×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

حقيقة الشيعة الإثنى عشرية / الصفحات: ٢١ - ٤٠

لا يمانعون أن تكون بنص من الخليفة السابق إلى اللاحق، كما في حالة الخليفة أبو بكر(رضي الله عنه)الذي نص على خلافة عمر(رضي الله عنه)، وكذلك يجوزون أن تؤخذ الخلافة بالقّهر وغلبة السيف كما في حالة الخلافة الأموية والعباسية والعثمانية. وأما معرفة أحكام الإسلام عندهم فإنّها تكون بالرجوع إلى الصحيح مما روي عن طريق الصحابة من غير تفريق بينهم، حيث اعتبروا جميع الصحابة عدولاً وثقاة بالرغم من أن قسماً كبيراً منهم تورط في معركتي الجمل وصفين، وقد أعملوا القتل ببعضهم البعض في تلك المواقع وغيرها من الحوادث التي تجعل عدالة كثير منهم في محل شك وتساؤل. وسترى شرحاً وافياً حول عدالة الصحابة في فصل لاحق إن شاء الله.

وما دامت الحال هكذا، وبوجود الاختلاف بين الشيعة وأهل السنة، فالأجدر قبل إصدار حكم ببطلان مذهب أو تفضيل طريقة على أخرى التريّث والنظر فيما ذهب إليه كل فريق من حجج وبراهين، وقد خصصنا بحثنا لهذا الغرض، حيث نجمل فيما يلي النصوص التي تمسك بها الشيعة كأدلة تثبت مذهبهم في الإمامة ورد أهل السنة على ذلك على النحو التالي:

أولاً: الأدلة في إثبات إمامة أهل البيت.

ثانياً: الأدلة في إثبات عدد أئمة أهل البيت.

ثالثاً: الأدلة في إثبات استخلاف النبي لعلي بن أبي طالب(عليه السلام).

٢١

نصوص الإمامة

أولاً: الأدلة في اثبات إمامة أهل البيت(عليهم السلام)

إنّ النصوص المروية عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في إمامة أهل البيت على الأمة من بعده كثيرة، نورد هنا أشهرها:

فمن صحيح مسلم، بسنده عن زيد بن أرقم قال: إنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وإنّي تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به.... وأهل بيتي، اذكركم الله في أهل بيتي، اذكركم الله في أهل بيتي، اذكركم الله في أهل بيتي" (١).

ومن صحيح الترمذي، بسنده عن جابر بن عبدالله قال: "رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصوى يخطب، فسمعته يقول: يا أيها الناس، إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي" (٢).

١- صحيح مسلم كتاب الفضائل باب فضائل علي ج٤ ص٢٨٧٣ ح٣٦.

٢- صحيح الترمذي ج٥ ص٦٦٣ ح٣٧٨٨.

٢٢
وهذا الحديث لو لم يوجد غيره لكفى في إثبات أحقية مذهب الشيعة الذي يوجب التمسك بأهل البيت(عليهم السلام) بالإضافة إلى الكتاب الكريم، حيث نجد في هذا الحديث أمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)واضحاً في أتم صور الوضوح بالتمسك بأهل البيت(عليهم السلام)من بعده، وإن هذا التمسك بالإضافة إلى الأخذ بالقرآن الكريم هو شرط النجاة وعدم الضلال.

وبالرغم من أن مسلماً وكثيراً غيره من علماء الحديث من أهل السنة قد أخرجوا هذا الحديث في صحاحهم ومسانيدهم، إلاّ أنّه ولدهشتي الكبيرة أجد معظم أهل السنة يجهلونه بل وينكرونه عند سماعهم به وكأنه غير موجود، ومحتجين بأن الصحيح في ذلك هو ما رواه أبو هريرة بأن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: "إنّي قد خلفت فيكم ما لن تضلوا بعدهما أبداً ما أخذتم بهما أو عملتم بهما: كتاب الله وسنتي"(١).

وعند التقصي عن مصدر هذه الرواية، وجدت أنّها لم تروَ في أي من الصحاح، وقد ضعّفها (٢) كل من البخاري والنسائي والذهبي

١- السـنن الكبـرى للبيهقـي ج١٠ ص١١٤، الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي: ص٩٤.

٢- ذكر الدكتور أحمد بن مسعود بن حمدان في تحقيقه لكتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ص٨٠: "سنده ضعيف: فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه الذهبي: ضعيف، وقال يحيى: ليس بشيء ولا يكتب حديثه، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك".

٢٣
وغيرهم، وقد رواها الحاكم في مستدركه الذي يعتبر بإجماع علماء أهل السنة أقل درجة من صحيح مسلم الذي أورد حديث "...كتاب الله وعترتي أهل بيتي" (١).

وعلى فرض عدم تعارض الروايتين، فإنّه لابد من التسليم بأن المقصود بكلمة "سنتي" في رواية الحاكم هو السنة المأخودة عن طريق أهل البيت النبوي وليس غيرهم كما يتبين بوضوح في رواية مسلم.

أما التمسك برواية الحاكم ".... كتاب الله وسنتي" وترك رواية مسلم ".... كتاب الله وعترتي أهل بيتي" فإنّ في ذلك مخالفة ليس فقط لما أجمع عليه علماء الحديث من أهل السنة بتقديم أحاديث مسلم على أحاديث الحاكم، بل ومخالفاً أيضاً للمنطق والعقل، ذلك أنّ كلمة "سنتي" مجردة كما في رواية الحاكم لا تفيد علماً، فجميع الطوائف الإسلامية تزعم أنها تتبع سنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبالنظر إلى وجود الاختلافات الكثيرة بين هذه الطوائف، والتي غالباً يكون سببها الاختلاف في السنة النبوية المنقولة إليها عبر طرق مختلفة والتي تعتبر مفسرة ومكملة للقرآن الكريم الذي أجمعت جميع طوائف المسلمين على صحة نقله، وهكذا فإن الاختلاف في الحديث المنقول ـ والذي أدّى إلى الاختلاف أيضاً في تفسير القرآن ـ أصبحت

١- المستدرك ج١ ص٩٣.

٢٤
السنة النبوية سنناً متعددة والمسلمون تبعاً لذلك أصبحوا مذاهب وفرقاً متعددة أيضاً، رُوي أنّ عددها ثلاث وسبعين فرقة.....فأي سنة من تلك السنن أحق بالاتباع؟، وإنّه لسؤال فطري يدور في خلد كل من يتمعن في هذا الاختلاف والذي جاء الحديث أعلاه ليجيب عليه حتى لا يترك المسلمين هكذا يحيرون في إسلامهم بعد رحيل مبلغه، فكانت التوجيهات النبوية المقدسة تقضي بأخذ السنة النبوية المطهرة عن طريق أهل البيت النبوي الذي نطق القرآن بتطهيرهم، وهي بذلك واضحة لا تحتمل ألفاظها أي معنى آخر، وإنّ ذلك الأخذ هو وحده الأمان من الفتنة والضلال.

وهنا يطرح سؤالان لا تكتمل الصورة وضوحاً إلاّ بالإجابة عليهما:

أولهما: من هم أهل البيت المقصودون في الحديث السابق؟

ثانيهما: لماذا خصص الحديث الأخذ عن أهل البيت فقط وليس عموم الصحابة كما يقول أهل السنة؟

من هم أهل البيت؟

يروي مسلم في صحيحه، بسنده عن صفية بنت شيبة قالت: "قالت عائشة: خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم

٢٥
جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)(١).(٢) ومن صحيح مسلم أيضاً: "... ولما نزلت هذه الآية ـ (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم)(٣) ـ دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللهم هؤلاء أهلي (٤).

فمن الحديثين السابقين يتبين أنّ أهل البيت في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هم: علي وفاطمة وابناهما، ولكن ماذا بالنسبة لنساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

يروي مسلم في صحيحه عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، بسنده عن زيد بن أرقم أنّه قال: "... ألا وإنّي تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله عزَّوجلّ هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة، وفيه فقلنا: من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا، وأيم والله إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة

١- الأحزاب: ٣٣.

٢- صحيح مسلم كتاب الفضائل باب فضائل الحسن والحسين ج٤ ص١٨٨٣ ح٦١.

٣- آل عمران: ٦١.

٤- صحيح مسلم كتاب الفضائل باب فضائل علي ج٤ ص١٨٧١ ح٣٢.

٢٦
بعده" (١).

ومن صحيح الترمذي بسنده عن عمرو بن أبي سلمة ربيب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "لما نزلت هذه الآية ـ ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) ـ في بيت أم سلمة، فدعا فاطمة وحسناً وحسيناً وعلي(عليه السلام) خلف ظهره، فجللهم بكساء ثم قال: اللهم هؤلاء هم أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله؟ قال: أنت على مكانك وأنت على خير" (٢).

ومن مسند أحمد بسنده عن أم سلمة: "أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال لفاطمة(عليها السلام): وائتيني بزوجك وابنيك، فجاءت بهم، فألقى عليهم كساءً فدكياً (قال) ثم وضع يده عليهم ثم قال: اللهم إنّ هؤلاء آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد إنّك حميد مجيد، قالت: فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه من يدي وقال: إنك على خير" (٣).

وبالرغم من وضوح الأدلة السابقة في تعيين أهل البيت، إلاّ أنّ البعض يعارض ذلك محتجاً بالآيات التالية من سورة الأحزاب في

١- صحيح مسلم كتاب الفضائل باب فضائل علي ج٤ ص١٨٧٣ ح٣٦.

٢- صحيح الترمذي ج٥ ص٦٦٣ ح٣٧٨٧.

٣- مسند أحمد ج٦ ص٣٢٣.

٢٧
دلالتها على شمول أهل البيت لنساء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتنَّ تُردنَ الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أُمتّعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً وإن كنتنَّ... إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا)(١) وكما يظهر، فإن حجة هؤلاء القائلين باشتمال أهل البيت على نساء النبي إنما تأتي لوقوع ـ (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) ـ في نفس الآية التي نزل جزء منها في نساء النبي، ويمكن تفنيد هذا الرأي من عدة وجوه منها:

١ ـ إنّ نزول الآيات القرآنية بشأن تهديد نساء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بالطلاق، ومن ثم إرادة الله بتطهير أهل البيت جاء متتابعاً، لا يعني بالضرورة أن يكون المقصود بالمناسبتين هو نساء النبي، ذلك أنّه يوجد كثير من الآيات في القرآن الكريم من هذا النوع حيث تجدها تحوي أمرين مختلفين ولعل سبب وقوعهما معاً في نفس الآياية هو التوافق في زمن حصول المناسبتين، ومن أمثلة هذه الآيات: (حرّمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلَّ لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردّية والنطيحة وما أكل السبع إلاّ ما ذكّيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت

١- الأحزاب: ٢٨ ـ ٣٣.

٢٨
لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً * فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم)(١)، حيث تجد في هذه الآية مجيء الحديث بشأن إكمال الدين في وسط الحديث بشأن المأكولات المحرمة.

٢ ـ ما يؤكد عدم دخول نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمقصود هذه الآية هو أنّ الكلام بشأن نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)جاء بضمير الجمع المؤنث، كنتن.... منكن.....لستن.... تخضعن...وقرن في بيوتكن....تبرجن....وعندما بدأ الكلام بشأن التطهير تحول ضمير المخاطب إلى ضمير الجمع المذكر ـ عنكم..... ويطهركم ـ وليس عنكن.... ويطهركن.

٣ ـ الأحاديث الصحيحة السابقة من صحاح مسلم والترمذي ومسند أحمد وغيرها تثبت بدلالة قاطعة عدم دخول نساء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ضمن أهل البيت. حيث كانت إجابة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)عندما سألته أم سلمة(رضي الله عنه) ـ....وأنا معهم يا نبي الله؟ قال: أنت على مكانك أنت على خير ـ، وفي رواية مسلم: ".... من أهل بيته؟ نساءه؟ قال: لا....".

٤ ـ وفي حديث الثقلين الذي رواه مسلم وأحمد وغيرهما:

١- المائدة: ٣.

٢٩
"... يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي" يظهر أن المقصودين في ذلك يجب التمسك بهم، فإذا فرضنا جدلاً أنّ نساء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هن المقصودات أو هن ضمن المقصودين في الحديث، فبأي صورة من الصور سيتمسك بهن المسلمون بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ ويجب مراعاة أنهن قد أمرن بالتزام بيوتهن. في الإجابة على هذا السؤال فضلاً عن أنّهن وجدن جميعاً في عصر واحد، وإذا قيل أنّ التمسك بهن يكون بالأخذ مما روي عنهن من أحاديث فنقول: إنّه وجد منهن من لم ترو ولو حديثاً واحداً.

٥ ـ إن الرجس المقصود في الآية: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)يعني في اللغة القذر وهو للدلالة على الإثم، والطهارة في اللغة تعني النظافة وهي للدلالة هنا على التقوى.

فالمراد من إذهابه سبحانه وتعالى الرجس عنهم هو تبرئتهم وتنزيههم عن الأمور الموجبة للنقص فيهم، وأي ذنب مهما صغر فإنّه موجب في نقص مقترفيه، وهذا يعني أنّ الله تعالى أراد تطهير أهل البيت من كل الذنوب صغيرها وكبيرها، وما ذاك إلاّ العصمة والتطهير. وأما إذا قيل أنّ المراد بالتطهير في هذه الآية هو مجرد التقوى الديني بالاجتناب عن النواهي والامتثال للأوامر، فإن ذلك

٣٠
مردود لأن التطهير بهذا المعنى ليس مختصاً بأهل البيت وإنما هو لجميع المسلمين المكلفين بأحكام الدين كقوله تعالى: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهّركم ويتم نعمته عليكم)(١).

وهكذا، فإنه إذا سلمنا بعصمة من نزلت الآية بحقهم، فإن نساء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لسن من ضمنهم لأنهن لسن من المعصومات، فبالإضافة إلى أنّه لم يقل أحد من الأولين أو الآخرين بذلك فإنّه عرف تهديد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لهن بالطلاق وغير ذلك مما ستراه في فصل لاحق.

شواهد إضافية على عصمة أهل البيت:

١ ـ حديث الثقلين: "...إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي" حيث يظهر من هذا التوجيه النبوي أنّ شرط عدم الضلالة هو التمسك بالكتاب والعترة، وليس من المعقول أن من يحتمل وجود الخطأ أو الزلل فيه يكون مأمناً من الضلال، وهذا دليل على عصمة الثقلين، كتاب الله (الثقل الأكبر) الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأهل البيت (الثقل الكبير).

٢ ـ الآية القرآنية: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمّهنّ *

١- المائدة: ٦.

٣١
قال إنّي جاعلك للنّاس إماماً * قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) (١).

ففضلاً عن أنّ هذه الآية تشير إلى علو منصب الإمامة ورفعته، فإنّها تدلّ كذلك على أنّ نيل عهدالله (إمامة البشرية) لا يمكن أن يكون من نصيب ظالم، والخطيئة بصغيرها وكبيرها تجعل من مرتكبها ظالماً، فكان لابد أن يكون الإمام معصوماً عن ارتكاب أي خطيئة أو إثم.

٣ ـ وفي مستدرك الصحيحين، يروي الحاكم بسنده عن حنش الكناني: "قال: سمعت أبا ذر يقول وهو آخذ بباب الكعبة: يا أيها الناس من عرفني فأنا من عرفتم ومن أنكرني فأنا أبوذر، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق" (٢). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد.

٤ ـ وفي مستدرك الصحيحين أيضاً، بالسند عن ابن عباس: "قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتي من الإختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب، اختلفوا

١- البقرة: ١٢٤.

٢- مستدرك الصحيحين ج٢ ص٣٤٣.

٣٢
فصاروا حزب إبليس "(١).

٥ ـ ولمزيد من التوضيح في تبيان تلك المنزلة الرفيعة التي حظي بها أهل البيت، نذكر بعض الأحاديث المروية في صحيح البخاري والتي تشير إلى نعت أهل البيت بكلمة(عليهم السلام) وقد اختصوا بهذا النعت دون غيرهم من جميع الصحابة وأزواج النبي، وهذه أمثلة لذلك كما رواها البخاري في صحيحه:

"عن علي(عليه السلام) قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم، وكان النبي (ص) أعطاني شارفاً من الخمس، فلما أردت أن ابني بفاطمة(عليها السلام) بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)..."(٢) وكذلك: "... وطرق النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)باب فاطمة وعلياً(عليهما السلام) ليلة للصلاة"(٣) وفي رواية أخرى: "... قال: رأيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وكان الحسن بن علي(عليهما السلام) يشبهه...."(٤) وكذلك: "...عن علي بن الحسين(عليهما السلام)أخبره...."(٥)، وقد يقول قائل إن ذلك لا يدل على تميزهم، ولكن السؤال: لماذا اختصوا بها وحدهم دون غيرهم؟

١- مستدرك الصحيحين ج٣ ص١٤٩.

٢- صحيح البخاري ج٣ ص٧٨ كتاب البيوع باب ما قيل في الصواغ.

٣- صحيح البخاري ج٢ ص٦٢ كتاب التهجد.

٤- صحيح البخاري ج٤ ص٢٢٧ كتاب المناقب باب صفة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

٥- صحيح البخاري ج٩ ص١٦٨ كتاب التوحيد باب في المشيئة والإرادة.

٣٣
٦ ـ وقد أمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن تكون الصلاة على آل بيته ملازمة للصلاة عليه، ففي الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه بالسند عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: أهدى لي هدية؟ إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)خرج علينا فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد"(١)، ووجه الإرتباط في هذا الحديث بين سيدنا إبراهيم(عليه السلام) وآله من جهة، وبين سيدنا محمد وآله من الجهة الأخرى، هو أنّ إبراهيم(عليه السلام) كان نبيّاً وآله أيضاً كانوا أنبياء ومرجعاً للناس من بعده، وهكذا كان آل محمد الخزانة الأمينة للرسالة المحمدية حيث أنّ المسلمين قد أمروا بالرجوع إليهم بعد وفاة المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم)، إلاّ أنّهم كانوا أئمة وليسوا أنبياء كآل إبراهيم، وكما جاء في حديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي(عليه السلام): "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه ليس نبي بعدي" (٢) وسيأتي الكلام في هذا الحديث لاحقاً.

ويفهم من جميع ما سبق أنّ الله جل وعلا قد اختص أهل البيت(عليهم السلام)بالعصمة والتطهير، بوصفهم من يملأ الفراغ الذي

١- صحيح البخاري ج٨ ص٩٥ كتاب الدعوات باب ١ لصلاة على النبي.

٢- صحيح البخاري ج٦ ص٣ كتاب المغازي باب غزوة تبوك.

٣٤
كتاب حقيقة الشيعة الإثنى عشرية لـ أسعد وحيد القاسم (ص ٣٥ - ص ٥٥)
٣٥

ثانياً: الأدلة في إثبات عدد الأئمة (خلفاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)):

لقد أخبر المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ الأئمة أو الخلفاء من بعده هم من قريش وأنّ عددهم اثنا عشر، وأخرج البخاري في صحيحه بسنده عن جابر بن سمرة: "قال: سمعت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: يكون اثنا عشر أميراً، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي إنّه قال: كلهم من قريش"(١).

وفي صحيح مسلم: "لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش" (٢).

وفي صحيح مسلم: "لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً "(٣).

وفي مسند أحمد بسنده عن عبدالله بن مسعود، أنّه قال: "سئل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بشأن الخلفاء، فقال: اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل" (٤).

وفي التوراة عند أهل الكتاب ما معناه: "إنّ الله تعالى بشر إبراهيم بإسماعيل وإنّه سينميه ويكثره ويجعل من ذريته اثني عشر

١- صحيح البخاري ج٩ ص١٠١ كتاب الأحكام باب سيكون اثني عشر أميراً.

٢- صحيح مسلم ج٣ ص١٤٥٣ ح١٠.

٣- صحيح مسلم ج٣ ص١٤٥٢ ح٦ كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش.

٤- مسند أحمد ج١ ص٣٩٨.

٣٦
أميراً وأمة عظيمة" (١). فالأمة العظيمة المقصودة هي أمة سيدنا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)الذي انحدر نسله من إسماعيل(عليه السلام)، والإثنا عشر أميراً هم الأئمة أو الخلفاء بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والذين ينحدر نسلهم منه، وهم نفس المقصودين بالأحاديث الصحيحة أعلاه.

ولعل هذه المسألة تعد من أكثر المسائل التي حار فيها علماء أهل السنة، ولم يستطيعوا تقديم تفسير موحد أو مقنع يحدد ماهية هؤلاء الخلفاء الإثني عشر، والذين تتحدث عنهم الأحاديث الصحيحة الكثيرة المتواجدة في صحاحهم، حتى أصبحت هذه المسألة لغزاً محيراً عندهم، حيث إنّ تفسيراتهم يشوبها الإضطراب، وغالباً ما تصل إلى طريق مسدود من حيث عدم انطباق عدد (اثني عشر) على أي مجموعة من الخلفاء، ابتداءً بالأربعة الأوائل ومروراً بالأمويين والعباسيين والعثمانيين، وهل هم منتخب من أولئك جميعاً؟

ونورد مثالاً يظهر مدى اضطرابهم في تفسير هذا الحديث، حيث قال السيوطي: "وقد وجد من الإثني عشر، الخلفاء الأربعة، والحسن ومعاوية وابن الزبير وعمر بن عبدالعزيز، هؤلاء ثمانية، ويحتمل أن يضم إليهم المهدي العباسي لأنه في العباسيين كعمر بن عبدالعزيز في الأمويين، والطاهر العباسي أيضاً لما أوتيه من العدل

١- سفر التكوين (١٧: ٢٠).

٣٧
ويبقي الاثنان المنتظران أحدهما المهدي لأنه من أهل البيت" (١).

وعندما نقول بحيرتهم في تفسير لغز الخلفاء الإثني عشر، فإننا نقصد العلماء منهم، وأما العوام فإنّهم وفي أغلب الحالات لم يتطرق إلى سمعهم مثل هذه الأحاديث، التي تثبت عدد خلفاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)أو الحديث الذي يأمر بالتمسك بالثقلين وغيرها الكثير مما فيه إشارة إلى فضائل أهل البيت(عليهم السلام)، بالرغم من وجودها في الكتب الصحاح عندهم.

وكم كان استغرابي كبيراً عندما قال الدكتور أحمد نوفل (الاستاذ في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية) أثناء حوار لي معه بأن حديث الإثني عشر خليفة هو من اختلاقي وليس له وجود في كتب الحديث عند أهل السنة، ثم غادر المكان من فوره ورفض تكملة الحوار. وقد حدث ذلك بعد القائه محاضرة في مانيلا وإجابته لبعض أسئلة الحضور حول نشأة الشيعة والتشيع، وبصورة مغايرة للحقيقة التي اعتقد مما دفعني للإعتراض على مغالطته هذه وقمت بعرض بعض الأحاديث التي تثبت محمدية التشيع وليس سبأيته كما ادعى، وليس عندنا قصد بذكر هذه الحادثة التشهير بذلك الأستاذ الفاضل سامحه الله، وإنّما إشارة إلى حقيقة لابد من إظهارها وهو أنّ التعصّب يدفع بالبعض إلى أكثر من ذلك. وإنّه لشيء غريب، فكيف يجرأ أحد

١- تاريخ السيوطي ص١٢، ط الفجالة الجديدة ـ القاهرة.

٣٨
على التصدي للإجابة على أسئلة حول موضوع يجهل الحقائق الأولية المتعلقة به؟ وما بالك عندما يكون الأمر متعلقاً بالشؤون الدينية؟ وما هو حكم الذي يفتي بغير علم؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وهكذا، ففي الوقت الذي نرى فيه حيرة أهل السنة بحل لغز الخلفاء الإثني عشر، وتجاهل الكثيرين منهم الأحاديث الصحيحة الساطعة الدالة على ذلك، فإن طائفة الشيعة الإمامية أتباع أهل البيت النبوي قد وضعوا النقاط على الحروف بما يتعلق بهذا الشأن، وبينوا أنّ المقصودين بالأحاديث السابقة هم الأئمة الإثنا عشر من أهل البيت النبوي، بل واستدلوا على ذلك بأحاديث مما روي عن طريق العترة الطاهرة والموجودة في كتب الحديث عندهم تبين أسمائهم بصورة لا تجعل أي مجال للشك بالتعرف عليهم وهم:

١ ـ علي بن أبي طالب "أميرالمؤمنين".

٢ ـ الحسن بن علي "السبط".

٣ ـ الحسين بن علي "سيدالشهداء".

٤ ـ علي بن الحسين "زين العابدين".

٥ ـ محمد بن علي "الباقر".

٦ ـ جعفر بن محمد "الصادق".

٧ ـ موسى بن جعفر "الكاظم".

٣٩
٨ ـ علي بن موسى "الرضا".

٩ ـ محمد بن علي "الجواد".

١٠ ـ علي بن محمد "الهادي".

١١ ـ الحسن بن علي "العسكري".

١٢ ـ محمد بن الحسن "المهدي المنتظر عجل الله فرجه".

ثالثاً: الأدلة في استخلاف علي بن أبي طالب(عليه السلام):

كان فيما سبق بيان الأدلة في إثبات إمامة أهل البيت وعدد الخلفاء منهم الذين نص الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)على استخلافهم على الأمة.

وفيما يلي الأدلة على استخلاف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي بن أبي طالب(عليه السلام)، وهي إضافة لما سبق من شواهد قطعية تثبت ذلك، وخصوصاً حديث الثقلين. ومن أشهر ما روي في استخلاف علي(عليه السلام)هو ما عرف بخطبة الغدير بعد الانتهاء من حجة الوداع في السنة الحادية عشرة للهجرة، حيث أعلن رسول الهدى على الملأ ذلك بقوله في نهايتها كما روى الترمذي بسنده عن زيد بن أرقم: "من كنت مولاه فعلي مولاه" (١)، وقد أخرج ابن ماجة جزءاً من هذه الخطبة المسهبة في صحيحه بالسند عن البراء بن عازب قال: "اقبلنا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حجته التي حج، فنزل في بعض الطريق، فأمر

١- صحيح الترمذي: ج٥ ص٦٣٣ ح٣٧١٣.

٤٠