×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الحقيقة الضائعة / الصفحات: ٤٢١ - ٤٤٠

ولهذا ينظر المؤمنون إلى رحمة الله يوم القيامة، أما الكفار يبين حالهم قوله تعالى:

(.. ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) آل عمران ١١.

ومن الواضح أن المراد من (لا ينظر إليهم) هو عدم شمولهم برحمته ولا يكون المقصود هو عدم رؤية الله لهم،لأن رؤيتهم أو عدم رؤيتهم ليس أمراً مطلوباً حتى يهددوا به لأن المقام مقام رحمة.

الدليل الثاني:

ب ـ قال تعالى: { ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبلفإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخرَّ موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبتإليك وأنا أول المؤمنين } الأعراف ١٤٣.

لم يستدل أبو الحسن الأشعري بهذه الآية، واستدل بها الأشاعرة، وتقريب الاستدلال بهذه الآية عند الشيخ الباجوري(١).

١ـ إن سيدنا موسى (ع) قد طلبها - أي الرؤية - ولاشك أنه أدرى من المعتزلة بما يجوز في حقه تعالى وبما لا يجوز، ولو كان يعلم استحالتها لما استساغ أن يطلبها.

٢ـ أنه سبحانه علق حصول الرؤية في آخر الآية على أمر جائز في نفسه، وهو استقرار الجبل، بل هو من حيثذاته أقرب من صيرورته دكاً، وكل أمر يعلق على أمر جائز فهو جائز.

١- الشيخ ابراهيم الباجوري (شرح جواهر التوحيد) نسقه وأخرج أحاديثه محمد أديب الكيلاني وعبد الكريم شنان، وراجعه عبد الكريم الرفاعي دمشق ١٩٧٢ ٠

٤٢١

٣ـ وقالوا - أي المعتزلة ـ: أنه سألها لأجل قومه، وهو قول باطل لأن تجويز الرؤية باطل بل هو كفر عند أكثرالمعتزلة، فلا يجوز لموسى (ع) تأخير الرد عليهم، ففيه تقرير الباطل.

ألا ترى أنهم لما قالوا له: { اجعل لنا إلهاً كما لهم إله } رد عليهم بساعته { إنكم قوم تجهلون } الأعراف ١٣٨،والحق أن السائلين القائلين: { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } البقرة ٥٥، لم يكونوا مؤمنين، ولم يكونوا حاضرين عند سؤاله - عليه الصلاة والسلام - للرؤية.

٤ـ وقد نقل ابن نورك عن الأشعري (ر ه) أنه قال: قال تعالى (لن تراني) ولم يقل (لست بمرئي) على ما مقتضى المقام لو امتنعت الرؤية.

هذه زبدة استدلالاتهم بهذه الآية، وإليك مناقشة ما قالوا:

ـ الوجه الأول، ويجاب عليه بأن سؤال موسى كان بلسان بني إسرائيل وهو ما يرفضه الأشاعرة، ولمعرفة صحته أو عدم صحته ينبغي أولاً معرفة أن الآيات المتعددة حول طلب الرؤية تحكي واقعة واحدة أم اثنتين، فلا بد أن نستعرض كل الآيات التي تناولت الموضوع.

١ـ سورة طه: (يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدنا كم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى) ٨٠.

ـ (وما أعجلك عن قومك يا موسى -قال هم أولاء على أثرى وعجلت إليك رب لترضى -قال فإنا قد فتناّ قومك من بعدك وأضلهم السامري) ٨٠ -٨٥.

٢ـ سورة البقرة:

(وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون - ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون -وظللنا

٤٢٢

عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) ٥٥ـ٥٧٣ـ سورة البقرة:

ـ (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون) ٥١٤ـ سورة النساء:

ـ (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فإخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطاناً مبيناً) ١٥٣سورة الأعراف:

(وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة، وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين) ١٤٢ـ (وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفاسقين) ١٤٥ـ (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً اتخذوه وكانوا ظالمين) ١٤٨ـ (ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين) ١٥٠

٤٢٣

ـ واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وأياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين) ١٥٥وبعد هذا الاستعراض نلاحظ الآتي١ـ إن سؤال بني إسرائيل (حتى نرى الله جهرة) (أرنا الله جهرة) هو سؤال واحد في سورة طه، ويأتي بعد السؤال الصاعقة والعفو، كما يتلوه عبادة العجل.

٢ـ في سورة طه آية ٨٠ -موعد بني إسرائيل يتلوه المن والسلوى ويليه فتنة السامري وعبادة العجل.

٣ـ وفي سورة الأعراف ١٥٥ الميقات وهو الموعد المضروب.

نصل إلى أن السؤال وقع في الميقات بقرينة إضافية هي الصاعقة والرجفة.

٤ـ هل كان سؤال موسى للرؤية في نفس الميقات؟ وهو ميقات أربعين ليلة (ثلاثون + عشرة)، وفي الآية ٥١سورة البقرة بعده عبد العجل، وفي آية الأعراف ١٤٣ـ ١٤٨ تلقى موسى الألواح، ووجد قومه يعبدون العجل، وفي سورة طه ٨٢ -٨٥ موعد لقوم موسى وعبادة العجل، وفي سورة النساء ١٥٣ بعد سؤالهم الرؤية تذكر ثم اتخذوا العجل.

والخلاصة أن سؤال قوم موسى في الميقات ومن بعده عبادة العجل وسؤال موسى (ع) الرؤية في نفس الميقات ووجد قومه يعبدون العجل.

وعلى هذا فإن سؤال قوم موسى (ع) (أرنا الله جهرة) هو سؤال موسى (ع): (أرني أنظر إليك) تم في واقعة واحدة وهي الميقات.

٤٢٤

ومما يؤكد أنها واقعة واحدة أنه من البعيد تكرار سؤال موسى (ع) وسؤال قومه بعد أن تأخذهم الصاعقة أو ندك الجبل، وعلى أقل تقدير أنه (ع) يذكرهم بها.

ولذا يصح أن موسى سال الرؤية بلسان بني إسرائيل.

وقد بين الإمام علي بن موسى الرضا (ع) هذا المطلب في جواب المأمون العباسي. قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا علي بن موسى عليه السلام فقال له المأمون: يا بن رسول الله أليس من قولك أن الانبياء معصومون؟ قال: بلى، فسأله عن آيات من القرآن، فكان فيما سأله أن قال له: فما معنى قول الله عز وجل: (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر غليك قال لن تراني) الآية، كيف يجوز أن يسأل كليم الله موسى بن عمران عليه السلام ربه الرؤية؟ الا يعلم أن اله تعالى ذكره لا يجوز عليه الرؤية حتى يسأل هذا السؤال فقال الرضا عليه السلام: إن كليم الله موسى بن عمران عليه السلام علم أن الله، تعالى عن أن يرى بالأبصار ولكنه لما كلمه الله عز وجل وقر به نجياً ورجع على قومه فاخبرهم ان الله عز وجل كلمه وقربه وناجاه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت، وكان القوم سبعمائة ألف رجلن فاختار منهم سبعين ألفاً، ثم اختار منهم سبعة ألاف ثم اختار منم سبعمائة، ثم اختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربه، فخرج بهم إلى طور سيناء، فأقامهم في صفح الجبل، وصعد موسى عليه السلام إلى الطور وسأل الله تبارك وتعالى أن يكلمه ويسمعهم كلامه، فكلمه الله تعالى ذكره وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأم/ن لأن الله عز وجل أحدثه في الشجرة، ثم جعله منبعثاً منها حتى سمعوه من جميع الوجوه، فقالوا: لن نؤمن لك بأن هذا الذي سمعناه كلام الله حتى نرى الله جهرة، فلما قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا، بعث الله عز

٤٢٥

وجل عليهم صاعقة فأخذتهم بظلمهم فماتوا، فقال موسى: يا رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا: إنك ذهبت بهم فقتلتهم لأنك لم تكن صادقاً فيما ادعيت من مناجاة الله إياك، فأحياهم الله وبعثهم معه، فقالوا: إنك لو سألت الله أن يريك أن تنظر إليه لأجابك وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حق معرفته، فقال موسى عليه السلام: يا قوم إن الله لا يرى بالأبصار ولا كيفية له، وإنما يعرف بآياته ويعلم بإعلامه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى تسأله، فقال موسى عليه السلام يا رب إنك قد سمعت مقالة بتي إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى الله جل جلاله إليه: يا موسى اسألني ما سألوك فلن أؤاخذك بجهلهم، فعند ذلك قال موسى عليه السلام: (رب أرني أنظر غليك قال لن تراني ولكن انظر غلى الجبل فإن استقر مكانه (وهو يهوي) فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل (بآية من آياته) جعله دكاً وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك (يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي) ولنا أول المؤمنين) منهم بأنك لا ترى، فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن. والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة، وقد أخرجه بتمامه في كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام.

وعليه لا يلقى وجه لمثل هذا الاستدلال، فالسؤال بلسان بني إسرائيل وكان الجواب بتدبير إلهي منه تعالى، لأنهم لا يسمعون لموسى (ع) والتعليق على الجبل ودكه وأسلوب الصدمة العنيف مألوف في تأديب بتي إسرائيل لنزعتهم الحسية وقسوة قلوبهم.

فكيف ينسب لموسى (ع) ما تبرأ منه في آية ١٥٥ الأعراف حيث دعا الله سائلاً إياه تعالى إحياء قومه، فبدأ تأدباً بقوله: (رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي) فلا يتهمني بنو إسرائيل بقتلهم، ثم قال: (أتهلكنا بما فعل

٤٢٦

السفهاء منا) فإذن هو فعل سفيه (إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء).

ثم يشرع في الدعاء: (أنت ولينا فأغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين).

أما الوجه الثاني: فإنه تعالى لم يعلق الرؤية على استقرار الجبل ـ من حيث هو ـ الذي هو ممكن، ولا على استقرار الجبل حال دكه بل علقه تعالى على استقرار الجبل بعد تجلي الرب تعالى، وهو غير ممكن وغير واقع، وهي طريقة عقلائية تفيد الامتناع، مما يدلل على عدم إمكانية الرؤية، ولا يقال لو أراد الله تعالى الامتناع لعلق على المحال العقلي بنفسه لا بالدلالة العقلائية، كما في قوله (حتى يلج الجمل في سم الخياط). نقول إن الحكمة الإلهية اقتضت أن تظهر المنع بطريقة العجز البشري، لما هو معروف من طباع بني إسرائيل ـ المادية، الحسية، التشكيكية، فلا ينفع معهم الحوار العقلي الهادئ، بل لابد من أسلوب الصدمة الرادعة نفسياً والكاشفة عقلياً عن الاستحالة، ونلاحظ أن دخول الكفار الجنة ليس بمستحيل عقلاً وقد شبهه الله سبحانه بالمستحيل وهو ولوج الجمل في سم الخياط، مقابل الرؤية التي هي مستحيلة عقلاً، وعلقت على أمر بنفسه ليس مستحيلاً لعدم الوقوع وللتضاد.

أما ردع موسى (ع) لبني إسرائيل، فليس محكياً في الآيات القرآنية لأنها ليست بصدد تفصيل القصة، والروايات الواردة عن أهل البيت (ع) تبين أنه (ع) رد عليهم، ولكن كافة أساليب موسى في نصحهم وردعه لهم لم يمنعهم عن التفكير بنفس النسق الحسي.

٤٢٧

أما بقية الوجوه فما هي إلا احتمالات لا يعول عليها، وباب الاحتمال واسع حتى في أوضح النصوص، فلذلك لا يؤخذ إلا بالاحتمال العقلائي الناقض للحجة، لا مطلق ما يرد في الذهن.. هذا أولاً.

وثانياً: إن بين أيدينا نصاً ينبغي النظر فيه أولاً ثم البحث عما يعارضه أو يقيده أو يخصصه في نص آخر أو دلالة عقلية واضحة.

أما التساؤل، لِمَ لم يقل (لست بمرئي) للدلالة على الامتناع بدلاً عن (لن تراني) فسؤال غير وجيه، لأنه إن سلمنا بدلالة (لست بمرئي) أظهر في الامتناع، إلا أنه (لن تراني) تفيد ذلك، والذي ينبغي النظر فيه هو مدلول (لن تراني) هل تفيد الامتناع أم لا؟

ثم ليبحث من شاء في حكمة اختيار (لن تراني)والحق أن (لن) تؤكد وتؤبد النفي، لكن تأبيد النفي يكون بحسب متعلقه فتكون مؤبدة في متعلقها (محمولها) مثل قوله تعالى: (فلن أكلم اليوم إنسيا) مريم.

فالتأبيد هنا متعلق على اليوم، أي مؤبد في هذا اليوم، كما أن التأبيد يكون عاماً بحسب متعلقه ولا يشمل غيره، مثل (ولن يتمنونه أبداً) فلمن تفيد التأبيد و(أبدا ً) مؤكد لهذا التأبيد، رغم هذا هي مختصة بالدنيا بقرينة (بما قدمت أيديهم) هذا إذا كانت لن التأبيدية متعلقة بزمن، وتفيد الديمومة إذا لم تعلق بزمن.

أما قول الناس: لن أفعل، ثم يفعل، فلا ينبغي الاستشهاد به لأن هذا الأمر لا دخل له بفعل (لن) التي تفيد التأبيد وإنما يتعلق بإرادة القائل والظروف المحيطة بالفعل.

٤٢٨

و (لن) في الآية الكريمة تفيد الامتناع في الرؤية ذلك لأنها علقت على استقرار الجبل بعد التجلي، وأيضاً قول موسى (سبحانك) يفيد تنزيه الله سبحانه والتنزيه في هذه الآية في الرؤية ويعني ذلك أن الرؤية نقص وهو محال بحق الرب تعالى.

أما دعوى التقييد بالدنيا بعد التسليم كون (لن) للتأبيد فغير وارد لأن سياق الآية لا يقبل التقييد أو التخصيص وذلك لأن سبب لتفي واحد وهو التنزيه، في قوله (سبحانه) والتنزيه لا يقيد بزمن.

هذا إلى أن هناك كثيراً من الآيات تنفي الرؤية عن الله سبحانه بكل وضوح وصراحة، ونكتفي في هذا المقام باستعراض آية واحدة هي أكثر ظهوراً في الأمر.

قال تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) الأنعام ١٠٣.

١ـ (الإدراك مفهوم عام لا يتعين في البصر أو السمع أو العقل إلا بإضافته إلى الحاسة التي يراد منه السماع ولأجل ذلك لو قال قائل: أدركته ببصري وما رأيته، يكون تناقض)(١).

٢ـ (تمدَّح تعالى بنفي إدراك الأبصار له، فيكون إثباته له نقصاً)(٢).

٣ـ إن (لا تدركه) مطلقة في الدنيا والآخرة، و(الأبصار) عامة لأنها جمع محلى بألف ولام، فتشمل جميع الخلق لعدم جواز الاستثناء وهو الظاهر.

وقد تهرب أبو الحسن الأشعري من هذه الآية بقوله يحتمل أن يكون (لا تدركه) في الدنيا وتدركه في الآخرة، لأن رؤية الله أفضل اللذات،

١- الملل و النحل، للسبحاني ج٢ص٢٢١.

٢- الفاضل البغدادي السيوري، النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر ص٥٧.

٤٢٩

وأفضل اللذات في أفضل الدارين. ويحتمل أن تكون (الأبصار) أبصار الكافرين لأن الله وعد المؤمنين برؤيته.

هذا كلام أقل من أن يحتاج إلى النقاش، لأن مجرد الاحتمال لا يمنع الظهور، والاحتمال يمكن أن يرد على كل شيء، وواضح أن طرح الاحتمالين لإثارة الشك. والذي دفعه لذلك الأحاديث المكذوبة التي آمن بها، وهي تثبت الرؤية.

أما الرازي فلم تسلم هذه الآية من تشكيكاته التي عمت كل شيء فقال في تفسيره الكبير ص١٢٤: (احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى تجوز رؤيته وأن المؤمنين يرونه يوم القيامة بوجوه عدة منها:

آ ـ أن الآية في مقام المدح، فلو لم يكن جائز الرؤية لما حصل التمدح بقوله (لا تدركه الأبصار) ألا تر أن المعدوم لا تصح رؤيته كما الروائح والطعوم والإرادة ولا مدح في شيء منها بذلك، لأن الشيء إذا كان معدوما في نفسه بحيث تمتنع رؤيته فلا يلزم من عدم رؤيته وعند إدراكه مدح، أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية ثم أنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه، كانت هذه القدرة الكاملة دلالة على المدح والعظمة، فتثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته.

ويلاحظ على هذا الكلام أن فيه قياس الرب على الخلق وهو تعالى (ليس كمثه شئ).. هذا أولاً:

ثانياً: لو كان المدح دليلاً على الجواز، فليكن في مثل قوله تعالى: (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا) الإسراء ١١١.

فهل الشريك والولد وولي الذل جائز على الله تعالى؟!

فالملازمة ممنوعة كما هو واضح، فإذن يمدح أيضاً على الغير جائز.

٤٣٠

أما مدح المعدوم يرد بأن المدح ليس بالجزء الأول (لا تدركه الأبصار) والمدح هنا في المقابلة.

ب ـ واستشكل الرازي أيضاً بأن الأبصار صيغة جمع لا تفيد الاستغراق بمعنى لا تدركه جميع الأبصار، فيمكن أن تدركه بعض الأبصار، وهذا يفيد سلب العموم ـ أي أن النفي متوجه إلى المجموع لا لكل جزء من أجزاء المجموع ـ ولا يفيد عموم السلب ـ أي التفي المتوجه إلى كل جزء من أجزاء المجموعة.

ويلاحظ عليه: أن لفظة (الأبصار) صيغة جمع محلى بألف ولام، فهي تفيد العموم (الاستغراقي) بلا ريب، والنفي متوجه للنسبة (العموم ومتعلقه) فيفيد عموم السلب ـ أي كل الأبصار لا تدركه ـ نعم لو توجه النفي لنفس العموم لكان سلب العموم ولكن هذا أجنبيٌ عن المقام غير ظاهر ونظير هذا: (إن الله لا يحب المعتدين) فتفيد عموم السلب ـ أي أن الله لا يحب كل المعتدين ـ وقوله تعالى (فإن الله لا بحب الكافرين) آل عمران ٣٢٠، وقوله (لا يحب الظالمين).. كذلك تفيد عموم السلب كما أن المقابلة بين (لا تدركه الأبصار) وبين (وهو يدرك الأبصار) لدلالة قطعية على عموم السلب في الأولى، كما أن الثانية عامة في الإثبات.

ج ـ وقد نقل الرازي إشكالاً آخر وهو ما نقل عن ضرار الكوفي وهو: أن الله تعالى لا يرى بالعين وإنما بحاسة سادسة يخلقها الله تعالى يوم القيامة، وذلك لتخصيص عدم الرؤية بالبصر فقط، فيكون إدراك الله بغير البصر جائز.

... وهذا هروب من طاولة البحث لأن محل النزاع هو الرؤية البصرية التي صرحوا بها (وهي بهذه العيون كالقمر في ليلة البدر).

٤٣١

د ـ يقول الرازي أيضاً: إن الإدراك لا يساوق الرؤية بل هو اللحوق والإحاطة (قال أصحاب موسى إنا لمدركون) (حتى إذا أدركه الغرق).

وليس مجرد العلم أو الرؤية.

ولا شك أن الإحاطة بالله نقص فيكون النفي مدحاً والرؤية التي نثبتها ليست إحاطة.

والرد عليه، أنا نسلم أن الإدراك بمعنى اللحوق والبلوغ ونمتنع أن يكون بمعنى الإحاطة، ولا ترادف ولا ملازمة بينهما.

فاإدراك مفهوم عام ضمن معنى (اللحوق ـ والبلوغ) ولا يتحدد إلا بمتعلقه فإذا قيل، أدركته ببصري أي أن البصر لحق بالمرئي ورآه، وكذا العقل والأذن وكل حاسة يحسبها، كما يستخدم الإدراك بمفهومه العام كقوله (إنا لمدركون) بمعنى ملحوقون. أما الزعم أن اللحاق يقتضي الإحاطة، فدعوى لا يعرف لها وجه كما أن الرؤية هي إحاطة سواء وقعت على الجزء أو الكل، وما يرى بعضه يرى كله بتعدد اللحاظ والزوايا.

والخلاصة: أن الآية الشريفة محكمة الدلالة على منع الرؤية، وفي نسق حكم العقل الواضح، وما هذه الإشكالات إلا لإثارة التشكيك وأغلبها يمكن وصفه (بالمهزلة).

وقبل أن نختم هذا البحث أحب أن أشير إلى جوهر الخلاف في هذه المسائل التي تتعلق بالله سبحانه وتعالى.

فلماذا أخواننا أهل المنة والجماعة بمختلف طوائفهم ينسبون لله سبحانه ما لا يليق بجلالته؟!

ولماذا تسعى الشيعة دائماً لتنزيه الله من كل نقص وشائبة؟!

يمكن أن يجاب على هذا السؤال بعدة إجابات، إلا أننا نقتصر على جواب واحد شامل لجميع الأجوبة على نحو الإجمال:

٤٣٢

بعد أهل السنة عن نهج أهل البيت وتقوقعهم على رواياتهم الخاصة، ويستحيل أن يعرف الله بغير الطريق الذي حدده، فلا يمكن معرفته بروايات كعب الأحبار، ووهب ابن منبه، وأبو هريرة.... وغيرهم.

وإن الذي يؤسفني هو حرمان أهل السنة أنفسهم من هذا الكم الهائل من المعارف الإلهية التي رواها الثقات عن أئمة الطهر ومعادن الحكمة الإلهية، ولو أنهم اطلعوا على قليل منها لما أتوا بهذه الأفكار المخزية.

صدق أبو عبد الله الحسين عليه السلام عندما قال: نحن حزب الله الغالبون وعترة رسول الله صلى الله عليه وآله الأقربون وأهل بيته الطيبون وأحد الثقلين اللذين جعلنا رسول الله صلى الله عليه وآله ثاني كتاب الله تبارك وتعالى، الذي فيه تفصيل كل شيء لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعول علينا في تفسيره، لا يبطينا تأويله بل نتبع حقائقه، فأطيعونا، فإن طاعتنا مفروضة، أن كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة، قال الله عز وجل (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ورسوله).

وقال: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذي يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً)(١).

وإليك في هذا المقام قليلاً من الروايات حتى تعلم أن إلهاً كما صفه أهل البيت لا تقع عليه الرؤية:

روى الطبرسي في خطبة عن علي (ع) قال:

(دليله آياته، ووجوده إثباته، ومعرفته توحيد، وتوحيده تمييزه من خلقه، وحكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة. إنه رب خالق غير مربوب مخلوق، كل ما تصور فهو بخلافه)(٢).

١- الاحتجاج ص٢٩٩.

٢- المصدر السابق.

٤٣٣

وقوله (ع): (توحيده تمييزه من خلقه) مطلق يفيد أنه سبحانه ممتاز عن خلقه بالحقيقة في جميع شؤونه لا مشاركة بينه وبين خلقه بوجه من الوجوه، وقوله (ع): (حكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة) تصريح بهذا الإطلاق لأن المباينة الصفتية هي أن كل صفة وحكم يجري على الله تعالى، لا يجري ولا يطلق على ما سواه من الخلق بما له من المعنى الشخصي، وكذلك كل نعت وتقديس يمجد ويقدس تعالى به لا يطلق على من سواه بما له من معنى(١).

وجاء في خطبة الإمام الرضا (ع) في مجلس المأمون: أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفة الله توحيده، ونظام توحيده الله نفي الصفات عنه بشهادة العقول أن كل صفةٍ وموصوفٍ مخلوق وشهادة كل مخلوق أن له خالقاً ليس بصفة ولا موصوف، وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران، وشهادة الاقتران بالحدث وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث، فليس الله عرف من عرف بالتشبيه ذاته، ولا إياه وحد من اكتنهه ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا به صدق من نهاه، ولا صمد صمده من أشار إليه، ولا إياه عنى من شبهه، ولا له تذلل من بعضه، ولا إياه أراد من توهمه، كل معروف بنفسه مصنوع وكل قائم في سواه معلول، بصنع الله يستدل عليه، وبالعقول يعتقد معرفته، وبالفطرة تثبت حجته، خلق الله الخلق حجاب بينه وبينهم ومباينته إياهم مفارقته إنيتهم، وابتداؤه إياهم دليلهم على أن لا ابتداء له لعجز كل مبتدإ عن ابتداء غيره، وأدوه إياهم دليل على أن لا أداة فيه لشهادة الأدوات بفاقة المتأدين وأسماؤه تعبير وأفعاله تفهيم، وذاته حقيقة، وكنهه تفريق بينه وبين خلقه، وغبره تحديد لما سواه فقد جهل الله من استوصفه وقد تعداه من استمثله وقد أخطأه من اكتنهه، ومن قال: كيف

١- توحيد الإمامية، آية الله الشيخ محمد باقر الملكي ص٢٠٤.

٤٣٤

فقد شبهه ومن قال: لِمَ فَقَد علّله، ومن قال: متى فقد وقته، ومن قال: فيم فقد ضمّنه، ومن قال: إلام فقد نهاه، ومن قال: حتام فقد غيّاه ومن غياه فقد غاياه، ومن غاياه فقد جزأه، ومن جزأه فقد وصفه، ومن وصفه فقد ألحد فيه، لا يتغير الله بتغير المخلوق، كما لا يتحدد بتحديد المحدود، أحد لا بتأويل عدد، ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجلٍّ لا باستهلال رؤية، باطن لا بموايلة، مبائن لا بمسافة، قريب لا بمداناة، لطيف لا بتجسم، موجود لا بعد عدم، فاعل لا باضطرار، مقدر لا بجول فكرة مدبر لا بحركة، مريد لا بهمامة، شاء لا بهمة، مدرك لا بمجسة سميع لا بآلة، بصير لا بأداة.

لا تصحبه الأوقات، ولا تضمنه الأماكن، ولا بأخذه السنات ولا تحده الصفات، ولا تقيده الأدوات سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده والابتداء أزله، بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له وبمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأمور عرف أن لا قرين له، ضادّ النور بالظلمة، والجلاية بالبهمة، والجسو بالبلل، والصّرد بالحرور، مؤلّفٌ بين متعادياتها، مفرق بين متدانياتها، دالة بتفريقها على مفرقها، وبتأليفها على مؤلفها، ذلك قوله عز وجل: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) ففرق بها بين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بعد، شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها، دالة بتفاوتها أن لا تفاوت لمفاوتها مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبينها غبره له معنى البوبية إذ لا مربوب وحقيقة الإلهية إذ لا مألوه ومعنى العالم ولا معلوم، ومعنى الخالق ولا مخلوق، وتأويل السمع ولا مسموع، ليس منذ خلق استحق معنى الخالق، ولا بإحداثه البرايا استفاد معنى البارئية، كيف ولا تغيبه مذ ولا تدنيه قد ولا تحجبه لعل، ولا توقته متى، ولا يشتمله حين ولا تقارنه مع، إنما تحد الأدوات أنفسها، وتشير الآلة

٤٣٥