×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
كتاب حقيقة الاعتقاد للمحامي أحمد حسين يعقوب (ص ١ - ص ٣٢)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسول الله وخاتم النبيين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، الذين اصطفاهم وميزهم على علم من عباده المسلمين أما بعد:

فبعد أن طبعت كتابي الحادي عشر (الهاشميون في الشريعة والتاريخ) صممت على الشروع بتأليف كتاب خاص عن (القضاء والافتاء عند أهل بيت النبوة) وجمعت وهيأت المصادر والمراجع المتعلقة بهذا الموضوع ورتبتها على طاولتي، ولم يبق علي سوى المباشرة فعلا بالكتابة، بعد ذلك اجتمعت مع أخ كريم، وصديق بارز، فسألني عن مشاريعي الجديدة بعد طباعة كتابي الأخير، فأخبرته بما عزمت عليه، فقال أبو علي: لقد أثبت بالدليل القاطع في كتابيك (المواجهة) و (الهاشميون في الشريعة والتاريخ) أن عدد الأئمة الشرعيين من بعد النبي اثنا عشر إماما، فما رأيكم لو كان كتابك الثاني عشر عن الإمام الثاني عشر من أئمة أهل بيت النبوة وهو الإمام المهدي المنتظر ؟ ثم إنك قد غطيت بالبحث والدراسة الفكر السياسي لأهل بيت النبوة خاصة، والنظام السياسي الإسلامي عامة من خلال مؤلفاتك فلماذا تترك هذه الثغرة، لأن نظرية الإمام المهدي المنتظر مقطع بارز بالفكر والنظام السياسي الإسلامي، وأن الإمام المهدي هو المؤسس الفعلي لدولة آل محمد التي ستكون آخر الدول، وبالتالي فلا يمكنك تجاهل هذه الحقائق، أو القفز عنها، والاهم أن تناول الإمام المهدي بالبحث والدراسة يشكل إغلاقا مناسبا لدائرة بحوثك عن الفكر السياسي العالمي عامة، ولفكر أهل بيت النبوة خاصة، وبعد ذلك فلا تثريب عليك لو طرقت أي موضوع شئت. فاقتنعت.

٦
بصواب الاقتراح، وتفاءلت خيرا، ولكني أوجست في نفسي خيفة وتهيبت كثيرا، لأن: كافة المعلومات المتعلقة بالإمام المهدي من أنباء الغيب التي لم تقع بعد، ولا مجال فيها للاجتهاد ولا للتحليل، بل آلت إلى الأمة من الأحاديث النبوية الشريفة، ثم إن الحديث النبوي نفسه قد تعرض لمحنة قاسية حيث منعت دولة الخلافة التاريخية كتابة ورواية الأحاديث النبوية منعا باتا قرابة مائة عام تحت شعار (حسبنا كتاب الله) وزاد المشكلة تعقيدا أن دولة الخلافة قد عزلت أئمة أهل بيت النبوة، وهم ورثة علمي النبوة والكتاب، وفرضت عليهم نوعا من الإقامة الجبرية، وهكذا حوصرت أنباء الغيب محاصرة تامة، وبعد المائة عام حدث الانفراج عن مصادر تلك الأنباء، وبدأ المسلمون يروون ويكتبون الأحاديث النبوية علنا!! هذه الظروف تجعل الوصول إلى الحقائق الشرعية الصادرة بالفعل عن رسول الله أمرا ليس سهلا.

ويكمن الخوف والتهيب في منهجية عرض وتقديم نظرية الإمام المهدي المنتظر، فالعشرات من العلماء الأجلاء قد بحثوا هذه النظرية، وعرضوها بأشكال متشابهة، وما ينبغي أن يكتب يجب أن يكون مختلفا تماما.

ثم إن شعور النخبة المستنيرة من المسلمين ولا شعور الخاصة والعامة من أبناء الجنس البشري قد انفض تماما من حول العقائد والأنظمة الوضعية، ويئس من قدرتها على إنقاذ البشرية، وقد حمت عندهم وتواترت بينهم، واقتنعوا بأن العالم الإنساني لن ينقذه، ولن يخلصه من مستنقعات واقعه إلا المهدي المنتظر!!

فعشقوه عشقا، وعشقوا حكومته العالمية التي سيخضع لسلطانها كافة سكان الكرة الأرضية، والملتزمة بتطهير الأرض من الظلمة، ونشر العدالة المطلقة في أرجائها، وتحقيق الكفاية التامة والرخاء المطلق لكل بني البشر، وإتمام المصالحة التامة بينهم بعد أن تقتلع جذور الخلاف والاختلاف فيسود الانسجام التام، هؤلاء بحاجة إلى دعم معنوي من الباحث، وتنسيق خاص لأنباء الغيب المتعلق بمثل هذه الأمور، والاهم كيف يرتقي الواقع العالمي إلى مستوى فهم الإمام المهدي وأهدافه وغاياته المعلنة ؟ وبتعبير أدق كيف تتسلسل الحادثات وحلقات الوقائع تسلسلا منطقيا بحيث تؤدي أو تفضي مباشرة إلى دولة آل محمد، أو إلى عهد الإمام.

٧
المهدي المنتظر ؟ وكيف نخلص هذا الكم من الآمال من بين مخالب واقع عالمي يبعث على اليأس والقنوط ؟ كل هذا يحتاج إلى قدرة هائلة على الاستقراء والاستنباط والمقارنة وتحليل الثوابت من النصوص تحليلا يبقيك دائما ضمن دائرتها.

واجتزت حواجز التهيب والخوف، وصممت على الكتابة، وجمعت مجموعة كبيرة من المراجع أهمها وأعظمها على الإطلاق (معجم أحاديث الإمام المهدي) الذي ألفته الهيئة العلمية في مؤسسة المعارف الإسلامية تحت إشراف سماحة الأخ والصديق الشيخ علي الكوراني، وهو يقع على خمسة مجلدات اشتملت على كافة الأحاديث النبوية وأحاديث أئمة أهل بيت النبوة، وشرعت بالكتابة، ولم أجد بحمد الله ومنته عسرا، ولا حرجا، لأن مولانا الإمام المهدي يسر وفرج.

وبعد أن أتممت الكتاب أيقنت أن قوانيننا، ومناهجنا وأساليبنا بالتغيير، تعكس حجم قدراتنا وقوانا المحدودة، وأن لله نواميس وأساليب بالتغيير تعكس حجم قدرته التي استطال بها على كل شئ، لا إله إلا هو شديد المحال، الكبير المتعال.

وقد اشتمل فهرس الموضوعات على الأبواب والفصول ويمكنني القول وبغير ادعاء أن الكتاب مختلف تماما عن الكتب التي سبقته والتي عالجت نفس الموضوع، لقد قدمت نظرية الإمام المهدي المنتظر، بروح العصر ولغته بعد أن أصلتها وجذرتها دينيا وتاريخيا.

اللهم اجعل عملي خالصا لوجهك الكريم، وتقبل منا إنك أنت السميع العليم وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.

المحامي أحمد حسين يعقوب

٨
٩

حقيقة الاعتقاد بالإمام
المهدي المنتظر

١٠
١١

الباب الأول
نقض عرى الإسلام وغربته والتهيئة لظهور المهدي المنتظر

١٢
١٣

الفصل الأول
نقض عرى الإسلام وناقضوها
الأسباب والنتائج

نجاح لا مثيل له في التاريخ البشري

لقد نجح محمد رسول الله نجاحا لا نظير له في تاريخ البشرية كلها، فقد نقل العرب من دين إلى دين، وكون لهم دولة شملت كل بلادهم، ووحدهم وحدة حقيقية لأول مرة في التاريخ كله بمدة لا تتجاوز ٢٣ سنة وبكلفة بشرية لم تتجاوز ٣٨٩ قتيلا من طرفي الصراع، ووضع تحت تصرفهم نظاما سياسيا لو أخذوا به لدخل العالم كله في طاعتهم من غير إكراه، ولتغير مجرى التاريخ العالمي تماما، ولما اختلف اثنان قط.

وبكل الحياد والتجرد والموضوعية، فإن نجاح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذا نجاح لا يضاهيه نجاح في الدنيا قط، خاصة وأنه والهاشميون من خلفه قد شقوا طريقهم بموضوعية وبحدود قدرة العقل البشري على الاستيعاب، وتخطوا قبل النجاح عوائق عظمي لا طاقة لقدرة في الأرض على مواجهتها وتخطيها. واكتمل كل شئ. بلغ الرسالة على خير ما تبلغ الرسالات، وأدى الأمانة على خير ما تؤدى الأمانات، وانتهت مرحلة الإبداع والتأسيس، وخير النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين النبوة والملك والبقاء، وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله، وأعلن للأمة أنه سيمرض بعد عودته من حجة الوداع وسيموت في مرضه، وحذرها من فتن وعواصف ومحن تتربص بها، وتنتظر موته بفارغ الصبر لتنقض كالصاعقة. فتلغي عمليا كافة الترتيبات.

١٤
الإلهية لعصر ما بعد النبوة وتضع ترتيبات بديلة تؤدي لتفريغ الإسلام من مضامينه ومحتواه مع الإبقاء على القشرة أو الاسم ليكون الغطاء الشرعي للملك وضرورات توسعه وتوسيعه.

بيان ما هو كائن وما سيكون

رحمة من النبي بالأمة، ورغبة منه بتبصيرها معالم الطريق، وإقامة للحجة بين الرسول للأمة كل ما كان في الأمم السابقة، وما كان أثناء مرحلة بناء الدعوة والدولة، وماذا سيكون بعد موته، وأن ما سيكون يمكن تجنبه تماما إذا التزمت الأمة بتوجيهات نبيها، لأن النبي لا ينطق عن الهوى، بل يتبع ما يوحى إليه ويتكلم بالعلم الإلهي اليقيني، وبيان ما كان وما سيكون هو جزء من رسالته، وهو فيض الرحمتين الإلهية والنبوية، وأكد لهم النبي أن الفتن ستزحف عليهم بعد موته وهي مشتبهة كوجوه البقر لا تدرون أيا من أي. قال حذيفة: قلت: (يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاء الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال: نعم!

قال حذيفة: ما هو ؟ قال النبي: فتن كقطع الليل المظلم، يتبع بعضها بعضا، تأتيكم مشتبهة). (راجع صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب علامات النبوة، ورواه أحمد. راجع الفتح الرباني ج ٢٣، ص ٣٨)، وروى مسلم في صحيحه كتاب الفتن ج ١٦ ص ١٨ وأحمد في الفتح الرباني ج ١ ص - ٢٧٤) عن أبي زيد أنه قال: (صلى بنا رسول الله الفجر وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن فأعلمنا أحفظنا). قال أسامة: أشرف النبي على أطم من آطام المدينة، ثم قال: هل ترون ما أرى ؟ إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر). (رواه البخاري في كتاب الحج من صحيحه ج ١ ص ٣٢٢، ورواه مسلم في صحيحه ج ٧ ص ٨).

نقض عرى الإسلام كلها والناقضون

لقد حذر رسول الله المؤمنين بأنهم إن لم يتبعوا ما أمرهم به فإن عرى الإسلام كلها ستنقض عروة بعد عروة، فطالما أعلن أمام أصحابه قائلا: (لينقض.

١٥
الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة). (رواه أحمد وابن حبان والحاكم، راجع كنز العمال ج ١ ص ٢٣٨). وعملية نقض العرى لن تتم من تلقاء نفسها بل سيتولاها وينفذها فريق من المسلمين المحسوبين على الأمة، لذلك كشف رسول الله حقيقة هذا الفريق ليحذر الناس من شرورهم قبل وقوعها. قال حذيفة: (والله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا، والله ما ترك رسول الله من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا بلغ من معه ثلاثمائة فأكثر، إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته). (رواه أبو داود في عون المعبود حديث ٤٢٤٣ و ٤٢٢٢)، ووضع رسول الله النقاط على الحروف، قال حذيفة: قال رسول الله: (إن في أصحابي اثني عشر منافقا منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، (رواه الإمام أحمد والإمام مسلم، راجع كنز العمال ج ١ ص ١٦٩ ومعالم الفتن ج ١ ص ٦٧)، وقال حذيفة: أشهد أن الاثني عشر حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد (راجع صحيح مسلم ج ١٧ ص ١٢٥)، وروي عن عمار بن ياسر مثل ذلك. (رواه الإمام أحمد، راجع الفتح الرباني ج ٢١ ص ٢٠٢.) إن اثني عشر مجموعة تخريبية كذبت بآيات الله واستكبرت عنها كما يستفاد ذلك من الآية ٤٠ من سورة الأعراف. واقترب الرسول من نقطة الخطر فأعلن أمام أصحابه قائلا:

(إن هلاك أمتي على يد غلمة من قريش). (رواه البخاري في صحيحه كتاب بدء الخلق، باب علامات النبوة من صحيحه ج ٢ ص ٢٨٠) ثم قال: (يهلك أمتي هذا الحي من قريش) (رواه البخاري أيضا في كتاب بدء الخلق، باب علامات النبوة من صحيحه ج ٢، ص ٢٨٠ ومسلم في صحيحه كتاب الفتن ج ١٨ ص ٤١)، وعن ابن عباس أنه قال: قال رسول: (ولتحملنكم قريش على سنة فارس والروم ولتؤمنن عليكم اليهود والنصارى والمجوس). (رواه الطبراني، راجع مجمع الزوائد ج ٧ ص ٢٣٦)، وقال الرسول مرة لأصحابه: (إن هذا الحي من مضر لا تدع لله في الأرض عبدا صالحا إلا فتنته وأهلكته). (رواه الإمام أحمد، وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح الفتح الرباني ج ٢٣ ص ٢٤٠)..

١٦
وعندما ذكر رسول الله الغلمة من قريش، والحي من قريش طالب الناس باعتزالهم قائلا: (لو أن الناس اعتزلوهم). (راجع صحيح البخاري ج ٢ ص ٢٨٠ وصحيح مسلم ج ١٨ ص ٤١ والفتح الرباني ج ٢٣ ص ٣٩ ومعالم الفتن ج ١ ص ٣٠٣). ثم وقف النبي طويلا عند بني أمية، وحذر الأمة منهم، فبين أن أكثر بطون قريش بغضا لمحمد ولآل محمد هم بنو أمية، وبنو مخزوم... (راجع المستدرك على الصحيحين للحاكم وحلية الأولياء لأبي نعيم، وكنز العمال ج ١١ ص ١٦٩ حديث ٣١٠٧٤)، وتحدث عن الشجرة الملعونة وعن رؤى نزو الأمويين على منبره نزو القردة، وتيقن المسلمون من استياء النبي البالغ من تلك الرؤيا، (رواه الحاكم في المستدرك ج ٣ ص ١٧١، وأقره الذهبي وقال ابن كثير في البداية والنهاية ج ٦ ص ٢٤٣، ورواه الترمذي وابن جرير والحاكم والبيهقي) وتحدث النبي عن أصحاب الخطر من بني أمية، وركز عليهم واحدا واحدا، وحذر الأمة منهم. ثم وقف النبي وقفة طويلة وخاصة عند الحكم بن العاص والد وجد الخلفاء الأمويين، فقال أمام أصحابه: (ويل لأمتي مما في صلب هذا) (رواه ابن عساكر راجع الكنز ج ١١ ص ١٦٧)، وقال أيضا: (ويل لأمتي من هذا وولد هذا)، (الكنز ج ١١ ص ١٦٧ والإصابة لابن حجر ج ٢ ص ٢٩)، وقال النبي لأصحابه عن الحكم: (إن هذا سيخالف كتاب الله وسنة نبيه، وسيخرج من صلبه فتن يبلغ دخانها السماء، وبعضكم يومئذ شيعته، (رواه الدارقطني الكنز ج ١١ ص ١٦٦ وابن عساكر ج ١١ ص ٣٦٠ والطبراني ج ١١ ص ٦٦٧).

وبعد أن كشف الرسول حقيقة هذا الخطر لعنه رسول الله، ولعن ولده. (قال عبد الرحمن بن أبي بكر لمروان بن الحكم: (إن رسول الله لعن أباك) (رواه البزار ومجمع الزوائد ج ٥ ص ٢١)، وقال الحسن بن علي لمروان: لقد لعنك الله على لسان رسوله، وأنت في صلب أبيك (رواه أبو يعلى مجمع الزوائد ج ٥ ص ٢٤٠، وابن سعد وابن عساكر ج ١١ ص ٣٥٧ وابن كثير في البداية ج ٨ ص ٢٨٠).

وحتى يكون الأمر معلوما للجميع، والخطر واضحا أمام الجميع أمر رسول الله.

١٧
بنفي الحكم بن العاص، فنفاه الرسول من المدينة وأعلن أن الحكم بن العاص عدو لله ولرسوله، وبقي الحكم منفيا طوال عهد النبي المبارك، وبعد وفاة النبي راجع عثمان أبا بكر لإعادة الحكم فرفض ذلك أبو بكر، وبعد وفاة أبي بكر راجع عثمان عمر فرفض عمر ذلك، ولما آلت الخلافة لعثمان أدخله معززا مكرما، واتخذ ابنه مروان رئيسا لوزرائه، ولما مات الحكم أقام عثمان على قبره فسطاطا تعبيرا عن حزنه وعميق مصابه بموت الحكم (راجع الإصابة ج ٢ ص ٢٩).

استمع المسلمون إلى كافة تحذيرات الرسول مما سيكون!! وتعجبوا كيف يكون ذلك!! وهل يعقل أن تنقض عرى الإسلام كلها!! فأراد الرسول أن يحذر أصحابه أنفسهم، وأن يضعهم أما مسؤولياتهم فذكرهم أنه سينتظرهم على الحوض وفاجأهم قائلا: (... وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم. (راجع صحيح بخاري ج ٤ ص ١٤١ كتاب الدعوات وصحيح مسلم ج ٥ ص ١٥٣ كتاب الفضائل والفتح الرباني ج ١ ص ١٩٢)، وفي رواية عن عبد الله: (فأقول يا رب أصحابي!! فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك). (صحيح البخاري كتاب الدعوات ج ١ ص ١٤١ وصحيح مسلم كتاب الفضائل ج ١٥ ص ١٥٩، ورواه أحمد والبيهقي، راجع كنز العمال ج ١٤ ص ٤١٨)، وفي رواية عن أبي هريرة: (فيقال إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى). (راجع صحيح البخاري ج ٤ ص ١٤٢ باب الصراط)، وفي رواية عن ابن عباس: (فيقال إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم). (راجع صحيح البخاري تفسير سورة الأنبياء ج ٣ ص ١٦٠، وصحيح مسلم ج ١٧ ص ١٩٤)، ونادى مناد فقال هلم، قلت: أين ؟ قال: إلى النار والله! قلت: ما شأنهم ؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم) (راجع صحيح البخاري ج ٤ ص ١٤٢ كتاب الدعوات باب الصراط). هذه التحذيرات التي أطلقها الرسول بمواجهة أصحابه كانت إغلاقا للدائرة فقد بين كل شئ على الإطلاق، فمن وعى بيانه تيقن أن الوقائع التي جرت بعد وفاته، ما كانت إلا ترجمة حرفية، لكل ما حذر منه، وباختصار شديد قال رسول الله: (وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء). (رواه ابن

١٨
ماجة راجع الكنز ج ١١ ص ٣٧٠).

أخطر التحذيرات النبوية

لغايات إكمال الحلقة، وحتى لا يضل الناس بعد هدى، وتبيانا يقينيا لما سيكون قال النبي لأصحابه ومنهم أصحاب الخطر: (أكثر ما أتخوف على أمتي من بعدي رجل يتأول القرآن، يضعه على غير مواضعه، ورجل يرى أنه أحق بهذا الأمر من غيره)، (رواه الطبراني في الأوسط، راجع معالم الفتن ج ١ ص ٩١)، لأن الله تعالى قد خصص فئة معينة لفهم القرآن فهما يقينيا، وهم أهل البيت والمتأول يقف بما ليس له به علم، ويتولى مهمة مخصصة لغيره، ولأن هذا المتأول محكوم بهواه فسيضطر، لترك النصوص الشرعية التي لا تتفق حتما مع هواه، واتباع آرائه الشخصية، مما يعني إهمال مضامين النصوص الشرعية وإحلال التحليلات والآراء الشخصية محلها تحت شعار أن هذا المتأول مشفق وناصح لله ولرسوله، وأنه يرى ما لا يرون!!! وبين الرسول أن القرآن سيقرأه في زمن الأزمان ثلاثة (مؤمن ومنافق وفاجر). (رواه الحاكم وأقره الذهبي في ذيل المستدرك ج ٤ ص ٥٠٧)، ولكن لا يمسه ولا يفهم المقصود الشرعي منه إلا المطهرون، وليقنع الرسول أصحابه، بأن ما يقوله يقينا ومن عند الله، فقد ذكر أصحابه قائلا: (لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلا حتى نشأ فيهم المولودون وأبناء سبايا الأمم التي كانت بنو إسرائيل تسبيها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا). (رواه الطبراني في الكبير، راجع كنز العمال ج ١١ ص ١٨١).

أما الشق الآخر من الخطر المحدق الذي حذر منه رسول الله فهو رجل يرى أنه أحق بهذا الأمر من غيره!! لقد أعلن رسول الله بأمر من ربه حديث الثقلين، وبين بأمر من ربه بأنه قد ترك هذين الثقلين، خليفتين من بعده، وبين أيضا بأن القرآن لا يمسه إلا المطهرون، والمطهرون الذين أذهب الله عنهم الرجس هم أهل البيت أحد الثقلين، بمعنى أن النقاط موضوعة على الحروف وأن كل شئ مرتب ترتيبا إلهيا محكما، وأخطر ما حذر الرسول من الوقوع فيه بعد موته هو ادعاء عمرو أو

١٩
زيد من الناس أنه أحق بالأمر أي (بقيادة الأمة) ومس القرآن من أهل بيت النبوة وأن (مصلحة المسلمين) تقتضي تقديم المفضول على الأفضل، وهكذا وبجرة قلم ينقضوا أعظم عروة من عرى الإسلام، وهي نظام الحكم ويلغوا كافة الترتيبات الإلهية المتعلقة بها، وكافة النصوص الشرعية التي تعالجها مستندين إلى الرأي الشخصي والتأويلات الخاطئة، وهكذا يضلون ويضلون الأمة، ويدخلوها...

والعالم معهم في ليل طويل، لا آخر له. وقد حذرهم الرسول إن فعلوا ذلك قائلا:

(إنه سيلي أمركم بعدي رجال يطفئون السنة، ويحدثون البدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها. وعندما سأله ابن مسعود: كيف بي إذا أدركتهم ؟ أجابه النبي قائلا:

(يا بن أم عبد، لا طاعة لمن عصى الله)، قالها ثلاث مرات. (رواه أحمد، الفتح الرباني ج ٢٩ ص ٢٣ وقال: حديث صحيح).

الله ورسوله يكشفان العقول والجموع التي ستنقض عرى الإسلام

إن نقض عرى الإسلام لم يتم آليا أو بصورة عفوية إنما كان وراء عملية النقض، تخطيط محكم، وعقول كبيرة كانت تعرف ما تريد وتسعى، بلا كلل ولا ملل، لتحقيق ما تريد، وتقف وراءها جموع إلهها هواها، ولا هم لها إلا هدم دين الإسلام وتفريغه نهائيا من مضامينه، والابقاء على قشوره ليستقيم لها الملك الذي جاءت به النبوة. وقد أشرنا إلى قيادات النقض، بالقدر الذي تحتمله عقول العامة، ونشير الآن إلى الجموع التي وقفت خلف تلك القيادات التي تولت كبر عملية نقض عرى الإسلام وهذه الجموع هي:

١ - بطون قريش:

منذ اليوم الأول الذي أعلن فيه الرسول أنباء النبوة والكتاب، وطوال مدة ال‍ ١٥ سنة التي سبقت الهجرة النبوية، وبطون قريش ال‍ ٢٣ تقف وقفة رجل واحد ضد محمد، وضد بني هاشم، وقد استعملت بطون قريش كافة سهام كيدها، وفنون مكرها، وتآمرت على قتل النبي مرات متعددة، لأنها ببساطة تحسد الهاشميين، وتكره ما أنزل الله، ولا تريد أن يكون النبي من بني هاشم، ولما هاجر النبي جيشت بطون قريش الجيوش، واستعدت العرب على.

٢٠