×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ابن الرومي وشعره في الغدير / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحة: ١ فارغة
كتاب ابن الرومي وشعره في الغدير للعلامة الأميني (ص ١ - ص ١٤)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

ابن الرومي
المتوفى ٢٨٣

يا هند لم أعشق ومثلي لا يرى * عشق النساء ديانة وتحرجا
لكن حبي للوصي مخيم * في الصدر يسرح في الفؤاد تولجا
فهو السراج المستنير ومن به * سبب النجاة من العذاب لمن نجا
وإذا تركت له المحبة لم أجد * يوم القيامة من ذنوبي مخرجا
قل لي: أأترك مستقيم طريقه * جهلا وأتبع الطريق الأعوجا؟!؟!
وأراه كالتبر المصفى جوهرا * وأرى سواه لناقديه مبهرجا
ومحله من كل فضل بين * عال محل الشمس أو بدر الدجا
قال النبي له مقالا لم يكن * يوم (الغدير) لسامعيه ممجمجا
: من كنت مولاه فذا مولى له * مثلي وأصبح بالفخار متوجا
وكذاك إذ منع البتول جماعة * خطبوا وأكرمه بها إذ زوجا
وله عجائب يوم سار بجيشه * يبغي لقصر النهروان المخرجا
ردت عليه الشمس بعد غروبها * بيضاء تلمع وقدة وتأججا (١)

* (الشاعر) *

أبو الحسن علي بن عباس بن جريح (٢) مولى عبيد الله بن عيسى بن جعفر البغدادي الشهير بابن الرومي. مفخرة من مفاخر الشيعة، وعبقري من عباقرة الأمة، وشعره الذهبي الكثير الطافح برونق البلاغة قد أربى على سبائك التبر حسنا وبهائا، وعلى

(١) مناقب ابن شهر آشوب ١ ص ٥٣١ ط ايران.

(٢) كذا في فهرست ابن النديم، وتاريخ الخطيب، وكثير من المعاجم. وفي مروج الذهب: سريج. وفي معجم المرزباني: جورجس. وفي تاريخ ابن خلكان: قبل: جور جيس. وفي بعض المعاجم: جرجيس.

٢
كثر النجوم عددا ونورا، برع في المديح والهجاء والوصف والغزل من فنون الشعر فقصر عن مداه الطامحون، وشخصت إليه الأبصار، فجل عن الند كما قصر عن مزاياه العد.

وله في مودة ذوي القربى من آل الرسول صلوات الله عليه وعليهم أشواط بعيدة، واختصاصه بهم ومدائحه لهم ودفاعه عنهم من أظهر الحقايق الجلية، وقد عده ابن الصباغ المالكي المتوفى ٨٥٥ في فصوله المهمة ص ٣٠٢، والشبلنجي في نور الأبصار ١٦٦ من شعراء الإمام الحسن العسكري صلوات الله عليه.

وكان مجموع شعره غير مرتب على الحروف: رواه عنه المسيبي علي بن عبيد الله ابن المسيب، ومثقال غلام ابن الرومي في مائة ورقة، ورواه عن مثقال أبو الحسن علي بن العصب الملحي، وكتب أحمد بن أبي قسر الكاتب من شعره مائة ورقة، وخالد الكاتب كذلك، فرتبه الصولي على الحروف في مائتي ورقة، جمع شعره أبو الطيب وراق بن عبدوس من جميع النسخ فزاد على كل نسخة مما هو على الحروف وغيرها نحو ألف بيت.

وللخالديين: أبي بكر محمد وأبي عثمان سعيد كتاب في أخبار شعر المترجم (١) وانتخب ابن سينا ديوانه وشرح مشكلات شعره كما في (كشف الظنون) ١ ص ٤٩٨، وعن ابن سينا: أن مما كلفني استادي في الأدب حفظ ديوان ابن الرومي فحفظته مع عدة كتب في ستة أيام ونصف يوما.

ويروي بعض شعره أبو الحسين علي بن جعفر الحمداني، وإسماعيل بن علي الخزاعي، وأبو الحسن جحظة الذي مدحه ابن الرومي بقصيدة توجد في ديوانه ١٦٨.

تجد ذكره والثناء عليه في فهرست ابن النديم ٢٣٥، تاريخ بغداد ١٢ ص ٢٣، معجم الشعراء ٢٨٩، ٤٥٣، أمالي الشريف المرتضى ٢ ص ١٠١، مروج الذهب ٢ ص ٤٩٥، العمدة لابن رشيق ١ ص ٥٦، ٦١، ٩١، معالم العلماء لابن شهر آشوب، وفيات الأعيان ١ ص ٣٨٥، مرآة الجنان لليافعي ٢ ص ١٩٨، شذرات الذهب ٢ ص ١٨٨، معاهد التنصيص ١ ص ٣٨، كشف الظنون ١ ص ٤٩٨، روضات الجنات ٤٧٣، نسمة السحر فيمن تشيع وشعر، دائرة المعارف للبستاني ١ ص ٤٩٤، دائرة المعارف الإسلامية

(١) راجع فهرست ابن النديم ص ٢٣٥ و ٢٤١.
٣
١ ص ١٨١، الأعلام للزركلي ٢ ص ٦٧٥، الشيعة وفنون الاسلام ١٠٥، مجلة الهدى العراقية الجزء السادس ص ٢٢٣ - ٢٢٧.

وعني بجمع آثاره وكتابة أخباره وروايتها جمع منهم:

١ - أبو العباس أحمد بن محمد بن عبيد الله بن عمار المتوفى ٣١٩، قال ابن المسيب لما مات ابن الرومي عمل كتابا (١) في تفضيله ومختار شعره وجلس يمليه على الناس.

كما في فهرست ابن النديم ٢١٢، ومعجم الأدباء ١ ص ٢٢٧.

٢ - أبو عثمان الناجم، ترجمه في كتاب مقصور عليه.

٣ أبو الحسن علي بن عباس النوبختي المتوفى ٣٢٧، جمع أخباره في كتاب مفرد كما في معجم المرزباني ٢٩٥، ومعجم الأدباء ٢٢٩٥.

وأفرد من كتاب المتأخرين الأستاذ عباس محمود العقاد كتابا في ترجمته في ٣٩٢ صفحة ونحن نأخذ منه ما هو المهم ملخصا بلفظه قال:

قد أدرك ابن الرومي في حياته ثمانية خلفاءهم: الواثق. المتوكل. المنتصر.

المستعين. المعتز. المهتدي. المعتمد. المعتضد المتوفى بعد ابن الرومي.

أثنى عليه العميدي صاحب (الابانة) وابن رشيق صاحب (العمدة) وقال: أكثر المولدين اختراعا وتوليدا فيما يقول الحذاق: أبو تمام وابن الرومي. وأطراه ابن سعيد المغربي المتوفى ٦٧٣ في كتابه: عنوان المرقصات والمطربات.

ويظهر أن أبا عثمان سعيد بن هاشم الخالدي من أدباء القرن الرابع توسع في ترجمته إما في كتابه: حماسة المحدثين. أو في كتاب مقصور عليه. ولكن أخباره هذه ذهبت كلها ولم تبق منها أثر إلا متفرقات في الكتب لا تفني في ترجمة وافية ولا شبيهة بالوافية فنحن ننقلها كما هي:

ولد يوم الأربعاء بعد طلوع الفجر لليلتين خلتا من رجب ٢٢١ ببغداد في الموضع المعروف بالعقيقة (٢) ودرب الختلية في دار بإزاء قصر عيسى بن جعفر بن منصور (٣).

(١) ينقل الحموي عنه ترجمة أحمد بن محمد بن عمار في معجم الأدباء.

(٢) في معجم الشعراء: في الجانب الغربي بالعتيقة. وهذا هو الصحيح.

(٣) أخذه من أبي عثمان الخالدي.

٤
كان ابن الرومي مولى لعبد الله بن عيسى ولا يشك أنه رومي الأصل فإنه يذكره ويؤكده في مواضع من ديوانه واسم جده مع هذا: جريح. أو: جرجيس.

اسم يوناني لا شبهة فيه، فلا ينبغي الالتفات إلى من قال: إنه سمي بابن الرومي لجماله في صباه

وكان أبوه صديقا لبعض العلماء والأدباء منهم: محمد بن حبيب الرواية الضليع في اللغة والأنساب، فكان الشاعر يختلف إليه لهذه الصداقة، وكان محمد بن حبيب يخصه لما يراه من ذكاءه وحدة ذهنه، وحدت الشاعر عنه فقال: إنه كان إذا مر به شئ يستغربه ويستجيده يقول لي: يا أبا الحسن ضع هذا في تامورك.

وقد علمنا أن أمه كانت فارسية من قوله: الفرس خؤلي والروم أعمامي. وقوله:

فلم يلدني أبو السواس ساسان. بعد أن رفع نسبه إلى يونان من جهة أبيه، وربما كانت أمه من أصل فارسي ولم تكن فارسية قحا لأبيها وأمها وهذا هو الأرجح لأن علمه بالفارسية لم يكن علم رجل نشأ في حجر أم تتكلم هذه اللغة ولا تحسن الكلام بغيرها، وماتت أمه وهو كهل أو مكتهل كما يقول في رثائها:

أقول: وقد قالوا: أتبكي لفاقد * رضاعا وأين الكهل من راضع الحلم؟!
هي الأم يا للناس جزعت فقدها * ومن يبك أما لم تذم قط لا يذم

وكانت أمه تقية صالحة رحيمة كما يؤخذ من أبياته في رثائها.

* (قال الأميني) *:

أمه حسنة بنت عبد الله السجزي كما في معجم المرزباني، وسجز بلدة من بلاد الفرس من أرباض خراسان فهي فارسية قح.

أخوه وشقيقه محمد المكنى بأبي جعفر وهو أكبر من المترجم وتوفي قبله وكان تتفجع بذكراه ورثاه، ومات أخوه وهو يعمل في خدمة عبيد الله بن عبد الله بن طاهر أحد أركان بيت بني طاهر، ويظهر من ديوان المترجم إنه كان أديبا كاتبا أيضا.

ولم يبق لابن الرومي بعد موت أخيه أحد يعول عليه من أهله أو من يحسبون في حكم أهله إلا أناس من مواليه الهاشميين العباسيين كانوا يبرونه حينا ويتناسونه أحيانا، و كان لعهد الهاشميين الطالبيين أحفظ منه لعهد الهاشميين العباسيين كما يظهر مما يلي.

أما ابن عمه الذي أشار إليه في قوله:

٥
لي ابن عم يجر الشر مجتهدا * إلي قدما ولا يصلي له نارا
يجني فاصلي بما يجني فيخذلني * وكلما كان زندا كنت مسعارا

فلا ندري أهو ابن عم لح؟! أو ابن عم كلالة؟! ومبلغ ما بينهما من صلة المودة ظاهر من البيتين.

أولاده

رزق ابن الرومي ثلاثة أبناء وهم: هبة الله. محمد. وثالث لم يذكر اسمه في ديوانه. ماتوا جميعا في طفولتهم ورثاهم بأبلغ وأفجع ما رثى به والد أبناءه، وقد سبق الموت إلى أوسطهم محمد فرثاه بدالية مشهورة يقول فيها:

توخى حمام الموت أوسط صبيتي * فلله كيف أختار واسطة العقد؟!
على حين شمت الخير في لمحاته * وآنست من أفعاله آية الرشد

ومنها في وصف مرضه:

لقد قل بين المهد واللحد لبثه * فلم ينس عهد المهد أو ضم في اللحد
ألح عليه النزف حتى أحاله * إلى صفرة الجادي (١) عن حمرة الورد
وظل على الأيدي تساقط نفسه * ويذوي كما يذوي القضيب من الرند (٢)

ويذكر فيها أخويه الآخرين:

محمد؟ ما شيئ توهم سلوة * لقلبي إلا زاد قلبي من الوجد
أرى أخويك الباقيين كليهما * يكونان للأحزان أورى من الزند
إذا لعبا في ملعب لك لذعا * فؤادي بمثل النار عن غير ما عمد
فما فيهما لي سلوة بل حزازة * يهيجانها دوني وأشقى بها وحدي

أما ابنه هبة الله فقد ناهز الشباب على ما يفهم من قوله في رثاءه.

يا حسرتا فارقتني فننا * غضا ولم يثمر لي الفنن
ابني؟ إنك والعزاء معا * بالأمس لف عليكما كفن

(١) الجادي: الزعفران.

م (٢) يذوى من ذوى النبات وذوى: ذبل ونشف ماؤه. الرند: نبات من شجر البادية طيب الرائحة يشبه الآس).

٦
وفي الديوان أبيات يرثي بها ابنا لم يذكر اسمه وهي:

حماه الكرى هم سرى فتأوبا * فبات يراعي النجم حتى تصوبا
أعيني جودا لي فقد جدت للثرى * بأكثر مما تمنعان وأطيبا
بني الذي أهديته أمس للثرى * فلله ما أقوى قناتي وأصلبا
فإن تمنعاني الدمع أرجع إلى أسى * إذا فترت عنه الدموع تلهبا

وهي على الأرجح رثاؤه لأصغر أبناءه الذي لم يذكر اسمه ولا ندري هل مات قبل أخيه أو بعده؟!؟! ولكن يخيل إلينا من المقابلة بين هذه المراثي أن الأبيات البائية كانت آخر ما رثى به ولدا لأنها تنم عن فجيعة رجل راضه الحزن على فقد البنين حتى جمدت عيناه ولم يبق عنده من البكاء إلا الأسى الملتهب في الضلوع، وإلا العجب من أن يكون قد عاش وصلبت قناته لكل هذه الفجايع، وقد كان رثاؤه لابنه الأوسط صرخة الضربة الأولى، ففيها ثورة لاعجة تحس من خلل الأبيات، ثم حل الألم المرير محل الألم السوار في مصيبته الثانية، فوجم وسكن واستعبر، ثم كانت الخاتمة فهو مستسلم يعجب للحزن كيف لم يقض عليه، ويحس وقدة المصاب في نفسه ولا يحسه في عينيه، ولقد غشيت غبرة الموت حياته كلها، وماتت زوجته بعد موت أبنائه جميعا فتمت بها مصائبه وكبر عليه الأمر. إلخ

تعليمه

ذلك كل ما استطعنا أن نجمعه من الأخبار النافعة عن نشأة الشاعر وأهله ولا فائدة من البحث في المصادر التي بين أيدينا عن أيام صباه وتعليمه ومن حضر عليهم و تتلمذ لهم من العلماء والرواة فإن هذه المصادر خلو مما يفيد في هذا المقام إلا ما جاء عرضا في الجزء السادس من (الأغاني) حيث يروي ابن الرومي عن أبي العباس ثعلب عن حماد بن المبارك عن الحسين بن الضحاك. وحيث يروي في موضع آخر عن قتيبة عن عمر السكوني بالكوفة عن أبيه عن الحسين بن الضحاك، فيصح أن تكون الرواية هنا رواية تلميذ عن أستاذ، لأن ثعلبا ولد سنة مائتين فهو أكبر من الشاعر بإحدى و عشرين سنة، أما قتيبة (والمفهوم أنه أبو رجاء قتيبة بن سعيد بن جميل الثقفي المحدث العالم المشهور) فجائز أن يكون ممن أملوا عليه وعلموه لأنه مات وابن الرومي

٧
يناهز العشرين.

وقد مر بنا أنه كان يختلف إلى محمد بن حبيب الراوية النسابة الكبير، وسنرى هنا أنه كان يرجع إليه في بعض مفرداته اللغوية فيذكر شرحها في ديوانه معتمدا عليه قال بعد قوله:

وأصدق المدح مدح ذي حسد * ملاءن من بغضه ومن شنف

قال لي محمد بن حبيب: الشنف ما ظهر من البغضة في العينين وأشار إليه بعد بيت آخر وهو:

بانوا فبان جميل الصبر بعدهم * فللدموع من العينين عينان

إذا فسر كلمة (عينان) فروى عن ابن حبيب أنه قال: عان الماء يعين عينا وعينانا إذا ساح. فهؤلاء ثلاثة من أساتذة ابن الرومي على هذا الاعتبار ولا علم لنا بغيرهم فيما راجعناه وحسبنا مع هذا أن الرجل كيفما كان تعليمه وأيا كان معلموه قد نشأ على نصيب واف من علوم عصره، وساهم في القديم والحديث منها بقسط وافر في شعره فلو لم يقل المعري: إنه كان يتعاطى الفلسفة. والمسعودي: إن الشعر كان أقل آلاته.

لعلمنا ذلك من شواهد شتى في كلامه، فهي هناك كثيرة متكررة لا يلم المتصفح ببعضها إلا جزم باطلاع قائلها على الفلسفة ومصاحبة أهلها واشتغاله بها، حتى سرت في أسلوبه وتفكيره، وما كان متعلم الفلسفة في تلك الأيام يصنع أكثر من ذلك ليتعلمها أو ليعد من متعلميها، فأنت لا تقرأ لرجل غير مشتغل أو ملم بالفلسفة والقياس المنطقي والنجوم كلاما كهذا الكلام

لما تؤذن الدنيا به من صروفها * يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وأنها * لأرحب مما كان فيه وأرغد؟!

وذكر شواهد كثيرة على إلمامه بالعلوم ومعرفته بمصطلحاتها غضضنا الطرف عنها اختصارا.

رسائل ابن الرومي

وقد وردت في أبياته الهمزية إشارة إلى حذقه في الكتابة ومشاركته في البلاغة المنثورة تعززها إشارة مثلها في هذا البيت:

٨
ألم تجدوني آل وهب لمدحكم * بشعري ونثري أخطلا ثم جاحضا؟!

فلا بد أنه كان يكتب ويمارس الصناعة النثرية إلا ما استجمعناه من منثوراته لا يعدو نبذا معدودة موجزة، منها: رسالة إلى القاسم بن عبيد الله يقول فيها متنصلا ١ ترفع عن ظلمي إن كنت بريئا، وتفضل بالعفو إن كنت مسيئا، فوالله إني لأطالب عفو ذنب لم أجنه، وألتمس الاقالة مما لا أعرفه، لتزداد تطولا وازداد تذللا، وأنا أعيذ حالي عندك بكرمك من واش يكيدها، وأحرسها بوفاءك من باغ يحاول إفسادها، وأسأل الله تعالى أن يجعل حظي منك بقدر ودي لك ومحلي من رجائك بحيث أستحق منك. والسلام.

٢ رسالة كتبها يعود صديقا: أذن الله في شفائك، وتلقى داءك بدوائك، ومسح بيد العافية عليك، ووجه وفد السلامة إليك، وجعل علتك ماحية لذنوبك، مضاعفة لثوابك.

٣ كتب إلى صديق له قدم من (سيراف) (١) فأهدى إلى جماعة من إخوانه ونسيه: أطال الله بقاءك وأدام عزك وسعادتك وجعلني فداءك، لولا أنني في حيرة من أمري وشغل من فكري لما افترقنا، وشوقي علم الله فغالب، وظمأي فشديد، وإلى الله الرغبة في أن يجعل القدرة على اللقاء حسب المحبة أنه قادر جواد.

ومكاننا من جميل رأيك أيدك الله يبعثنا على تقاضي حقوقنا قبلك، وكريم سجاياك وأخلاقك يشجعنا على إمضاء العزم في ذلك، وما تطولت به من الايناس يؤنسنا بك و يبسطنا إليك، وآثار يديك تدلنا عليك، وتشهد لنا بسماحتك، والله يطيل بقاءك و يديم لنا فيك وبك السعادة.

وبلغني أدام الله عزك أن سحائب تفضلك أمطرت منذ أيام مطرا عم إخوانك بهدايا مشتملة على حسن وطيب، فأنكرت على عدلك وفضلك خروجي منها مع دخولي في جملة من يعتدك ويعتقدك وينحوك ويعتمدك، وسبق إلى قلبي من ألم سوء الظن برأيك أضعاف ما سبق إليه من الألم بفوت الحظ من لطفك، فرأيت مداوات قلبي من ظنه، وقلبك من سهوه، واستبقاء الود بيننا بالعتاب الذي يقول فيه القائل: (ويبقى

(١) سيراف: مدينة جليلة على ساحل بحر فارس، منها إلى شيراز ستون فرسخا.

٩
الود ما بقي العتاب) وفيما عاتبت كفاية عند من له أذنك الواعية وعينك الراعية.

٤ وقال في تفضيل النرجس على الورد: النرجس يشبه الأعين والمضاحك، والورد يشبه الخدود، والأعين والمضاحك أشرف من الخدود، وشبيه الأشرف أشرف من شبيه الأدنى، والورد صفة لأنه لون والنرجس يضارعه في هذا الاسم، لأن النرجس هو الريحان الوارد أعني أنه أبدا في الماء، والورد خجل، والنرجس مبتسم، وانظر أدناهما شبها بالعيون فهو أفضل.

هذه نماذج من منثوراته لا نعرف غيرها فيما بين أيدينا، وخليق بمن يكتب بهذا الأسلوب أن يعد في بلغاء الكتاب وإن لم يعد في أبلغهم، على أن ابن الرومي لم يكن يحسب نفسه إلا مع الشعراء إذا اختلفت الطوائف، فإنه يقول عن نفسه وهو يمدح أبا الحسين كاتب ابن أبي الإصبع:

ونحن معاشر الشعراء تنمى * إلى نسب من الكتاب دان
وإن كانوا أحق بكل فضل * وأبلغ باللسان وبالبيان
أبونا عند نسبتنا أبوهم * عطارد السماوي المكان

أما حظه من علوم العربية والدين فمن المفضول أن نتعرض لإحصاء الشواهد عليه في كلامه، لأنه أبين من أن يحتاج إلى تبيين. وندر في قصائده المطولة أو الموجزة قصيدة تقرأها ولا تخرج منها وأنت موقن باستبحار ناظمها في اللغة وإحاطته الواسعة بغريب مفرداتها وأوزان اشتقاقها وتصريفها وموقع أمثالها وأسماء مشاهرها، وما يصحب ذلك من أحكام في الدين ومقتبسات من أدب القرآن، فليس في شعر العربية من تبدو هذه الشواهد في كلامه بهذه الغزارة والدقة غير شاعرين اثنين: أحد هما صاحبنا والثاني المعري، وقد كان يمدح الرؤساء والأدباء أمثال عبيد الله بن عبد الله، وعلي بن يحيى، وإسماعيل بن بلبل فيفسر غريب كلماته في القرطاس الذي يثبت فيه قصايده كأنه كان يشفق أن تفوتهم دقايق لفظه وأسرار لغته ثم يعود إلى الاعتذار من ذلك إذا أنس منهم الجفوة والتغير.

لم أفسر غريبها لك لكن * لامرئ يجهل الغريب سواكا
لغيرك لا لك التفسير أنى * يفسر لابن بجدتها الغريب

١٠
وكانوا لشهرته باللغة وعلم أسرارها ولطيف نكاتها يختلقون له الكلمات النافرة يسألونه عنها ليعبثوا به أو يعجزوه، وقصة (الجرامض) إحدى هذه المعابثات التي تدل على غيرها من قبيلها، فقد سأله بعضهم في مجلس القاسم بن عبيد الله: ما الجرامض؟!

فارتجل مجيبا:

وسألت عن خبر الجرامض * طالبا علم الجرامض
وهو الخزا كل والغوامض * قد تفسر بالغوامض
وهو السلجكل شئت إذ * لك أم أبيت بفرض فارض

وكلها كلمات من مادة الجرامض لا معنى لها ولا وجود، وإذا صح استقراؤنا وكان من أساتذته أمثال ثعلب وقتيبة فضلا عن الأستاذية الثابتة لابن حبيب فلا جرم يصير ذلك علمه بالغريب والأنساب والأخبار، هؤلاء كلهم من نخبة النخبة في هذه المطالب، ولا سيما إذا أعانهم تلميذ ذو فطنة متوقدة الفهم وذاكرة سريعة الحفظ كهذا التلميذ، فقد مر بك أنه كان يحفظ الأبيات الخمسة من قراءة واحدة فهب في الرواية بعض مبالغة التي تتعرض لها أمثال هذه الروايات فهو بعد سريع الحفظ و هذا مما يعينه على تحصيل اللغة وتعليق المفردات.

عاش ابن الرومي حياته كلها في بغداد لا يفارقها قليلا حتى يعود سريعا وقد نازعه إليها الشوق وغلبه نحوها حنين، وكانت بغداد يومئذ عاصمة الدنيا غير مدافع، و كان صاحب صنيعة ومالك دارين وثراء وتحف موروثة منها قدح زعم أنه كان للرشيد ووصفه في شعره لما أهداه إلى علي بن المنجم يحيى

قدح كان للرشيد اصطفاه * خلف من ذكوره غير خلف
كفم الحب في الحلاوة بل أحلى * وإن كان لا يناغي بحرف
صيغ من جوهر مصفى طباعا * لا علاجا بكيمياء مصف
تنفذ العين فيه حتى تراها * أخطأته من رقة المستشف
كهواه بلا هباء مشوب * بضياء أرقق بذاك وأصف

ثم استوعب الكلام في البحث عن مزاجه وأخلاقه ومعيشته وما كانت تملكه يده وذكرى مطايباته ومفاكهاته وهجاؤه وفشله وطيرته من ص ١٠٢ - ٢٠٣ فشرع

١١
في بيان عقيدته (وهناك مواقع للنظر) وقال:

عقيدته

تقدم في الكلام عن الحالة الدينية في القرن الثالث للهجرة أنه كان عصرا كثرت فيه النحل والمذاهب وقل فيه من لا يرى في العقايد رأيا يفسر به إسلامه و ويخلصه بين جماعة الدارسين وقراء العلوم الحديثة.

فابن الرومي واحد من هؤلاء القراء لا ننتظر أن تمر به هذه المباحث التي كان يدرسها ويحضر مجالسها ويسمع من أهلها بغير أثر محسوس في تفسير العقيدة، فكان مسلما صادق الاسلام، ولكنه كان شيعيا معتزليا قدريا يقول بالطبيعتين، وهي أسلم النحل التي كانت شايعة في عهده من حيث الإيمان بالدين.

وقد قال المعري في رسالة الغفران: إن البغداديين يدعون أنه متشيع و يستشهدون على ذلك بقصيدته الجيمية ثم عقب على ذلك فقال: ما أراه إلا على مذهب غيره من الشعراء.

ولا ندري لماذا شك المعري في تشيعه لأنه على مذهب غيره من الشعراء، فإن الشعراء إذا تشيعوا كانوا شيعة حقا كغيرهم من الناس، وربما أفرطوا فزادوا في ذلك على غيرهم من عامة المتشيعين، وإنما نعتقد أن المعري لم يطلع على شعره كله فخفيت عنه حقيقة مذهبه ولولا ذلك لما كان بهذه الحقيقة من خفاء.

على أن القصيدة الجيمية وحدها كافية في إظهار التشيع الذي لا شك فيه، لأن الشاعر نظمها بغير داع يدعوه إلى نظمها من طمع أو مداراة، بل نظمها وهو يستهدف للخطر الشديد من ناحية بني طاهر وناحية الخلفاء، فقد رثى بها يحيى بن عمر بن الحسين ابن زيد بن علي الثائر في وجه الخلافة ووجه أبناء طاهر ولاة خراسان، وقال فيها يخاطب بني العباس ويذكر (ولاة السوء) من أبناء طاهر:

أجنوا بني العباس من شنآئكم * وأوكوا على ما في العياب وأشرجوا
وخلوا ولاة السوء منكم وغيهم * فأحرى بهم أن يغرقوا حيث لججوا
نظار لكم أن يرجع الحق راجع * إلى أهله يوما فتشجوا كما شجوا
على حين لا عذري لمعتذريكم * ولا لكم من حجة الله مخرج

١٢
فلا تلحقوا الآن الضغاين بينكم * وبينهم إن اللواقح تنتج
غررتم لئن صدقتم أن حالة * تدوم لكم والدهر لونان أخرج
لعل لهم في منطوى الغيب ثائرا * سيسمو لكم والصبح في الليل مولج

فماذا يقول الشيعي لبني العباس أقسى وأصرح في التربص بدولتهم وانتظار دولة العلويين من هذا الكلام؟! فقد أنذر بني العباس بزوال الملك وكاد يتمنى أو تمنى لبني علي يوما يهزمون فيه أعداءهم، ويرجعون فيه حقهم، ويطلبون تراثهم، وينكلون بمن نكل بهم، وهواه ظاهر من العلويين لا مداجاة فيه كهوى كل شيعي في هذا المقام.

على أنه كان أظهر من هذا في النونية التي تمنى فيها هلاك أعدائهم ولام نفسه على التقصير في بذل دمه لنصرتهم:

إن يوالي الدهر أعداء لكم * فلهم فيه كمين قد كمن
خلعوا فيه عذار المعتدي * وغدوا بين اعتراض وأرن
فاصبروا يهلكهم الله لكم * مثل ما أهلك أذواء اليمن
قرب النصر فلا تستبطئوا * قرب النصر يقينا غير ظن
ومن التقصير صوني مهجتي * فعل من أضحى إلى الدنيا ركن
لا دمي يسفك في نصرتكم * لا ولا عرضي فيكم يمتهن
غير أني باذل نفسي وإن * حقن الله دمي فيما حقن
ليت إني غرض من دونكم * ذاك أو درع يقيكم ومجن
أتلقى بجبيني من رمي * وبنحري وبصدري من طعن
إن مبتاع الرضي من ربه * فيكم بالنفس لا يخشى الغبن

وليس يجوز الشك في تشيع من يقول هذا القول ويشعر هذا الشعور، فإنه يعرض نفسه للموت في غير طائل حبا لبني علي وغضبا لهم وإشهارا لهم لعاطفة لا تفيده و لا تفيدهم، وقد كان لا يذكر يحيى بن عمر إلا بلقب الشهيد كما ذكره في القصيدة الجيمية وفي خاطرة أخرى مفردة نظمها في هذين البيتين:

كسته القنا حلة من دم * فأضحت لدى الله من ارجوان
جزته معانقة الدار * عين معانقة القاصرات الحسان

١٣
وبعض هذا يكفي في الدلالة علي تشيعه للطالبيين واتخاذه التشيع مذهبا في الخلافة كمذهب الشعراء أو غير الشعراء ولا سيما التشيع المعتدل الذي يقول أهله بجواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل، ويستنكرون لعن الصحابة الذين عارضوا عليا في الخلافة، ومعظم هؤلاء من الزيدية الذين خرجوا في جند يحيى بن عمر لقتال بني العباس، فهم لا يقولون في نصرة آل علي أشد مما قال ابن الرومي، ولا يتمنون لهم أكثر مما تمناه.

ويلوح لنا أن ابن الرومي ورث التشيع وراثة من أمه وأبيه لأن أمه كانت فارسية الأصل فهي أقرب إلى مذهب قومها الفرس في نصرة العلويين، ولأن أباه سماه عليا وهو من أسماء الشيعة المحبوبة التي يتجنبها المتشددون من أنصار الخلفاء، ولا حرج على أبي الشاعر أن يتشيع وهو في خدمة بيت من بيوت العباسيين، لأن مواليه كانوا أناسا بعيدين من الخلافة وولاية العهد وهما علة البغضاء الشديدة بين العباسيين والعلويين، وقد اتفق لبعض الخلفاء وولاة العهد أنفسهم أنهم كانوا يكرمون عليا وأبناءه كما كان مشهورا عن (المعتضد) الخليفة الذي أكثر ابن الرومي من مدحه، كما كان مشهورا عن (المنتصر) ولي العهد الذي قيل: إنه قتل أباه (المتوكل) جريرة ملاحاة وقعت بينهما في الذب عن حرمة علي وآله (ثم قال بعد استظهار تشيع بني طاهر ص ٢٠٧ - ٢٠٩):

وإن أحق عقيدة أن يجد المرء فيها لعقيدة تجرؤه إذا خاف، وتبسط له العذر والعزاء إذا سخط من صروف الحوادث، وتمهد له الأمل في مقبل خير من الحاضر، وأدنى منه إلى كشف الظلمات ورد الحقوق، وكل أولئك كان ابن الرومي واجده على أوفاه في التشيع للعلويين أصحاب الإمامة المنتظرة في عالم الغيب على العباسيين أصحاب الحاضر الممقوت المتمنى زواله، فلهذا كان متشيعا في الهوى، متشيعا في الرجاء، وكان على مذهب غيره من الشعراء وعلى مذهب غيره من سائر المتشيعين.

أما الاعتزال فابن الرومي لا يكتمه ولا يماري فيه، بل يظهره إظهار معتز به حريص عليه فمن قوله في ابن حريث.

معتزلي مسر كفر * يبدي ظهورا لها بطون
أأرفض الاعتزال رأيا * كلا لأني به ضنين

١٤
كتاب ابن الرومي وشعره في الغدير للعلامة الأميني (ص ١٥ - ص ٢٨)
١٥
لولا صروف الاختيار لاعنقوا * لهوى كما اتثقت جمال قطار

وقوله:

أنى تكون كذا وأنت مخير * متصرف في النقض والإمرار؟!

وقوله:

الخير مصنوع بصانعه * فمتى صنعت الخير أعقبكا
والشر مفعول بفاعله * فمتى فعلت الشر أعطبكا

إلا أنه كان يقول بالقدر في تقسيم الأرزاق وأن:

الرزق آت بلا مطالبة * سيان مدفوعة ومجتذبه

ويقول:

أما رأيت الفجاج واسعة * والله حيا والرزق مضمونا؟!؟!؟!

* (قال الأميني) *:

هذا في الرزق الذي يطلبك لا في الرزق الذي تطلبه كما فصله الحديث، ولا تناقض عند القدرية في هذا، لأنهم يقولون بالاختيار فيما يعاقب عليه الانسان ويثاب لا فيما يناله من الرزق وحظوظ الحياة أما القول بالطبيعتين فأوضح ما يكون في قوله:

فينا وفيك طبيعة أرضية * تهوي بنا أبدا لشر قرار
هبطت بآدم قبلنا وبزوجه * من جنة الفردوس أفضل دار
فتعوضا الدنيا الدنية كاسمها * من تلكم الجنات والأنهار
بئست لعمر الله تلك طبيعة * حرمت أبانا قرب أكرم جار
واستأسرت ضعفى بنيه بعده * فهم لها أسرى بغير إسار
لكنها مأسورة مقصورة * مقهورة السلطان في الأحرار
فجسومهم من أجلها تهوي بهم * ونفوسهم تسمو سمو النار
لولا منازعة الجسوم نفوسهم * نفزوا بسورتها من الأقطار
أو قصروا فتناولوا بأكفهم * قمر السماء وكل نجم سار

* (قال الأميني) *

لقد عزى الكاتب هاهنا إلى المترجم هنات لا مقيل لها في مستوى الحقيقة، ومنشأ ذلك بعده عن علم الأخلاق وعدمه تعقله معنى الشعر، فحبسه

١٦
منافيا للتوحيد الذي جاء به نبي الاسلام، لكن العارف بأساليب الكلام، العالم بما جبل به الانسان من الغرايز المختلفة لا يكاد يشك في صحة معنى الشعر، وهو يعرب عن إلمام ابن الرومي بالأخلاق، والمتكفل لتفصيل هذه الجملة كتب الأخلاق وما يضاهيها، ولخروج البحث عن موضوع الكتاب ضربنا عنه صفحا.

قال: وابن الرومي كان مفطورا على التدين لأنه كان مفطورا على التهيب والاعتماد على نصير، وهما منفذان خفيان من منافذ الإيمان والتصديق بالعناية الكبرى في هذا الوجود، ومن ثم كان مؤمنا بالله خوفا من الشك، مقبلا على التسليم بسيطا في تسليمه بساطة من يهرب من القلق ويؤثر السكينة على أي شئ، وبلغ من بساطته أنه كان ينكر على الحكماء الذين يشكون في حفظ أجساد الأتقياء بعد الموت و يحسبونه من فعل الدواء والحنوط، فقال لابن أبي ناظرة حين تذوق بعض الأجساد ليعلم ما فيها من عوامل البقاء:

يا ذائق الموتى ليعلم هل بقوا * بعد التقادم منهم بدواء
بينت عن رعة وصدق أمانة * لولا اتهامك خالق الأشياء
أحسبت أن الله ليس بقادر * أن يجعل الأموات كالاحياء؟!
وظننت ما شاهدت من آياته * بلطيفة من حيلة الحكماء؟!

ومات وهو يقول في ساعاته الأخيرة:

ألا أن لقاء الله هول دونه الهول

وما كانت الطير عنده إلا شعبة من ذلك التهيب الديني الغريزي، فهو يتفلسف ويرى الآراء في الدين ولكن في حدود من الشعور لا في حدود من التفكير، ولهذا كان الفنان ولم يكن الفيلسوف.

* (قال الأميني) *:

الطيرة ليست من شعب الدين، ولا يركن إليها أي خاضع له وملأ مسامعه قول الصادع به صلى الله عليه وآله وسلم: لا طيرة ولا حام. وإنما هي بين ضعف النفس غير المتقوية بنور اليقين والتوكل على الله في ورد وصدر، ولذا كانت شايعة في الجاهلية ونفاها الاسلام.

قال: وليس من الاجتراء أنه قال بالاختيار ورأى له في الدين رأيا غير ما اصطلح

١٧
عليه السواد فإنه كان يحيل الذنب على الانسان وينفي الظلم عن القدر في العقاب و الثواب، ويتصور الله على أحسن ما يتصور المتفلسف مثله إلهه؟؟، فكأنما جاءه هذا الرأي من محاباة عالم الغيب لا من الاجتراء عليه، وإنما دفع به إلى رأي المعتزلة مخاوف الشكوك التي كانت تخامره، فلا يستريح حتى يسكن فيها إلى قرار، وينتهي فيها إلى بر الأمان، ولذلك كان يأوي إلى الأصدقاء يكاشفهم بما في صدره ويستعين بهم على تفريج غمته.

ويدمج أسباب المودة بيننا * مودتنا الأبرار من آل هاشم
وإخلاصنا التوحيد لله وحده * وتذييبنا؟؟ عن دينه في المقاوم
بمعرفة لا يقرع الشك بابها * ولا طعن ذي طعن عليها بهاجم
وأعمالنا التفكير في كل شبهة * بها حجة تعيي دهاة التراجم
يبيت كلانا في رضى الله ماحضا * لحجته صدرا كثير الهماهم

بيد أن الإيمان شئ وأداء الفرايض الدينية شئ آخر، فقصارى الإيمان عنده أنه يؤمنه بقرب آل البيت وتنزيه ربه والاطمينان إلى عدله ورحمته، ثم يدع له سبيله يلعب ويمرح كلما لذ له اللعب والمرح، ولا أهلا بالصيام إذا قطع عليه ما اشتهى من لذة وأرب.

فلا أهلا بمانع كل خير * وأهلا بالطعام وبالشراب

بل لا حرج عليه إذا قضى ليلة في السرور أن يشبهها بليلة المعراج.

رفعتنا السعود فيها إلى الفوز * فكانت كليلة المعراج

ذلك أنه كان في تقواه طوع الاحساس الحاضر، كما كان في كل حالة من حالاته يلعب، فلا يبالي أن يتماجن حيث لا يليق مجون، ويستحضر التقوى والخشوع فلا يباريه أحد من المتعبدين، ويخيل إليك أنك تستمع إلى متعبد عاش عمره في الصوامع حين تستمع إليه يقول:

تتجافى جنوبهم * عن وطئ المضاجع
كلهم بين خائف * مستجير وطامع
تركوا لذة الكرى * للعيون الهواجع
ورعوا أنجم الدجى * طالعا بعد طالع

١٨
لو تراهم إذا هم * خطروا بالأصابع
وإذا هم تأوهوا * عند مر القوارع
وإذا باشروا الثرى * بالخدود الضوارع
واستهلت عيونهم * فائضات المدامع
ودعوا: يا مليكنا * يا جميل الصنائع
اعف عنا ذنوبنا * للوجوه الخواشع
اعف عنا ذنوبنا * للعيون الدوامع
أنت إن لم يكن لنا * شافع خير شافع
فأجيبوا إجابة * لم تقع في المسامع
: ليس ما تصنعونه * أوليائي بضائع
أبذلوا لي نفوسكم * إنها في ودائعي

وله من طراز هذا الشعر الخاشع كثير لا تسمعه من ابن الفارض ولا محيي الدين

* (قال الأميني) *

ليس ما ارتئاه ابن الرومي في باب الاختيار نتيجة مخامرة الشبه والشكوك كما يراه (المترجم) وإنما هي وليدة البرهنة الصادقة، وإنه لم يعط القدر حقه محاباة له، لكن الحجج الدامغة ألجأته إلى ذلك، وكذلك ما يقوله في باب الأرزاق فهي تقادير محضة غير أن الانسان كلف بتحري الأسباب الظاهرية جريا على النواميس الإلهية؟؟ المطردة في النظام العالمي الأتم، وهذه مسائل كلامية لا يروقنا الخوض فيها إلا هنالك.

وأما اعتماد ابن الرومي على العدل والرحمة وتنزيه ربه فهو شأن كل مؤمن بالله عارف بكمال قدسه وصفاته الجلالية، وليس قرب أهل البيت الطاهر عليهم السلام إلا نتيجة مودتهم التي هي أجر الرسالة بنص من الذكر الحكيم، وإنما مثلهم كمثل سفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق، وهم عدل الكتاب وقد خلفهما رسول الله صلى الله عليه وآله بعده وقال: ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، فأحر بهم أن يكون القرب منهم مؤمنا للانسان نشأته الأخرى، وأما ما عزاه إليه من مظاهر من المجون فهي معان شعرية لا يؤاخذ بها القائل، وكم للشعراء الاعفاء أمثالها.

١٩

هجاؤه

أخرج القرن الثالث للهجرة شاعرين هجائين هما أشهر الهجائين في أدب العصور الإسلامية عامة: أحدهما ابن الرومي. والآخر دعبل الخزاعي هاجي الخلفاء و الأمراء وهاجي الناس جميعا؟؟ وقال:

إني لأفتح عيني حين أفتحها * على كثير ولكن لا أرى أحدا

وقد جمع المعري بينهما في بيت واحد وضرب بهما المثل لهجاء الدهر لبنيه فقال:

لو أنصف الدهر هجا أهله * كأنه الرومي أو دعبل

وليس للمؤرخ الحديث أن يضيف إسما جديدا إلى هذين الاسمين فإن العصور التالية للقرن الثالث لم تخرج من يضارعهما في قوة الهجاء والنفاذ في هذه الصناعة، و كلاهما مع هذا نوع فذ في الهجاء يظهر متى قرن بالآخر.

فدعبل كما قلنا في غير هذا الكتاب (لا يهمنا ما ذكره في دعبل).

أما ابن الرومي فلم يكن مطبوعا على النفرة من الناس، ولم يكن قاطع طريق على المجتمع في عالم الأدب، ولكنه كان فنانا بارعا أوتي ملكة التصوير ولطف التخيل والتوليد وبراعة اللعب بالمعاني والأشكال، فإذا قصد شخصا أو شيئا بهجاء صوب إليه (مصورته) الواعية فإذا ذلك الشئ صورة مهيأة في الشعر تهجو نفسها بنفسها، وتعرض للنظر مواطن النقص من صفحتها كما تنطبع؟؟ الأشكال في المرايا المعقوفة والمحدبة، فكل هجوه تصوير مستحضر لأشكاله، أو لعب بالمعاني على حساب من يستثيره.

وابن الرومي يسلب مهجوه الفطنة والكياسة والعلم ويلصق به كل عيوب الحضارة التي يجمعها التبذل والتهالك على اللذات، فإذا حذفت من هجوه كل ما أوجبته الحضارة والخلاعة الفاشية في تلك الحضارة فقد حذفت منه شر ما فيه ولم يبق منه إلا ما هو من قبيل الفكاهة والتصوير.

وكان لصاحبنا فنا واحدا من الهجاء لا ترتاب في أنه كان يختاره ويكثر منه ولو لم تحمله الحاجة وتلجأه النقمة إليه، ونعني به فن التصوير الهزلي والعبث بالإشكال المضحكة والمناظرة الفكاهية والمشابهات الدقيقة، فهو مطبوع على هذا كما يطبع المصور على نقل ما يراه وإعطاء التصوير حقه من الاتقان والاختراع، و

٢٠