×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الحياة السياسية للإمام الرضا (ع) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

وقد ذكر أبو فراس الحمداني هذه البيعة في قصيدته المشهورة، المعروفة ب‍ «الشافية» فقال:


بئس الجزاء جزيتم في بني حسنأباهم العلم الهادي وأمهـــم
لا بيعة ردعتكم عن دمائهـــمولا يمين، ولا قربى، ولا ذمـم

وذكر ابن الأثير: أن عثمان بن محمد، بن خالد بن الزبير، هرب بعد مقتل محمد إلى البصرة، فأخذ وأتي به إلى المنصور، فقال له المنصور: يا عثمان، أنت الخارج علي مع محمد؟!. قال له عثمان: بايعته أنا وأنت بمكة، فوفيت ببيعتي، وغدرت ببيعتك. فشتمه المنصور، فأجابه، فأمر به فقتل(١).

وذكر البيهقي: أنه لما حمل رأس محمد بن عبد الله بن الحسن إلى المنصور، من مدينة الرسول، (صلى الله عليه وآله) وسلم، قال لمطير بن عبد الله: «أما تشهد أن محمداً بايعني؟» قال: «أشهد بالله، لقد أخبرتني أن محمداً خير بني هاشم، وأنك بايعت له» قال: يا ابن الزانية الخ: وكانت النتيجة: أن المنصور أمر به، فوتد في عينيه، فما نطق!.(٢) إلى آخر ما هنالك من النصوص الكثيرة، التي يتضح معها بما لا مجال معه للشك: أن الدعوة كانت في بدء أمرها لخصوص العلويين، وباسمهم، ثم استغلت بعد ذلك لمصلحة العباسيين.

المرحلة الثانية:

ثم رأينا بعد ذلك: كيف أن الدعوة العباسية تستبعد العلويين.

(١) الكامل لابن الأثير ج ٥ ص ١٢.

(٢) المحاسن والمساوي للبيهقي ص ٤٨٢.

٤١
وتتحاشى التصريح باسمهم، بطريقة فيها الكثير من الدهاء، والسياسة، حيث اقتصروا في دعوتهم ـ بعد ذلك ـ على أنها ل‍ «أهل البيت»، و «العترة» وهذه هي المرحلة الثانية من المراحل الأربع التي أشرنا إليها.

وكان الناس لا يفهمون من كلمة: «أهل البيت» إلا العلويين، لانصراف الأذهان إليهم عند إطلاق هذه العبارة، وذلك بسبب الآيات والروايات الكثيرة، التي استخدمت هذا التعبير للدلالة عليهم، دون غيرهم.

فهذا أبو داود يقول للنقباء: «.. أفتظنونه ـ أي النبي (صلى الله عليه وآله) ـ خلفه ـ أي العلم ـ عند غير عترته، وأهل بيته، الأقرب، فالأقرب؟!. إلى أن قال: أفتشكون أنهم معدن العلم، وأصحاب ميراث رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟!..»(١).

وهذا أبو مسلم الخراساني القائم بالدولة العباسية، يكتب إلى الإمام الصادق (صلى الله عليه وآله) وسلم، ويقول: «إني دعوت الناس إلى موالاة أهل البيت، فإن رغبت فيه، فأنا أبايعك؟».

فأجابه الإمام (صلى الله عليه وآله) وسلم: «.. ما أنت من رجالي، ولا الزمان زماني»، ثم جاء أبو مسلم، وبايع السفاح، وقلده الخلافة(٢).

وقال السيد أمير علي بعد أن ذكر ادعاء العباسيين للوصاية من أبي هاشم: «.. وقد لاقت هذه القصة بعض القبول في بعض المناطق الإسلامية. أما عند عامة المسلمين، الذين كانوا يتعلقون بأحفاد محمد،

(١) الطبري، طبع ليدن ج ٩ ص ١٩٦١.

(٢) الملل والنحل للشهرستاني، طبع مؤسسة الحلبي في القاهرة ج ١ ص ١٥٤، وطبع العنانية ص ٨٧، وينابيع المودة للحنفي ص ٣٨١، نقلاً عن: فصل الخطاب، لمحمد بارسا البخاري.

٤٢
فقد ظل دعاة العباسيين يؤكدون لهم أنهم يعملون لحساب: أهل البيت، وحتى ذلك الوقت كان العباسيون يظهرون الولاء التام لبني فاطمة، ويخلعون على حركتهم، وعلى سياساتهم مظهر الوصول إلى هدف ضمان العدالة، والحق لأحفاد محمد. وكان ممثلوا أهل البيت، ومحبوهم، ولا يخامرهم الشك في الغدر، الذي تبطنه هذه الاعترافات من العباسيين، فشملوا محمد بن علي، وجماعته بعطفهم وحمايتهم، الذين كانوا في حاجة إليهما»(١).

ويقول: «.. وكانت كلمة: «أهل البيت» هي السحر الذي يؤلف بين قلوب مختلف طبقات الشعب، ويجمعهم حول الراية السوداء»(٢).

المرحلة الثالثة:

ثم تأتي المرحلة الثالثة، ويتقلص ظل العلويين، وأهل البيت عن هذه الدعوة، أكثر فأكثر، كلما ازدادت قوتها، واتسع نفوذها، حيث رأينا أخيراً إنها اتسعت بحيث تستطيع أن تشمل العباسيين أيضاً مع العلويين. حيث أصبحت إلى: «الرضا من آل محمد»، وإن كانوا لا يزالون يذكرون فضل علي، وما لحق ولده من القتل والتشريد، كما يتضح بأدنى مراجعة لكتب التاريخ.

وهذه العبارة، وإن كانت لا تختلف كثيراً عن عبارة: «العترة، وأهل البيت»، ونحوها. «إلا أنها كانت في أذهان العامة أبعد من أن يراد بها العلويون على الخصوص. ولكن مع ذلك بقيت الجماهير

(١) و(٢) روح الإسلام ص ٣٠٦ و ٣٠٨. ولا بأس بمراجعة ما ورد في كتاب الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج ١ جزء ٢ ص ٥٣٢. والسيادة العربية والشيعة والإسرائيليات ص ٩٤. وإمبراطورية العرب ص ٤٠٦، وطبيعة الدعوة العباسية، وغير ذلك.

٤٣
تعتقد أن الخليفة سيكون علوياً، كما كان العلويون يعتقدون ذلك..»(١) على حد تعبير أحمد شلبي. وإذا صح هذا، وفرض ـ ولو بعيداً ـ أن شعار: الرضا من آل محمد لا يختلف عن شعار: العترة، وأهل البيت في أذهان عامة الناس، فلسنا نصر على جعل هذا مرحلة مستقلة، بل يكون داخلاً فيما سبقه، وتكون المراحل حينئذٍ ثلاثة، لا أربعة..

ملاحظات لا بد منها في المرحلة الثالثة:

وقبل الانتقال إلى الكلام على المرحلة الرابعة، والأخيرة، لا بد من ملاحظة أمور:

أ: إنهم في نفس الوقت الذي نراهم فيه يبعدون الدعوة عن أهل البيت، كما يدلنا عليه قول محمد بن علي العباسي لبكير بن ماهان: «وحذر شيعتنا التحرك في شيء مما تتحرك فيه بنو عمنا آل أبي طالب، فإن خارجهم مقتول، وقايمهم مخذول، وليس لهم من الأمر نصيب «وسنأخذ بثأرهم..»(٢).

وكما يدلنا عليه ما رواه الطبري من أن محمد بن علي نهى دعاته عن رجل اسمه: غالب، لأنه كان مفرطاً في حب بني فاطمة(٣).

نراهم من جهة ثانية: وحتى لا يصطدموا بالعلويين وجهاً لوجه. كانوا في جميع مراحل دعوتهم يتكتمون جداً باسم الخليفة، الذي يدعون الناس إليه، وإلى بيعته، بل إن الشخص الذي كانوا يدعون

(١) التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية لأحمد شلبي ج ٣ ص ٢٠.

(٢) طبيعة الدعوة العباسية ١٥٢، نقلاً عن: مخطوطة العباسي ص ٩٣ أ، ٩٣ ب.

(٣) راجع: تاريخ الجنس العربي ج ٨ ص ٤١١.

٤٤
الناس إليه، وإلى بيعته.. بل وكان الناس يبايعونه ما كانوا يعرفونه، بل يعرفه الدعاة فقط، وعلى الناس أن يبايعوا إلى «الرضا من آل محمد» ولا بأس بمراجعة نص البيعة في تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الأول، الجزء الأول ص ١٢٥.

ولعل هدفهم من ذلك كان أيضاً: هو أن لا يربطوا الدعوة بفرد معين، حتى لا تضعف إذا ما مات، أو اغتيل..

وعلى كل فقد نص ابن الأثير في الكامل ج ٤ ص ٣١٠، حوادث سنة ١٣٠ على أن أبا مسلم كان يأخذ البيعة إلى «الرضا من آل محمد». ومثل ذلك كثير في كلمات المؤرخين، وإليك بعض النصوص التاريخية، التي تدل على ذلك:

ففي الكامل، ج ٤ ص ٣٢٣ نص على أن محمد بن علي بعث داعياً إلى خراسان يدعو إلى «الرضا من آل محمد» ولا يسمي أحداً، ولعل الذي أرسله هو أبو عكرمة الآتي ذكره.

وقد قال محمد بن علي العباسي لأبي عكرمة: فلتكن دعوتك إلى: «الرضا من آل محمد»، فإذا وثقت بالرجل، في عقله، وبصيرته، فاشرح له أمركم.

وليكن اسمي مستوراً من كل أحد، إلا عن رجل عدلك في نفسك، وتوثقت منه، وأخذت بيعته».

ثم أمره بالتحاشي عن الفاطميين(١).

ويقول أحمد شلبي: «.. كانوا [أي العباسيون] يوهمون العلويين بأنهم يعملون لهم. ولكنهم في الواقع كانوا يعملون لأنفسهم»(٢).

(١) طبيعة الدعوة العباسية ص ١٥٥، نقلاً عن: CID. OP ص ٩٥ أ / ٩٥ ب.

(٢) التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ج ٣ ص ٢٠.

٤٥
ويقول أحمد أمين: «.. ومع هذا فكان من إحكام أمرهم أنهم لم يكونوا يصرحون عند دعوتهم في كثير من المواقف باسم الإمام، ليتجنبوا انشقاق الهاشميين بعضهم على بعض»(١).

ولو كان الخليفة معينا ومعروفاً عند الناس، لما استطاع أبو مسلم، وأبو سلمة، وسليمان الخزاعي، أن يكاتبوا الإمام الصادق (عليه السلام)، وغيره من العلويين، أنهم يبايعونهم، ويجعلون الدعوة لهم. وباسمهم.

وقد تقدمت رسالة أبي مسلم للإمام الصادق (عليه السلام)، التي يصرح فيها بأنه، إنما دعا الناس إلى موالاة أهل البيت فقط، أي من دون تصريح باسم أحد.

وقد قال أحدهم: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام)، فأتاه كتاب أبي مسلم، فقال: «ليس لكتابك جواب. أخرج عنا»(٢).

وقال السيد أمير علي عن أبي مسلم: «وقد ظل إلى هذا الوقت موالياً، بل مخلصاً، بل متحمسا لأبناء علي»(٣).

وقال صاحب قاموس الأعلام: «وعرض أبو مسلم الخراساني الخلافة ابتداءاً على الإمام الصادق، فلم يقبلها»(٤).

(١) ضحى الإسلام ج ٣ ص ٣٨٠، ٣٨١.

(٢) روضة الكافي ص ٢٧٤، والبحار ج ٤٧ ص ٢٩٧.

(٣) روح الإسلام ص ٣٠٦.

(٤) راجع المجلد الأول، الجزء الأول من كتاب: الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ص ٥٧، نقلاً عن: قاموس الأعلام ج ٣ ص ١٨٢١ طبع استانبول تأليف: ش. سامي.

ورغم أن أبا مسلم قد قضى على عدة ثورات قامت باسم العلويين، على ما في كتاب: طبيعة الدعوة العباسية ص ٢٥١، ٢٥٣، فإننا نعتقد أن رسائله هذه، ورسائله التي أرسلها إلى المنصور يظهر فيها الندم على أنه زوى الأمر عن أهله، ووضعه في غير

=>

٤٦
وأما أبو سلمة: فإنه عندما خاف من انتقاض الأمر عليه، بسبب موت إبراهيم الإمام، أرسل ـ والسفاح في بيته ـ إلى الإمام الصادق (عليه السلام) يطلب منه القدوم عليه ليبايعه، وتكون الدعوة باسمه، كما أنه كتب بمثل ذلك إلى عبد الله بن الحسن. لكن الإمام (عليه السلام)، الذي كان في منتهى اليقظة والحزم. رفض الطلب، وأحرق الكتاب، وطرد الرسول(١).

وقد نظم أبو هريرة الآبار، صاحب الإمام الصادق (عليه السلام) هذه الحادثة شعراً، فقال:


ولما دعا الداعون مولاي لم يكنليثني إليه عزمه بصــواب
ولما دعوه بالكتاب أجابهـــمبحرق الكتاب دون رد جواب

<=

محله. هي السر، والسبب الحقيقي الكامن وراء قتله، مع أنه مؤسس الدولة العباسية [ومن سل سيف البغي قتل به]، ومشيد أركانها. وقد استظهر ذلك أيضاً المستشرق العلامة [بلوشيه] على ما في كتاب طبيعة الدعوة العباسية ص ٢٥١، وأشار إليه أيضاً السيد أمير علي في كتابه: روح الإسلام ص ٣١١.

(١) مروج الذهب ج ٣ ص ٢٥٣، ٢٥٤، وينابيع المودة ص ٣٨١، وتاريخ اليعقوبي ج ٣ ص ٨٦، والوزراء والكتاب ص ٨٦، وهامش ص ٤٢١ من إمبراطورية العرب، والفخري في الآداب السلطانية ص ١٥٤، ١٥٥ وروح الإسلام ص ٣٠٨، وعمدة الطالب، طبع بيروت ص ٨٢، ٨٣، والكامل لابن الأثير.

ونقله في المناقب لابن شهرآشوب ج ٤ ص ٢٢٩، والبحار ج ٤٧، ص ١٣٢ عن ابن كادش العكبري في: مقاتل العصابة. لكنهما [أعني المناقب والبحار] ذكرا أن الذي كتب للإمام هو أبو مسلم.. وفي المناقب ج ٤ آخر ص ٢٢٩، والبحار ج ٤٧ ص ١٣٣ نقلاً عن رامش الأفزاري أن الذي كتب إلى الإمام هو أبو مسلم الخلال!!.

وواضح أن هذا هو السبب الحقيقي لقتل أبي سلمة، وقد صرح بذلك جمع من المؤرخين والباحثين.

٤٧
الحياة السياسية للإمام الرضا (ع) للسيد جعفر مرتضى العاملي (ص ٤٨ - ص ٦٣)
٤٨
خراسان..»(١).

ب: يلاحظ أن العباسيين قد موهوا على الناس، واستطاعوا أن يخدعوهم. حيث خيلوا لهم في بادئ الأمر أن الثورة كانت للعلويين. ثم بدءوا يعدون العدة لما سوف يقولون للناس عند اكتشافهم لحقيقة الأمر، فصنعوا سلسلة الوصاية المعروفة عنهم من علي بن أبي طالب، إلى محمد ابن الحنفية، وإلى أبي هاشم، فإلى علي بن عبد الله بن العباس.

وهكذا.. وهي في الحقيقة نفس عقيدة الكيسانية، كما سنشير إليها في بعض الهوامش الآتية. وقد جازت حيلتهم هذه على الناس، الذين كانوا يظنون أنهم يعملون للعلويين(٢)، حتى لقد خفي أمرهم عن عبد الله بن معاوية حسبما قدمنا، بل لقد كان من جملة المخدوعين، الذين اكتشفوا الحقيقة بعد فوات الأوان، سليمان الخزاعي، الذي تقدم أنه ـ باعترافه ـ كان يرجو هذا الأمر للعلويين، وأبو مسلم الخراساني الذي صارح المنصور بأن السفاح كان قد خدعه. وأنه خدع أيضاً من قبل إبراهيم الإمام، حيث ادعيا الوصاية والإمامة، وحرفا الآيات الواردة في أهل البيت لتنطبق عليهم، مما كان من نتيجته أن زوى الأمر عن أهله، ووضعه

(١) طبيعة الدعوة العباسية ص ٢٠٩. ولقد اشتبه الأمر على الدكتور فاروق عمر، فإن ابن الكرماني كان من عمال الأمويين، ولم يكن من الشيعة في أي وقت من الأوقات، وإنما استماله أبو مسلم توطئة للغدر به.. ولم يكن أبو مسلم ولا غيره من الدعاة والنقباء ليصرحوا لعدوهم بمثل هذا الأمر الذي يخفونه عن أخص الناس بهم، بل حتى عمن هم مثل المنصور.

(٢) إمبراطورية العرب ص ٢٠٦، وغير ذلك كثير.

٤٩
في غير محله(١).

أما انخداع ابن الكرماني فهو من الأمور الواضحة والمعروفة. بل لقد رأينا البعض يذكر أن أبا سلمة الخلال كان أيضاً من جملة المخدوعين، حيث كان يتوهم: أن الخليفة سيكون علوياً لا عباسياً(٢).

ج: ومما تجدر الإشارة إليه هنا، هو ما تقدم: من رفض الإمام القاطع لعرض كل من أبي سلمة، وأبي مسلم في جعل الدعوة له، وباسمه.

وما ذلك إلا لعلمه (عليه السلام): بأن هؤلاء ليس لهم من هدف، إلا الوصول إلى مأربهم من الحكم والسلطان، ثم يتخلصون من كل من لا يعودون بحاجة إليه، إذا اعتبروه عقبة في طريقهم. كما كان الحال في قتلهم أبا مسلم، وسليمان بن كثير، وأبا سلمة. وغيرهم. شاهدنا على ذلك جواب الإمام (عليه السلام) لأبي مسلم: «ما أنت من رجالي، ولا الزمان زماني». وكذلك المحاورة التي جرت بينه (عليه السلام)، وبين عبد الله بن الحسن، عندما جاءه كتاب من أبي سلمة مثل كتابه.

وأيضاً قوله (عليه السلام): ما لي ولأبي سلمة، وهو شيعة لغيري. بل ومما يدل على ذلك دلالة قاطعة. ما قدمناه من اعتذار أبي سلمة للسفاح، عن مراسلته للصادق، وغيره من العلويين، بأنه: «كان يدبر استقامة الأمر» بل يذكر الطبري ج ٦ ص ١٠٢ وابن الأثير ج ٥

(١) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة المجلد الأول، جزء ٢ ص ٥٣٣، وسنشير إلى مصادر أخرى لذلك فيما يأتي إن شاء الله.

(٢) التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ج ٣ ص ٢٥٤، وفي كتاب: السيادة العربية لفان فلوتن ص ٩٧: أن النقباء أمروا بعض الدعاة بستر اسم المدعو له، وأخفوا اسم المدعو له عن البعض الآخر..

٥٠
ص ٤٣٧: أنه عندما جمع السفاح خاصته ليستشيرهم بقتل أبي سلمة وأخبرهم بمكاتبته للعلويين. نجد أن بعض خاصته انبرى ليقول: ما يدريكم لعل ما صنع أبو سلمة كان من رأي أبي مسلم(١). وعليه فلا يصح قول صاحب العيون والحدائق ص ١٨١: «ولم يكن هوى أبي سلمة معهم، وإنما كان هواه مع الصادق جعفر الخ» فإن لجوءه إلى الصادق إنما كان لأجل استقامة الأمر. بل إن بعض المحققين لا يستبعد أن يكون من جملة أهدافهم من رسائلهم تلك، إلى الصادق، و عبد الله ابن الحسن، وغيرهما من العلويين. هو معرفة إن كان هؤلاء يطمحون إلى الحكم، ويرغبون فيه أولاً. وذلك ليستعد العباسيون ـ من ثم ـ لمواجهة دعوتهم، ورصد كل حركاتهم، وسكناتهم، ومن ثم شل حركتهم، والقضاء عليهم. وهذا أسلوب استعمله المنصور من بعد، لكن الإمام الصادق (عليه السلام) تنبه للمكيدة، وعمل على إحباطها..

د: وتصريح أبي سلمة هذا وموقف الإمام منه، وقوله: إنه شيعة لغيره يلقي لنا ضوءاً على الروايات التي تتهمه، وتتهم أبا مسلم بميول علوية. وأن أبا مسلم أراد أن يعلن خلافة علوية، بمجرد وصوله إلى خراسان، كما عن الذهبي، وشارح شافية أبي فراس، وتاريخ الخميس. فإن ذلك لا شاهد له إلا رسائلهما التي أشرنا إليها. مع أنها لم يكن الهدف منها إلا استقامة الأمر للعباسيين. خصوصاً إذا لاحظنا أن أبا مسلم قد قضى على عدة ثورات للعلويين، وباسمهم ـ كما أشرنا إليه ـ

(١) وأما كتابه للصادق فهو لا يدل على إخلاصه له، بل هو فقط ـ كان يدبر استقامة الأمر، وقتله من قبل العباسيين بهذا الجرم ليس إلا تغاضيا عن حقيقة الأمر بهدف الوصول إلى أهدافهم في التخلص بطريقة مشروعة.

٥١
وأنه كان يلاحقهم تحت كل حجر ومدر، وفي كل سهل وجبل، على حد تعبير الخوارزمي(١).

المرحلة الرابعة:

ثم تأتي المرحلة الرابعة والأخيرة، وهي: ادعاؤهم الخلافة بالإرث، كما أشرنا إليه. ولكنهم استمروا يربطون الثورة بأهل البيت (عليهم السلام) من ناحيتين:

الأولى: ادعاؤهم الخلافة بالإرث عن طريق علي بن أبي طالب، ومحمد بن الحنفية، كما سيأتي بيانه.

الثانية: ادعاؤهم أنهم إنما خرجوا للأخذ بثارات العلويين. فأما ادعاؤهم استحقاقهم الخلافة بالإرث، عن طريق علي بن أبي طالب (عليه السلام)، واحتجاجهم بقرباهم النسبية من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإننا نلمحها في كثير من مواقفهم، حيث كانوا يستطيلون على الناس بهذه القربى، ويحتجون بها في مختلف المناسبات(٢).

(١) ولكننا لا نجد فيما بأيدينا من الشواهد التاريخية، ما يؤيد دعوى الخوارزمي هذه عدا ما ذكروه من أنه: قتل عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، وعبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين.

(٢) حيث قد ظلوا بحاجة لأن يصلوا حقهم الذي كانوا يدعونه. بحق علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ووصايتهم بالوصاية التي له، والتي لا يجهلها أحد، وليصححوا بهذه الوسيلة خلافتهم، ويتقبلها الناس. فكانت السلسلة التي سيأتي بيانها هي معتمدهم، مضيفين إليها تبرأهم من أبي بكر وعمر وعثمان.

وفي الحقيقة أن تلك هي عقيدة الكيسانية انتحلوها لأنفسهم بوحي من مصالحهم الخاصة. حتى إذا ما وصلوا إلى الحكم نراهم قد قطعوا حبل صلتهم بعلي، وولده، وجعلوا

=>

٥٢
فقد قال داوود بن علي، أول خطيب لهم على منبر الكوفة، في أول كلام له أمام السفاح: «.. وإنما أخرجنا الآنفة من ابتزازهم حقنا، والغضب لبني عمنا..»(١).

ونرى السفاح في خطبته الأولى أيضاً في مسجد الكوفة، بعد أن ذكر عظمة الرب تبارك وتعالى، وفضل النبي (صلى الله عليه وآله) «قد قاد الولاية والوراثة، حتى انتهيا إليه، ووعد الناس خيراً..»(٢).

ويقال: إن من جملة ما قاله السفاح في خطبته الأولى: «.. فأعلمهم جل ثناؤه فضلنا، وأوجب عليهم حقنا ومودتنا، وأجزل من الفيء، والغنيمة نصيبنا، تكرمة لنا وفضلاً علينا.

وزعمت السبائية الضلال: أن غيرنا أحق بالرياسة والسياسة. إلى أن قال: ورد علينا حقنا..»(٣).

<=

الخلافة حقاً للعباس وولده.. ثم تخلوا عن ذلك كله فيما بعد، ورجعوا إلى العقيدة التي أسسها معاوية، ولكنهم اختلفوا عنه بأنهم أدخلوا علياً، وجعلوه في المرتبة الرابعة، وكان ذلك بداية وجود أهل السنة بخصائصهم، ومميزاتهم المذهبية، ولهذا البحث مجال آخر، والله هو الموفق والمستعان.

(١) الطبري، طبع ليدن ج ١٠ ص ٣١، والبداية والنهاية ج ١٠ ص ٤١، وشرح النهج للمعتزلي ج ٧ ص ١٥٤، والكامل لابن الأثير ج ٤ ص ٣٢٥.

(٢) تاريخ ابن خلدون ج ٣ ص ١٢٩، ومروج الذهب ج ٣ ص ٢٥٦، والطبري ج ١٠ ص ٣٧، طبع ليدن.

(٣) الطبري ج ١٠ ص ٣٩، ٤٠، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٥٧، والبداية والنهاية ج ١٠ ص ٤١، والكامل لابن الأثير ج ٤ ص ٣٢٤، ٣٢٥.

لكن الظاهر أن لعن السبائية [وهم الشيعة الإمامية حسب مصطلحهم] مفتعل على لسان السفاح. لأن كلمة داوود بن علي المتقدمة تدل على إنكار العباسيين ـ في بدء أمرهم ـ خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وتمسكهم بخلافة علي (عليه السلام)، حيث يصلون حبل وصايتهم بها.. وإن كانوا قد رجعوا عن هذه العقيدة بعد ذلك حسبما أشرنا إليه إلى العقيدة التي كان قد روجها معاوية.. ولكن من المؤكد أنهم استمروا على عقيدتهم تلك، أعني إنكار خلافة الثلاثة، ووصلهم حبل وصايتهم بعلي (عليه السلام)، إلى زمن المنصور، الذي كان أول من أوقع الفتنة بين العباسيين والعلويين كما سيأتي..

٥٣
ويقول داوود بن علي في خطبته الأولى في مسجد الكوفة أيضاً: «.. وأحيا شرفنا وعزنا، ورد إلينا حقنا وإرثنا»(١).

(١) الطبري ج ١٠ ص ٣٢، طبع ليدن، والكامل لابن الأثير ج ٤ ص ٣٢٥.

أمر هام لا بد من التنبيه عليه

إننا إذا تتبعنا الأحداث التاريخية، نجد: أن كل مطالب بالخلافة كان يدعي أول ما يدعي الرحمية والقربى من رسول الله (صلى الله عليه وآله). وأول من بدأ ذلك أبو بكر في يوم السقيفة، وتبعه على ذلك عمر، حيث قررا أن ليس لأحد الحق في أن ينازعهم سلطان محمد، إذ أنهم أمس برسول الله رحماً [على ما في نهاية الإرب ج ٨ ص ١٦٨، وعيون أخبار ابن قتيبة ج ٢ ص ٢٣٣، والعقد الفريد ج ٤ ص ٢٥٨، طبع دار الكتاب العربي، والأدب في ظل التشيع ص ٢٤، نقلاً عن البيان والتبيين للجاحظ]، ولأنهم هم أولياؤه وعشيرته، على ما ذكره الطبري ج ٣ ص ٢٢٠، طبع دار المعارف بمصر، والإمامة والسياسة ص ١٤، ١٥ طبع الحلبي بمصر، وشرح النهج للمعتزلي ج ٦ ص ٧، ٨، ٩، ١١، والإمام الحسين للعلايلي ص ١٨٦، و ص ١٩٠، وغيرهم. أو لأنهم عترة النبي (صلى الله عليه وآله) وأصله والبيضة التي تفقأت عنه كما في العثمانية للجاحظ ص ٢٠٠. فأسقطا بذلك دعوى الأنصار عن الاعتبار.

كما أن أبا بكر قد استدل على الأنصار بالحديث الذي صرح باستفاضته جهابذة أهل السنة [على ما في ينابيع المودة للحنفي]، وهو قوله (صلى الله عليه وآله) مشيراً إلى خلفائه الاثني عشر: «يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة، كلهم من قريش». ـ استدل به ـ بعد أن تصرف فيه، بأن حذف صدره، واكتفى بذكر: أن الأئمة من قريش على ما في صواعق ابن حجر ص ٦، وغيره..

وأصبح كون الأئمة من قريش تقليداً متبعاً، بل ومن عقائد أهل السنة المعترف بها، وقد استدل ابن خلدون على ذلك بالإجماع.

ولكن قول عمر: لو كان سالم مولى حذيفة حيا لوليته، قد أوقع ابن خلدون. كما أوقع غيره من جهابذة أهل السنة في حيص بيص، لعدم كون سالم قرشيا، فضلاً عن أن يكون أمس رحما برسول الله من غيره، فراجع مقدمة ابن خلدون ص ١٩٤، وغيره من كتبهم.

أما ابن كثير فإنه قد استشكل بالأمر من ناحية أخرى، حيث قال ـ وهو يتحدث عن فتنة محمد بن الأشعث الكندي ـ: «.. والعجب كل العجب من هؤلاء الذين بايعوه بالإمارة،

=>

٥٤

<=

وليس هو من قريش، وإنما هو كندي من اليمن، وقد اجتمع الصحابة يوم السقيفة على أن الإمارة لا تكون إلا في قريش، واحتج عليهم الصديق بالحديث في ذلك، حتى أن الأنصار سألوا أن يكون منهم أمير مع أمير المهاجرين، فأبى الصديق عليهم ذلك.. ثم مع هذا كله ضرب سعد بن عبادة، الذي دعا إلى ذلك أولاً، ثم رجع عنه».. انتهى. راجع البداية والنهاية ج ٩ ص ٥٤.

فتراه يستشكل في عمل من بايعوا محمد بن الأشعث بإمرة المؤمنين، التي رآها مخالفة للإجماع المدعى يوم السقيفة. وتراه يعترف بمخالفة سعد ثم يدعي أنه رجع عن ذلك.. ولست أدري كيف رجع عنه، مع أنه من المتسالم عليه تاريخياً: أنه استمر على الخلاف معهم، حتى اغتيل بالشام ـ اغتالته السياسة، على حد تعبير طه حسين في كتابه: من تاريخ الأدب العربي ج ١ ص ١٤٦، وغيره.. وذلك أشهر من أن يحتاج إلى بيان.

وعلى كل حال.. فإن ما يهمنا هو الإشارة إلى أن كون الأئمة من قريش ليس فقط أصبح تقليداً متبعاً، بل هو قد أصبح من عقائد أهل السنة المعترف بها.

ولكن ما تأتي به السياسة، تذهب به السياسة، إذ بعد تسعماية سنة جاء السلطان سليم، وخلع الخليفة العباسي، وتسمى هو ب‍ «أمير المؤمنين» مع أنه لم يكن من قريش. وبهذا يكون قد ألغى هذا التقليد عملا من عقائد طائفة من المسلمين، وأبطله.

ومهما يكن من أمر فإن أول من ادعى استحقاق الخلافة بالقربى النسبية من رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان أبو بكر، ثم عمر، وجاء بعدهما بنو أمية، فعرفوا أنفسهم ذوي قربى النبي (صلى الله عليه وآله) حتى لقد حلف عشرة من قواد أهل الشام، وأصحاب النعم والرياسة فيها ـ حلفوا ـ للسفاح: على أنهم لم يكونوا يعرفون إلى أن قتل مروان، أقرباء للنبي (صلى الله عليه وآله)، ولا أهل بيت يرثونه غير بني أمية. فراجع النزاع والتخاصم للمقريزي ص ٢٨، وشرح النهج للمعتزلي ج ٧ / ١٥٩، ومروج الذهب ج ٣ ص ٣٣.

بل لقد ذكر المسعودي والمقريزي: أن إبراهيم بن المهاجر البجلي، الموالي للعباسيين قد نظم قضية هؤلاء الأمراء شعرا، فقال:


أيها الناس اسمعوا أخبركمعجباً زاد على كل العجـب
عجبا من عبد شمس إنهـمفتحوا للناس أبواب الكـذب
ورثوا أحمد فيما زعمــوادون عباس بن عبد المطلب
كذبوا والله ما نعلمــــهيحرز الميراث إلا من قرب

ويقول الكميت عن دعوى بني أمية هذه:


وقالوا: ورثناها أبانا وأمنــاولا ورثتهم ذاك أم ولا أب

=>

٥٥

<=

وفي العقد الفريد ج ٢ / ١٢٠ طبع دار الكتاب العربي: أن أروى بنت الحارث بن عبد المطلب قالت لمعاوية: «.. ونبينا (صلى الله عليه وآله) هو المنصور، فوليتم علينا من بعده، تحتجون بقرابتكم من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ونحن أقرب إليه منكم، وأولى بهذا الأمر الخ».

ثم جاء العباسيون، وادعوا نفس هذه الدعوى، كما هو واضح من النصوص التي ذكرناها، ونذكرها. بل لقد ادعى نفس هذه الدعوى أيضاً أكثر إن لم يكن كل من خرج مطالبا بالخلافة، سواء كان خروجه على الأمويين أو على العباسيين..

وهذا يعني أن العامل النسبي قد لعب دوراً هاماً في الخلافة الإسلامية، وكان الناس بسبب جهلهم. وعدم وعيهم لمضامين الإسلام يصدقون ويسلمون بأن القربى النسبية تكفي وحدها في أن تجعل لمدعيها الحق في منصب الخلافة. ولعل أكثر ما ورد في القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة من الوصايا بأهل البيت (عليهم السلام)، والأمر بمودتهم، ومحبتهم، والتمسك بهم جعل الناس يظنون أن سبب ذلك هو مجرد قرباهم النسبية منه (صلى الله عليه وآله). وكان أن استغل الطامحون فهم الناس الخاطئ هذا. بل لقد حاولوا ما أمكنهم تكريسه، وتثبيته.

إلا أن حقيقة الأمر هي غير ذلك، فإن منصب الخلافة في الإسلام، لا يدور مدار القربى النسبية منه. بل هو يدور مدار الأهلية والجدارة، والاستعداد الذاتي لقيادة الأمة قيادة صالحة، كما كان النبي (صلى الله عليه وآله) يقودها، يدلك على ذلك أننا لو رجعنا إلى النصوص القرآنية. وإلى ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) بشأن الخليفة بعده، فلعلنا لا نعثر على نص واحد منها يفهم منه أن استحقاق الخلافة يدور مدار القربى النسبية منه (صلى الله عليه وآله)، وحسب.

وكل ما ورد في القرآن، وعنه (صلى الله عليه وآله) من الأمر بموالاة أهل بيته، وحبهم، والتمسك بهم، ومن تعيينه خلفاءه منهم، فليس لأجل قرباهم النسبية منه (صلى الله عليه وآله)، بل لأن الأهلية، والجدارة الحقيقية لهذا المنصب قد انحصرت في الخارج فيهم. فهو على حد تعبير الأصوليين: من باب الإشارة إلى الموضوع الخارجي. وليس تصريحه (صلى الله عليه وآله) بالقربى لأجل بيان الميزان والمقياس والملاك في استحقاقهم الخلافة.

وواضح أنه كان لا بد من الالتجاء إلى الله ورسوله لتعيين الشخص الذي له الجدارة والأهلية لقيادة الأمة، لأن الناس قاصرون عن إدراك حقائق الأمور، ونفسيات، وغرائز، وملكات بعضهم البعض.. إدراكا دقيقا وحقيقيا، وعن إدراك عدم طرو تغير أو تبدل عليه في المستقبل. ولقد عينه (صلى الله عليه وآله) بالفعل، ودل عليه بمختلف الدلالات،

=>

٥٦

<=

بالقول، تصريحاً، وتلويحاً، وكناية، ونصاً، ووصفاً، وغير ذلك، وبالفعل أيضاً، حيث أمره على المدينة، وعلى كل غزوة لا يكون هو (صلى الله عليه وآله) فيها، ولم يؤمر عليه أحداً، وغير ذلك..

هذا هو رأي الشيعة، وهذا هو رأي أئمتهم في هذا الأمر، وكلماتهم طافحة ومشحونة بما يدل على ذلك. ولا يبقى معه مجال لأي لبس أو توهم، فراجع كلام الإمام علي في شرح النهج للمعتزلي ج ٦ ص ١٢، وغيره مما قد يتعسر استقصاؤه..

ومما ذكرنا نستطيع أن نعرف أن ما ورد عن الإمام علي (عليه السلام)، أو عن غيره من الأئمة الطاهرين، من قولهم: أنهم هم الذين عندهم ميراث رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإنما يقصدون به الميراث الخاص، الذي يختص الله به من يشاء من عباده، أعني: ميراث العلم، على حد قوله تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا..) وقد اعترف أبو بكر نفسه لفاطمة الزهراء بأن الأنبياء يورثون العلم لأشخاص معينين من بعدهم، وعلى كل فلقد أنكر علي (عليه السلام) مبدأ استحقاق الخلافة بالقرابة والصحابة أشد الإنكار، فقد جاء في نهج البلاغة قوله (عليه السلام): «واعجباً!! أتكون الخلافة بالصحابة والقرابة؟!!». هكذا في نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ولكن الظاهر هو أنها محرفة، وأن الصحيح هو ما في نسخة ابن أبي الحديد، وهي هكذا «واعجباً!! أن تكون الخلافة بالصحابة، ولا تكون بالصحابة والقرابة!!».

وأما ما يظهر منه أنهم يستدلون لاستحقاقهم الخلافة بالقربى من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإنما اقتضاه الحجاج مع الخصوم، فهو من باب: «الزموهم بما الزموا به أنفسهم». ويدل على هذا المعنى ويوضحه ما قاله الإمام علي (عليه السلام) لأبي بكر، عندما جيئ به ليبايع، فكان مما قاله: «.. واحتججتم عليهم [أي على الأنصار] بالقرابة من النبي (صلى الله عليه وآله).. وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، نحن أولى الخ».. راجع: الإمامة والسياسة ج ١ ص ١٨.

ويشير أيضاً (عليه السلام) ـ إلى هذا المعنى في بعض خطبه الموجودة في نهج البلاغة فمن أراد فليراجعه.. كما ويشير إليه أيضاً ما نسب إليه (عليه السلام) من الشعر [على ما في نهج البلاغة] وهو قوله:


فإن كنت بالشورى ملكت أمورهــمفكيف بهذا والمشيرون غيب
وإن كنت بالقربى حججت خصيمهمفغيرك أولى بالنبي وأقـرب

ولكن أحمد أمين المصري في كتابه: ضحى الإسلام ج ٣ ص ٢٦١، و ص ٣٠٠، و ص ٢٢٢، و ص ٢٣٥، وكذلك سعد محمد حسن في كتابه: المهدية في الإسلام ص ٥.

=>

٥٧

<=

والخضري في محاضراته ج ١ ص ١٦٦: إن هؤلاء ينسبون إلى الشيعة القول: بأن منصب الخلافة يدور مدار القربى النسبية منه (صلى الله عليه وآله) وحسب، رغم اعتراف أحمد أمين في نفس الكتاب، وبالتحديد في ص ٢٠٨، ٢١٢: بأن الشيعة يحتجون بالنص في خصوص الخليفة بعد الرسول. بل والخضري يعترف بذلك أيضاً حيث قال: «أما الانتخاب عند أهل التنصيص على البيت العلوي، فإنه كان منظورا فيه إلى الوراثة الخ».

وهي نسبة غريبة حقاً ـ بعد هذا الاعتراف الصريح منهم، ومن غيرهم ـ فإن عقيدة الشيعة ـ تبعاً لأئمتهم هي ما ذكرنا، أي ليس منصب الخلافة دائراً مدار القربى النسبية منه (صلى الله عليه وآله)، وأدلة الشيعة تنطق وتصرح بأن القربى النسبية وحدها لا توجب بأي حال من الأحوال استحقاق الخلافة، وإنما لا بد من النص المعين لذلك الشخص الذي يمتلك الجدارة والأهلية والاستعداد الذاتي لها.

إنهم يستدلون على خلافة علي (عليه السلام) بالنصوص القرآنية، والنبوية المتواترة عند جميع الفرق الإسلامية، ولا يستدلون بالقربى إلا من باب: ألزموهم.. أو من باب تكثير الأدلة، أو في مقابل استدلال أبي بكر وعمر بها، وإذا ما شذ واحد منهم، واستدل بذلك، معتقداً بخلاف ما قلناه عن قصور نظر، وقلة معرفة، أو لفهمه ـ خطأ ـ ما ورد عنهم (عليهم السلام). من أن عندهم ميراث رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلا يجب، بل لا يجوز أن يحسب على الشيعة، ومن ثم القول بأن ذلك هو قولهم، وأن تلك هي عقيدتهم.

ولعل أحمد أمين لم يراجع أدلة الشيعة!!

أو أنه راجعها، واشتبه عليه الأمر!!

أو أنه. لا هذا. ولا ذاك.. وإنما أراد التشنيع عليهم، فنسب إليهم ما ليس من مذهبهم!

ويدلنا على صحة هذا الاحتمال الأخير، اعترافه المشار إليه، بأن الشيعة يستدلون على إمامة علي (عليه السلام) بالنص، لا بالقربى!!..

وخلاصة القول هنا: إن القربى النسبية ليست هي الملاك في استحقاق الخلافة. ولم تكن دعوى أنها كذلك، لا من الأئمة، ولا من شيعتهم. وإنما كانت من قبل أبي بكر، وعمر، ثم الأمويين، فالعباسيين.

وإذا كان أهل السنة ـ تبعاً لأئمتهم ـ قد جعلوا كون الإمامة في قريش من عقائدهم. وإذا كان غير أهل البيت هم الذين ادعوا هذه الدعوى، وهللوا وكبروا لها. فمن الحق لنا إذن أن نقول:

=>

٥٨
وعندما ذهب داوود بن علي إلى مكة، والياً عليها، من قبل أخيه السفاح، وأراد أن يخطب في مكة خطبته الأولى، طلب منه سديف بن ميمون أن يأذن له في الكلام، فأذن له، فوقف، وقال من جملة ما قال:

«.. أتزعم الضلال: أن غير آل الرسول أولى بتراثه؟! ولم؟! وبم؟! معاشر الناس؟! ألهم الفضل بالصحابة، دون ذوي القرابة؟ الشركاء في النسب، والورثة للسلب»(١).

ويقول داوود بن علي في نفس المناسبة، أعني في أول خطبة له: «لم يقم فيكم إمام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إلا علي بن أبي طالب، وهذا القائم فيكم..» وأشار إلى السفاح(٢).

<=

«رمتني بدائها وانسلت».

وأخيراً.. فلقد كان من أبسط نتائج هذه العقيدة لدى أهل السنة، وقبولهم أن القربى النسبية تجعل لمدعيها الحق في الخلافة.. أن سنحت الفرصة لأن يصل أشخاص إلى الحكم من أبرز مميزاتهم، وخصائصهم جهلهم بتعاليم الدين، وانسياقهم وراء شهواتهم، أينما كانت، وحيثما وجدت، جاعلين الحكم والسلطان، وسيلة إليها، مسدلين على حماقاتهم هنا، وتفاهاتهم هناك ستاراً من القربى النسبية منه (صلى الله عليه وآله). وهو من هؤلاء وأمثالهم بريء.

ولما لم يعد ذلك الستار يقوى على المنع من استكناه واقعهم، وحقيقة نواياهم وتصرفاتهم، كان لا بد لهم من الالتجاء إلى أساليب أخرى، تبرر لهم واقعهم، وتحمي تصرفاتهم، وتؤمن لهم الاستمرار في الحكم، ولعل بيعة المأمون للإمام الرضا (عليه السلام) بولاية العهد هي من تلك الأساليب، كما سيتضح إن شاء الله تعالى..

(١) تاريخ اليعقوبي ج ٣ ص ٨٩، والعقد الفريد، طبع دار الكتاب ج ٤ ص ٤٨٥ (٢) مروج الذهب ج ٣ ص ٢٣٧ و ٢٥٦، والطبري ج ١٠ ص ٣٣ و ٣٧، وعيون الأخبار لابن قتيبة ج ٢ ص ٢٥٢، وتاريخ اليعقوبي ج ٣ ص ٨٧، ٨٨، والكامل لابن الأثير ج ٤ ص ٣٢٦، وتاريخ ابن خلدون ج ٣ ص ١٢٩ و ١٧٣، وإمبراطورية العرب ص ٤٢٢، والبداية والنهاية ج ١٠ ص ٤٢، وشرح النهج للمعتزلي ج ٧ ص ١٥٥، وفيه: «إنه لم يخطب على منبركم هذا خليفة حق إلخ».. وبرواية أخرى فيه: «أقسم بالله قسماً براً، ما قام هذا المقام أحد بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أحق به من علي بن أبي طالب، وأمير المؤمنين هذا»..

٥٩
وقال المنصور في خطبة له: «وأكرمنا من خلافته، وميراثنا من نبيه..»(١).

ولكنهم بعد المنصور ـ بل وحتى من زمن المنصور نفسه كما سيتضح ـ قد غيروا سلسلة الإرث هذه، وجعلوها عن طريق العباس، وولده عبد الله، ولكنهم أجازوا بيعة علي، لأن العباس نفسه كان قد أجازها.

كما سيأتي بيانه.. فكانت استدلالات الخلفاء ابتداء من المنصور ناظرة إلى الإرث عن هذا الطريق..

فنرى المنصور يبين في رسالة منه لمحمد بن عبد الله بن الحسن: أن الخلافة قد ورثها العباس في جملة ما ورثه من النبي (صلى الله عليه وآله)، وأنها في ولده(٢).

وكان الرشيد يقول: «ورثنا رسول الله، وبقيت فينا خلافة الله»(٣). وقال الأمين عندما بويع له، بعد موت أبيه الرشيد: «.. وأفضت خلافة الله، وميراث نبيه إلى أمير المؤمنين الرشيد..»(٤).

ومدح البعض المأمون، وعرض بأخيه الذي غدر به، فقال في جملة أبيات له:


إن تغدروا جهلاً بوارث أحمدووصي كل مسدد وموفق(٥)

(١) مروج الذهب ج ٣ ص ٣٠١، والطبري ج ١٠ ص ٤٣٢.

(٢) الطبري ج ١٠ ص ٢١٥، والعقد الفريد طبع دار الكتاب ج ٥ ص ٨١، إلى ٨٥، وصبح الأعشى ج ١ ص ٣٣٣، فما بعد، والكامل للمبرد، وطبيعة الدعوة العباسية..

(٣) البداية والنهاية ج ١٠ ص ٢١٧.

(٤) تاريخ اليعقوبي ج ٣ ص ١٦٣.

(٥) مروج الذهب ج ٣ ص ٣٩٩.

٦٠