القدر من معارضة ما في هذا العدد، والباقي للبقية.

وعلى الاستطراد نذكر انه قد ذكر في ذا العدد نفسه صفحة ١٤٩ هكذا: وفي سنجق كربلاء مزارا العجم المعظمان على شبه مكة والمدينة وهما النجف وكربلا، ولو قال مزارا الشيعة الإمامية من عرب وعجم وترك وهند وكابل وكشمير وبخارى وتبت وغيرها لكان اقرب إلى الحقيقة فان العجم واحدة من كثير طوايف الشيعة ولكن من الظريف قوله متصلا بما سبق هكذا: ففي النجف مشهد علي بن أبي طالب وفي كربلاء مشهد ولديه العباس والحسين(عليهم السلام) أيها الأب لا يليق بمجلة شرقية كالمشرق ان تجهل امراً جلياً كهذا، أيها الأب ليس مشهد الحسن في كربلا وانما مشهده في البقيع مع جده رسول الله(صلى الله عليه وآله) وليس في كربلا سوى مشهد الحسين(عليه السلام)وأخيه العباس والشهداء من أهل بيته وأنصاره سلام الله عليهم جميعاً، فاللازم التثبت بعد هذا فيما تكتب عن جيرانك من المسلمين ولا تسترسل فتقع والله ولي التوفيق.

قال في عدد ٣ من تلك السنة تحت عنوان (البرهان الصريح، في اثبات الوهية

٦١
المسيح): أيضاً... (النبوات عن مجيء المسيح وتعريف شخصه الكريم).

ذكر هنا نطق الساحر بلعام بالبركة على نسل يعقوب قائلا: يسعى كوكب من يعقوب ويقوم صولجان من اسرائيل فيحطم طرفي موآب وبربح جميع بني شيث (عدد ٢٢: ١٧)، ثم استنتج من ذلك بعد سرد عدة آيات من كتبه المقدسة بزعمه الواردة في شأن داود او ابنه سليمان، وانه سيبني هيكلا، وان ملكه لن يزول إلى الأبد، وما ورد في المزامير من نظايرها ثم بنى عليها قوله: فقول كهذا من فم الله صريح واضح مؤيد بالأقسام المحرجة لم يتحقق إلاّ في ذاك الذي قال عنه الملاك لمريم (لوقا ١: ٢١ ـ ٢٣) ستلدين ابناً وتسمينه يسوع...، وسيعطيه الأب الإله عرش داود أبيه... ولا يكون لملكه انقضاء، نعم قد سطر لويس عدة آيات، وسرد ما شاء من نتائج ومقدمات، ولكني لا أريد ان اتعقبه في كل ما ذكر، واناقشه في جميع ما سطر، ولا أفنّد كل واحدة من مقدماته ولا ازيده علماً بعدم ارتباط كل واحدة من مقدماته بنتايجه، ولا اوضح له، هو جد خبير به من اضطراب الأناجيل وتناقضها في نسب اليسوع وأبيه يوسف النجار وامه البتول، لو أردنا ان نخوض في تمحيص كل هذه الأساطير لاتسع بنا القول وخرج بنا البحث إلى غير الغرض، وتجاوزنا إلى غير الصميم من القصد، ولكننا نريد أن نسأل الأفاضل من أهل النظر والمعرفة، لا بل عامة القراء والكتبة، لا بل نسأل الأب لويس نفسه ونقول له هب اننا قد اعترفنا لك بكل ما زعمت من تلك المباني وتساهلنا معك في كل تلك الدعاوي، ولكن ألا تدلنا على موضع البرهان الصريح من تلك المقدّمات؟ وأين هي من الوهية المسيح الذي عقدت تلك الفصول المتتابعة لاثباتها وهل يلزم إذا كان الأب الإله سيعطي للمسيح عرش أبيه داود ولا يكون لملكه انقضاء؟ أن يكون المسيح إلهاً كما زعمت.

ثم قال: وتوالت الأنبياء بعد داود وكررت مواعيد إله اسرائيل بحيث لم يبق

٦٢
فيها موضع للريب ففاه اشعيا (٧: ١٤) بتلك الآية التي طنت لها آذان الملك آحاز، وكل بني اسرائيل، بل دوت لها مسامع البشر قاطبة: ١١ يؤتيكم السيد نفسه آية ها ان العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل، ثم ذكر مثلها عن الأنجيلي (متى) في أول بشارته (١: ٢٣) إلى أن قال وفي القرآن عينه ما يؤيد صريحاً نبوة اشعيا وآيات الأنجيلين حيث قال في سورة آل عمران: (إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَة مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ إلى قوله تعالى كُن فَيَكُونُ)(١).

في أمثالهم (عادت إلى غيرها لميس) أيها الأب، ان هذا هو الأمر الذي انكرته على المسلمين وعجبت من استدلالهم بآيات العهدين وهم لا يؤمنون بها ويذهبون إلى تحريفها، إذاً فما الذي سوّغ لك ذلك دونهم، وإباحه في عملك وحجره عليهم، على ان المسلمين يؤمنون بالتوراة والإنجيل على الجملة وأنت تجحد القرآن بتاتاً، ولا تؤمن بشيء منه أبداً، ثم لا أدري أيضاً أين موضع البرهان الصريح، على الوهية المسيح؟ من آيات اشعيا أو فرقان محمد(صلى الله عليه وآله) بل ومن انجيل (متى) أم هل قد انقلب الموضوع، فالعنوان شيء والمعنون شيء آخر، العنوان، الوهية المسيح، ثم لا تأتي من ورائه بشيء مما له أدنى مسيس بالإلوهية، بل وبالعكس تورد بدل ذلك كلما يدل على العبودية والفقر والعجز، من الحبل والحمل والولادة واشباه ذلك، الله أكبر ما هذه المغالطة على العلم، وما هذه المباهتة في الحقايق أمام الخلائق، وما هذا الصلف في السخف؟ ما هذا الصلف تحت الراعدة صلف تحت راعد وسراب كرعت منه خرقاه.

ثم أخذ الأب لويس بعد تلك الآيات يبرهن أن المسيح هو ابن اليسي وان العهود القديمة والأنبياء المتقدمين قد دلّت عليه، وأومأت إليه، وذكرت دلايل نبوته وصار هنا يحتج ويتخاصم مع اليهود بعد ذكر كلمات من سفر (حجاي)

١- آل عمران: ٤٥ ـ ٤٧.

٦٣
و(ملاخي) ويقول لهم أما ان تسلموا بمجيء المسيح ونبوته أو تنبذوا نبوة حجاي وملاخي من الأسفار المقدسة التي في أيديكم ـ ثم ساق الكلام في عدة صفحات كلها على هذا ومثله مما ليس فيه همس ولا نبس من ذكر الإلوهية فضلا عن إقامة البرهان الصريح عليها، فكأن النزاع تحور وانقلب عن صاحب (المنار) المنكر للإلوهية إلى اليهود المنكرين حتى للنبوة بل حتى لطهارة المولد، فنحن نشكره عن العلم والحقيقة حيث انه لما احس من نفسه بثقل تلك الدعوى بل وعجز الثقلين عن اقامة شبه البرهان فضلا عن البرهان الصريح عليها، عدل وانسل رويداً رويداً حتى حور الكلام إلى وجهة اُخرى هي احرى بالبحث والنظر، وأولى أولا بالاثبات، الا وهي اقامة البرهان على نبوة المسيح، وانه رسول كساير الرسل ممن سبقه ولحقه فخاض في غمار هذا البحث، ولكن بقي العنوان بالحرف الكبير في صدر المقالة (البرهان الصريح على اثبات الوهية المسيح) شايلا في الهواء لا ربط له بما بعده.

(بخ بخ) ثم (زه زه) لتلك الربوبية التي هي مجاز وقنطرة إلى النبوة.

نعم قد أورد في عداد ما سرده من الآيات، آية من انجيل (متى) ١١: ٥، هو ذا إلهكم... هو يأتي ويخلصنا. ومثلها من سفر (اشعيا) (٩: ٦ ـ ٩) يصف ولادته: انه قد ولد لنا ولد. اعطي لنا ابن فصارت الرياسة على كتفه ودعي اسمه عجيباً مشيراً إلهاً جباراً ابا الأيد رئيس السلام الى آخر ما هناك.

وهذه الآيات على ان مرجع الاشارة ليس بالصريح، ولا ريب ان اليهود ينكرون كونها اشارة إلى يسوع النصارى الذي أخذوه وصلبوه كلص متشرّد كما قال هو عنه نفسه وللمسلمين أن يقولوا: يمكن ان تكون اشارة إلى نبي الرحمة محمد(صلى الله عليه وآله)، ولكن لو سلّمنا انها اشارة إلى يسوع فليس فيها تلويح فضلا عن تصريح بالوهيته، كيف وقد عرفت كثرة اطلاق الاله في لسان العهدين على

٦٤
المتبوع والرئيس المطاع كما تقدّم نقل بعضه في حق هرون وموسى وهو كثير في العهود القديمة.

على ان من الغريب جداً، الاستدلال على المسائل اللاهوتية والمباحث العقلية النظرية بظواهر الكلمات اللفظية التي هي فضلا عن قصورها بظواهر الكلمات اللفظية التي هي فضلا عن قصورها في ذاتها وتطرق الاحتمالات القريبة والبعيدة إليها، فضلا عن ذلك قد تلاعبت بها أيدي النسخ والمسخ والتحريف، ولم يبق بها أقل وثوق لاقل مسألة من الفروع فكيف بمثل هذه؟ التي هي الأساس والدعامة لكل شريعة وديانة، على انه لو طرق باب الاستدلال بشيء من تلك الآيات أو غيرها وتنازل من البرهنة العقلية إلى الدلالة العقلية واقتنع من البرهان الصريح بذلك المقدار، لهان الأمر وسهل الصعب، ولكنه يشحن الصفحات ويكردس الكلمات بعضها على بعض من غير تعيين وتبيين لموضح الحجة وموقع البرهان، كأنه أو لعله لا يعرف شيئاً من أبواب المنطق وفنون المعقول، وأساليب الاحتجاج والمناظرة، فالدعوى شيء والدليل على شيء آخر. والمقدمات في شيء والنتيجة شيء آخر وهلم جرا، لذلك وجدنا ان اطالة الكلام معه لغواً وعبثاً.

وقد كان كثيراً ما يسألنا بعض أفراد المسلمين عن حجة النصارى على الوهية المسيح وعن الأقانيم الثلاث وتصويرها بوجه معقول فنتلجلج في الجواب ونعيي في البيان، لاننا على كثرة مراجعتنا في كتب القوم ومؤلفاتهم في علم (اللاهوت) مثل (الخلاصة اللاهوتية) التي هي من أكبر الموسوعات في ذلك الفن (خمسة مجلدات ضخام) لم نجد وجهاً معقولا يمكن تصويره في الأذهان، وتقريبه بالبيان، فضلا عن إقامة الحجة عليه والبرهان، وهذا الأب (لويس شيخو) من فطاحل القوم وعليتهم ومن كبار قسستهم وبطارقتهم وهو حاضر معاصر، وقد قلنا عساه أن يأتي لنا بوجه مقنع وبيان مشبع لأن رجالات هذا العصر قد تطاولت

٦٥
أعناقهم وتمايلت أذواقهم، إلى نبذ الخرافات والمعاني غير المعقولة وقد أخذوا من الثقافة والحصافة بحظ وافر، ومع ذلك كله قد رأيت بزته، وعرفت حجته، فما ظنك بغيره، نعم يستحيل على البشر كلهم لو اجتمعوا وكان بعضهم لبعض ظهيراً أن يقيموا البرهان والدلالة، على أمر بديهي الاستحالة، فلنختم الكلام في هذا الباب ولنشرع في الباب الثالث وبالله المستعان.

٦٦

الباب الثالث في بيان أحوال الأناجيل
وأحوال مؤلفيها وأحوال التلاميذ والرسل من حيث الوثاقة
والاعتماد والقوة والسداد، وبدء نمو بذرة تلك الدعوة


أعلم أن يسوع المسيح بدأ في الدعوة وهو ابن ثلاثين سنة كما نص عليه في الثالث من (لوقا) عدد ٢٣ وصلب وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فيكون تمام أيام نبوته ثلاث سنوات، وتزعم الأناجيل أن خلقاً كثيراً شاهدوا عجايبه ومعجزاته ولكن لا يعلم على التحقيق من مقدار من آمن به سوى سبعين نفراً، وقد اختار من هؤلاء السبعين اثني عشر تلميذاً، كانوا هم خواصه وملازميه الذين لا يفارقونه غالباً، وشاهدوا أكثر عجايبه، وهم حسب نص الأناجيل، سمعان، الذي سماه بطرس وهو أقدمهم وأقربهم منه، ويعقوب بن زبدي، ويوحنا أخو يعقوب، واندرواس، وفيلبس، وبرثولمارس، ومتى، وتوما، ويعقوب بن حلفي وتداوس، وسمعان القانوي، ويهوذا الاسخريوطي.

وكان بطرس هو الذي استخلفه يسوع وأقامه وصياً عنه وقال له: إبنِ كنيستي على الصخرة، وفي نظر التحقيق ان رأس الزاوية لدين النصرانية هم الأحد عشر التلاميذ وحجر الزاوية الأول هو بطرس والحجر الثاني هو تلميذه بولس، أما بطرس فانا اوقفك على منزلته من الإيمان، ومقامه من اليقين، ورسوخ قدمه في الصبر والثبات والتفاني في حب إله اليسوع، ويكفيك لذلك شاهدان من نفس الأناجيل.

(الأول) ما في الاصحاح السادس (٢٢) من (متى) فأخذه بطرس إليه وابتدأ ينتهره، أي ينتهر المسيح قائلا حاشاك يا رب أن يكون لك هذا (٢٣) فالتفت وقال لبطرس: اذهب عني يا شيطان أنت معثرة لي لانك لا تهتم بما لله لكن بما للناس.

٦٧
(الثاني) ما اتفقت عليه الأناجيل كلها، منها ما في (٢٦)، عدد (٣١) من (متى) ما نصه: حينئذ قال لهم يسوع كلكم تشكون في هذه الليلة لانه مكتوب اني اضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية فقال بطرس وان شك فيك الجميع فانا لا اشك فيك ابداً، قال له يسوع: الحق أقول لك انك في هذه الليلة قبل أن يصيح ديك تنكرني ثلاث مرات، قال له بطرس: ولو اضطررت ان أموت معك لا انكرك، وهكذا قال جميع التلاميذ، ولكن مع الأسف (كما قال) ان اليهود قبضوا على المسيح، فاما التلاميذ فقد كان أقصى مدافعتهم ومواساتهم لربهم الفرار عنه فصاروا شذر مذر، لا عين ولا أثر، نعم ثبت معه بطرس ولكن أي ثبات، ثباتاً كانت الهزيمة خيراً منه، فانه سرعان ما أنكر المسيح وبرء منه وما اكتفى بذلك حتى صار يلعنهُ ويحلف انه لا يعرفه.

ففي اصحاح (٢٧) من (متى) عدد (٦٩) ما نصه: أما بطرس فكان جال خارج الدار فجاءت جارية قائلة: وأنت كنت مع يسوع النصارى فانكر أيضاً بقسم اني لست اعرف الرجل (٧٣) وبعد قليل جاء القيام وقالوا لبطرس حقاً أنت منهم. فان لغتك تظهرك (٧٤) فابتدأ حينئذ يلعن ويحلف اني لا اعرف الرجل، وللوقت صاح الديك (٧٥) فتذكر بطرس كلام يسوع الذي قال له انك قبل ان يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات انتهى بحروفه، تأمل في هذه القصة جيداً ولا تفوتنك المزايا والخصوصيات، وحينئذ يستبين لك مقام الرجل (بطرس) ومرتبته من الإيمان وتفاديه لربه اليسوع الذي جعله خليفة ووصياً عنه.

أما يهوذا الاسخريوطي الذي هو أحد الاثني عشر الذين اختارهم الرب يسوع فقد عرفت مبتدأ خبره، وعاقبة امره، وبهذا قد ظهر لك حال الأعلى والأدنى والأوساط من التلاميذ الذين هم خاصة المسيح والحواريون له فما ظنك بالباقين، هذه هي الطبقة الأولى من اصحاب المسيح، أما الطبقة الثانية وهم تلاميذ

٦٨
التلاميذ فاعظمهم واشهرهم (بولس) وبنظر الاعتبار في ترجمة أحواله المسرودة في كتاب (أعمال الرسل) الذي هو أهم الأناجيل بعد الأربعة الأولى، نجده أكبر مجاهد في نشر الدعوة المسيحية، وفي الحق انه هو الذي نشر دين النصرانية في سوريا وادخله في الرومان واليونان وبلغ به إلى تخوم أوربا وتغلغل به إلى حدود اسبانيا وكافح المصايب والمصاعب في هذا السبيل، وصار غير مرة عرضة للهلكة حسبما أورده في (أعمال الرسل) وتبعه على ذلك تلميذه (مرقس) الذي اقتنصه في بعض اسفاره هذا كله بنظر الاعتبار الأول في (أعمال الرسل) وغيره، وأما بالنظرة الثانية الدقيقة التي تخرق السطوح وتنفذ في الأعماق، فانك لا محالة تجد من سيرة هذا اليهودي المتنصر انه قد كان رجلا مهرتقاً لا يركن إلى دين، ولا يتقيّد بشريعة بل كان يتلاعب بالأديان، ويسعى وراء غاية كبيرة وهي تمزيق الشرايع السموية، والنواميس الإلهية، فقد كان أولا مدّة حياة المسيح وبعد صلبه يهودياً قاسياً، ورومانياً صلباً، وفريسياً قحاً، وكان يحسن العبرانية والرومانية واليونانية وهذا هو الذي نشطه للدعاية والتبشير وكان اسمه حين كان يهودياً (شاول) وسمى نفسه حين تنصر (بولس) ادرك المسيح وهو ابن عشرين سنة ولم يؤمن به بل صار من أعظم المضطهدين للنصارى والساعين في قلع جرثومتهم، وهو أحد شهود رجم (استفانوس) الذي يعرف عند النصارى بالشهيد الأول، واحد السبعة الذين اختارهم التلاميذ الاثني عشر لنشر الدعوة وكان قد فر جمع النصارى إلى دمشق بعد رجم (استفانوس) تخلصاً من بلية شاول وقومه الفريسيين فلحقهم ليردهم إلى نير اضطهاده، فيقال ان المسيح تجلى له في الطريق قائلا له: إلى تضطهدني، فصار من ذلك النور أعمى ثلاثة أيام، ثم بعد أن دخل دمشق أبصر واستبصر وصار يجد ويجتهد في نشر تعاليم المسيح، واجتمع مع التلاميذ خاصة مع (بطرس) وهو ان تلمذ في الظاهر عليهم ولكن صار في الحقيقة استاذاً لهم،
٦٩
والامارات تشهد ان هذه التعاليم التي بأيدي النصارى اليوم كلها ترجع إلى مخترعاته على الأخص تعليم (الثالوث) الذي هو الطامة الكبرى في دين النصرانية.

دخل هذا اليهودي في شريعة المسيح وهي في اضعف مبادي ترعرعها ما استحكمت اصولها ولا انتظمت فروعها، فتلاعب (بولس) فيها وفي الشريعة اليهودية ما شاء وشاءت له الأهواء، أما اليهودية فسحق بل محق جميع أحكامها وجعل دين الله من وجهة الأحكام ونواميس التروك والأفعال، إباحة مطلقة، وهكذا جعل دين النصرانية في فروعه، وأما أصوله فافسدها بتعليم الثالوث وان الواحد ثلاثة، الأمر البديهي الاستحالة، ويدلك على ما نقول، ما تجده في رسائله لو تدبّرتها من توهين التوراة واحتقارها والنظر إليها من طرف خفي بعين الازدراء، ففي الاصحاح السابع من رسالة العبرانيين عدد (١٨) ما نصه: فانه يصير ابطال الوصية السابقة (أي التوراة) من أجل ضعفها وعدم نفعها، إذاً الناموس لم يكمل شيئاً، وفي السابع من الثامن: فانه لو كان الأول بلا عيب لما طلب موضع الثاني، ويقول للغلاطيين في ردعهم عن العمل بالتوراة: كيف ترجعون إلى الأركان الضعيفة الفقيرة التي تريدون ان تستعبدوا لها من جديد أتحفظون أياماً وشهوراً وأوقاتاً وسنين اخاف عليكم أن أكون تعبث فيكم عبثاً هـ.

لعمري لقد تفلسف، ودقق النظر في الأديان وتلطف، ولكن فلسفة زندقة والحاد يشهد لذلك أكثر كلماته في قواميسه ونواميسه فانها تشبه اتم الشبه كلمات ملاحدة البابية والبهائية في خزعبلاتهم التي وسموها (بالبيان والاقدس) وأمثالها، فقد قال (بولس) في عدد (١٤) و(١٥) من رسالة (تيطس) ما نصه: لا تصغوا إلى خرافات يهودية ووصايا اناس مرتدين عن الحق، كل شيء طاهر للطاهرين، وفي الاصحاح الثاني من رسالة (كولوسي) عدد (٢٠) ما نصه: تفرض عليكم

٧٠
فرائض لا تمس لا تذق لا تجس التي جميعها للفناء، وقد أكثر من هذه الهرتقة بل الزندقة الماحقة للأديان فقال في عدد (١٦) من تلك الرسالة اصحاح (٢): لا يحكم عليكم أحد في أكل ولا شرب أو من جهة عيد أو سبت أو هلال، أقول هذا غاية في الإلحاد ومحق كل الشرايع وكلية الأديان فلا صوم ولا صلاة ولا نواميس ولا تقاديس ولقد أبدى ملحوظاته السخيفة، وزندقته الطريفة بقوله في الاصحاح العاشر من رسالة (كورنتوش الأولى) عدد ٢٩: لماذا يحكم في حريتي من ضمير آخر انا اتناول بشكر فلماذا يفترى علي لأجل ما اشكر عليه... ويستبين لك من هذه الفقرات وأمثالها في رسائله المشهورة المعدودة من ملحقات الأناجيل أن ذلك اليهودي أراد أن يجعل الديانة روحية محضة بعد أن كانت اليهودية جسمانية بحتة فوجد في النصرانية مجالا عريضاً لتوسيع تلك الفكرة، فانتحلها، وفي الحقيقة أفسدها وأبطلها، (زاد في الرقة حتى انقطعا)، والخلاصة ان من نظر أحوال هذا الرجل بامعان وتدبّر في سطوح فضلا عن أعماقها، لا يرتاب في انه زنديق قد أفسد الديانتين الموسوية والمسيحية، بل صار بلية كبرى على عموم أهل الأديان.

ومع إني لا أجد أكبر منه في رجال النصرانية حديثاً ولا قديماً، بل ولا من يدانيه، في قوة مساعيه، وجده وجهده في بث فكرته ونشر دعوته، ولكن مع ذلك فالمجهول من سيرته وترجمته أكثر من المعلوم، قال الدكتور (جورج بوست) في قاموس الكتاب المقدس: وجميع ما صنع هذا الرسول الغيور من الأعمال العظيمة... مدوّنة في سفر (أعمال الرسل) إلى أن سجن أول مرة في رومية حيث مضى عليه سنتان في ذلك الحبس من سنة (٦١) إلى (٦٣) مسيحية وإلى هنا ينتهي ما ورد في الكتاب المقدّس عن سيرته، وأما ما بقي من تاريخ حياته فغير متيقن عندنا إلى أن قال: وما زال يبشّر إلى أن وصل إلى بلاد اسبانيا فأخذ منها أسيراً إلى رومية واستشهد هنالك سنة (٦٧) أو (٦٨)، ثم قال اما استشهاده في رومية فأمر

٧١
متفق عليه عند أكثر المسيحيين ويقال انه اخرج إلى خارج المدينة فقطع رأسه هناك على مشهد جمهور غفير هـ.

ومن جميع ما بسطناه لديك تعرف ان الحجر الأول من أساس مذهب النصرانية هو (بطرس) خليفة المسيح ووصيه، وقد عرفت كيف كانت مرتبة إيمانه ويقينه بربه اليسوع حتى انكره وتبرأ منه، بل ولعنه في آخر ساعة من حياته، فكانت منه (تحية الوداع)، والحجر الثاني هو (بولس)، وعرفت انه في ظاهر الحال وان كان يعد تلميذاً لبطرس، ولكنه استاذه في الحقيقة فانه كان أعلى فكراً، واغزر مادةً، وأكثر نشاطاً وسعياً وأكبر اثراً، وكان دين النصرانية يوم صلب المسيح نقطة ضعيفة، على صقيل صحيفة، فهي كانت سريعة الانمحاء ولكن بولس بمساعيه جعلها خطاً متصلا إلى اليوم، ولكنه في الحقيقة اتى بدين جديد لا يعرفه المسيح ولا تلاميذه وعزاه إلى المسيح ترويجاً له، وهو الذي نفخ روح البدعة في نفوس النصارى وزعمائهم وكان يطعن ويندد على بطرس ولا يعده شيئاً.

ففي الاصحاح الثاني من رسالته إلى أهل غلاطية ما نصه: ولما اتى بطرس إلى انطاكية قاومته مواجهة، لانه كان ملوماً لانه قبل ما اتى قوم من عند يعقوب كان يأكل مع الأمم (يعني الوثنيين التي لا تبيح التوراة مواكلتهم)، ولكن لما اتوا (أي النصارى) مع يعقوب كان يؤخر ويفرز نفسه (يعني يظهر انه يتنجس من الوثنيين رياءً، ولذا قال: ورآئي معه اليهود أيضاً حتى ان برنابا انقاد إلى ريائهم انتهى.

فانظر كيف جعل بطرس خليفة المسيح الذي يبني كنيسته مرائياً كذاباً، ولكن لا عجب بعدما عرفت من أن بطرس بنفسه لعن ذات المسيح وتبرأ منه، والمسيح بنفسه لعن بطرس وقال له يا شيطان انك معثرة لي، فقد اصبح هؤلاء الزعماء والقادة يكفر بعضهم بعضاً ويلعن كل فريق منهم صاحبه، وتلك الرذيلة اعني رذيلة الرياء التي نبز بها بولس استاذه بطرس، قد وقع هو فيها بذاته واستعملها من قبل

٧٢
نفسه.

ففي الاصحاح السادس من (أعمال الرسل) من العدد الأول إلى الرابع ما هو صريح في أن بولس ختن (تيموثاوس) لئلا يثير غضب اليهود، وهو الذي لم يزل يحرض على المعمودية ويمنع من الختان، فهل هذا إلاّ الرياء؟ والمداهنة في نواميس الدين، نعم قد استنزلوا لهم آية من السماء واثبتوها بزعم الوحي في الأناجيل، وتلك الآية هي التي فتحت لهم باب التلاعب بالأديان والتلون بأحكام الشريعة وتحويرها كيف شاؤا، ففي (١٦) (متى) عدد (١٨): أنت بطرس وعلى هذه الصخرة ابن كنيستي... واعطيك مفاتيح ملكوت السموات فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السموات، وكلما تحله على الأرض يكون محلولا في السموات انتهى.

وحسبنا هذا القدر الوجيز من بيان أحوال مؤسسي ديانة النصرانية ورأس الزاوية منها، والكبراء والزعماء الأولون لها، وقد عرفت مرتبة ايمانهم، وقسط ميزانهم من الثقة والأمانة واليقين والاعتماد، فما ظنك بالباقين الذين هم فقع بقاع لا أصل ولا فرع، ولا ثمرة ولا نبع، لا عمل فيشكر، ولا قول فيشكر، فتبصر، أيها المسلم في حال من تنصر هداك الله إلى الطريق الحق وهدى بك ان شاء الله، وحيث عرفت أحوال الرسل والتلاميذ والطبقة العليا من الحواريين، فلنوف لك القول موجزاً عن حال الأناجيل وأربابها.

وهي على قسمين الأناجيل الرابعة التي هي العمدة ولها المكانة الأولى عندهم وإليك بيانها (١) انجيل (متى)، و (٢) انجيل (مرقس)، (٣) (لوقا)، (٤) (يوحنا)، والأول هو المقدّم وضعاً ورتبة على الباقي لانه تأليف أحد الاثني عشر الذين اختارهم المسيح للدعاية والتبشير، فيحق لو تقدم عليها وأخذ الحظ الوافر من الثقة، ولكن يوهن الاعتماد عليه أمور يجدر التوقف فيه من أجلها (١) عدم

٧٣
الاتفاق بين النصارى الأولين على نسبة هذا الإنجيل إلى (متى)، فقد أنكر جماعة صحته فانكار صحة البقية كما يستفاد من (قاموس الكتاب المقدس)، (٢) الاختلاف في لغته الأصلية، فقيل كتب اولا بالعبرانية، وقيل السريانية التي كانت لغة فلسطين الدارجة، وقال آخرون كتب باليونانية كما هو اليوم والمرجح عند المنقبين منهم الأول، وانه ترجم إلى اليونانية، فاختلفوا في المترجم انه هو أو شخص آخر مجهول، وكيف كان فبعد ان تلاعبت به يد الترجمة مع فقد النسخة الأصلية العبرانية وجهالتها لم يبق مجال للوثوق به، (٣) ما عرفت من اشتماله على التناقضات والمنافيات بينه وبين نفسه، وبينه وبين غيره، (٤) الاختلاف في زمن تأليفه فقيل: كتب بعد الصعود بثمان سنين، وقيل: بخمس عشرة، والمرجح عند أهل النظر منهم انه كتب بين الستين والسبعين بعد الصعود، وهذا أيضاً مما يوهن الاعتماد عليه.

(٢) انجيل (مرقس) شاب يهودي ادرك المسيح وآمن به وتلمذ على بطرس وليس هو من الاثني عشر، وكتب انجيله في أواخر القرن الأول، وبعضهم يرى ان ترجمة كلمات بطرس، واختلف أيضاً في لغته الأصلية، وفيمن نقله إلى اليونانية فان الأناجيل قبل برهة كلها كانت يونانية، ومنها نقلت إلى اللغات الشايعة اليوم في أقطار المعمور، فكل الموهنات المتقدمة توهن هذا أيضاً وتزيد ان مرتبته من الوثاقة في حدّ نفسه ضئيلة ولا يعلم من أحواله إلاّ أن له مشاجرة قوية مع بولس فانه كان يتعصب لاستاذه بطرس، قال في (قاموس الكتاب) ما نصه: ولا يعرف شيء حقيقي عن حياته هـ.

(٣) انجيل لوقا كان من الوثنيين فتنصر على يد بولس فليس هو من الاثنى عشر بل ولا من السبعين، ورافقه في بعض اسفاره الأخيرة، وذهب معه إلى فيلبي وبقي معه إلى أن أسر وأخذ إلى رومية، ثم قال أيضاً ولم يعلم شيء من حياته بعد

٧٤
ذلك، وكفى بذلك موهناً مضافاً إلى الموهنات المتقدمة.

(٤) انجيل يوحنا وهو آخر الأناجيل كتب عند نهاية القرن الأول من الميلاد ومؤلفه أحد الاثني عشر وهو ابن زبدي أخو يعقوب، وكان يسوع يحبه، وهو الشاب الذي كان يتكئ على صدر يسوع ويجلسه في حضنه شغفاً به، وبالجملة فصاحب هذا الإنجيل من المقرّبين، وأهل الطبقة الأولى، ولكن عدم اشتماله على جملة من الوقايع ومخالفته للأناجيل الثلاثة في جملة من الموارد، واشتماله على الغرايب التي انفرد بها عن اخوته، كل ذلك مما يوهن الثقة به أيضاً والاعتذار بالاتكال على ما في الأناجيل لا يجدي بعد تقدمه في الطبقة وتحريه التصفية والتهذيب، ولذا انكر جماعة قانونية هذا الإنجيل وجعلوه كتاباً قصصياً لا دينياً، وقد سبق لهم تشاجر طويل إلى ان قررته الكنيسة، وأنت ترى من جميع ما اشرنا إليه وهو قليل من كثير، إن هذه الأناجيل محفوفة من حيث الصحة والاعتبار بشبهات متراكمات كظلمات بعضها فوق بعض، فمن أين يأتي الاعتقاد والاعتماد بأن كل ما فيها وحي من الله منزل على نبي مرسل؟ كلا ثم كلا، فان تناول نجوم السماء أهون من اثبات هذه الدعوى، وهب ان (يوحنا) و(متى) لكونهما من الرسل الاثني عشر الذين ارسلهم يسوع إلى دعوة العالم يصلحون للوحي، ولكن من أين لمرقس ولوقا ذاك المقام الشامخ والشأو الرفيع.

وقد كان يجدر أن يكون انجيل (يوحنا الانجيلي) أوثق الأناجيل واصحها لقربه من المسيح وملازمته، فهو ثاني بطرس، ولكن ليس لذلك الإنجيل تلك المنزلة عند النصارى انفسهم، وفي الحق انه كان ينبغي إسقاطه لما فيه من الطامات الكبرى حتى ان فيه ما يظهر منه نسبة القول بتعدد الآلهة إلى المسيح، راجع عدد ٣٣ إلى ٣٦، محاورة اليهود مع المسيح: اجابهم يسوع أليس مكتوب في ناموسكم أنا قلت انكم آلهة. ان قال إله لاولئك الذين صارت إليهم كلمة الله فالذي قدّسه

٧٥
الأب وأرسله إلى العالم اتقولون له انك تكفر لاني قلت اني ابن الله.

هذا حال الأناجيل الأربعة التي هي الأصول والدعايم، ومنها يعلم حال الفروع والتوابع، وهي (١٣) ـ أو (١٤) رسالة (لبولس) ورسالة (ليعقوب) ورسالتان (لبطرس) و٣ رسائل (ليوحنا) ورسالة الرؤيا له ورسالة (يهوذا)، فهذه (٢٧) رسالة ليست بذات أهمية وانما الأهمية للأربعة الأولى مع كتاب (أعمال الرسل)، ويرجحون انه تأليف (لوقا) صاحب الإنجيل الثالث، وهو سلسلة تاريخ لبطرس وبولس ومن تلمذ عليهما وبيان جملة من أعمالهما، وهو أيضاً غير مستوف لتمام ترجمتهما.

هذه مصادر النصرانية ومواردها، واصولها وأسانيدها، ولعل حبال الشمس وخيوط الهباء أقوى منها أحكاماً، وأشد ابراماً، ولكنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء.

٧٦

خاتمة

ان دعاة السوء ومبشرين الشوم المنتشرين في الآفاق، والمتهاجمين في هذه الأيام على عواصم العراق يحملون بضاعة الصلف والقحة وعدم الحياء داعين إلى دين الخمر والخنزير وترويج سلعة المكر والتزوير، ربما يطرحون بعض الكلمات على بعض عوام المسلمين وبسطائهم تشويشاً لاذهانهم، وتوهيناً لعقدة ايمانهم، وتلك الكلمات وان كانت احقر من ان تذكر، وأقل من ان تنقل، وفي الغالب ان جواب تلك الشبهات الواهية لا يخفى حتى على العوام بفضل ما منحهم الله من سلامة الفطرة وصفاء القريحة وحسن الذوق وعناية الحق جل شأنه.

يقولون للمسلم مثلا ان محمداً(صلى الله عليه وآله) عند المسلمين هو حبيب الله وعيسى باعترافهم هو روح الله والروح اعز وأشرف من الحبيب.

ولا شك ان المسلم مهما كان لا تخفى عليه هذه المغالطة، فان الحبيب قد يكون اعز من الروح، وطالما بذلت الأرواح في سبيل الأحبة كما تبذل دون الاعراض وفي سبيل الصون والشرف، (وثانياً) ان المراد من قولنا عيسى روح الله ليس ان الله بدن كسائر الأبدان وان عيسى روح ذلك البدن الذي به يشعر ويحس ويقوى ويقدر، بل المراد بالضرورة ان عيسى روح من الله نفثها في رحم مريم، فصارت بدناً حساساً وهيكلا شاعراً، وهذه الصفة عامة غير خاصة، فان كل انسان هو من روح الله ومن مشيئته، كما قال عز شأنه (وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي)(١)، ولكن الحبيب صفة خاصة لصفيه (محمد) لا يشاركه فيها أحد.

يقولون ان محمداً قد مات وعيسى حي باعتراف المسلمين والحي أفضل من الميت، وهذه مغلطة الأطفال ومضحكة الصبيان، فان (محمداً(صلى الله عليه وآله)) أولا حي عند

١- الحجر: ٢٩، ص: ٧٢.

٧٧
الله يسمع ويرى، ونحن نقول في زيارة الأئمة من اوصيائه وذريته: أشهد أنك تسمع الكلام وترد الجواب والله سبحانه يقول (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَ تَاً بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)(١)، فكيف بسادة الشهداء وقادتهم؟ و(ثانياً) ليس الحي أفضل من الميت مطلقاً فكم ميت أفضل من حي وكم حي أذل من ميت (رب عيش اخف منه الحمام).

وعلى هذين السؤالين فقس ما سواهما مما لا يخفى جوابه، ولا يحتجب وجه المغالطة فيه على أدنى طبقات البشر فضلا عن أعاليها والله الموفق للصواب وهو ولي التوفيق وبه المستعان.

١- آل عمران: ١٦٩.

٧٨