×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الحياة السياسية للإمام الحسن (ع) / الصفحات: ١٤١ - ١٦٠

لأحكام ومثلها في أصول دين» (١).

لقد كان هذا حال مجتمع العراق في عهد الإمام الحسن عليه الصلاة والسلام، رغم أنه كان أقرب إلى مركز الحكم الإسلامي من غيره، ورغم أنه قد كان ثمة عناية خاصة من قبل الهيئة الحاكمة بشأن العراق، الذي كان مركز الانطلاق لغزو بلاد المشرق..

وقد تحدثنا عن مجتمع العراق بشيء من التفصيل في بحثنا المستفيض حول الخوارج، والذي نأمل في تقديمه إلى القراء في فرصة قريبة إن شاء الله تعالى.

ولكن يلاحظ على النص المتقدم قوله: «بعضهم شيعته، وشيعة أبيه».. فإننا لا نعتقد: أن هذا البعض كان من الكثرة بحيث يصح جعله في قبال سائر الفئات التي تحدث عنها ذلك النص، إذ:

«قد كان الناس كرهوا علياً، ودخلهم الشك والفتنة، وركنوا إلى الدنيا، وقلّ مناصحوه، فكان أهل البصرة على خلافه، والبغض له، وجلّ أهل الكوفة وقراؤهم، أهل الشام، وقريش كلها» (٢).

بل لقد روى الكشي عن الباقر (عليه السلام) قوله: «كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) عندكم بالعراق، يقاتل عدوه، ومعه أصحابه وما كان منهم خمسون رجلاً يعرفنه حق معرفته، وحق معرفته إمامته» (٣).

وفي حرب صفين يقول علي (عليه السلام) لعدي بن حاتم: «أدن. فدنا حتى وضع أذنه عند أنفه. فقال: ويحك، إن عامة من معي اليوم يعصيني. وإن معاوية فيمن يطيعه ولا يعصيه» (٤).

(١) كشف الغمة للأربلي ج ٢ ص ١٦٥ والإرشاد للمفيد ص ١٩٣ وأعيان الشيعة ج ٤ قسم ١ ص ٥٠ و ٥١.

(٢) الغارات للثقفي ج ٢ ص ٥٥٢.

(٣) اختيار معرفة الرجال ص ٦.

(٤) شرح النهج للمعتزلي ج ٨ ص ٧٧.

١٤١
هذا.. وإن سلوك الحكام والولاة مع الناس آنئذٍ لم يكن إسلامياً على وجه العموم. وإن إلقاء نظرة سريعة على معاملتهم للناس آنئذٍ، تكفي لإطاء صورة عن ذلك.. وكنموذج على ذلك نذكر النص التالي:

«لم يزل أهل أفريقية من أطوع البلدان وأسمعهم إلى زمان هشام بن عبد الملك، حتى دب إليهم أهل العراق، واستثاروهم، فشقوا العصا، وفرقوا بينهم إلى اليوم، وكانوا يقولون: لا نخالف الأئمة بما تجني العمال، فقالوا لهم: إنما يعمل هؤلاء بأمر أولئك، فقالوا حتى نَخْبُرَهُم.

فخرج ميسرة في بضعة وعشرين رجلاً، فقدموا على هشام، فلم يؤذن لهم، فدخلوا على الأبرش، فقالوا: أبلغ أمير المؤمنين: أن أميرنا يغزو بنا، وبجنده، فإذا غنمنا نفّلهم، ويقول: هذا أخلص لجهادنا وإذا حاصرنا مدينة قدمنا وأخرهم، ويقول: هذا ازدياد في الأجر، ومثلنا كفى إخوانه. ثم إنهم عمدوا إلى ماشيتنا، فجعلوا يبقرون بطونها عن سخالها، يطلبون الفراء البيض لأمير المؤمنين، فيقتلون ألف شاة في جلد، فاحتملنا ذلك. ثم إنهم سامونا أن يأخذوا كل جميلة من بناتنا. فقلنا: لم نجد هذا في كتاب ولاسنة، ونحن مسلمون، فأحببنا أن نعلم: أعن رأي أمير المؤمنين هذا، أم لا؟!..

فطال عليهم المقام، ونفدت نفقاتهم، فكتبوا أسماءهم ودفعوها إلى وزرائه، وقالوا: إن سأل أمير المؤمنين، فأخبروه، ثم رجعوا إلى أفريقية، فخرجوا على عامل هشام، فقتلوه، واستولوا على افريقية، وبلغ الخبر هشاماً، فسأل عن النفر، فعرف أسماءهم، فإذا هم الذين صنعوا ذلك» (١).

ويذكر نص آخر: أن قتيبة بن مسلم أوقع باهل الطالقان، فقتل من أهلها مقتلة عظيمة، لم يسمع بمثلها، وصلب منهم سماطين: أربعة فراسخ في نظام واحد، الرجل بجنب الرجل، وذلك مما كسر جموعهم» (٢).

(١) الكامل لابن الأثير، ج ٣ ص ٩٢ و ٩٣ وتاريخ الطبري ج ٣ ص ٣١٣.

(٢) البداية والنهاية ج ٩ ص ٧٨ و ٨١ والكامل لابن الأثير ج ٤ ص ٥٤٥.

١٤٢
كما أن بعضهم يعطي أماناً لبلد في معالمة جرجان، على أن لا يقتل منهم رجلاً واحداً، فيقتلهم جميعاً إلا رجلاً واحداً (١).

وآخر يصالح أهل مدينة قنسرين، ويجعل من جملة الشروط: أن يهدم المدينة من الأساس وهكذا كان (٢).

وأيضاً: فقد دعا نائب خراسان: «أهل الذمة بسمرقند، ومن وراء النهر إلى الدخول في الإسلام، ويضع عنهم الجزية.

فأجابوه إلى ذلك، وأسلم غالبهم، ثم طالبهم بالجزية، فنصبوا له الحرب، وقاتلوه» (٣).

كما أن عقبة بن نافع، الذي ولاَّه معاوية ابن أبي سفيان على افريقية، حينما دخلها «وضع السيف في أهل البلاد، لأنهم كانوا إذا دخل إليهم أمير أطاعوا، وأظهر بعضهم الإسلام، فإذا عاد الأمير عنهم نكثوا، وارتد من أسلم» (٤).

وقال ابن الأثير: «لما رأى أهل فارس ما يفعل المسلمون بالسواد، قالوا لرستم والفيرزان، وهما على أهل فارس: لم يبرح بكما الاختلاف حتى وهنتما أهل فارس الخ..» (٥).

وأمثال ذلك كثير جداً.

ولأجل ذلك، فقد اشتدت مقاومة أهل البلاد المفتوحة، وكثر نقض العهود، حتى اضطر المسلمون إلى فتح كثير من البلاد أكثر من مرة، كما ألمحنا إليه فيما سبق.

(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٣٢٤ والكامل لابن الأثير ج ٣ ص ١١٠ والبداية والنهاية ج ٧ ص ١٥٤.

(٢) الفتوحات الإسلامية لدحلان ج ١ ص ٥٣ والكامل لابن الأثير ج ٢ ص ٤٩٣ وتاريخ الطبري ج ٣ ص ٩٨.

(٣) البداية والنهاية ج ٩ ص ٢٥٩/٢٦٠.

(٤) الكامل لابن الأثير ج ٣ ص ٤٦٥.

(٥) الكامل لأبن الأثير ج ٢ ص ٤٤٨.

١٤٣

ب: آثار الفتوح على الفاتحين:

وبعد كل ما تقدم.. فإن سياسات التمييز في العطاء، وتفضيل العرب على غيرهم، ثم حبس كبار الصحابة في المدينة، وتولية الأعمال الجليلة، وقيادة الجيوش خاصة، لفئة خاصة، لم تكن على الأغلب تملك رصيداً روحياً، ولا ثقافياً إسلامياً، سوى أنها تتمتع بثقة الهيئة الحاكمة، أو انها رأت النبي (صلى الله عليه وآله) لبرهة وجيزة جداً، أو أنها من قريش.

ـ إن كل ذلك وسواه من سياسات، ليس فقط قد جعل من هذه الأمة المنتصرة أمة مغرورة، معجبة بنفسها، لا تقف عند حدٍ، ولا تنتهي إلى غاية.. وخلق طبقة من الأثرياء، الذين اتخمهم المال، وأبطرتهم النعمة، مع عدم وجود روادع دينية أو وجدانية كافية لديهم. وقد كان معظمهم من أبناء واعضاء الهيئة الحاكمة، وأعوانهم المقربين، ومن قريش بصورة خاصة، فنال الأمة منهم كل مكروه، وأصيب الإسلام على أيديهم في مقاتله..

نعم.. لقد بهرتهم المناصب، وأسالت لعابهم الفتوحات، بما فيها من غنائم وسبايا، وبسط نفوذ، فشمخ كل منهم بأنفه، ونظر في عطفه، وتكبر، وتجبر، لأنه كان يتعامل مع الواقع الجديد بعقليته الجاهلية، التي تعتبر القبيلة، لا الأمة أساساً، والفرد ـ لا الجماعة ـ ميزاناً، ومنطلقاً لمجمل تعامله، وعلاقاته، وكل مواقفه وحركاته.. وصاروا يهتمون بتقوية أمرهم، وتثبيت سلطانهم، فصاروا يجمعون الأنصار بالمال، وبالإغراء بالمناصب (١)، ثم بالإصهار إلى القبائل، وبغير ذلك من سياسات، ليس الترهيب والقمع في كثير من الأحيان إلا واحداً منها (٢).. واستمروا في بسط نفوذهم وسلطانهم على

(١) قد تقدم نموذج من ذلك بالنسبة لأبي سفيان، وغيره.

(٢) كما جرى لأبي ذر، وابن مسعود، وعمار وغيرهم.. ولا سيما في عهد معاوية فمن بعده..

١٤٤
أساس أنه ملك قبلي فردي بالدرجة الأولى (١).

وإذا كان أبو بكر، وكذلك عمر لا يدري: أخليفة هو أم ملك (٢).. فإن معاوية بن أبي سفيان كان نفسه ملكاً بالفعل، وكذلك كان يعتبره الكثيرون (٣). بل إن عمر نفسه قد اعتبر نفسه ملكاً في بعض المناسبات (٤).

نعم لقد كان معاوية، والأمويون يعتبرون أنفسهم ـ بل ويعتبوهم كثيرون ـ ملوكاً قيصريين..وأن على الدين والإسلام ـ بنظرهم ـ أن يكون مجرد شعار ن يخدم هذا الملك ويقويه، وإذا وجدوا فيه أنه سيكون مانعاً لهم من الوصول إلى ما يطمحون إليه، ويعملون في سبيل الحصول عليه، فلا بد من تدميره، واستئصاله من جذوره.

فالمستفيدون الحقيقيون من تلك الفتوحات ـ ولاسيما على المدى البعيد ـ هم خصوص هذه الطبقة دون سواها، كانوا يحصلون على النفائس، والأقطاع، والذهب، وصوافي الغنائم.. وهم الذين لا بد أن يختصوا بالحسناوات من النساء، بعنوان سبايا وجواري.. وقد بلغت الثروات في عهد الخلفاء الثلاثة الأول أرقاماً خيالية، كما تدل عليه الكثير من النصوص التاريخية (٥). وقد زادت هذه الأرقام وتضاعفت في عهد الحكم الاموي، الذي

(١) حتى كانوا يعتبرون السواد بستاناً لقريش، والقضية معروفة..

(٢) راجع: طبقات ابن سعد ج ٣ قسم ١ ص ٢٢١ وشرح النهج للمعتزلي ج ٢ ص ٦٦ ومنتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج ٤ ص ٣٨٣ و ٣٨٩ وحياة الصحابة ج ٣ ص ٤٧٦ و ج ٢ ص ٣٦ و ٣٧ و ٢٥٦ والتراتيب الإدارية ج ١ ص ١٣ وعن كنز العمال ج ٢ ص ٣١٧ ج ٣ ص ٤٥٤ وعن نعيم بن حماد في الفتن والطبقات الكبرى لابن سعد ج ٣ ص ٣٠٦ ط صادر وتاريخ الخلفاء ص ١٤٠.

(٣) قد تقدم بعض المصادر لذلك.

(٤) الفتوحات الإسلامية لدحلان ج ٢ ص ٢٩٠ وحياة الصحابة ج ٢ ص ٢٥٦ عن كنز العمال ج ٢ ص ٣١٧. وطبقات ابن سعد ج ٣ ص ٢١٩ وعن ابن جرير وابن عساكر.

(٥) راجع: مشاكلة الناس لزمانهم ص ١٢ حتى ١٨ ومروج الذهب والغدير ج ٨ و ٩ وجامع بيان العلم ج ٢ ص ١٧ و ١٦ والبداية والنهاية ج ٧ ص ١٦٤ وربيع الأبرار ج ١ ص ٨٣٠ والتراتيب الإدارية ج ٢ ص ٣٢ ـ ٢٤ ـ ٢٩ ـ و ٣٩٥ و ٤٢٤ و ٣٩٧ حتى

=>

١٤٥
لم يكن يقف عند حدود، ولا يرجع إلى دين، حتى أن خالداً القسري كان يتقاضى راتباً سنوياً قدره عشرون مليون درهم، بينما كان ما يختلسه كان يتجاوز المئة مليون (١).

بل إننا نجد: أن من يقال عنه: أنه من أزهد الناس، وهو عمر بن الخطاب، بل يقولون: إنه لم يترك صامتاً (٢). وكان يرتزق من بيت المال، ويقتر على نفسه كثيراً، كما ذكرته بعض النصوص، وكانت قد أصابته خصاصة، فاستشار الصحابة فأشاروا عليه أن يأكل من بيت المال ما يقوته (٣).

ولما حج فبلغت نفقته ستة عشر ديناراً قال: أسرفنا في هذا المال (٤).

إن عمر هذا.. قد أصدق زوجته أربعين ألف درهم أو دينار (٥). وقيل مئة ألف (٦). كما أنه أعطى صهراً له قدم من مكة عشرة آلاف درهم

<=

ص ٤٠٥ و ٤٢٠ و ٤٢٤ و ٤٣٥ والعقد الفريد ج ٤ ص ٣٢٢ ـ ٣٢٤ وحياة الصحابة ج ٢ ص ٢٤١ ـ ٢٥٠. وغير ذلك كثير.

(١) السيادة العربية والشيعة والإسرائيليات ص ٣٢ و ٢٥ و ٢٤ وغير ذلك من صفحات، ترجمة الدكتور حين إبراهيم حسن، ومحمد زكي إبراهيم.

وفي البداية والنهاية ج ٩ ص ٣٢٥: أن دخل خالد القسري كان عشرة ملايين دينار سنوياً.

(٢) جامع بيان العلم ج ٢ ص ١٧.

(٣) راجع طبقات ابن سعد ج ٣ قسم ١ ص ٢٢١ و ٢٢٢ ومنتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج ص ٤١١ وحياة الصحابة ج ٢ ص ٣٠١.

(٤) تاريخ الخلفاء ص ١٤١ وطبقات ابن سعد ط صادر ج ٣ ص ٣٠٨ و ٢٧٩ ودلائل الصدق ج ٣ قسم ١ ص ٢١٢ عن تاريخ الخلفاء والصواعق المحرقة.

(٥) الفتوحات الإسلامية لدحلان ج ٢ ص ٥٥ والتراتيب الإدارية ج ٢ ص ٤٠٥ والبحر الزخار ج ٤ ص ١٠٠ وأنساب الأشراف بتحقيق المحمودي ج ٢ ص ١٩٠ وعدة رسائل للشيخ المفيد ص ٢٢٧.

وقيل: عشرة آلاف.

(٦) أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج ٢ ص ١٩٠ وعدة رسائل للشيخ المفيد، المسائل السروية ص ٢٢٧.

١٤٦
من صلب ماله (١).

بل يقولون: «إن ابناً لعمر باع ميراثه من عمر بماءة ألف درهم» (٢).

ويؤيد ذلك ما يذكره أبو يوسف: من أنه «كان لعمر بن الخطاب أربعة آلاف فرس موسومة في سبيل الله تعالى، فإذا كان في عطاء الرجل خفة، أو كان محتاجاً، أعطاه الفرس، وقال له: إن أعييته، أو ضيَّعته من علف، أو شرب، فأنت ضامن، وإن قاتلت عليه فأُصيب، أو أصبت، فليس عليك شيء» (٣).

فإن الظاهر هو: أن هذه الأفراس كانت له، وقد فعل ذلك تقرباً إلى الله، ولا يبعد ذلك، إذا كان إرث واحد ـ من أولاده مئة ألف فقط.

ولقد كان هذا في الوقت الذي كان يعيش فيه البعض أقسى حياة يعيشها إنسان، فلم يكن يملك سوى رقعتين، يستر بإحداهما فرجه، وبالأخرى دبره (٤).

ولعله لاجل هذا، ولأجل الحفاظ على الوجه الزهدي للخليفة، نجد الحسن البصري، يحاول الدفاع عن الخليفة الثاني في هذا المجال بالذات، حيث إنه حينما يسأله البعض، إن كان عمر بن الخطاب أوصى بثلث ماله: أربعين ألفاً، يحاول إنكار ذلك، ثم توجيهه بقوله:

لا والله، لمالهُ كان أيسر من أن يكون ثلثه اربعين ألفاً. ولكن أوصى بأربعين ألفاً، فأجازوها» (٥).

وعلى كل حال، فإننا نستطيع أن نحشد الكثير الكثير من الشواهد والأدلة

(١) طبقات ابن سعد ج ٣ ص ٢١٩ والفتوحات الإسلامية لدحلان ج ٢ ص ٣٩٠ وحياة الصحابة ج ٢ ص ٢٥٦ عن ابن سعد، وعن كنز العمال ج ٢ ص ٣١٧ وعن ابن جرير وابن عساكر.

(٢) جامع بيان العلم ج ٢ ص ١٧.

(٣) الخراج ص ٥١.

(٤) المصنف لعبد الرزاق ج ٦ ص ٣٦٧ وراجع ص ٢٦٨ والبيهقي ج ٧ ص ٢٠٩.

(٥) جامع بيان العلم ج ٢ ص ١٧.

١٤٧
كتاب الحياة السياسية للأمام الحسن (ع) للسيد جعفر العاملي (ص ١٤٨ - ص ١٦٠)
١٤٨

وأما مضاعفته الجزية على نصارى تغلب، فهي معروفة ومشهورة (١).

وقال خالد ين الوليد، يخاطب جنوده، ويرغبهم بأرض السواد: «ألا ترون إلى الطعام كرفغ (٢) التراب؟. وبالله، لو لم يلزمنا الجهاد في الله، والدعاء إلى الله عز وجل، ولم يكن إلا المعاش لكان الرأي: أن نقارع على هذا الريف، حتى نكون أولى به، ونولي الجوع والإقلال من تولى، ممن اثاقل عما أنتم عليه» (٣).

وفي فتح شاهرتا، يعطي بعض عبيد المسلمين أماناً لأهل المدينة، فلا يرضى المسلمون، وينتهي بهم الأمر: إلى أن رفعوا ذلك إلى عمر بن الخطاب، فكتب: «إن العبد المسلم من المسلمين، أمانه أمانهم. قال: ففاتنا ما كنا أشرفنا عليه من غنائمهم..» (٤).

وقال أحد الشعراء عند وفاة المهلب:


الا ذهب الغزو المقرب للغنىومات الندى والجود بعد المهلب

وعدا عن ذلك كله، فإن قبيلة بجيلة تأبى الذهاب إلى العراق، حتى ينفلها الحاكم ربع الخمس من الغنائم (٥).

نعم.. إن ذلك كله، لم يكن إلا من أجل ملء جيوبهم، ثم التقوي ـ أحياناً ـ على حرب خصومهم.

ولكن ما ذكره خالد بن الوليد آنفاً ليس هو كل الحقيقة، وذلك لأن ما كان

(١) سنن البيهقي ج ٩ ص ٢١٦ والمصنف لعبد الرزاق ج ٦ ص ٥٠.

(٢) الرفغ: الأرض الكثيرة التراب، يقال: «جاء بمال كرفغ التراب: أي في كثرته..» أقرب الموارد ج ١ ص ٤١٩.

(٣) العراق في العصر الأموي ص ١١ عن الطبري ج ٤ ص ٩، ولا بأس بمراجعة الكامل لابن الأثير ج ٢ ص ٤٨٨.

(٤) المصنف ج ٥ ص٢٢٢ و ٢٢٣ وسنن البيهقي ج ٩ ص ٩٤.

(٥) راجع: الكامل في التاريخ ج ٢ ص ٤٤١.

١٤٩
يصل إلى الطبقة المستضعفة من الجند، لم يكن إلا أقل القليل، مما لا يكفي لسد خلتهم، ورفع خصاصتهم، بل كان محدوداً جداً، لا يلبث أن ينتهي ويتلاشى، مع أنهم كانوا هم وقود تلك الحروب، وهم صانعوا النصر والظفر فيها.. وقد يكون الكثيرون منهم ممن قد افتتحت أرضهم بالأمس القريب. ثم هم يحرمون من كثير من الامتيازات، حسبما تقدم بالنسبة لأهل افريقية، الذين قدموا ليشتكوا للخليفة الأموي هشام بن عبد الملك.

ولكن أكثر هؤلاء قد أصبحوا يجدون في هذه الحروب مصدر عيش لهم، يحصلون عن طريقه على المال، مهما كان ضئيلاًوزهيداً، وذلك مما يرضيهم بطبيعة الحال، ويجعلهم ـ لو كان فيهم من له أدنى اطلاع على الإسلام وأحكامه ـ يغمضون العين عن جميع ممارسات الحكام، وأعمالهم الشيطانية واللاإسلامية..

وبعض الانتفاضات وإن كانت قد حصلت في بعض الفترات.. ولكنها لا تلبث أن تنتهي، وسرعان ما تسحق، أمام الضربات الماحقة ن التي يسددها إليها الحكام آنئذٍ.

وعلى كل حال.. فإن الحرب من أجل الغنائم والأموال، كانت هي الصفة المميزة لأكثر تلك الفتوحات، وكأنني أتذكر ـ وإن كنت لم أستطع العثور على ذلك الآن رغم بحثي الجاد ـ إن في بعض المعارك يعلن الفريق الآخر إسلامه، فلا يلتفتون إليهم، ويعتبرونهم كاذبين، وذلك طمعاً في أموالهم ونسائهم.

وقد نجد آثار هذه الظاهرة، حتى في زمن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أيضاً، حيث إن المسلمين لم يكونوا قد بلغوا مرحلة النضج الرسالي بعد، ولا تفاعلوا مع الأسلام وأحكامه على النحو المطلوب. بل كانت لا تزال فيهم بعض النزعات الجاهلية ن والأطماع الدنيوية، فيقول الحارث بن مسلم التميمي: إن النبي (صلى الله عليه وآله) أرسلهم في سرية، قال:

«فلما بلغنا المغار استحثثت فرسي، وسبقت أصحابي، واستقبلنا الحي بالرنين، فقلت لهم: قولوا لا إله إلا الله تحرزوا؟ فقالوها.

١٥٠
فجاء أصحابي، فلاموني، وقالوا: حرمتنا الغنيمة بعد أن بردت في أيدينا. فلما قفلنا ذكروا ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، فدعاني، فحسَّن ما صنعت، وقال: أما إن الله قد كتب لك من كل إنسان منهم كذا و كذا الخ..» (١).

وقال الزبير للذي سأله عن مسيره لحرب علي ((عليه السلام)): «حدثنا أن هاهنا بيضاء وصفراء ـ يعني دراهم ودنانير، فجئنا لنأخذ منها» (٢).

وبعد ذلك كله، فقد قال المعتزلي في مقام إصراره على لزوم دخول علي في الشورى، لأن الأحقاد عليه من قريش والعرب كانت على أشهدها ـ قال ـ: «لا كإسلام كثير من العرب، فبعضهم تقليداً وبعضهم للطمع والكسب، وبعضهم خوفاً من السيف، وبعضهم على طريق الحمية والانتصار، أو لعدواة قوم آخرين من أضداد الإسلام وأعدائه» (٣).

وبعد كل ما تقدم.. فطبيعي: أن حياة النعيم والرفاهية لدى الهيئة الحاكمة وأعوانها، وكذلك التمتع بالحسناوات والجواري، من شأنه أن يزرع بذور الخمول، وحب السلامة، والإخلاد للراحة، بحثاً عن الملذات.. ثم يستتبع ذلك: العمل على دفع الآخرين ليخوضوا الغمرات، ويقدموا التضحيات، في سبيل تأمين المزيد من تلك الامتيازات، وفي سبيل حمايتها أيضاً:

تربية النشء على أيدي غير المسلمات:

هذا كله.. عدا عن أن الجواري اللواتي لم يسلمن، أو لم يتعمق الإسلام في قلوبهن على الأكثر.. قد كن يعشن في قلب ذلك المجتمع، وكن يتولين

(١) كنز العمال ج ١٥ ص ٣٣٠ عن أبي نعيم، والحسن بن سفيان.

(٢) أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج ٢ ص ٢٧١.

(٣) شرح النهج للمعتزلي ج ١٣ ص ٣٠٠.

١٥١
تربية النشء الجديد فيه، سواء كان من أولادهن، أو من أولاد الأخريات من الحرائر.

وقد رأينا: أن الكثيرين من الأشراف والرؤساء قد كانوا من أمهات نصرانيات، فقد:

١ ـ كان لأولاد سعد بن أبي وقاص معلم نصراني (١).

٢ ـ يوسف بن عمرو الذي كانت أمه نصرانية، كما نص عليه كثير من المؤرخين (٢).

٣ ـ خالد القسري، الذي بنى لأمه كنيسة كما نص عليه كثير من المؤرخين أيضاً (٣) وكان خالد يهدم المساجد، ويبني البيع والكنائس، ويولي المجوس الخ (٤) وكان جد خالد من يهود تيماء (٥).

٤ ـ الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي.

٥ ـ عبيدة السلمي.

٦ ـ أبو الأعور السلمي.

٧ ـ حنظلة بن صفوان.

٨ ـ عبد الله بن الوليد بن عبد الملك.

٩ ـ يزيد بن أسيد.

١٠ ـ عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان.

١١ ـ العباس بن الوليد بن عبد الملك.

١٢ ـ مالك بن ضب الكلبي.

(١) أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج ٢ ص ٢٩٢.

(٢) راجع على سبيل المثال: أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج ٣ ص ٨٨.

(٣) راجع على سبيل المثال: وفيات الأعيان ج ١ ص ١٦٩ والأغاني ج ١٩ ص ٥٩ ط ساسي والبداية والنهاية ج ١٠ ص ٢٠ و ٢١ والغدير ج ٥ ص ٢٩٤ وطبقات الشعراء لابن سلام ص ٨٠.

(٤) راجع: العراق في العصر الأموي ص ٢٤٠.

(٥) الأغاني ط ساسي ج ١٩ ص ٥٧.

١٥٢
١٣ ـ شقيق بن سلمة أبو وائل.

١٤ ـ عبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي (١).

١٥ ـ عمر بن أبي ربيعة (٢).

١٦ ـ وأبو سلمة بن عبد الرحمن (٣).

وذكر ابن حبيب طائفة من أبناء اليهوديات من قريش مثل:

١ ـ عاصم بن الوليد بن عتبة.

٢ ـ هاشم بن عتبة بن نوفل.

٣ ـ عامر بن عتبة بن نوفل.

٤ ـ قويت بن حبيب بن أسد.

٥ ـ عيسى بن عمارة بن عقبة.

٦ ـ عمرو بن قدامة بن مظعون.

٧ ـ أبو عزة الجمحي الشاعر.

٨ ـ الخيار بن عدي.

٩ ـ الحصين بن سفيان بن أمية وغيرهم (٤).

وكان حبيب بن أبي هلال الذي يروي عن سعيد بن جبير قد عشق امرأة نصرانية فكان يأتي إلى البيعة لأجلها، فجرحه علماء الرجال بذلك.

بل قيل إنه قد تنصر وتزوج بها (٥).

بل إن طلحة قد تزوج بيهودية في زمن عمر (٦).

(١) المحبَّر: ص ٣٠٥/٣٠٦. وراجع: الاعلاق النفيسة: ص ٢١٣. ونسب قريش لمصعب: ص ٣١٩/٣١٨.

وربيع الأبرار: ج ١ص ٣٢٨.

(٢) الشعر والشعراء: ص ٣٤٩ (٣) حياة الصحابة: ج ١ ص ١٠٤. والإصابة: ج ١ ص ١٠٨.

(٤) المنمق: ص ٥٠٦ و ٥٠٧.

(٥) المجروحون: ج ١ ص ٢٦٤.

(٦) المصنف لعبد الرزاق: ج ٧ ص ١٧٧/١٧٨. وتفسير الخازن: ج ١ ص ٤٣٩.

١٥٣
وتزوج عبد الله بن أبي ربيعة بنصرانية أيضاً وذلك في زمن عمر (١).

وعثمان أيضاً تزوج بنائلة بنت الفرافصة على نسائه وهي نصرانية (٢).

ومع أنه قد كان لعمر غلام نصراني لم يسلم، وقد أعتقه حين وفاته (٣).

إلا أننا نجده يعترض على أبي موسى، لأن كاتبه غلام نصراني (٤).

ويقول الجاحظ: «اكثر من قتل في الزندقة ممن كان ينتحل الإسلام ويظهره هم الذين كان آباؤهم نصارى، على أنك لو عددت اليوم أهل الظنة ومواضع التهمة لم تجد أكثرهم إلا كذلك» (٥).

ولو أردنا استقصاء هذه الأمور لطال بنا الأمر..

وعلى كل حال.. فإن تربية تلك الجواري للنشء الجديد ـ قد كان من شأنه أن يخفض من المستوى الديني، ومن مستوى الالتزام بالأحكام الإسلامية لدى ذلك النشء بالذات.. وهذا بطبيعة الحال ـ من شأنه أن يشكل خطراً جدياً على الإسلام وعلى المسلمين، ولذلك.. فإننا نجد الأئمة (عليهم السلام) يهتمون بتربية العبيد والجواري تربية إسلامية صالحة، ثم عتقهم (٦).

وقد شجع الإسلام العتق على نطاق واسع. وجعل له من الإسباب الإلزامية والراجحة الشيء الكثير، الذي من شأنه أن يقضي على ظاهرة العبودية من اساسها. بل لقد اعتبر العتق في نفسه راجحاً، ومن دون أي سبب.

(١) نسب قريش: ص ٣١٨ و ٣١٩.

(٢) تفسير الخازن: ج ١ ص ٤٣٩.

(٣) التراتيب الإدارية: ج ١ ص ١٠٢ عن ابن سعد: ج ٦ ص ١٠٩ ط ليدن وص ١٥٥ ط صادر. وحلية الأولياء ج ٩ ص ٣٤ وعن كنز العمال: ج ٥/٥٠ عن ابن سعد وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم.

(٤) عيون الأخبار لابن قتيبة: ج ١ ص ٤٣ والدر المنثور: ج ٢ ص ٩١. عن ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان.

(٥) ثلاث رسائل للجاحظ. رسالة الرد على النصارى: ص ١٧.

(٦) راجع كتابنا: دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام المجلد الأول: بحث الإمام السجاد باعث الإسلام من جديد.

١٥٤

طموحات الشباب:

ومن جهة أخرى.. فإننا نجد: أن الحكام كانوا يستفيدون من تلك الفتوحات في مجال إرضاء طموحات الشباب، وإشباع غرورهم، إذا كانوا بصدد تأهيلهم لمناصب عالية، وإظهار شخصياتهم.. بل لقد رأينا معاوية يجبر ولده يزيد لعنه الله على قيادة جيش غاز لبعض المناطق (١) والظاهر أن ذلك لأجل ما ذكرناه.

ابعاد المعترضين:

أضف إلى ذلك: أنهم كانوا يستفيدون منها كذلك في إبعاد المعترضين على سياساتهم، والناقمين على أعمالهم، وتصرفاتهم، وكشاهد على ذلك نذكر: أنه لما تفاقمت النقمة على عثمان استدعى بعض عماله ومستشاريه، وهم: معاوية وعمرو بن العاص، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن عامر (٢). واستشارهم فيما ينبغي له عمله لمواجهة نقمة الناس على سياساته، ومطالبتهم له بعزل عماله (٣)، واستبدالهم بمن هم خير منهم، فأشار عليه عبد الله بن عامر بقوله:

«رأيي لك يا أمير المؤمنين: أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك، وأن تجمرهم (٤) في المغازي، حتى يذلوا لك، فلا يكون همة أحدهم إلا نفسه، وما

(١) راجع المحاسن والمساويء ج ٢ ص ٢٢٢ ونسب قريش لمصعب ص ١٢٩/١٣٠ وتاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ٢٢٩.

(٢) يلاحظ: أن هؤلاء قد كانوا عماله باستثناء عمرو بن العاص. فإنه كان معزولاً آنئذٍ.

(٣) إن من الطريف جداً: أن يستشير عثمان نفس أولئك الذين يطالب الناس بعزلهم في نفس أمر العزل هذا؟!.

(٤) التجمير: حبس الجيش في أرض العدو.

١٥٥
هو فيه من دَبَرة دابته، وقَمَلِ فروه».

وأضاف في نص آخر قوله:

«فرد عثمان عماله على أعمالهم، وأمرهم بالتضييق على من قبلهم، وأمرهم بتجمير الناس في البعوث، وعزم على تحريم أعطياتهم، ليطيعوه، ويحتاجوا إليه..» (١).

وحينما أنكر الناس على عثمان بعض أفعاله، وأشار عليه معاوية بقتل علي (عليه السلام)، وطلحة، والزبير، فأبى عليه ذلك، قال له معاوية: «فثانية؟ قال: وما هي؟ قال: فرقهم عنك، فلا يجتمع منهم اثنان في مصر واحد. واضرب عليهم البعوث والندب، حتى يكون دَبَر بعير كل واحد منهم أهم عليه من صلاته.

قال عثمان: سبحان الله شيوخ المهاجرين والأنصار، وكبار أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبقية الشورى، أخرجهم من ديارهم، وأفرق بينهم وبين أهليهم؟.. الخ..» (٢).

ويقول اليعقوبي عن معاوية: «وكان إذا بلغه عن رجل ما يكره قطع لسانه بالإعطاء، وربما احتال عليه، فبعث به في الحروب، وقدمه، وكان أكثر فعله المكر والحيلة» (٣). إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه واستقصائه في عجالة كهذه..

ج: الأئمة (عليهم السلام) وتلك الفتوحات:

١ ـ وبعد كل ما تقدم.. فإنه يتضح لنا: لماذا لم يتقدم أمير المؤمنين عليه

(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٣٧٣ و ٣٧٤ حوادث سنة ٣٤ هـ. وراجع: الفتوح لابن اعثم ج ٢ ص ١٧٩ ومروج الذهب ج ٢ ص ٣٣٧ وأنساب الأشراف ج ٥ ص ٨٩ والكامل في التاريخ ج ٣ ص ١٤٩.

(٢) النصائح الكافية ص ٨٦ والإمامة والسياسة لابن قتيبة ج ١ ص ٣١.

(٣) تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ٢٣٨.

١٥٦
الصلاة والسلام خطوة واحدة نحو الفتوحات، وتوسعة رقعة البلاد الإسلامية، حتى في أيام خلافته، بل كان يهتم بتركيز العقيدة، وتثبيت المنطلقات والمثل الإسلامية الرفيعة والنبيلة، ونشر الفكر القرآني المحمدي الصافي، وإعطاء خط الإسلام الصحيح للأمة، وللمتصدين لإدراة شؤونها على حد سواء.. سواء في نظرتهم، أو في تعاملهم ومواقفهم، أو حتى في مجال تربية أنفسهم، وتهذيبها، ما وجد إلى ذلك سبيلاً..

وقد نوه بذلك (عليه السلام) في خطبة له، فقال: «وركزت فيكم راية الإيمان، ووقفتكم على حدود الحلال والحرام الخ..» (١).

هذا كله.. عدا عن أنه (عليه السلام) كان ـ أيام خلافته منشغلاً بتصفية الجبهة الداخلية من العناصر الفاسدة، التي لا تزال تعيش المفاهيم الجاهلية، وتريد أن تحكم الأمة، وتتحكم بمقدراتها، وتستخدمها في سبيل أهدافها اللاإنسانية البغيضة..

٢ ـ وأمر آخر مهم، لا بد من الإشارة إليه هنا، وهو: أن الجهاد الابتدائي يحتاج إلى إذن الأمام العادل (٢).. ونحن نرى: أن أئمة الحق كانوا لا يرون في الاشتراك في هذه الحروب مصلحة، بل لا يرون نفس تلك الحروب خيراً: فقد روي: أن أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) قال لعبد الملك بن عمرو:

«يا عبد الملك، ما لي لا أراك يخرج إلى هذه المواضع التي يخرج إليها أهل بلادك؟

قال: قلت: وأين؟.

قال: حدة، وعبادان، والمصيصة، وقزوين!.

فقلت: انتظاراً لأمركم، والاقتداء بكم.

(١) نهج البلاغة، بشرح عبده ج ١ ص ١٥٣.

(٢) راجع: الوسائل ج ١١ ص ٣٢ فصاعداً والكافي ج ٥ ص ٢٠ والتهذيب ج ٦ ص ١٣٤ فصاعداً.

١٥٧
فقال: إي والله، لو كان خيراً ما سبقونا إليه» (١).

وثمة عدة روايات تدل على أنهم (عليهم السلام) كانوا لا يشجعون شيعتهم، بل ويمنعونهم من الاشتراك في تلك الحروب، ولا يوافقون حتى على المرابطة في الثغور أيضاً، ولا يقبلون منهم حتى ببذل المال في هذا السبيل، حتى ولو نذروا ذلك (٢)..

نعم.. لو دهمهم العدو، فإن عليهم أن يقاتلوا دفاعاً عن بيضة الأسلام، لا عن أولئك الحكام (٣).

بل إننا نجد رواية عن علي (عليه السلام) تقول: «لا يخرج المسلم في الجهاد مع من لا يؤمن على الحكم، ولا ينفذ في الفيئ أمر الله عز وجل» (٤).

ويؤيد ذلك: أننا نجد: أن عثمان جمع يوماً أكابر الصحابة، مثل: علي (عليه السلام)، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، واستشارهم في غزو افريقية، فرأوا ـ في الأكثر ـ: أن المصلحة في أن لا تقع افريقية بأيدي أصحاب الأغراض والأهواء والمنحرفين (٥).

فالأئمة (عليهم السلام) وإن كانوا ـ ولا شك ـ يرغبون في توسعة رقعة الإسلام، ونشره ليشمل الدنيا بأسرها، ولكن الطريقة والأسلوب الذي كان يتم ذلك بواسطته، وغير ذلك مما تقدم، كان خطأً ومضراً بنظرهم، حسبما يفهم مما تقدم ومما سيأتي..

(١) التهذيب ج ٦ ص ١٢٧، والكافي ج ٥ ص ١٩، والوسائل ج ١١ ص ٣٢.

(٢) راجع الوسائل ج ١١ ص ٢١ و ٢٢ عن قرب الإسناد ص ١٠٥ والتهذيب ج ٦ ص ١٣٤ و ١٢٥ و ١٢٦ والكافي ج ٥ ص ٢١.

(٣) الوسائل ج ١١ ص ٢٢ عن قرب الإسناد ص ١٥٠ والكافي ج ٥ ص ٢١ والتهذيب ج ٦ ص ١٢٥.

(٤) الوسائل ج ١١ ص ٣٤ عن علل الشرايع ص ١٥٩ وعن الخصال ج ١ ص ١٦٣.

(٥) الفتوح لابن أعثم، الترجمة الفارسية ص ١٢٦.

١٥٨
وعلى كل حال.. فإن جميع ماتقدم وسواه ليكفي في أن يلقي ظلالاً ثقيلة من الشك والريب فيما ينسب إلى الإمامين الهمامين: الحسن، والحسين عليهما الصلاة والسلام، من الاشتراك في فتح جرجان، أوفي فتح افريقية ـ مع أن عدداً من كتب التاريخ التي عددت أسماء كثير من الشخصيات المشتركة في فتح افريقية لم تذكرهما، مع أنهما من الشخصيات التي يهم السياسة التأكيد على ذكرها في مقامات كهذه.

وذلك يسعر بأن وراء الأكمة ما وراءها، وأن الاطمئنان لما يذكر في هذا المجال، من دون تحقيق أو تمحيص، مما لا يحسن جداً، بل وفيه ظلم للحقيقة والتاريخ..

٣ ـ ويؤيد ذلك أيضاً: ما ذكره بعض المحققين (١)، «من أنه (عليه السلام) قد منع ولديه من الخوض في معارك صفين، وقال وقد رأى الحسن يتسرع إلى الحرب: «املكوا عني هذا الغلام لا يهدني، فإنني أنفس بهذين (يعني الحسنين (عليهما السلام)) على الموت، لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله (صلى الله عليه وآله)» فأسرعت إليه خيل من أصحاب علي فردوا الحسن (٢).

وقد كان هذا منه (عليه السلام) في وقت كان له كثير من الأولاد، فكيف يسمح بخروجهما مع أمير أموي، أو غير أموي، ولم يكن قد ولد لهما أولاد بعد، أو كان، ولكنهم قليلون؟!!» انتهى.

وكل ما تقدم يوضح لنا: أن ما استند إليه بعض الأعلام لقبول ما قيل من اشتراك الحسنين (عليهما السلام) في فتح اقريقية وجرجان، لا يمكن القبول به، ولا يصح التعويل عليه..

(١) هو المحقق البحاثة السيد مهدي الروحاني حفظه الله.

(٢) راجع: المصادر التالية: المعيار والموازنة ص ١٥١ ونهج البلاغة بشرح عبده ج ٢ ٢١٢ وتاريخ الطبري حوادث سنة ٣٧ ج ٤ ص ٤٤ والفصول المهمة للمالكي ص ٨٢ وشرح النهج للمعتزلي ج ١ ص ٢٤٤ والاختصاص ص ١٧٩ وتذكرة الخواص ص ٣٢٤.

١٥٩
ولعل الهدف من طرح أمور كهذه هو إعطاء خلافة عثمان بالذات صفة الشرعية والقبول، حتى من قبل أهل البيت (عليهم السلام)، كما عودنا أنصاره ومحبوه في كثير من الأحيان.

٤ ـ ولو أريد الإصرار على وجهة النظر تلك، واعتبارها قادرة على تبرير اشتراكهما (عليهما السلام) المزعوم في الفتوح.. فإننا نجد.. أن من حقنا أن نتساءل، فنقول: إنه لا ريب في أن الجهاد، واتساع رقعة الإسلام من الأمور الراجحة والمرضية إسلامياً. ولكن ذلك لا يعني: أن الفتوحات التي حصلت في عهد الخلفاء الثلاثة، على ذلك النحو، وبتلك الطريقة، كانت راجحة ومرضية أيضاً.. وإلا.. فلماذا يترك أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا الجهاد ويجلس في بيته مدة خمس وعشرين سنة؟!، ألم يكن هو الذي مارس الحروب، وجالد الأقران، أعواماً طويلة في عهد الرسول الأكرم صلى عليه وآله وسلم، ولم تثر حرب آنئذٍ إلا وهو حامل لوائها، ومجندل أبطالها؟.

أم يعقل أن ذلك كان منه زهداً في الإسلام، وتباطؤاً عن واجبه؟

أم أن الحكام أنفسهم كانوا لا يرغبون في إشراكه في تلك الفتوحات والمآثر التي كانوا يسطرونها؟!

أم أنهم حبسوه كما حبسوا كبار الصحابة في المدينة، كما اعتذر به العلامة الحسني رضوان الله تعالى عليه (١)؟.

(١) سيرة الأئمة الإثني عشر ج ١ و ص ٥٣٤ و ص ٣١٧.

واعتذر بذلك أيضاً المحقق البحاثة السيد مهدي الروحاني، حيث قال ما ملخصه: أنهم كانوا يخافون منه، إذ لو كان (عليه السلام) مكان سعد بن أبي وقاص، مع ما يتحلى به من مؤهلات تامة وكاملة، من العلم وقوة البيان، والسياسة، والقرابة القريبة منه (صلى الله عليه وآله)، وشهادة الصحابة له بالتقدم في كل فضيلة، ومع ما له من سوابق حسنة، ومآثر كريمة ـ إنه لو كان والحالة هذه مكان سعد بن أبي وقاص ـ هل يكون مأموناً من أن يرجع بجيشه، أو بطائفة عظيمة منه وينحي الخليفة عن مركزه، ويجري حكم الله فيه حسبما يراه؟!.

ونقول: إنهم لربما كانوا يفكرون بمثل ذلك.. ولكن الإمام علياً (عليه السلام) لم

=>

١٦٠