×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الحياة السياسية للإمام الحسن (ع) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

قال تعالى: (إنَّ مَثَلَ عيسَى عِنْدَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ. الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، فَلاَ تَكُنْ مِنَ المُمْتَرينَ. فَمَنْ حاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ العِلمِ، فَقُلْ: تَعَالُوا، نَدْعُ أَبنَاءَنَا وَأَبْنَاءكُمْ، وُنِسَاءنَا وِنسَاءكُمْ، وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ، ثمَّ نَبتَهِل، فَنَجعل لَعنَةَ اللهِ عَلَى الكاذِبين) (١).

فلما رجعوا الى منازلهم قال رؤساؤهم، السيد، والعاقب، والأهتم: إن باهلنا بقومه باهلناه: فإنه ليس نبياً، وإن باهلنا بأهل بيته خاصة لم نباهله، فإنه لايُقدِمُ الى أهل بيته إلا وهو صادق.

وفي اليوم المحدد خرج إليهم الرسول (صلى الله عليه وآله) ومعه علي، وفاطمة، والحسنان (عليهم السلام)، فسألوا عنهم، فقيل لهم: هذا ابن عمه، ووصيه، وختنه علي بن أبي طالب، وهذه ابيته فاطمة، وهذان ابناه الحسن والحسين، ففرِقوا: فقالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله): نعطيك الرضا فاعفنا من المباهلة. فصالحهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الجزية، وانصرفوا..

هذه خلاصة ما ذكره القمي رحمه الله في تفسيره.

وفي بعض النصوص أنهم قالوا له: لم لا تباهلنا بأهل الكرامة والكبر، وأهل الشارة ممن أمن بك واتبعك؟! فقا (صلى الله عليه وآله): أجل، أباهلكم بهؤلاء خير أهل الأرض، وأفضل الخلق.

ثم تذكر الرواية قول الأسقف لأصحابه: «أرى وجوهاً لو سأل الله بها أحد أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله.. إلى أن قال: أفلا ترون الشمس قد تغير لونها، والأفق تنجع فيه السحب الداكنة، والريح تهب هائجة سوداء، حمراء، وهذه الجبال يتصاعد منها الدخان؟! لقد أطلَّ علينا العذاب! انظروا إلى الطير وهي تقيء حواصلها، وإلى الشجر كيف يتساقط أوراقها،

<=

إذا كان إلحاح.

(١) آل عمران: ٥٩ ـ ٦١.

٢١
والى هذه الأرض ترجف تحت أقدامنا» (١).

(١) راجع تفسير القمي ج ١ ص ١٠٤ وحياة الحسن (عليه السلام) للقرشي ج ١ ص ٤٩ ٥١.. وقد روى قضية المباهلة بأهل الكساء بالاختصار تارة، وبالتفصيل اخرى جم غفير من الحفاظ والمفسرين.

ونذكر على سبيل المثال منهم هنا: تفسير العياشي ج ١ ص ١٧٦ و ١٧٧، ومجمع البيان ج٢ ص ٤٥٢ و ٤٥٣، وتفسير ابن كثير ج ١ ص ٣٧٠ و ٣٧١ وتفسير الطبري (جامع البيان) ج ٣ ص ٢١١ و ٢١٣ و ٢١٢ وفيه: «حدثنا جرير: قال فقلت للمغيرة: إن الناس يروون في حديث أهل نجران: ان علياً كان معهم. فقال: اما الشعبي فلم يذكره، فلا أدري: لسوء رأي بني أمنة في علي، او لم يكن في الحديث؟» ونقول له: الصحيح هو الأول: لأن ذكره في الحديث متواتر ولاشك، كما رأينا، سنرى.. وراجع ايضاً تفسير النيسابوري (بهامش جامع البيان) ج ٣ ص ٢١٣ و ٢١٤ وتفسير الرازي ج ٨ ص ٨٠ وبعد ذكره حديث عائشة في المباهلة بأهل البيت (عليهم السلام)، وأنه (صلى الله عليه وآله) جعل حينئذٍ الجميع تحت المرط الأسود، حيث قرأ آية التطهير قال الرازي: «وهذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث». والتفسير الحديث لمحمد عزت دروزة ج ٨ ص ١٠٨ عن التاج الجامع للأصول ج ٣ ص ٢٩٦ عن مسلم والترمذي. والكشاف للزمخشري ج ١ ص ٣٦٨ ـ ٣٧٠، والإرشاد للمفيد ص ٩٧، والصواعق المحرقة ص ١٥٣ و ١٥٤ وأسباب النزول للواحدي ص ٥٨ و ٥٩، وصحيح مسلم ج ٧ ص ١٢٠/١٢١ والبداية والنهاية ج ٥ ص ٥٤ وحياة الصحابة ج ٢ ص ٤٩٢ و ج ١/١٣٠ وصحيح الترمذي ج ٥ ص ٦٣٨، والمناقب لابن شهر اشوب ج ٣ ص ٣٧٠ و ٣٦٨ و ٣٦٩ عن كثيرين جداً، وينابيع المودة ص ٥٢ و ٢٣٢ وعن ص ٤٧٩ ودلائل النبوة لأبي نعيم ص ٢٩٨/٢٩٩ وحقائق التأويل للشريف الرضي رحمه الله ص ١١٠ و ١١٢ وفرائد السمطين ج ١ ص ٣٧٨ و ج ٢ ص ٢٣ و ٢٤، وشواهد التنزيل ج ١ ص ١٢٦ و ١٢٤ و ١٢٣ و ج ٢ ص ٢٠ والمسترشد في الإمامة ص ٦٠ وترجمة الإمام علي (عليه السلام) من تاريخ دمشق بتحقيق المحمودي ج ١ ص ٢٠٦ ط ١ و ط ٢ ص ٢٢٥ والمناقب للخوارزمي ص ٥٩ و ٦٠، كشف الغمة للأربلي ج ص ٢٣٢/٢٣٣ والإصابة ج ٢ ص ٥٠٣ ومعرفة علوم الحديث للحاكم ص ٥٠ وتفسير فرات ص ١٥ و ١٤ و ١٦ و ١١٧ وأمالي الشيخ الطوسي ج ٢ ص ١٧٢ و ج ١ ص ٢٦٥ والجوهرة في نسب علي (عليه السلام) وآله ص ٦٩ وذخائر العقبى ص ٢٥ وروضة الواعظين ص ١٦٤ وما نزل من القرآن في أهل البيت لابن الحكم ص ٥٠ والفصول المهمة لابن الصباغ ص ١١٠، ومستدرك الحاكم ج ٣ ص ١٥٠ وأُسد الغابة ج ٤ ص ٢٦ وسنن البيهقي ج ٧ ص ٦٣ ومسند أحمد ج ١

=>

٢٢
كتاب الحياة السياسية للأمام الحسن (ع) للسيد جعفر العاملي (ص ٢٣ - ص ٣٨)
٢٣

وقال الزمخشري: «وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء» (١).

ويلاحظ: أن رواية الشعبي لقضية المباهلة لم تذكر علياً (عليه السلام)، فتحير الراوي في ذلك، وعزا ذلك إما إلى سقط في رواية الشعبي أو لسوء رأي بني أمية في علي (٢) ولاريب في أن الثاني هو الأصوب، حسبما عرفناه وألفناه من أفاعيلهم.

ونحن لا نستطيع في هذه العجالة أن نتعرض لجميع الجوانب التي لابد من بحثها في حديث المباهلة، فإن ذلك يحتاج إلى تأليف مستقل، ولكننا نكتفي هنا بالإشارة إلى الأمور التالية:

الأمر الأول: النموذج الحي:

إن إخراج الحسنين (عليهما السلام) في قضية المباهلة لم يكن بالأمر العادي، أو الإتفاقي.. وإنما كان مرتبطاً بمعان ومداليل هامة، ترتبط بنفس شخصية الحسنين (عليهما السلام)، فقد كانا صلوات الله وسلامه عليهما ذلك المصداق الحقيقي، والمثل الأعلى، والثمرة الفضلى التي يعنى الإسلام بالحفاظ عليها، وتقديمها على أنها النموذج الفذ لصناعته الخلاقة، والبالغة أعلى درجات النضج والكمال.. حتى إنه ليصبح مستعداً لتقديمها على أنها أعز وأغلى ما يمكن أن يقدمه في مقام التدليل على حقانيته وصدقه، بعد أن فشلت سائر الأدلة والبراهين ـ رغم وضوحها، وسطوع نورها، وقاطعيتها لكل عذر ـ في التخفيف من عنت أولئك الحاقدين، وصلفهم، وصدودهم عن الحق الأبلج..

فالنبي (صلى الله عليه وآله) حينما يكون على استعداد للتضحية بنفسه

(١) الكشاف ج١ ص ٣٧٠ وراجع: الصواعق المحرقة ص ١٥٣ عنه، وراجع الإرشاد للمفيد ص ٩٩ وتفسير الميزان ج ٣ ص ٢٣٨.

(٢) راجع: جامع البيان ج ٣ ص ٢١١.

٢٤
وبهؤلاء، الذين يعتبرهم القمة في النضج الرسالي بالإضافة إلى أنهم أقرب الناس إليه، فإنه لا يمكن أن يكون كاذباً ـ والعياذ بالله ـ في دعواه، كما لاحظه نفس رؤساء أولئك الذين جاؤا ليباهلوه، وذلك لأن محبة الأقارب، وإن كنت بحد ذاتها أمراً طبيعياً، وقد تجعل الإنسان على استعداد للتفريط بكل شيء، قبل أن يفكر في التفريط بهم.. إلا أن مما يزيد هذه المحبة ويؤكدها، ويقلل كثيراً من احتمالات التفريط بالأهل والأقارب، بل ويجعل ذلك في عداد المحالات ـ هو أن يكون لذلك القريب، بالإضافة الى عامل القربى النسبية، شخصية متميزة، تملك من المزايا والفضائل والكمالات، ما لا يملكه كل من عداها (١). فإذا كان على استعداد للتضحية بنفسه، وبنوعيات كهذه ـ من أهل بيته ـ فإن ذلك يكون أدل دليل على صدقه، وعلى فنائه المطلق في هذا الدين، وعلى ثقته بما يدعو إليه ـ وليس هدفه هو الدنيا الفانية، وحطامها الزائل..

وهذا بالذات هو ما حصل في قضية المباهلة، التي كان النزاع يدور فيها حول بشرية عيسى عليه الصلاة والسلام، وإبطال ما يقوله النصارى فيه، تمهيداً للتأكيد على صحة الإسلام، وأحقية ما جاء به النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله).

الامر الثاني: التخطيط.. في خدمة الرسالة:

هذا.. ولربما يتصور البعض: ان اعتبارنا هذا الوليد اليافع، وأخاه عليهما الصلاة والسلام ذلك المثل الأعلى، والنموذج الفذ لصناعة الإسلام وخلاقيته.. نابع عن متابعة غير مسؤولة للعواطف والأحاسيس المتأثرة بتعصب مذهبي،

(١) ويرى المحقق العلامة الأحمدي: ان من الممكن ان يكون العباس قد اقتدى بالنبي (صلى الله عليه وآله) حينما أخرج الحسنين للاستسقاء، ومنع عمر من الالتحاق بهم، وقال له: لا تخلط بنا غيرنا ـ وذلك حينما تبرك عمر بهم في هذه القضية راجع: تبرك الصحابة والتابعين ص ٢٨٣ ـ ٢٨٧.

٢٥
أثارته لجاجة الخصوم..

لكن الحقيقة هي عكس ذلك تماماً، فإن ما ذكرناه نابع عن وعي عقائدي سليم، فرضته الأدلة والبراهين، التي تؤكد ـ بشكل قاطع ـ على أن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) كانوا حتى في حال طفولتهم في المستوى الرفيع الذي يؤهلهم لتحمل الأمانة الإلهية وقيادة حكيمة وواعية، كما كان الحال بالنسبة لإمامنا الجواد عليه الصلاة والسلام، وكذلك الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، حيث شاءت الإرادة الإلهية أن يتحملا مسؤولياتهما القيادية في السنين المبكرة من حياتهما.

تماماً كما كان الحال بالنسبة لنبي الله عيسى (عليه السلام)، الذي قال الله تعالى عنه: (فأشارَتْ إِلَيهِ، قَالُوا: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي المَهدِ صَبِيّاً. قَالَ: إنّي عَبْدُ الله، آتَانِيَ الكِتَابَ، وَجَعَلَنِي نَبِيّاً..) الآيات» (١).

وكما كان الحال بالنسبة لنبي الله يحيى عليه الصلاة والسلام، الذي قال الله سبحانه عنه: (يَا يَحيىَ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ، وآتَينَاهُ الحُكمَ صَبِياً) (٢).

نعم.. لقد كان الحسنان (عليهما السلام) حتى في أيام طفولتهما الأولى في المستوى الرفيع من النضج والكمال الإنساني، ويملكان كافة المؤهلات التي تجعلهما محلاً للعناية الإلهية، وأهلاً للأوسمة الكثيرة التي منحهما إياها الإسلام على لسان نبيه الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وتجعلهما قادرين على تحمل المسؤوليات الجسام، حتى لصح إشراكهما في الدعوى، وفي المباهلة لإثباتها.. حسبما أشار إليه العلامة الطباطبائي والمظفر رحمهما الله تعالى، على اعتبار أن قوله تعالى: (فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الكَاذِبين) يراد منه: الكاذبون الذين هم في أحد طرفي المباهلة، وإذا كانت الدعوى، والمباهلة عليها هي بين شخص النبي (صلى الله عليه وآله)، وبين السيد والعاقب والأهتم، فكان ثجب أن يأتي بلفظ صالح للانطباق على المفرد والجمع معاً، كأن يقول:

(١) مريم: ٢٩ ـ ٣٠.

(٢) مريم: ١٢

٢٦
(فنجعل لعنة الله على الكاذب)، أو (على من كان كاذباً) مثلاً.. أما ما ورد في الآية، فيدل على تحقق كاذبين (بوصف الجمع) في كلا الفريقين المتباهلين.

وهذا يعطي: أن الحاضرين للمباهلة شركاء في الدعوى، فإن الكذب لا يكون إلا فيها.. وعليه.. فعليِّ، وفاطمة، والحسنان (عليهم السلام) شركاء في الدعوى، وفي الدعوة إلى المباهلة لإثباتها. وهذامن أفضل المناقب التي خص الله بها أهل بيت نبيه (١).

قال الزمخشري: «وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء»، كما تقدم.

وقال الطبرسي وغيره: «قال ابن أبي علان ـ وهو أحد أئمة المعتزلة ـ: هذا يدل على أن، الحسن والحسين كانا مكلفين في تلك الحال، لأن المباهلة لا تجوز إلا مع البالغين.

وقال أصحابنا: إن صغر السن ونقصانها عن حد البلوغ لا ينافي كمال العقل، وإنما جعل بلوغ الحلم حداً لتعلق الأحكام الشرعية (٢). وقد كان سنهما في تلك الحال سناً لا يمتنع معها أن يكونا كاملي العقل. على أن عندنا يجوز أن يخرق الله العادات للأئمة، ويخصهم بما لا يشاركهم فيه غيرهم، فلو صح أن كمال العقل غير معتاد في تلك السن، لجاز ذلك فيهم: إبانة لهم عمن سواهم، ودلالة على مكانهم من الله تعالى، واختصاصهم. ومما يؤيده من الأخبار قول النبي (صلى الله عليه وآله): «ابناي هذان إمامان، قاما، أو قعدا» (٣).

أضف إلى ما تقدم: أن مما يدل على ما ذكره الطباطبائي والمظفر وغيرهما: نزول سورة هل أتى، في أهل الكساء، ومنهم الحسنان عليهما

(١) راجع: تفيسر الميزان ج ٣ ص ٢٢٤ ودلائل الصدق ج ٣ قسم ١ ص ٨٤..

(٢) ومن الواضح: أنه قد لوحظ في ذلك عامة الناس وغالبهم..

(٣) مجمع البيان ج ٢ ص ٤٥٢ و ٤٥٣ وراجع: المناقب لابن شهر آشوب ج ٣ ص ٣٦٨. وكلام ابن أبي علان موجود في التبيان أيضاً ج ٢ ص ٤٨٥، وراجع الإرشاد للمفيد. وفي البحار للمجلسي بحث حول إيمان علي (عليه السلام)، وهو لم يبلغ الحلم..

٢٧
السلام، ووعد الله تعالى لهم جميعاً بالجنة.

ويؤيد ذلك أيضاً: إشراكهما (عليهما السلام) في بيعة الرضوان، ثم استشهاد الزهراء بهما في قضية نزاعها مع أبي بكر حول فدك (١)، إلى غير ذلك من أقوال ومواقف للنبي صلى عليه وآله وسلم منهما في المناسبات المختلفة..

كما أن ذلك كله ـ كان يتحه نحو إعداد الناس نفسياً ووجدانياً لقبول إمامة الأئمة (عليهم السلام)، حتى وهم صغار السن، كما كان الحال بالنسبة للإمامين: الجواد والمهدي (عليهما السلام).

الأمر الثالث: سياسات لا بد من مواجهتها:

هذا وقد كان ثمة سياسات ومفاهيم منحرفة، لا بد من مواجهتها، والوقوف في وجهها..

ونشير هنا إلى مايلي:

الأول: إن إخراج عنصر المرأة ممثلة بفاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها، والتي تعتبر النموذج الفذ للمرأة المسلمة ـ في أمر ديني ومصيري كهذا. من شأنه أن يضرب ذلك المفهوم الجاهلي البغيض، الذي كان لا يرة للمرأة أية قيمة أو شأن يذكر، بل كانوا يرون فيها مصدر شقاء وبلاء، ومجلبة للعار، ومظنة للخيانة (٢)؛: فلم يكن يتصور أحد منهم: أن يرى المرأة تشارك في مسألة حساسة وفاصلة، بل ومقدسة كهذه المسألة، فضلاً عن أن تعتبر شريكة في الدعوى، وفي الدعوة لإثباتها.

ويرى البعض: أن إخراج الزهراء للمباهلة، دون سائر نسائه (صلى الله عليه وآله)، رغم أن، الآية قد جاءت عامة، حيث عبرت بـ «نساءنا» ومع أن زوجاته

(١) ستأتي بعض المصادر لذلك إن شاء الله تعالى..

(٢) راجع كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، ج ١ ص ٤٥ ـ ٤٧.

٢٨
(صلى الله عليه وآله) من أجلى مصاديق هذا التعبير ـ إن ذلك ـ له مغزى يشبه إلى حد كبير المغزى من إرسال أبي بكر بآيات سورة براءة، ثم عزله، استناداً إلى قول جبرئيل: لا يُبَلِّغُ عنك إلا أنت أو رجل منك!!.

هكذا يقال بالنسبة للعموم في قوله: «وأنفسنا»، ولم يخرج سوى أمير المؤمنين (عليه السلام)، وفي قوله: «وأبناءنا» ولم يخرج سوى الحسنين (عليهما السلام). انتهى.

ونقول:

أولاً: إن بعض نساء النبي (صلى الله عليه وآله) ـ كأم سلمة ـ لم يكنَّ ممن يستحق التعريض بهم.. لأنها كانت من خيرة النساء، ومن فضلياتهنَّ.

إلا ان يقال: إن المقصود: أنه ليس أحد منهن أهلاً لأن يباهل النبي (صلى الله عليه وآله) به سوى فاطمة (عليها السلام).

وثانياً: إن هذا المحقق يريد: أن قوله: «نساءنا» لا يقصد به الزوجات، وإن كان قد أطلق في القرآن عليهن في بعض الموارد. بل المقصود: المرأة المنسوبة إليه، وبنت الرجل تنسب إليه، ويطلق عليها: انها من نسائه.

وعلى هذا نقول: إن ما ذكره هنا يناقض ما ذكره هو نفسه في موضع آخر حيث قال: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قد أخرج فاطمة للمباهلة بعنوان: «المرأة المسلمة من ذوات الازواج، من أهل هذه الدعوة، لا باعتبار أنها من نساء النبي (صلى الله عليه وآله).

وإن كان كلامه هذا الأخير ليس في محله، كما ستأتي الإشارة إليه، ولكنه على أي حال لا ينسجم مع ما ذكره هنا كما قلنا.

الثاني: إن إخراج الحنين (عليهما السلام) إلى المباهلة بعنوان أنهما أبناء الرسول الأكرم، محمد (صلى الله عليه وآله)، مع أنهما ابنا ابنته الصديقة الطاهرة صلوات الله وسلامه عليها.. له دلالة هامة مغزى عميق.. كما سنرى..

٢٩

سؤال وجوابه:

وكننا قبل أن نشير إلى ذلك، والى مغزاه، لا بد من الإجابة على مناقشة طرحها بعض المحققين (١)، مفادها:

أن الآية لا تدل على أكثر من أن المطلوب هو إخراج أبناء أصحاب هذه الدعوة الجديدة، كما يدل عليه قوله: «ابناءنا»، ولم يقل «ابنائي». وليس في الآية ما يدل على لزوم إخراج ابني صاحب الدعوة نفسه، فكون الحسنين ابنين لبعض أصحاب الدعوة كاف في الصدق.. انتهى.

أما نحن فنقول في الجواب:

١ ـ إن الإمام علياً (عليه السلام) قد استدل بهذه الآية يوم الشورى على أن الله سبحانه قد جعله نفس النبي (صلى الله عليه وآله)، وجعل إبنيه إبنيه، ونساءه نساءه.. واحتج بها أيضاً الإمام الكاظم (عليه السلام) على الرشيد، واحتج بها أيضاً يحيى بن يعمر، وكذلك سعيد بن جبير على الحجاج ـ كما سيأتي ـ فلم يكن استدلالهم بأمر تعبدي بحت، وإنما بظهور الآية، الذي لم يجد الخصم سبيلاً إلا التسليم به، والخضوع له..

٢ ـ لو كان المراد مطلق أبناء أصحاب الدعوة، لكان المقصود بأنفسنا مطلق الرجال الذين قبلوا بهذا الدين، وليس ضخص النبي (صلى الله عليه وآله) فقط.. وعليه فقد كان الأنسب أن يقول: «ورجالنا ورجالكم» بدل قوله: «وأنفسنا» أضف إلى ذلك: أن من غير المناسل أن يقصد من الأنفس شخص النبي، ثم يقصد من الأبناء والنساء ابناء ونساء رجال آخرين، إذ الظاهر: أن الأبناء والنساء هم لنفس من أرادهم بقوله: «وأنفسنا»، فلو كان المقصود بأنفسنا شخص النبي، وبأبنائنا أبناء الآخرين، لكان من قبيل قولنا: «إن لم يكن ما أدعيه

(١) هو المحقق البحاثة السيد مهدي الروحاني دام تأييده..

٣٠
صحيحاً فليمت ابن فلان» مثلاً!!..

٣ ـ وبعدكل ما تقدم.. فإن كلمات: «أنفسنا»، و «أبناءنا»، و «نساءنا» كلها جاءت بصيغة الجمع.. فلماذا اقتصر من الأنفس على اثنين، وكذلك من الأبناء، ومن النساء، على واحدة؟! فإن ذلك إنما يدل على مزيد من الخصوصية لهؤلاء الذين أخرجهم بالذات..

ولو كان المقصود مجرد النموذج، فلماذا لم يكتف بواحد واحدٍ من الأنواع الثلاثة؟.

لو كان المقصود تخصيص جماعة بشرف معين، للتعبير عن أنهم وحدهم هم الذين بلغوا الذروة في فنائهم بهذه الدعوة، التي يراد المباهلة من أجلها.

فيصح قولهم: إن هذه الآية تدل على فضيلة لا أعظم منها لأصحاب الكساء. ولا سيما بملاحظة ما تقدم عن العلامتين:

الطباطبائي والمظفر، من أن هؤلاء شركاء في الدعوى، وفي الدعوة للمباهلة لإثباتها..

وهكذا يتضح: أن دعوى: أن الآية لا تدل على أكثر من الأمر بإخراج نموذج من أبناء من اعتنق هذه الدعوة لا يمكن القبول بها، ولا الاعتماد عليها بوجه.

عود على بدء:

كانت تلك هي المناقشة التي أببنا الإشارة إليها، وكان ذلك هو بعض ما يمكن أن يقال في الإجابة عنها..

وبعد ذلك.. فإننا نشير إلى أن إخراج الحسنين (عليهما السلام) في المباهلة، على أنهما ابنان للنبي (صلى الله عليه وآله)، مع أنهما ابنا ابنته، بخيث لا بقى مجال لإنكار ذلك، او للتشكيك فيه، حتى ليعترفون بأن:

«في الآية دلالة على أن الحسن والحسين، وهما إبنا البنت يصح أن يقال:

٣١
إنهما ابنا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأنه وعد أن يدعو أبناءه، ثم جاء بهما»(١).

وظاهر الآية: أن كلمة الأبناء قد أريد منها المعنى الحقيقي، سواء بالنسبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) والمسلمين، أو بالنسبة إلى النصارى والكافرين.

نعم، ان ذلك له دلالات هامة، كما قلنا فقد كان يهدف بالإضافة إلى ما أشير إليه آنفاً.

أولاً: إلى ضرب المفهوم الجاهلي البغيض، القائل بأن أبناء الأبناء هم الأبناء في الحقيقة، دون بني البنات، الأمر الذي ينشأ عنه أن يتعرض الكثيرون لكثير من المشاكل النفسية، والاجتماعية، والاقتصادية، وغيرها. تلك المشاكل الي لا مبرر لها، ولا منطق يساعدها، إلا منطق الجاهلية الجهلاء، والعصبية العمياء..

ولكن مما يؤسف له هو أنه قد أصروا بعده (صلى الله عليه وآله) على الأخذ بذلك المفهوم الجاهلي البغيض، حتى لقد انعكس ذلك على آرائهم الفقهية أيضاً.

ومن ذلك: أنهم قد جعلوا قوله تعالى: (يُوصِيكمُ اللهُ فِي أوْلادِكُمْ لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)(٢) مختصاً بعقب الأبناء، دون من عقبته البنات.

قال ابن كثير: «قالوا: إذا أعطى الرجل بنيه، أو وقف عليهم، فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه وبنو بنيه، «أي دون بني بنته»، واحتجوا بقول الشاعر:


بنونا بنو أبنائنا، وبناتنابنوهن أبناء الرجال الأباعد (٣)

(١) تفسير الرازي ج ٨ ص ٨١، وفتح القدير ج ١ ص ٣٤٧، وتفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري ج ٣ ص ٢١٤ والتبيان ج ٢ ص ٤٨٥ عن أبي بكر الرازي (وهو غير الفخر الرازي)، ومجمع البيان ج ٢ ص ٤٥٢، والغدير ج ٧ ص ١٢٢ عنه، وعن تفسير القرطبي ج ٤ ص ١٠٤.

(٢) سورة النساء الآية: ١١.

(٣) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ١٥٥ والغدير ج ٧ ص ١٢١ عنه.

٣٢
«وقال العيني: هذا البيت استشهد به النحاة على جواز تقديم الخبر، والفرضيون على دخول أبناء الأبناء في الميراث، وأن الانتساب إلى الآباء، والفقهاء كذلك في الوصية، وأهل المعاني والتيان في التشبيه» (١).

ونقل القرطبي: أن الإمام مالك بن أنس هو الذي لا يدخل ولد البنات في الوقف الذي يكون على الولد، وولد الولد (٢).

نعم.. مالك، الذي بلغ من اهتمام العباسيين بأمره: أن أرادوا حمل الناس على العمل بالموطأ بالقوة (٣).

وحينما أخذ المنصور أموال عبد الله بن الحسن، وباعها، وجعلها في بيت مال المدينة «أخذ مالك بن أنس الفقيه رزقه من ذلك المال بعينه اختياراً» (٤).

كما أن المنصور كان إذا أراد أن يولي أحداً على المدينة يستشيره أولاً (٥).

ـ الإمام مالك هذا ـ هو الذي يذهب الرأي يتبناه!!

كما ان محمد بن الحسن الشيباني يقول: إن من أوصى لولد فلان، وله ابن، وولد بنت «إن الوصية لولد الابن، دون ولد البنت» (٦).

نعم لقد ألغى الله سبحانه ذلك المفهوم الجاهلي البغيض، ولكن هؤلاء قد احتفظوا به، حتى حكًّموه في آرائهم الفقهية، وذلك انصياعاً للجو السياسي، وتنفيذاً لمآرب الحكام الذين كانوا ـ سواء منهم الأموميون أو العباسيون ـ يحاولون

(١) الغدير: ج ٧ ص ١٢٢ خزانة الأدب ج ١ ص ٣٠٠.

(٢) الغدير: ج ٧ ص ١٢٣ عن تفسير القرطبي ج ٧ ص ٣١.

(٣) جامع بيان العلم ج ١ ص ١٦٠، والإمام الصادق والمذاهب الأربعة، المجلد الأول ص ١٦٥، وأضواء على السنة المحمدية ص ٢٩٨ عن الانتقاء ص٤١ وعن الشافعي.

(٤) أنساب الأشراف، بتحقيق المحمودي ج ٣ ص ٨٨.

(٥) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، المجلد الأول ص ٤٩٤، ٥٠٤، ٥٠٥، ٥٠٦ و٥٠٧، ١٦٤، ١٦٥.

(٦) حقائق التأويل ص ١١٥.

٣٣
تركيز هذا المفهوم وتثبيته، كما سنرى..

وثانياً: لقد كان لابد من تفويت الفرصة على أولئك الحاقدين والمنحرفين، الذين سوف يستفيدون من ذلك المفهوم الجاهلي لمقاصد سياسية، فيما يتعلق بموضوع الإمامة والخلافة والزعامة بعد رسول (صلى الله عليه وآله)، وبالذات فيما يختص بشخص هؤلاء الذين أخرجهم عليه وآله الصلاة والسلام للمباهلة، وكرمهم في حديث الكساء، وآية التطهير، وغير ذلك مما لا مجال له هنا..

وذلك لأن الذين تصدوا للاستئثار بالأمر بعد النبي محمد (صلى الله عليه وآله) قد احتجوا في السقيفة بأنهم: أولياء النبي (صلى الله عليه وآله)، وعشيرته، وبأنهم عترة النبي، وبأنهم أمسُّ برسول الله (صلى الله عليه وآله) رحماً (١).

وجاء الأمويون أيضاً، واتبعوا نفس الخط، وساروا على نفس الطريق، وكانت الخطط الجهنمية لهؤلاء وأولئك تتجه نحو تضعيف شأن أهل البيت (عليهم السلام)، وعزلهم عن الساحة، بل والقضاء عليهم وتصفيتهم بشكل نهائي: إعلامياً وسياسياً، واجتماعياً، ونفسياً، بل وحتى جسدياً، أيضاً.. وكان رأس الحربة يتجه أولاً وبالذات إلى أولئك الذين طهرهم الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه، وأخرجهم نبيه الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) ليباهل بهم أهل الكفر، واللجاج والعناد..

حيث إن تصفية هؤلاء على النحو الذي قدمناه هو الأصعب، وهو الأهم، وذلك بسبب ما سمعته الأمة من النبي الأكرم صلى عليه وآله وسلم، وبسبب

(١) راجع: نهاية الإرب ج ٨ ص ١٦٨ وعيون الأخبارلابن قتيبة ج ٢ ص ٢٣٣ والعقد الفريد ج ٤ ص ٢٥٨، وتاريخ الطبري ط دار المعارف بمصر ج ٣ ص ٢٢٠ والإمامة والسياسة ج ١ ص ١٤/١٥ ط الحلبي بمصر، وشرح النهج للمعتزلي ج ٦ ص ٧ و ٨ و ٩ و ١١ والأدب في ظل التشيع ص ٢٤ نقلاً عن البيان والتبيين للجاحظ، والإمام الحسين للعلايلي ص ١٨٦ و ١٩٠، وغيرهم، والحياة السياسية للإمام الرضا للمؤلف ص ٥٣ عمن تقدم.

٣٤
ما عرفته من آيات قرآنية نزلت في حقهم وبيان فضلهم.. فضلاً عن كثير من المواقف التي لا يمكن تجاهلها أو على الأقل لا يمكن تشويهها، أو التعتيم عليها بيسرٍ وسهولة..

نعم.. لقد كان الأمويون يحاولون إظهار أنفسهم على أنهم هم دون غيرهم أهل بيت النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، وذوو قرباه.. حتى ليحلف للسفاح عشرة من قواد أهل الشام، وأصحاب الرياسة فيها: أنهم ما كانوا يعرفون إلى ان قُتِل مروان أقرباء للننبي (صلى الله عليه وآله)، ولا أهل بيت يرثونه غير بني أمية (١).

كما أن أروى بنت عبد المطلب تُذكِّر معاوية بهذا الأمر، وتقول له: «ونبينا (صلى الله عليه وآله) هو المنصور، فوليتم علينا من بعده، تحتجون بقرابتكم من رسول الله الخ..»(٢).

ويقول الكميت:


وقالوا: ورثناها، أبانا وأمناولا ورثتهم ذاك أم ولا أب

وقال إبراهيم بن المهاجر، الذي كان في يسير الاتجاه العباسي:


أيها الناس اسمعوا أخبركمعجباً زاد على كل عجب
عجباً من عبد شمس إنهمفتحوا للناس أبواب الكذب
ورثوا أحمد فيما زعموادون عباس بن عبد المطلب
كذبوا والله ما نعلمهيحرز الميراث إلا من قرب(٣)

(١) النزاع والتخاصم للمقريزي ص ٢٨، ومروج الذهب ج ٣ ص ٣٣ والفتوح لابن اعثم ج ٨ ص ١٩٥، وشرح النهج للمعتزلي ج ٧ ص ١٥٩ وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج ٣ ص ١٥٩.

(٢) العقد الفريد ج ٢ ص ١٢٠ وراجع الغدير ج ١٠ ص ١٦٧.

(٣) مروج الذهب ج ٣ ص ٣٣ والنزاع والتخاصم ص ٢٨.

٣٥
هذا كله.. رغم أن النبي (صلى الله عليه وآله) سلم قد أخرج بني عبد شمس من قرباه، حينما قسَّم خمس بني النضير، أو خيبر، وحينما اعترض عليه عثمان، وجبير بن مطعم، بأن: قرابة بني أمية وبني هاشم واحدة، لم يقبل النبي ذلك منه. والقصة معروفة ومتواترة (١).

وبعد هذا.. فإن العباسيين قد اتبعوا نفس الأسلوب، فأظهروا أنفسهم على أنهم هم ذوو قربى النبي محمد صلى عليه وآله وسلم، بهدف إضفاء صفة الشرعية على حكمهم وسلطانهم، حتى لنجد الرشيد يأتي إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فيقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا ابن عم، فيتقدم الإمام الكاظم (عليه السلام) إلى القبر ويقول: السلام عليك ياأبه، فتغير وجه الرشيد، وتبين الغيظ فيه (٢).

(١) السيرة الحلبية ج ص ٢٠٩ ومجمع الزوائد ج ٥ ص ٣٤١ عن أحمد، ونيل الأوطار ج ٨ ص ٢٢٨ عن أحمد، والبخاري، والنسائي، وابن ماجة ن وابي داود، والبرقاني. وسنن أبي داود ج ٣ ص ١٤٦ و ١٤٥ وسنن ابن ماجة ج ٢ ص ٩٦١ والمغازي للواقدي ج ٢ ص ٦٩٦ والإصابة ج ١ ص ٢٢٦ وبداية المجتهد ج ١ ص ٤٠٢ والخراج لأبي يوسف ص ٢١، والبداية والنهاية ج ٤ ص ٢٠٠ عن البخاري ومسند أحمد ج ٤ ص ٨٥ و٨٣ و ٨١ وشرح النهج للمعتزلي ج ١٥ ص ٢٨٤ وتشييد المطاعن ج ٢ ص ٨١٨، و٨١٩ عن زاد المعاد، وسنن البيهقي ـ بأسانيد ـ ج ٦ ص ٣٤٠ و ٣٤١ و ٣٤٢ والر المنثور ج ٣ ص ١٨٦ عن ابن أبي شيبة والبحر الرائق ج ٥ ص ٩٨ وتبيين الحقائق ج ٣ ص ٢٥٧ ونصب الراية ج ٣ ص ٤٢٥ و ٤٢٦ عن كثيرين جداً، فليراجع. ومصابيح السنة ج ٢ ص ٧٠ والبخاري ط سنة ١٣١١ ج ٤ ص ١١١ وج ٦ ص ١٧٤ وتفسير ابن كثير ج ٢ ص ٣١٢ وفتح القدير ج ٢ ص ٣١٠ وتفسير الخازن ج ٢ ص ١٨٥ والنسفي بهامشه ج ٢ ص ١٨٦ وتفسير الطبري ج ١٠ ص ٥ والكشاف ج ٢ ص ٢٢١، وسنن النسائي ج ٧ ص ١٣٠ و ١٣١ ومقدمة مرآة العقول ج ١ ص ١١٨ ونقل ذلك بعض المحققين عن المصادر التالية: الأموال لأبي عبيد ص ٤٦١/٤٦٢ وتفسير القرطبي ج ٧ ص ١٢ وفتح الباري ج ٧ ص ١٧٤ وج ٦ ص ١٥٠ وتفسير المنار ج ١٠ ص ٧ وترتيب مسند الشافعي ج ٢ ص ١٢٥/١٢٦ وإرشاد الساري ج ٥ ص ٢٠٢ والمحلى ج ٧ ص ٣٢٨.

(٢) كشف الغمة: ج ٣ ص ٢٠

٣٦
هذا.. وقد ربط العباسيون دعوتهم وحبل وصايتهم في البداية بأمير المؤمنين (عليه السلام)، ونجحوا في الاستفادة من عواطف الناس تجاه ما تعرض له العلويون وأهل البيت من ظلم، واضطهاد، وآلام، على يد أسلافهم الأمويين..

ولكنهم بعد ذلك رأوا: أنهم في مجال التمكين لأنفسهم لا يسعهم الاستمرار بربط دعوتهم بأمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام، لوجود من هم امسّ بعلي (عليه السلام) رحماً منهم، فاتجهوا نحو التلاعب ببعض الركائز والمنطلقات الفكرية والعاقائدية للناس، فأسس المهدي ـ والظاهر أن هذه هي فكرة ابيه المنصور من قبل ـ فرقه تَدَّعي: أن الإمام بعد رسول الله صلى عليه وآله وسلم هو العباس بن عبد المطلب، ثم ولده عبد الله، ثم ولده... وهكذا... إلى أن ينتهي الأمر إلى العباسيين. ولكنهم أجازوا بيعة علي (عليه السلام)، لأن العباس نفسه كان قد أجازها.. وادَّعوا: أن الإرث للعم دون البنت، ولذلك فإن حق الخلافة لا يصل إلى الحسن والحسين، عن طريق فاطمة صلوات الله وسلامه عليها. واهتموا في إظهار هذا الأمر وتثبيته كثيراً، حتى قال شاعرهم:


أنى يكون وليس ذاك بكائنلبني البنات وراثة الأعمام

فنال على هذا البيت مالاً عظيماً.

وهذا موضوع واسع ومتشعب، وقد استوفينا الحديث عنه ـ نسبياً ـ في كتابنا: «الحياة السياسية للإمام الرضا (عليه السلام)» ص ٧٨ ـ ٨١ فليراجعه من أراد.

الخطة.. ومواجهتها:

ولكن هذا الخط السياسي، وإن حظي بكثير من الدعم والإصرار من قبل

٣٧
الحكام، وكل أعوانهم.. وقد جندوا كل طاقاتهم المعنوية والمادية من أجل تأكيده وتثبيته.. إلا أنه قد كان ثمة عقبة كؤود تواجههم، وتعترض سبيل نجاحهم في تشويه الحقيقة، وتزوير التاريخ، وهي وجود أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، الذين يملكون أقوى الحجج، وأعظم الدلائل والشواهد من القرآن، ومن الحديث المتواتر، ومن المواقف النبوية المتضافرة، التي يعرفها ورآها وسمعها عدد هائل من صحابة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وسمعها منهم التابعون، ثم من بعدهم..

وكان من جملة تلك الحجج الدامغة «آية المباهلة» بالذات.. وكم رأينا من مواقف للأمويين وللعباسيين على حد سواء يصرون فيها على نفي بنوة الحسنين (عليهما السلام) له (صلى الله عليه وآله).. فكانت تواجه من قبل أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم، والمنصفين من غيرهم بالاحتجاجات القوية والفاصلة.. الأمر الذي جعل «السحر ينقلب على الساحر»..

وأدركوا: أن أسلوب الحجاج والمنطق، من شأنه أن يظهر الحق الذي يجهدون في إخفائه، وتشويهه.. فكانوا يعملون على عزل الأئمة وشيعتهم عن الساحة، وإبعادهم عن الأنظار، عن طريق الإرهاب والاضطهاد والتنكيل، حتى إذا وجدوا أن ذلك لا يجدي، تصدوا لتصفيتهم جسدياً.. بالسم تارة، وبالسيف أخرى..

أمثلة تاريخية هامة:

ونستطيع أن نذكر هنا بعض ما يتضمن محاولتهم نفي بنوة الحسنين له (صلى الله عليه وآله)، واحتجاجات الأئمة وغيرهم عليهم في هذا المجال.. وبعضه يتضمن الاستدلال بآية المباهلة.. وذلك في ضمن النقاط التالية:

١ ـ «عن ذكوان، مولى معاوية، قال: قال معاوية: لا أعلمنَّ أحداً سمى

٣٨
كتاب الحياة السياسية للأمام الحسن (ع) للسيد جعفر العاملي (ص ٣٩ - ص ٥٤)
٣٩

٤ ـ احتج أمير المؤمنين علي (عليه السلام) يوم الشورى على المجتمعين، بأن الله تعالى جعله نفس النبي (صلى الله عليه وآله)، وجعل إبنيه إبنيه، ونساءه نساءه (١).

٥ ـ عن الشعبي، قال: كنت عند الحجاج، فأتِيَ بيحيى بن يعمر، فقيه خراسان، من بلخ، مكبلاً بالحديد فقال له الحجاج: أنت زعمت: أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟

فقال: بلى.

فقال الحجاج: لتأتيني بها واضحة بيّنة من كتاب الله (!!)، أو لأقطعنَّك عضواً عضواً.

فقال: آتيك بها بيّنة واضحة من كتاب الله يا حجاج.

قال: فتعجبت من جرأته بقوله: يا حجاج.

فقال له: ولا تأتني بهذه الآية: ندع أبناءنا وأبنائكم.

فقال: اتيك بها بيّنة واضحة من كتا الله، وهو قوله: ونوحاً هديناه من قبل، ومن ذريته داود وسليمان.. إلى قوله: وزكريا، ويحيى، وعيسى. فمن كان أبو عيسى، وقد ألحق بذرية نوح؟!. قال: فأطرق الحجاج ملياً، ثم رفع رأسه فقال: كأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب الله حلُّوا وثاقه.. إلخ» (٢).

(١) ينابيع المودة ص ٢٦٦ عن الدارقطني والصواعق المحرقة ص ١٥٤ وفضائل الخمسة ج ١ ص ٢٥٠، وحياة أمير المؤمنين للسيد محمد صادق الصدر ص ٢٠٥ عن الصواعق.

(٢) تفسير الرازي ج ٢ ص ١٩٤ ومستدرك الحاكم ج ٣ ص ١٦٤ وفضائل الخمسة من الصحاح الستة ج ٢ ص ٢٤٧/٢٤٨، والدر المنثور ج ٣ ص ٢٨ عن ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والحاكم، والبيهقي، والغدير ج ٧ ص ١٢٣ عن تفسير ابن كثير ج ٢/١٥٥ ومقتل الحسين للخوارزمي ج ١ ص ٨٩، وراجع العقد الفريد ج ٥ ص ٢٠ ونور القبس ص ٢١/٢٢ والكنى والألقاب ج ١ ص ١٢.

٤٠