×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

حوارات / الصفحات: ٢١ - ٤٠

وفي تلك الأيام كان السيد ينوي السفر إلى مدينة كوستى وهي مدينة تبعد (٤٠٠ كم) جنوب الخرطوم، فأعددت نفسي للسفر معه وبالفعل وصلنا إلى كوستى وقمنا بجولة على المساجد والمنابر الدينية، ونجحنا في ترتيب عدد من اللقاءات مع مجموعة من العلماء. فكنت أستغل الفرصة في القيام بعدد من النقاشات الجانبية التي عادةً ما تكون على هامش المحاضرات.

وبعد أن قضينا يومين توجه السيد مرةً أخرى إلى الخرطوم، وسافرت أنا مع أحد الأخوان المؤمنين إلى مدينة (مدني) التي تقع على النيل الأزرق شرق مدينة كوستي وفي مدني ذهبت إلى جامعة الجزيرة، كلية التربية في منطقة (حنتوب) دارت بيني وبين مجموعة كبيرة من الطلبة نقاشات متعددة وعميقة استمرت إلى يوماً كاملاً، بعدها رجعت إلى الخرطوم وكان لي فيها بعض الحوارات في جامعة الخرطوم كلية التربية وبالخصوص مع طلبة الدراسات العليا، فكان النقاش معهم سلِساً وجميلاً لثقافتهم العالية ومعرفتهم بقيمة الدليل والبرهان وبعد قراءتهم لبعض

٢١
الكتب الشيعية هداهم الله إلى نور أهل البيت(عليهم السلام).

وبعد ذلك تجدد شوقي إلى أهلي فقررت السفر إليهم على أمل أن أعيد المسيرة من جديد خاصة إن السيد البدري أصبح طريح الفراش لشدة المرض، وبعد وصولي إلى مدينة عطبرة وقبل أن أصل إلى قريتي كانت لي هذه الجلسة التي دارت بيني وبين الدكتور عمر مسعود.

٢٢

الجلسة الأولى: نقاش في علم الأصول


الدكتور عمر مسعود من البارزين في الساحة السودانية وخاصة في ولاية نهر النيل في شمال السودان، وهو يحمل مجموعة من الشهادات في الاقتصاد، وعلوم الحديث، ومقارنة الأديان، بالإضافة إلى تتلمذه على يد مجموعة من المشايخ وعلماء الطرق الصوفية، كما أنه يمتاز بإطلاعه الواسع في شتى المجالات فله مكتبة ضخمة تحتوي على (١١ ألف كتاب)، وهو يعمل الآن محاضراً في جامعة وادي النيل في كليات متعددة، مثل كلية الدراسات الإسلامية، وكلية التربية وكلية التجارة، فهو مدير لقسم التجارة بهذه الكلية.

هذا الدكتور تربطني به علاقة شخصية، علاوة على أنه أستاذي ثلاث سنوات تقريباً، ودارت بيني وبينه مجموعة من الجلسات والحوارات الإيجابية الهادفة، في شتى المجالات التاريخية والأصولية، والعقائدية، أسفرت عن احترام الطرفين وتقدير وجهات النظر.

٢٣
وأحب أن أسجل هنا بعض هذه الجلسات حتى تعم الفائدة، وخاصة أنها حدثت بعد إصدار كتابي، "الحقيقة الضائعة"، فلم أتمكن من أن إلحاقها في الكتاب، مما دفعني أن أقوم بكتابة هذا الكتيب حتى يكون مكملاً للحقيقة الضائعة، وأسال الله أن يوفقني في تحرّي الدقة ونقل الواقع كما هو.

بعد أن دخلت الحرم الجامعي رأيت الدكتور يلقي محاضرة لطلاب قسم التجارة، وما إن رآني حتى خرج واستقبلني بحفاوة ثم طلب مني أن أحضر إلى مكتبه بعد المحاضرة.

وبعد المحاضرة ذهبت إليه، وبعد السلام والسؤال عن الأخبار.

قال الدكتور: أين كنت خلال هذه الفترة.

المؤلف: في سوريا عند مقام السيدة زينب (عليها السلام).

الدكتور: ماذا كنت تفعل.

المؤلف: أدرس في الحوزة العلمية.

الدكتور: وماذا تدرس.

المؤلف: فقه، أصول، منطق، عقائد، نحو،

٢٤
وغيرها، فالحوزة هي عبارة عن مقدمة للطالب حتى يجتهد في استنباط الأحكام الشرعية، فباب الفقه عند الشيعة ما زال حيوياً ومتحركاً وهم يعتمدون في ذلك على أصول منضبطة ومحكمة.

الدكتور: إن أهل السنة أول من ابتدع علم الأصول وتجربتهم أنضج وأكمل، أما تاريخ علم الأصول عند الشيعة فهو حديث مقارنة بالأصول عند السنة.

المؤلف: هذا اشتباه، أولاً إن الأصول هي عبارة عن قواعد وكليات يستنبط منها المجتهد الجزئيات، وهذه الكليات واضحة في روايات أهل البيت، فالإمام الصادق(عليه السلام) كان يقول: "منا الأصول ومنكم الفروع"، هذا من ناحية البعد التاريخي أما إذا قصدت بلورة الأصول بهذه الصورة الحالية والكتابة في هذه المباحث، فإن السنة يختلفون تماماً عن الشيعة ولا وجه هناك للمقارنة فمصادر التشريع عند السنة انقطعت بعد موت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذلك الحاجة التاريخية ألحت لتكوين علم أصول يتكفل باستخراج الأحكام الشرعية،

٢٥
فالأصول السنية مقارنة مع هذه الحاجة الحتمية جاءت متأخرة جداً، أما الشيعة فهم ينظرون إلى أهل البيت(عليهم السلام) باعتبار أنهم الامتداد الطبيعي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكلامهم حجة، فلا توجد هناك حاجة لاستنباط الأحكام الشرعية مع وجود الأئمة المصطفين من قبل الله سبحانه وتعالى، وبعد مُضي إحدى عشر إماماً وغياب الحجة المهدي(عج) تولدت الحاجة لبلورة الأصول بهذه الصورة الحالية، فالنظرة لابد أن تكون نسبية.

الدكتور: إن علم الأصول عند السنة يمتاز بأنه أكثر مرونة من الأصول عند الشيعة، فإنها جامدة يصعب على الإنسان أن يستنبط حُكْماً من خلالها، فالأصول عند السنة أبوابها كثيرة ومتعددة من قرآن وسنة وإجماع وقياس وغيرها تساعد المجتهد على تتبع الحوادث في أي زمن واستنباط الحكم الشرعي لأي موضع.

المؤلف: هذا الكلام لا يمكن أن يقبل، أما إنها جامدة فهذا إدعاء لا يمكن أن يصدقه الواقع، فالفقه الشيعي الذي يرتكز على هذه الأصول التي تسميها

٢٦
جامدة في غاية الدقة لتتبعه للحوادث المتغيرة وتوضيح الحكم الشرعي فيها، كما إن الموسوعات الفقيهة الاستدلالية عند الشيعة تفوق بكثير من غير مقارنة الكتب الاستدلالية الفقيهة عند السنة، هذا أولاً.

أما ثانيا: ً فالأصول التي ذكرتها هي مشتركة بين الشيعة والسنة وإذا كان هناك مرونة لأصول السنة فهي راجعة للقياس، والقياس عندنا لا يعول عليه في استنباط أحكام الشريعة.

ثالثاً: أن الشيعة ليسوا بحاجة لإعمال القياس، وذلك لكثرة النص الفقهي، المروي عن الرسول وأهل بيته، فالوسائل للحر العاملي يتكون من عشرين مجلداً كله أحاديث فقهية، وكتاب مستدرك الوسائل ثمانية عشر مجلداً في نفس الإطار للميرزا النوري، فليس هناك من داعٍ لهذه الظنيات التي اعتمد عليها السنة لقلة النص الديني من روايات وأحاديث في جانب الفقه.

الدكتور: هذا كلام سطحي إن الأصول لم تكن بداعي قلة النص الديني كما زعمت، وما هذه الأصول إلا بمثابة تعليل لهذه النصوص، فالقياس

٢٧
مثلاً لم يكن خارجاً عن إطار النص وإنما هو الطريق الذي من خلاله ينزل النص للحوادث المتغيرة، لأن لكل حكم علة بعد اكتشاف هذه العلة تكون بمثابة قاعدة تنطبق على حوادث متعددة وهذا هو علم الأصول بعينه.

المؤلف: هذا الكلام بصورته العامة يبدو وجيهاً ولكن عندما نفصل المسألة ونُدقق أكثر يظهر لنا ضعفه، وذلك إن القياس كما تفضلت هو إرجاع الفرع إلى الأصل إذا اشتركت العلة بين الأصل والفرع، وكما هو واضح أن الحكم يدور مدار العلة وجوداً وعدماً، ولكن الإشكال كيف تكشف علة الحكم؟.

فإذا كانت العلة منصوصاً عليها من قبل الشارع نفسه، فمثلاً يقول إن الخمر حرام لأنه مُسكر، فيمكن أن أقيس النبيذ على الخمر إذا كان النبيذ مسكراً، فأقول الخمر حرام لأنه مسكر والنبيذ مسكر إذاً النبيذ حرام. هذا لا إشكال فيه رغم أن هذا نفسه لا يسمى قياساً بمعنى أننا لم نقس حكم النبيذ على حكم الخمر، وإنما اكتشفنا حكم النبيذ من النص مباشرةً، أي أن

٢٨
الخمر والنبيذ كلهما يرجعان إلى نص واحد وهو أن كل مسكر حرام.

أما إذا لم تكن العلة منصوصاً عليها من قبل الشارع فكيف لنا معرفتها، فكل ما نتوقعه لا يخرج عن إطار الظنية ولعل الشارع لم يرتب الحكم على هذه العلة التي اكتشفناها وإنما لعلة أخرى باطنية، مثلاً في حكم الصيام في السفر يقول الشارع {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فالظاهر من هذه الآية هو عدم الصيام في حالة السفر، فيقول مجتهد أن العلة من عدم الصيام في السفر هو الإرهاق والتعب وخاصة أن السفر في القديم كان عبر الدواب، والآن أختلف الوضع وأصبح السفر مريحاً، فارتفعت العلة التي تمنع الصيام في السفر فيرتفع معها الحكم، وعلى هذا الاجتهاد كثير من المسلمين يصومون في حالة السفر فهذه مخالفة للنص، من الذي يقول إن العلة هي التعب؟ هل الشارع نص على ذلك؟! وإن لم ينص فتكون هذه العلة ظنية لا يعول عليها في استخراج الحكم، وإنما الآية في مقام التشريع فكما أن الله شرع الصيام في

٢٩
شهر رمضان كذلك هو الذي منعه في السفر فلا تعارض بين الحُكمين كما لا تلازم بينهما، فهذا القياس مرفوض بحكم الشرع والعقل.

الدكتور: إن البحث عن الحكم القطعي من الصعوبة بمكان، ولو كانت الشريعة تطالبنا بالحكم القطعي لكل واقعة لأصبح الأمر عسيراً، كما أن هذه العلل التي تسميها ظنية هي الطريق الوحيد مع إنني لا أقول ظنية.

المؤلف عفواً أستاذي: إن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان ولا يمكن أن تكون الشريعة في زمن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كل أحكامها قطعية وواقعية والآن تكون أحكامها ظنية، إلا إذا كنت تعتقد أن أحكام الرسول أيضاً ظنية.

وإنما المسألة محلولة داخل الشريعة نفسها، فالأحكام حسب التقسيم الأصولي الشيعي أحكام واقعية وأحكام ظاهرية، فالحكم الواقعي هو الذي يُستنبط من دليل قطعي مثل القرآن والسنة والعقل، والدليل القطعي هو الكاشف للواقعة ولا يحتاج إلى دليل آخر يكشفه إنما تكون حجيته حجية ذاتية، إما إذا

٣٠
كتاب حوارات للشيخ معتصم سيد أحمد (ص ٣١ - ص ٥٦)
٣١

السيد محمد تقي المدرسي في كتابه التشريع الإسلامي هذا الأمر، وهو يبني نظريته على أن كل النصوص(١) الدينية تبين الحكم مع الحكمة، فيتتبع الفقيه هذه الحكم من خلال نصوص القرآن والسنة فتشكل هذه الحكم مجموعة قواعد كلية يمكن للفقيه أن يرجع إليها الحوادث الجزئية.

الدكتور: ما أنكرته في أول حديثك أقررت به في هذا الكلام فهذه النظرية التي ذكرتها مؤخراً تدل على أن الأصول الشيعية جامدة، مما دفع المدرسي أن ينتهج هذا النهج، الذي هو أقرب إلى الطرح السني، كما أن المدرسي من العلماء المعاصرين فتجربته مازالت حديثة، لا تحسب ضمن تاريخ المدرسة الأصولية الشيعية، بخلاف الأصول عند أهل السنة الذين هم أول من طرق هذا الباب الذي أكتشفه المدرسي مؤخراً ولعله استفاد من الطرح السني.

المؤلف: إن كلامي غير متناقض، فإنه يَصُب

١- النصوص وليست الأحكام، والفرق كبير.

٣٢
في نفس المنحى، ويؤكد أن الأصول الشيعية متطورة، فإن كل فترة زمنية لها من الظروف والدواعي التي تُحتم على الأصول انتهاج نهج جديد وهو بالطبع لا يخالف القديم، وإنما الطرح وبلورة النظرية وتنقيح الأفكار عادةً ما يضيفان نوعاً من الحداثة، وإلا فالكلام عن علل الشرائع قديم عند علماء الشيعة فالشيخ الصدوق مثلاً عنده كتاب "علل الشرائع" وهو من الكتب القديمة؟.

كما إن السيد المدرسي لم يبتدع شيئاً، وإنما قام بعملية جمع واستخراج القيم والحكم المبثوثة في القرآن والروايات، وسوف أحضر لك كتاب التشريع الذي طبع منه إلى الآن أربع مجلدات(١) حتى تعرف الفرق بين الطرح السني وطرح السيد المدرسي، فالفرق عميق بين الطرحين فالقياس يعتمد على استخراج علة الحكم من نفس الحكم، ثم يقيس عليها الفروع التي تشابهها في العلة، أما الطرح الآخر فهو يبنى على أن الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة

١- طبع الآن الجزء الخامس والسادس والسابع والثامن من التشريع.

٣٣
تطرح مجموعة من الحِكم والقيم وبعد استخلاصها بطرق قطعية تورث اليقين والاطمئنان تكون هذه الحِكم حاكمة على مجموعة من الأحكام التي ترجع إلى هذه الحِكم بصورة مستقلة(١)، وهذا الطرح لا يوجد له أثر في المدرسة السنية هذا من جهة القياس

١- وليس هذا الاستنباط من نوع القياس الذي يرفضه مذهب أهل البيت عليهم السلام والسبب هو:

أولاً: أن القياس منهج يختلف جذرياً مع المنهج القرآني وقد ناقشنا ذلك في مناسبة سبقت..

ثانياً: أن القياس في المصطلح التعرف على حُكم النظير من خلال علة مظنونة في نظيره، بينما هنا نحن نريد استنباط حكم الفرع من الأصل. وعلى هذا فإن أساس البصيرة القرآنية التي عرفناها بفضل أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) هو السعي لفهم الحكم العامة في الشريعة عبر التدبر في آيات الذكر. والسلوك عبر المنهج الإلهي الذي بشر به الدين وسبق الحديث عنه وإذا تبصرنا هذا الحكم جيداً، وعرفناه يقيناً فإننا نستنبط منها حكم المسألة الفرعية بلا تردد، ويكون علمنا به علماً يقينيا أو على الأقل تطمئن نفوسنا إليه مما يكفينا حجة شرعية، كما سنتحدث عنه في مناسبة أخرى. وهكذا يرى هذه المنهج أنه لا يجوز الأخذ بالحِكمة المظنونة، ولكن يوصينا.

بضرورة البحث الجدي لمعرفة حكمة كل حكم شرعي من خلال التدبر في النصوص (الآيات والروايات) فنحن ندعو إلى الحصول على العلم بالحكمة الإلهية الموجودة في كل حكم شرعي. ولا ندعو إلى العمل بالحِكم المستنبطة بالقياس الظني، والفرق بينهما هو الفرق بين العمل بالاستنباط العملي وبين العمل بالقياس الظني والله الموفق).. التشريع الإسلامي ج١ ص٥٢.

٣٤
أما الأصول الأخرى مثل الاستحسان وسد الذرايع وفقه الصحابي وغيرها، فإن إثبات حجية هذا الأصول من البعد بمكان، فالطرح الشيعي في الأصول مغاير للطرح السني أجمالاً وتفصيلاً.

الدكتور: إن هذه الأصول التي ذكرتها ليست العُمدة عند أهل السنة، وإنما عمدتهم هو القرآن والسنة، والإجماع، والقياس، ثم بعد ذلك الأصول الأخرى، وفي هذه الأصول لا خلاف بين السنة والشيعة، فالخلاف ليس إجمالا وان ما تفصيلاً.

المؤلف: أما القرآن والسنة فنعم رغم أن الخلاف فيهما موجود، فبأي كيفية نتعامل مع القرآن؟وكيف نفسره ونستنبط منه الحكم الشرعي؟ والسنة هل هي رواياتكم أم رواياتنا؟ وهل كلام أهل البيت حجة أم قول الصحابي؟ فهذه الأسئلة تباعد بيننا وبينكم، أما بخصوص الإجماع فهو غير حجة فقد ناقشت الكتب الأصولية الشيعية الإجماع وأثبتت عدم حجيته، نعم هنالك من يقول إن الإجماع حجة إذا كان كاشفاً عن رأي المعصوم أو عن دليل شرعي، ولكن هنالك من رد عليه بأن الحجية لا تكون لذات

٣٥
الإجماع، وإنما تكون لرأي المعصوم أو الدليل الشرعي.

الدكتور: إنكار حجة الإجماع أمر غريب، فقد تعارف على حجيته المسلمون قديماً وحديثاً وبنيت على أساسه كثير من الأبواب الفقهية، بل حتى أن الشيعة يستدلون بالإجماع في مسائل فقهية فلماذا هذا التناقض؟!.

المؤلف: أولاً إن بحثنا عن حجية الإجماع كان في إطار الحجج القطيعة الذاتية التي تولد حكماً واقعياً فعدم حجية الإجماع بهذا المنظور من البديهيات، لأنه ليس كاشفاً عن الواقع، أما اعتبار الإجماع كدليل فهو مأخوذ بتعارف العقلاء بالأخذ به فيكون حجة عُقلائية إذا أورثت الاطمئنان واليقين، فاستدلال علماء الشيعة بالإجماع في المسائل الفقهية من هذا الباب، هذا بالإضافة إلى أن معظم المسائل التي استشهد الفقهاء فيها بالإجماع إنما بقصد تعضيد الفتوى لا من باب توليدها.

وعندما وصلنا إلى هذه النقطة أعتذر الدكتور لضيق وقته

٣٦
٣٧

مع الوهابية في أركان النقاش


دارت في الساحة الفكرية في مدينة عطبره أحداث ساخنة، بعد أن سيطر الطرح الشيعي على مستوى المناظرات وأركان النقاش، خاصة بين طلبة جامعة وادي النيل، فكان حديث الساعة الشيعة والتشيع حتى في الأماكن العامة، هذا مما أشعل نار الحقد الوهابي فكثفوا هجومهم على الشيعة في كل منابرهم، وعندما علموا أن مصدر التشيع في المدينة هو جامعة وادي النيل، عملوا على حجز دار الطلاب وهي دار كبيرة تقام فيها نشاطات الطلاب الثقافية والسياسية، لمدة يومين وهما الخميس والجمعة وكان برنامجهم يشتمل على معرض كتاب وملصقات وعرض فيديو، كلها تعرّض بالشيعة، بالإضافة إلى محاضرة في اليوم الأول بعنوان "وجاء دور المجوس" وكان المحاضر مستعار من مدينة أخرى وهي (مدني)

٣٨
جنوب الخرطوم، وفي اليوم التالي كان ركن النقاش بعنوان (هذا أو الطوفان) ويختلف ركن النقاش عن المحاضرة بأنه يغلب عليه طابع النقاش والجدال والحدّية أكثر من المحاضرة.

وكان قصدهم من هذا الجهد هو تشديد الضربة على الشيعة، حتى ينتهي وجودهم في المدينة، أو على الأقل يحدثوا قطيعة بين الشيعة والمجتمع، ولذلك عندما فشلوا في الرد على الشيعة رفعوا شعارات الولاء والبراءة وأمروا الناس بمقاطعة الشيعة في كل أمور الحياة.

وعندما اكتشفنا نواياهم قررنا أن يكون ردنا عليهم وعلى افتراءاتهم قوياً ومحكماً، وأن يكون أكثر علمية ولا ننصاع لتهكماتهم ومهاتراتهم، وخاصة أن الجو الذي سوف يكون فيه الحوار هو جو مثقف و واعي بأهمية البرهان والدليل.

وعندما جاء يوم الخميس زرنا الدار في الساعة الخامسة مساءً حتى نقف على آخر التطورات فوجدنا أن الدار كلها معدة لذلك، فقد حشدوا فيها المعارض والملصقات ومكبرات الصوت وكراسي ولحى طويلة

٣٩
تملأ الدار، وقد كان الجو مُهيباً وهم ينظرون إلينا ويتهامزون ويتغامزون، ولكنا كسرنا حاجز الهيبة وتجولنا في أجنحته نتصفح عناوين الكتب ونقرأ شعاراتهم التي كتبت بخطٍ عريض في كفر الشيعة وبعدهم عن الدين، فهي تحكم في الواقع على جهالة الوهابية وبعدهم عن التشيع، فكان الأصدقاء يضحكون على هذه العقول السخيفة التي سطرت هذه الكلمات، وعندما حان وقت المغرب ذهبنا لنصلي جماعة، ثم نأخذ احتياطاتنا اللازمة في تأمين أنفسنا من اعتداءاتهم وتوزيع برامج النقاش بيننا وكيفية الانتشار واتخاذ المناطق المهمة في الجلوس وغيرها، وبالفعل تم ذلك، واتخذت أنا أول مقعد في مقابل المتحدث الوهابي مباشرةً.

وبعد تلاوة آيات من القرآن الحكيم وتقديم المتحدث. شرع المحاضر في حديثه وكان يحتوي على الآتي:

[image] - مركز الأبحاث العقائدية  ـ اختلف المسلمين إلى مذاهب عديدة وهذا مصداق لحديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى

٤٠