×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

حقيقة الشيعة الإثنى عشرية / الصفحات: ١٤١ - ١٦٠

الشمس، ثم صلى بعدها المغرب" (١).

وعن أبي هريرة قال:

"أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياماً، فخرج إلينا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فلما قام في مصلاه ذكر أنّه جنب، فقال لنا: مكانكم، ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبّر فصلينا معه" (٢).

وعن أبي هريرة أيضاً:

"فصلى بنا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر ركعتين ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد، ووضع يده عليها وفي القوم يومئذ أبوبكر وعمر فهابا أن يكلماه، وخرج سرعان الناس، فقالوا: قصرت الصلاة؟ وفي القوم رجل كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يدعوه ذا اليدين، فقال: يا نبي الله، انسيت أم قصرت؟ فقال: لم أنس ولم تقصر، قالوا: بل نسيت يا رسول الله، قال: صدق ذو اليدين" (٣).

ويصل الأمر ـ على حد زعمهم ـ إلى أن يتمكن أحد اليهود من أن يسحر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيتهيأ للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه فعل الشيء وما فعله،

١- صحيح البخاري ج١ ص١٦٥ كتاب الأذان باب قول الرجل للنبي ـ ما صلينا ـ.

٢- صحيح البخاري ج١ ص٧٧ كتاب الغسل باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب.

٣- صحيح البخاري ج٨ ص٢٠ كتاب الأدب باب ما يجوز من ذكر الناس.

١٤١
وسؤاله لعائشة عن نزول الوحي عليه أم لم ينزل، وهل أتى أهله أم لم يأتي؟

فعن عائشة(رضي الله عنه) قالت:

"مكث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كذا وكذا يخيل إليه أنّه يأتي أهله ولا يأتي، فقال لي ذات يوم: يا عائشة إن الله تعالى أفتاني في أمر استفتيته فيه: أتاني رجلان فجلس أحدهما عند رجلي، والآخر عند رأسي، فقال الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما بال الرجل؟ قال:مطبوب، يعني مسحوراً. قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن أعصم" (١).

وعن عائشة(رضي الله عنه) أيضاً أنّها قالت:

"سحر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى أنّه يخيل إليه أنّه فعل الشيء وما فعله حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا الله ودعاه ثم قال: أشعرت يا عائشة أنّ الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟"(٢).

وقد رفض الشيخ محمد عبده هذه الروايات التي تقول بوقوع الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)تحت تأثير السحر لأنها تتعارض مع قوله تعالى: (وقال الظالمون إن تتبعون إلاّ رجلاً مسحوراً) (٣).

١- صحيح البخاري ج٨ ص٢٢ ـ ٢٣ كتاب الأدب باب إن الله يأمر بالعدل والاحسان.

٢- صحيح البخاري ج٧ ص١٧٦ كتاب الطب باب السحر.

٣- الفرقان: ٨.

١٤٢
وأما عن تحكم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بشهواته، فقد أخرج البخاري في صحيحه بالرواية عن أبي هشام قال:

"إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لما كان في مرضه جعل يدور في نساءه ويقول: أين أنا غداً؟ حرصاً على بيت عائشة. قالت عائشة:فلما كان يومي سكن" (١).

وعن عائشة(رضي الله عنه) قالت:

"كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها، غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تبتغي بذلك رضا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)" (٢).

ومما يفهم أيضاً من الروايتين أعلاه، أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقسم لكل من نسائه يومها وليلتها، إلاّ أنّ الرواية التالية تتعارض معهما. فعن أنس بن مالك قال:

" كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يدور على نساءه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن احدى عشرة، قال: قلت لأنس أو كان يطيقه؟

١- صحيح البخاري ج٥ ص٣٧ كتاب فضائل الصحابة باب فضل عائشة.

٢- صحيح البخاري ج٣ ص٢٠٨ كتاب الهبة باب هبة المرأة لغير زوجها.

١٤٣
قال: كنا نتحدث أنّه أعطي قوة ثلاثين" (١).

ويقول كذلك أهل السنة أنّ الآيات الكريمة: (عبس وتولى أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعلّه يزكّى * أو يذّكّر فتنفعه الذكرى....) (٢) قد نزلت عتاباً للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لعبوسه بوجه عبدالله ابن مكتوم والذي كان ضريراً، وأنّ سبب إعراض الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عنه حسب ما يرويه أهل السنة هو انشغاله بالحديث مع عتبة بن ربيعة، وأبي جهل بن هشام، والعباس بن عبدالمطلب، واُبي، وأمية بن خلف، يدعوهم إلى الله ويرجو إسلامهم، وقد طلب ابن مكتوم من الرسول حينها أن يقرؤه ويعلمه مما علمه الله حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لقطعه كلامه وقال في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد إنّما أتباعه من العميان والعبيد، فأعرض عنه وأقبل على القوم الذين كان يكلمهم.

والشيعة يرفضون ذلك ويقولون إنّ هذه الآيات نزلت بحق رجل من بني أمية أعرض عن ذلك الأعمى وليس الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم). وقد ذكر العلامة محمد حسين الطباطبائي في تفسيره "الميزان":

"... وليست الآيات ظاهرة الدلالة على أنّ المراد بها هو

١- صحيح البخاري ج١ ص٧٦ كتاب الغسل باب إذا جامع ثم عاد ومن دار على نسائه في غسل واحد.

٢- عبس: ١ ـ ٤.

١٤٤
النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بل خبر محض لم يصرح بالمخبر عنه، بل فيها ما يدل على أن المعني بها غيره لأن العبوس ليست من صفات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)مع الأعداء المباينين فضلاً عن المؤمنين المسترشدين. ثم الوصف بأنه يتصدى للأغنياء ويتلهى عن الفقراء لا يشبه أخلاقه الكريمة.... وقد عظم الله خلقه(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ قال ـ وهو قبل نزول هذه السورة ـ: (وإنك لعلى خلق عظيم)، فكيف يعقل أن يعظم الله خلقه أول بعثته ويطلق القول في ذلك ثم يعود فيعاتبه على بعض ما ظهر من أعماله الخلقية ويذمه بمثل التصدي للأغنياء وإن كفروا والتلهي عن الفقراء وان آمنوا واسترشدوا" (١).

واعتماداً على الروايات السابقة وأمثالها أخذ أهل السنة اعتقادهم بعدم اشتمال عصمة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ للأمور الدينية والتبليغية فقط، ولكن الله تعالى أمر بالاقتداء برسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) مطلقاً وبدون أي قيد أو شرط، فقوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيّ يوحى)(٢)، وكذلك قوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (٣). يدل على عدم تقييد عصمته بل إطلاقها،

١- تفسير الميزان للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي ج٢٠ ص٢٠٣ الطبعة الثانية ١٩٧٤ م.

٢- النجم: ٣ ـ ٤.

٣- الحشر: ٧.

١٤٥
كتاب حقيقة الشيعة الإثنى عشرية لـ أسعد وحيد القاسم (ص ١٤٦ - ص ١٦٦)
١٤٦
المنافقين بأنها نزلت مؤيدة لموقف عمر بعد أن أصرّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)على الصلاة على ابن أبيّ المنافق، فيروى عن عبدالله بن عمر أنّه قال:

"لما توفي عبدالله بن أبيّ جاء ابنه إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله أعطني قميصك اكفنه فيه وصل عليه واستغفر له. فأعطاه قميصه وقال له: إذا فرغت منه فآذنّا، فلما فرغ آذنه به فجاء ليصلي عليه فجذبه عمر فقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ فقال: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) ـ فنزلت ـ (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره). فترك الصلاة عليهم" (١).

وفي رواية أخرى عن عمر نفسه قال:

"... فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) "(٢).

والحقيقة في تلك الحادثة أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قد خير بالصلاة على المنافقين والاستغفار بقوله تعالى: (استغفر لهم أولا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) (٣) وقد اختار الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الصلاة على ذلك المنافق لما في ذلك من فائدة عظيمة

١- صحيح البخاري ج٧ ص١٨٥ كتاب اللباس باب لبس القميص.

٢- صحيح البخاري ج٢ ص١٢١ كتاب الجنائز.

٣- التوبة: ٨٠.

١٤٧
ومصلحة متوخاة واستئلافاً لقومه الخزرج، وقد أسلم بذلك منهم ألف رجل، وقد كانت صلاته(صلى الله عليه وآله وسلم) على ذلك المنافق قبل نزول النهي عن ذلك، فآية (استغفر لهم أو لا تستغفر....) لا تدل على النهي الذي فهمه عمر واعترض على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وخطأه بسببه، ونزول آية النهي عن الصلاة على المنافقين لا تدل أبداً على خطأ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)في صلاته على عبدالله بن أبي والعياذ بالله، فهي تكون خطأ لو فعلها بعد نزول آية النهي وليس قبل. ولا يستفاد من هذه الحادثة سوى خطأ عمر وشدة اعتراضه على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكما اعترف عمر نفسه بذلك، حيث يروى عنه أنّه قال: "أصبت في الإسلام هفوة ما أصبت مثلها قط، أراد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يصلي....الخ" (١).

ومثل ذلك ما يُروى أخذ الفداء من الأسرى يوم بدر، وأنّ الآية (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسّكم فيما أخذتم عذاب عظيم) (٢) نزلت ـ على حسب رأي أهل السنة ـ عتاباً للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بسبب أخذه الفداء من أسرى بدر وعدم قتله لهم، في نفس الوقت الذي كان فيه عمر بن الخطاب يريد قتلهم جميعاً، فنزلت الآية مؤيدة لرأي عمر، ورووا ما يؤيد رأيهم

١- كنز العمال ج٢ ص٤١٩ ح٤٣٩٣.

٢- الأنفال: ٦٧، ٦٨.

١٤٨
قولاً وضعوه من عندهم، ونسبوه إلى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بشأن معنى الآية السابقة الذي يتضمن تهديداً بالعذاب الشديد ولكن لمن ذلك التهديد؟ فيروي أهل السنة أن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يبكي مع أبي بكر حيث قال: "إن كاد ليمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل عذاب ما أفلت منه إلاّ ابن الخطاب" (١).

وحقيقة هذه الحادثة: أنّ الآية السابقة قد نزلت قبل معركة بدر وتنديداً بالصحابة الذين فضلوا العير وما تحمله قافلة أبو سفيان على القتال، وذلك عندما استشارهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ليرى مدى استعدادهم ورغبتهم لقتال المشركين، فالنهي في الآية ليس في مطلق أخذ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) للأسرى وإنما النهي عن أخذ الأسرى دون قتال المشركين كما كان يريد بعض الصحابة عندما استشارهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بأخذ القافلة منهم أو قتالهم. وكيف يعقل أن تكون هذه الآية التي تهدد الذين لا يريدون إثخاناً في الأرض (أي القتال) قد نزلت تنديداً بالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أثخن في المشركين وقتلهم شر قتلة! وقد قتل في تلك الموقعة سبعين من صناديد قريش.

١- الدر المنثور للسيوطي ج٤ ص١٠٨.

١٤٩

أبو هريرة وكثرة روايته للحديث:

نظراً لكثرة ما رواه أبو هريرة من أحاديث، فقد ارتأيت إلقاء بعض الضوء على شخصيته، حيث أجمع رجال الحديث على أن أبا هريرة كان أكثر الصحابة حديثاً عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، على حين أنّه لم يصاحب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ عاماً وتسعة أشهر ـ أو ثلاثة أعوام حسب بعض الروايات ـ وقد احتوت صحاح أهل السنة على ٥٣٧٤ حديثاً روى منها البخاري ٤٤٦ حديثاً.

أمّا أبو هريرة نفسه فيقول: "ما من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أحد أكثر حديثاً عنه مني إلاّ ما كان من عبدالله بن عمر، فإنّه كان يكتب ولا أكتب" (١)، وكل ما رواه ابن عمر ٧٢٢ حديثاً، لم يخرج منها يخرج منها البخاري سوى سبعة أحاديث، ومسلم ٢٠ حديثاً.

وأما سبب كثرة مصاحبة أبي هريرة للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد أجاب هو نفسه عن ذلك عندما قال:

"يقولون أنّ أبا هريرة يكثر والله الموعد، ويقولون ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه؟ وإنّ إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإنّ اخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم، وكنت امرءاً مسكيناً ألزم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)على ملء بطني. فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون" (٢).

١- صحيح البخاري ج١ ص٣٩ كتاب العلم.

٢- صحيح البخاري ج٣ ص١٤٣ كتاب المزارعة باب ما جاء في الغرس.

١٥٠
"إنّ الناس كانوا يقولون أكثر أبو هريرة، وإنّي كنت ألزم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بشبع بطني حتى لا آكل الخمير، ولا ألبس الحرير، ولا يخدمني فلان ولا فلانة. وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع وإن كنت لاستقرىء الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطمعني، وكان أخير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى أن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها" (١).

وقد عبر أبو هريرة عن تقديره لتصدق جعفر بن أبي طاب عليه بالطعام بأنه قال فيه: " ما احتذى بالنعال ولا ركب المطايا، ولا وطىء التراب بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل من جعفر بن أبي طالب (٢)". فما هو المعيار الذي اعتبره أبو هريرة بتفضيله جعفر بن أبي طالب على جميع الصحابة؟

وقد روى مسلم في صحيحه أنّ عمر بن الخطاب(رضي الله عنه) ضرب أبا هريرة لما سمعه يحدث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ـ من قال لا إله إلا الله

١- صحيح البخاري ج٥ ص٢٤ كتاب فضائل الصحابة باب مناقب جعفر بن أبي طالب.

٢- أخرجه الترمذي ج٥ ص٦٥٤ ح٣٧٦٤، والحاكم بإسناد صحيح ج٣ ص٢٠٩.

١٥١
دخل الجنة (١) ـ، وروى ابن عبدالبر عن أبي هريرة نفسه قال: لقد حدثتكم بأحاديث لو حدثت بها زمن عمر بن الخطاب لضربني عمر بالدرة (٢).

وقال الفقيه المحدث رشيد رضا: "لو طال عُمُر عمر حتى مات أبو هريرة لما وصلت إلينا تلك الأحاديث الكثيرة" (٣)، وقال مصطفى صادق الرافعي:".... فكان بذلك ـ يعني أبو هريرة ـ أول راوية اتهم في الإسلام "(٤).

وعند حدوث معركة صفين، فقد كان تشيع أبو هريرة لمعاوية، وقد كوفىء على حسن روايته للحديث ومناصرته لهم بأن أغدقوا عليه، فكان مروان بن الحكم ينيبه عنه في ولاية المدينة، فتحولت أحواله من حال إلى حال، وقد روي عن أيوب بن محمد أنه قال:

"كنا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان، فتمخط فقال: بخ بخ، أبو هريرة يتمخط في الكتان؟ لقد رأيتني وإنّي لآخر فيما بين منبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى حجرة عائشة مغشياً علي، فيجيء

١- صحيح مسلم ج١ ص٥٩ ـ ٦٠ ح٥٢ باب من شهد لا إله إلاّ الله مستيقناً دخل الجنة.

٢- فقة السيرة للشيخ محمد الغزالي ص٤١ ط السادسة.

٣- مجلة المنار ج١٠ ص٨٥١.

٤- تاريخ آداب العرب ج١ ص٢٧٥.

١٥٢
الجائي فيضع رجله على عنقي ويُرى أنّي مجنون، وما بي من جنون، ما بي إلاّ الجوع" (١).

وما يرتبط بتشيعه لبني أمية كتمانه لبعض حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأن روايته لها ستعرض حياته للموت، فعن أبي هريرة نفسه قال:

"حفظت عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعاءين، فأمّا أحدهما فبثثته، وأمّا الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم" (٢).

وأين هذا من قول أبي هريرة نفسه:

"إنّ الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثاً، ثم يتلو ـ (إنّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون * إلاّ الذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم)(٣).(٤) ومن خلال هذه الأدلة الدامغة تتبين حقيقة أبي هريرة وأمانته

١- صحيح البخاري ج٩ ص٢٧٥ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب ما ذكر النبي على اتفاق أهل العلم.

٢- صحيح البخاري ج١ ص٤١ كتاب العلم باب حفظ العلم.

٣- سورة البقرة: ١٥٩، ١٦٠.

٤- صحيح البخاري ج١ ص٤٠ كتاب العلم باب حفظ العلم.

١٥٣
في رواية الحديث، والتي تجعل منه شبيهاً بوعاظ السلاطين في زماننا، ويتضح سبب إعراض الشيعة عن رواياته، وبما يصلح أن يكون رداً على مغالاة أهل السنة بقبول أحاديث أبي هريرة، وطعنهم في كل من يوجه إليه النقد.

ففي اختصار علوم الحديث، قال ابن حنبل وأبوبكر الحميدي وأبوبكر الصيرفي: "لا نقبل رواية من كذب في أحاديث رسول الله وان تاب عن الكذب بعد ذلك" (١)، وقال السمعاني: "من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه" (٢).

ونعرض فيما يلي بعضاً من روايات أبي هريرة والتي أخرجها البخاري في صحيحه، نبدأ بزعم أبي هريرة بأنّ موسى (عليه السلام)قد فقأ عين ملك الموت!

فعن أبي هريرة قال: "أرسل ملك الموت إلى موسى(عليهما السلام)، فلما جاءه صكه فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت. فرد الله عليه عينه وقال: ارجع فقل له يضع يده على متن ثور، فله بكل شعرة سنة. قال: أي رب، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت. قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية

١- اختصار علوم الحديث ص١١١.

٢- التقريب للنووي ص١٤.

١٥٤
بحجر" (١).

وعن أبي هريرة قال: "يقال لجهنم هل امتلأت، وتقول هل من مزيد؟ فيضع الرب تبارك وتعالى قدمه عليها فتقول قط قط " (٢).

وعن أبي هريرة قال: "قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟"(٣).

والرواية الأخيرة تتناقض مع ما يعتقده أهل السنة من استقرار الله جل وعلا على العرش، فنزوله إلى السماء الدنيا في آخر الليل ـ كما يزعم أبو هريرة ـ يعني بقائه فيها طوال ألـ ٢٤ ساعة من الليل والنهار لدوام وجود وقت آخر الليل على الأرض ولكن في بقع مختلفة نظراً لكروية الأرض! ترى لو كان أبو هريرة يعلم بكروية الأرض، فهل كان ليروي مثل هذه الروايات؟

وعن أبي هريرة أيضاً قال: "قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى يغتسل

١- صحيح البخاري ج٢ ص١١٧ كتاب الجنائز.

٢- صحيح البخاري ج٦ ص١٧٣ كتاب التفسير باب قوله ـ وهل من مزيد ـ.

٣- صحيح البخاري ج٢ ص٦٦ كتاب التهجد.

١٥٥
وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلاّ أنّه آدر، فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبة، فخرج موسى في أثره يقول: ثوبى يا حجر، ثوبي يا حجر حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى فقالوا: والله ما بموسى من بأس: وأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضرباً. فقال أبو هريرة: والله إنّه لندب بالحجر ستة أو سبعة ضرباً بالحجر" (١).

وعن أبي هريرة أيضاً: "إن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي النداء، أقبل حتى إذا ثوِّب بالصلاة ادبر، حتى إذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، وكذا لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى" (٢).

وعن أبي هريرة أيضاً قال: "قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): بينما رجل راكب على بقرة التفتت إليه فقالت: لم أخلق لهذا. خلقت للحراثة، قال: آمنت به وأبوبكر وعمر. وأخذ الذئب شاة فتبعها الراعي، فقال الذئب: من لها يوم السبع؟ يوم لا راعي لها غيري؟ قال: آمنت به أنا وأبوبكر وعمر. قال أبو سلمة: وما هما يومئذ في

١- صحيح البخاري ج١ ص٧٨ كتاب الغسل باب من اغتسل عرياناً وحده في خلوة.

٢- صحيح البخاري ج١ ص١٥٨ كتاب الأذان باب فضل التأذين.

١٥٦
القوم" (١).

والحقيقة أنّ الأحاديث السابقة من الإسرائيليات التي أكثر أبو هريرة من روايتها، وذلك يرجع لكثرة ملازمته لكعب الأحبار اليهودي الذي تظاهر باعتناقه الإسلام.

وعن دخول الجنة، فقد رُوي عن أبي هريرة قوله: "سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: يدخل الجنة من أمتي زمرة هي سبعون ألفاً تضيء وجوههم إضاءة القمر، فقام عكاشة بن محصن الأسدي يرفع نمرة عليه، قال: ادع الله لي يا رسول الله أن يجعلني منهم، فقال: اللهم اجعله منهم، ثم قام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، ادع الله لي أن يجعلني منهم. فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): سبقك عكاشة" (٢).

وعن أبي هريرة أيضاً قال: "بينما نحن عند النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ قال: بينما أنا نائم، رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب، فذكرت غيرته فوليت مدبراً. فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله" (٣).

١- صحيح البخاري ج٣ ص١٣٦ كتاب المزارعة باب استعمال البقر للحراثة.

٢- صحيح البخاري ج٧ ص١٨٩ كتاب اللباس باب البرود والحبر والشملة.

٣- صحيح البخاري ج٤ ص١٤٢ كتاب بدء الخلق باب ما جاء في صفة الجنة.

١٥٧
ونختتم روايات أبي هريرة ببعض الفتاوى، التي رُويت عنه منسوبة إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: "لو اطلع في بيتك أحد ولم تأذن له حذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح"(١)، وأما الفتوى الأخرى عن أبي هريرة أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "لا يمشي أحدكم في نعل واحدة، لينعلهما جميعاً، أو ليحفهما جميعاً" (٢).

وقفة مع البخاري في صحيحه:

لقد أصبح من الضروري إلقاء ولو نظرة سريعة على صحيح البخاري بوصفه أصح كتب الحديث عند أهل السنة الذين يعتقدون بصحة جميع ما روي فيه من جهة، وبوصفه الحاوي للكثير من روايات أبي هريرة وذلك الكم الهائل من الروايات التي تطعن بعصمة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وغيرها من جهة أخرى.

فقد أخرج البخاري أحاديثه (الصحيحة برأيه) من ٦٠٠ ألف حديث، وكما روي عنه إذ قال: "لم أخرج في هذا الكتاب إلاّ صحيحاً، وما تركت من الصحيح أكثر" (٣).

١- صحيح البخاري ج٩ ص٨ كتاب الديات باب من أخذ حقه أو اقتص دون السلطان.

٢- صحيح البخاري ج٧ ص١٩٩ كتاب اللباس باب لا يمشي في نعل واحدة.

٣- ابن حجر في مقدمة شرح الباري على صحيح البخاري ص٥.

١٥٨
ومأخذنا الأول على الشيخ البخاري هو اعتماده على عدالة سلسلة رواة الحديث كشرطه الوحيد لإثبات صحة الحديث المروي وبدون النظر إلى متنه وما احتواه من معنى الأمر الذي يفسر وجود الاضطراب والفساد والتناقض في كثير من الروايات التي أخرجها. فحتى لو كان الراوي عدلاً، فإنّ ذلك لا يمنع نسيانه جزءاً من الحديث الذي سمعه فضلاً عن احتمالية روايته للحديث بالمعنى لا بعين اللفظ الذي سمعه الأمر الذي يفقد الحديث جزءاً من ألفاظه الأصلية والتي يحتمل أن يكون لها معنى آخر لم يتنبه له الراوي وخصوصاً مع طول سلسلة الرواة التي قد تتضمن في بعض الأحيان لسبعة أو ثمانية أفراد.

وإذا أضفنا صعوبة الوقوف على عدالة الرجال وخصوصاً المنافقين منهم والذين لا يعلم سرائرهم سوى رب العباد، يتضح لنا العيب الأكبر في منهج البخاري في إخراجه لأحاديثه.

وقد قال أحمد أمين تأكيداً لذلك: "إنّ بعض الرجال الذي روى لهم غير ثقات، وقد ضعف الحفاظ من رجال البخاري نحو الثمانين" (١).

وفيما يلي مزيد من الروايات التي عدها البخاري صحيحة

١- ضحى الإسلام لأحمد أحمد ج٢ ص١١٧، ص١١٨ رقم ٤.

١٥٩
وألزم بها أهل السنة أنفسهم على مر العصور. فعن أبي سعيدالخدري، أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قال بشأن يوم الحساب: "...فيتساقطون حتى يبقى من كان يعبدالله من بر أو فاجر، فيقال لهم: ما يحبسكم وقد ذهب الناس؟ فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم، وانا سمعنا منادياً ينادي ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا، قال: فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا؟! فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن" (١).

وعن جرير بن عبدالله قال: "كنا جلوساً ليلة مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة، فقال: إنّكم سترون ربكم كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته" (٢).

ويكفي لرد الروايتين الأخيرتين، بما أخرج البخاري بسنده عن مسروق، قال: "قلت لعائشة(رضي الله عنه): يا أمَّتاه هل رأي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)ربه؟ فقالت: لقد قفَّ شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب؟ من حدثك أنّ محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم)رأى ربه فقد كذب.

١- صحيح البخاري ج٩ ص١٥٨ كتاب التوحيد باب وجوه يومئذ ناضرة.

٢- صحيح البخاري ج٦ ص١٧٣ كتاب التفسير باب قوله ـ فسبح بحمد ربك وج٩ ص١٥٦ باب التوحيد.

١٦٠